|
رسالة القدس
{إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين. ونُريد أن نمُنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين}
(القصص/آية 4ـ5)
السادة الأكارم مسؤولي وأعضاء المؤتمر العالمي لقضية القدس المحترمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد كان بودي أن أكون بين ظهرانيكم، وكنت على تهيؤ واستعداد لذلك، ولكن منعتنـي بعض الظروف الطارئة، لذا أعتـذر عن تقديم هذه الورقة التـي كتبت على عجالة.
لاشك انّ القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني يمثل نموذجاً واضحاً وبارزاً لحالة الإستضعاف السياسي الذي تشيـر إليه الآية الكريمة، ذلك انّ قوى الاستكبار العالمي والتسلّط والهيمنة الكافرة اجتمعت بكل قدراتها وإمكاناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاعلامية من أجل سلخ فلسطين من الاسلام والعرب وزرع هذه الغدة السرطانية في جسم العالم الاسلامي والعربي وتشريد وتمزيق وقتل الشعب الفلسطينـي وقهره.
ولكن السنن الإلهية التي وضعها الله تعالى لتحكم مسيرة التاريخ تأبـى أن يتحقق هذا الهدف الشيطاني الخبيث إذا توفرت العناصر والأسباب الحقيقية لمسار هذه السنّة التاريخية والقانون الاجتماعي للخروج من حالة الاستضعاف وتحقيق النصر الإلهي على جـميع هذه القوى مهما تجبـّرت واستكبرت وعلت.
ولابد للشعوب المستضعفة من أن تفهم وتستوعب هذه العناصر وتعمل على توفيرها في مواجهتها مع الاستكبار.
ويمكن أن نلخّص هذه العناصر والشروط المطلوبة لهذه السنّة التاريخية:
أولاً: الإيمان المطلق بالقدرة الالهية وتأثيرها في مسير الأحداث والتحولات الاجتماعية والتوكل عليه والثقة المطلقة بنصره، والايمان بهذه القدرة الالهية ليس مجرّد عقيدة مثالية تجريدية وليست سلوكاً اتكالياً، أو إنتظاراً للمستقبل المجهول، بل هي قاعدة روحيـة ونفسية تنطلق من الواقع الكونـي في مسار الحياة والتاريخ الذي ربط التحولات التاريخية والاجتماعية والكونية بإرادة الانسان ورؤيته للحياة والكون وبالجانب الروحـي والمعنوي لهذا الانسان، حيث شاءت الارادة الالهيـة أن تكون إرادة الله تعالى وقدرته اللامتناهيـة متطابقة مع إرادة الانسان للتغييـر والاصلاح عندما تتحول إلى إرادة جـماعية في حركة الجماعة، كما هي متطابقة مع إرادة الانسان للتكامل عندما تكون إرادته الفردية إرادة فردية للتكامل الذاتي.
قال تعالى {ولو انّ أهل القرى آمنوا واتـقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}.
ثانياً: الإرادة الانسانية القوية الثابتة التي يعبـّر عنها القرآن الكريم بالعزم والاستـقامة على طريق العمل دون تزلزل أو تردد أو حيرة. فانّها قادرة باذن الله أن تحقق الأهداف الكبيرة مهما كانت مستعصية وصعبة.
وقد ورد ذلك في قوله تعالى {انّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنـّة التي كنتـم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة}.
كما ورد في الحديث القدسي الشريف: [عبدي أطعنـي تكن مثلي تقول للشيء كن فيكون] وقد قال الامام عليه عليه السلام: [همم الرجال تزيل الجبال].
ثالثاً: التضحية والفداء والبذل والعطاء والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال وكل ما يملك الانسان من إمكانات مادية ومعنوية، حيث شرط الله تعالى على الانسان في النصر الالهي أن يكون الانسان باذلاً لكل ما يقدر عليه من جهد {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبـّت أقدامكم}.
رابعاً: وحدة الكلمة وتراص الصفوف في العمل الاجتماعي للأمة والجماعة حول القيادة الصالحة والأهداف المقدسة {إنّ الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}.
خامساً: الحكمة في العمل، والنظم في الأمر، وكتمان الأمر، والحذر من الأعداء والوعي لمخططاتهم وأساليبهم في المكر والمراوغة، والخطاب السياسي والاعلامي الصادق الواضح الذي يواكب حركة الأمة وظروفها وعواطفها ومشاعرها.
هذه العناصر الخمسة الأساسية دلّت تجارب التاريخ الانساني ولاسيما تجربة صدر الاسلام وكذلك العقود الثلاثة الأخيرة في المجتمع الاسلامي على مصداقيتها وواقعيتها في تحقيق النصر والخروج من الاستضعاف السياسي مهما بدا متجبـّراً ومتكبـّراً. وما انتصار المسلمين في الصدر الأول وهم يعيشون أعلى درجات الاستضعاف السياسي والحصار الاقتصادي والانقطاع في العمق الجغرافـي إلاّ بسبب هذه العوامل الأساسية.
وفي عصرنا الحاضر وجدنا حقيقة ذلك في الانتصارات الكبرى التي تمكن أن يحققها المسلمون في الجزائر للخروج من الهيمنة الاستعمارية، وفي الثورة الاسلامية في ايران للخروج من سيطرة الطغيان والاستبداد الداخلي، وفي حرب التحرير الأفغانية بالحاق الهزيمة بأقوى جيش في العالم وهو الجيش الأحـمر السوفياتي، وبعد ذلك كلّه في الانتصار العظيم الذي لازلنا نشهد آثاره ومعالمه ونعيش نشوته وعزته وكرامته في أيامنا الحاضرة وهو ما حققه الشعب اللبنانـي من إنتصار على أكبر قوة عسكرية في الشرق الأوسط مدعومة من أكبر القوى المادية في عالم اليوم وهو الكيان الصهيوني المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا الغربية الذي فرضت عليه الهزيمة والانسحاب من الأرض بالقوة لأول مرة منذ وجوده بعد مضي أكثر من نصف قرن من الزمان.
انّ هذا الشعب، بل هذه الشعوب، كانت تعيش حالة الاستضعاف المطلق بجميع أبعاده عندما بدأت مسيرتها، ولكنها تمكنت في النهاية عندما توفرت لديها هذه العناصر الخمسة أن تحقق النصر بإذن الله.
ولا أريـد أن أطيل الكلام في الشرح لأنّ جـميع الأخوة يعرفون هذه الحقائـق بوضوح.
وما أريد أن أؤكـّده في هذا الحديث هو ضرورة تبنـي هذه الاستراتيجية والمنهج في مواجهة الكيان الصهيونـي لإستضعافه للشعب الفلسطينـي، بل لا يوجد أي طريق للوصول إلى هذا الهدف المقدس وهو تحقيق النصر وتخليص الشعب الفلسطينـي والمقدسات الاسلامية والرسالية والقدس والأقصى الشريف من براثـن الكيان الصهيوني إلاّ الاعتماد على هذا المنهج في العمل.
ومن أجل ذلك لابد من أن نؤكد على عدة قضايا مهمة وأساسية:
أولاً: انّ قضية فلسطين ومنها عنوانها المقدس وهو الأقصى الشريف هي قضية إسلامية وعربية كما هي قضية فلسطينية لابد من التأكيد فيها على هذا البعد الدينـي الشامل.
ثانياً: ضرورة توظيف جـميع الوسائل المشروعة في المعركة في مقابل قوى الاستكبار، ومنها بصورة خاصة وسائل المقاومة الجهادية المسلحة، والمدنية، والسياسية، والاقتصادية وفتح الأبـواب أمام جـميع الوسائل بدون استثناء ، بل لابد من وجود قرار وإرادة حقيقيـة تنظر إلى هذه الوسائل جـميعاً نظرة تكاملية بحيث لا يمكن أن يتحقق الهدف بدون استخدامها جـميعاً.
ثالثاً: العمل الجاد على توحيد الصف الفلسطينـي والعربي والاسلامي في هذا الاطار الواحد وترك القضايا الجانبية الأخرى عندما تتعارض مع هذه الأولوية والقضية الكبـرى في العمل الفلسطينـي والعربي والاسلامي.
رابعاً: توظيف جـميع إمكانات الأمة الرسمية والشعبية في هذه المعركة، وفسح المجال للعمل في هذه المرحلة بالذات للإمكانات الشعبية والطاقات الكبيرة الهائلة التي تملكها أمتنا في فلسطين والبـلاد العربية والاسلامية، وأن تتحول الامكانات الرسمية إلى طاقة مساندة لهذه الامكانات الشعبية بعد أن عجزت الإمكانات الرسمية من تحقيقه ـ لأي سبب ـ كان طيلة المدة السابقة.
خامساً: العمل على تحرير الطاقات الشعبية من الاستبداد والطغيان الداخلي الذي يفرض القيود عليها في هذا المجال ويحاول أن يفرض نفسه قيّماً عليها وبديلاً عنها.
وليسمح لي الأخوة أن أقول صراحة اننا في داخل العراق قد فرض علينا الاستبداد والطغيان الداخلي ظروفاً قاسية وقيوداً وأغلالاً شديدة تمنع من قيام الشعب العراقي الذي يتطلع إلى الحرية والمساهمة في هذه المعركة من المشاركة فيها بصورة جدية، وقد أشغلنا النظام وأشغل المنطقة كلها بحروب مدمرة ومعارك كبيرة انتهت إلى تعطيل طاقات الشعب العراقي في الداخل وتشريد أكثر من ثلاثـة ملاييـن منهم في الخارج، ويحاول أن يوظّف التعاطف العام للرأي العربي والاسلامي مع القضية الفلسطينية التـي نراه في أمتنا العربية والاسلامية لمصالح سياسية ضيقة بعيـدة عن الأهداف الحقيقية، ويبعث النظام للكيان الصهيوني وللولايات المتحدة الأمريكية الرسائل المتعددة من أجل التآمر على القضية الفلسطينية كما صنع ذلك من قبل.
ولا أريد أن أطيل الحديث عن الماضي الخطير في إشغال المسلمين بالحرب ضد الثورة الاسلامية المناصرة لفلسطين وتمهيد الطريق لمؤتمر مدريد في غزوه للكويت وتبريره للتواجد العسكري الأجنبـي في منطقة الخليج الحساسة، وتحالفه مع القوى الداخلية العنصرية في لبنـان، ودفعه لأول مرة في تاريخ الدول العربية لتعويضات الحرب لإسرائيل وتقديم الذرائع السياسية والإعلامية لإبراز اسرائيل كمظلومة ومهددة في المنطقة والعالم... إلى غير ذلك من سلسلة القضايا الكثيرة الخطيرة، ولكن أشير هنا إلى مشروعين خطيرين يقدم عليها النظام الآن كرسالة للكيان الصهيوني والولايات المتحدة من أجل التطبيع معهما:
أحدهما: مشروع توطين الفلسطينيين في العراق، وقد بدأه بتشريع التجنس للفلسطينيين، حيث لأول مرة يشرع مثل هذا القانون في العالم العربي والاسلامي، وكذلك إخلاء مناطق واسعة في داخل العراق تمثل مناطق تماس حساسة لإستقبال الفلسطينيين مثل منطقة الثورة في بغداد ومناطق الأكراد والتـركمان في محافظة كركوك والموصل ومناطق الشيعة في محافظة المثنـى والناصرية.
ثانيهما: مشروع التقليل من زخم العواطف والمشاعر الانسانية والتعاطف الدولي مع الشعب الفلسطينـي وانتفاضة الأقصى الشريف من خلال إطلاق البالونات الاعلامية والتصريحات اللامسؤولة، وطرح الخلافات الجانبية، والقيام بالأعمال الارهابية، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في عمليات وصول الطائرات مدفوعة الثمن إلى مطار بغداد الدولي تحت شعار فك الحصار عن الشعب العراقي، أو اختطاف الطائرات، أو إدعاء القدرة على القضاء على اسرائيل في ستة أشهر، أو تجنيد ستة ملاييـن انسان عراقي، أو اثارة التهديدات للكويت والمملكة العربية السعودية، أو توتيـر الأوضاع مع الجمهورية الاسلامية وفي المنطقة الكردية من العراق.
اننا لا نريد أن نجر هذا المؤتمر أو القضية الفلسطينية إلى المعارك الجانبية لهذا النظام أو ذاك، فقضية التحرر من الاستبداد الداخلي وإن كانت مسؤولية انسانية ويتحملها بصورة أساسية شعب كل بلد في مكانه.
ولكن أريد أن أؤكد على أنّ من الضروري الانتباه الدقيق والجيـّد لأخطار التآمر على القضية الفلسطينية من قبل أنظمة الاستبداد التي تريد أن تضمن بذلك بقاءها واستمرار دورها في تعطيل طاقات الأمة في هذه المعركة المصيرية.
سادساً: وأخيراً أرى من الضروري أن يوضّح كل منّا رؤيته للموقف المطلوب في هذه المرحلة بصورة عامة، وما يمكن أن يقدمه للقضية الفلسطينية من دعم وإسناد.
أما على مستوى رؤيتنا للموقف المطلوب عربياً وإسلامياً، فيمكن أن أشيـر إلى هذه الخطوط الأربعة الرئيسية:
الأول: دعم الانتفاضة الفلسطينية بكل وسائل الدعم المتيسرة من المال والسلاح والتسهيلات والخدمات والعمل السياسي والاعلامي، وتنظيم هذه الانتفاضة لتكون قادرة على مقاومة القمع اللامحدود، ومن أجل أن تستمر ويتحمل الشعب الفلسطينـي دوره الحقيقي في الخلاص من الاستضعاف.
الثاني: تثقيف الأمة والشعب الفلسطينـي بالذات على ثقافة وروح المقاومة والجهاد والتضحية والفداء والصبر والصمود وروح الأمل بالنصر المحقق باذن الله، ويمكن للعلماء والمفكرين والكتّاب والاعلاميين أن يكون لهم دور خاص في هذا المجال.
الثالث: القيام بتثقيف الأمة على مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني، والتي تسير على معالم المؤامرة والخطط التي يقوم بها هذا الكيان والقوى المساندة له في هذا المجال.
الرابع: ممارسة الضغط بكل الوسائل الممكنة المشروعة على القوى المساندة للكيان الصهيوني من خلال المقاطعة الاقتصادية والرأي العام الدولي الانساني والعمل السياسي والتكتلات العربية والاسلامية والدولية كالجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي ومنظمة الوحدة الافريقية ومنظمة عدم الانحياز والأمم المتحدة وغيرها من الوسائل في حركة منسقة وقوية تساهم فيها الدول والمنظمات الرسمية وغير الرسمية والعلماء والكتـّاب والاعلاميون والأحزاب السياسية والجمعيات وغيرها من الوسائل الأخرى.
وأما على مستوى ما يمكن أن نقدمه للقضية الفلسطينية من إمكاناتنا، فاننا نعلن وبتواضع ـ بالرغم من ظروفنا الصعبة في المهجر ـ، اننا على استعداد لوضع جميع امكاناتنا العسكرية والسياسية والاعلامية في خدمة هذه القضية، لأننا نعتبر انّ ذلك واجباً شرعياً وانسانياً أوجبه علينا إسلامنا الحنيف وشخّصه لنا علماؤنا ومراجعنا العظام منذ اليوم الأول وحتى الآن، وعلى الأخوة الفلسطينيين والمعنيين أن يشخصوا ما ينفعهم مما هو لدنيا ويجربونا في العمل قبل القول، والله هو ولي التوفيق والسداد، ولتكن رائدنا في هذا الأمر هو الثقة بالله تعالى.
{وما النصر إلاّ من عند الله العزيز الحكيم}
والسلام عليكم ورحـمة الله وبركاته.
الأحد 3 ذو القعدة محمد باقر الحكيم
1421هـ
|