مؤسسة دار الحكمة


بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ المتتبع لمسيرة شهيد المحراب (قدّس سرّه) يلمس - بوضوح - انغماسه في هموم الأمة، وأنّه يعيش كل تفاصيلها وجزئياتها وخصوصياتها، وهذا ما جعل له حضور دائم ومتميز في الساحة الإسلامية، سواء كانت الثقافية منها أم العلمية أم الاجتماعية.

لقد مرت الأمة الإسلامية بأرضها وشعوبها بانعطافة حادة بعد الحرب العالمية الأولى، وتعاظمت حدّتها بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، ووقعت تلك الشعوب بعلمائها ومفكّريها ومثقفيها تحت تأثيرات الحرب الباردة وتجاذباتها بين القطبين، وكان العراق واحدا من الأقطار التي خيّمت في سمائه سحب الحربين وتداعياتها، وأضحى في وضع لا يحسد عليه، وقد ازدادت محنته، خصوصا في عصر الانقلابات العسكرية، وتفشي ثقافة الحكم الديكتاتوري عند قيادات الأحزاب المستوردة أفكارها وثقافتها وأساليبها من الشرق أو الغرب، والتي ترجمها بقوة على أرض الواقع دكتاتور العصر صدام المجرم، حيث أجهز على تدمير كل البنى التحتية للثقافة.

وكان لمؤسسة الحوزة العلمية الحظ الأوفر من هذا التدمير والقمع، فلاحق علماءها، وقتل مراجعها، وشرّد طلابها، وبالتالي حاول محوها من الوجود، والتخلص من قوة تأثيرها، لكن الله سبحانه وتعالى قوّض رجالا حملوا روح التحدي والوفاء لرسالة السماء، فعملوا على إعادة ما دمرّه صدام وزبانيته. وكان من أولئك النفر الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم، حيث قام بتأسيس مؤسسة دار الحكمة في إيران، وعهد إليها بعدد من المسؤوليات:

1 ـ بناء كادر حوزوي منفتح وقادر على مواجهة التحديات بإيمان عميق وعلم رصين، فكان أحد أقسام المؤسسة مدرسة علمية حوزوية بما للكلمة من معنى اسمها (دار الحكمة) تيمناً بمدرسة دار الحكمة التي أنشأها الإمام السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه)، حيث إنها كانت لا تقبل طلبتها إلاّ ضمن مواصفات علمية محددة منها:

أ ـ نجاح الطالب المتقدم للقبول في الاختبار المعلوماتي العلمي من قبل لجنة علمية.

ب ـ تمتع الطالب المتقدم للقبول بسمعة طيبة وحسنة.

ج ـ اقتناع اللجنة المشرفة على المدرسة بجدية الطالب المتقدم في طلب العلم وتبليغه.

2 ـ تحفل المكتبة الإسلامية وبالأخص الشيعية منها بتراث علمي ضخم جدا، فمنذ عصر الغيبة وإلى الآن دونت أقلام المفكرين وأيادي العلماء البيضاء المئات من المصنفات في شتى المجالات، غير أنّ بعضها - على أهميته البالغة وحاجة الأمة إليه -لم يُكتب له الانتشار بين مثقفي الأمة لأسباب عديدة، فكان أحد أقسام مؤسسة دار الحكمة (مركزاً للنشر)، مهمته انتقاء العناوين المهمة التي تتألف منها مكتبة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وإعادة طبعها ونشرها بين صفوف الشريحة المثقفة بعد تحقيقها تحقيقا علمياً.

3 ـ إنّ النظريات والرؤى العلمية متى ما نوقشت ومحصّت علميا تحركت عجلة التطور الفكري، ومن أهم وسائل تحريكها هو كتابة البحوث والدراسات التي تناقش كل أطروحة وكل نظرية؛ ولذا جعل الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) أحد أقسام مؤسسة دار الحكمة مركزا متخصصا بالبحوث والدراسات في شتى المعارف الإسلامية، وهو - إنشاء المركز- خطوة بالاتجاه الصحيح تكشف عن سعة أفق شهيدنا الغالي.

4 ـ من أجل نجاح العملية المعرفية، ومن أجل انسيابية البحث العلمي لابد من توفر كل آليات العمل، ومنها: وجود مكتبة تكون مرجعا للباحث والدارس والكاتب، وقد أسس الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) (مكتبة علمية تخصصية) وألحقها بمؤسسة دار الحكمة.

5 ـ إنّ الداعية الناجح لابد وأن يمتاز بانفتاح فكري وعقلي وقدرة على الاستفادة من كل وسيلة مشروعة؛ من أجل إيصال دعوته إلى أكبر عدد من الناس، وهو - في الوقت ذاته - حق طبيعي لكل صاحب مشروع تغييري تكاملي.

ولما كان شهيد المحراب صاحب نهضة تغييرية مستمدة من واقع الدين الإسلامي الحنيف أدرك أنّ الاستفادة من أدوات العصر والتي منها (الإنترنت) أمر مهم وضروري؛ لأنه سيقصِّر المسافات، ويقلل الخطوات؛ ذلك لأنّ الإنترنت جعل الكرة الأرضية المترامية الأطراف والحدود وكأنها قرية صغيرة يلتقي بها كل شعوب العالم، فهو (قدّس سرّه) قد شخّص أهمية الإنترنت ودوره في إيصال الحق - المتمثّل بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) - إلى أكبر عدد ممكن من الناس، خصوصا وأنّ المجتمع الإنساني أصبح الآن بحاجة ماسة أكثر من أي وقت آخر إلى ثقافة أهل البيت (عليهم السلام) وأخلاقهم وفكرهم النابع من واقع النبوة ومن وحي الرسالة الإسلامية.

ولذا قام السيد الشهيد (قدّس سرّه) بتأسيس مركز خاص بالإنترنيت ألحقه بمؤسسة دار الحكمة، وانتدب له رجالا من خيرة طلبة العلوم الدينية كي يؤدوا مهام المركز التبليغية، والتي تتلخص بما يلي:

1 ـ كتابة مواضيع تحمل روح الإسلام الأصيل وتعاليمه القيمة وإنزالها في ساحات الحوار - المنتديات -.

2 ـ إحياء المناسبات الإسلامية المهمة، كيوم الغدير، وشهادة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) من خلال التركيز على صاحب المناسبة، وذلك عن طريق كتابة المقالات، أو ربما بحوث لكن بأسلوب عصري حديث يسلط فيه الكاتب أو الباحث الضوء على صاحب المناسبة.

3 ـ التصدي للرد على كل مقالة يحاول صاحبها الانتقاص من رموز الإسلام، أو من قيم الإسلام الحنيف، أو يحاول القيام بعملية خلط الأوراق.

لقد كان المركز حصنا مهما من حصون الفكر الإسلامي، وثغرا من ثغور المسلمين، فقد دخل في مواجهات فكرية، سواء كان مع العلمانيين، أم مع المتبرقعين بالإسلام، أم مع المشككين.

إنّ هكذا مشاريع ضخمة وجبارة حريٌ بنا أن نفخر ونعتز بها، فهي تكشف عن قدرة علمائنا الأعلام في النهوض بمسؤولياتهم على أكمل وجه وبأفضل وسيلة، وبالذات شخصية آية الله السيد محمد باقر الحكيم القيادية، هذه الشخصية التي طوت الليل بالنهار من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض بكل عقل وحكمة.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية