بسم الله الرحمن الرحيم

{ َأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ*}

صدق الله العلي العظيم    

أيها الأخوة المؤمنون المتعبدون..

يا حجاج بيت الله الحرام المكرمون..

نبارك لجميع الأخوة والأخوات المؤمنين ولاسيما العراقيين منهم هذه الأيام الشريفة أيام أداء شعيرة الحج والموسم الاسلامي العظيم، ونسأله تعالى أن يوفقهم فيه لأداء هذا الواجب الشريف والعبادة الالهية الكبيرة وأن يتقبل منهم أعمالهم ويحقق لهم آمالهم وأمنياتهم الصالحة.

إنّ فريضة الحج من أهم الواجبات الاسلامية وهو أحد الأركان الخمسة التي يقوم عليها الاسلام، حيث ورد الحديث عن رسول الله في شأنها [بني الاسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله والصلاة والزكاة والحج والصوم] كما ورد عن أهل البيت عليهم السلام قولهم [بني الاسلام على خمس، الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، وما نودي بشيء كما نودي بالولاية].

وقد زاد من أهمية هذه الفريضة اهتمام القرآن الكريم بها بصورة خاصة، حيث تناول الكثير من تفاصيلها وعبّر عن أعمالها بـ (الشعائر) وقرن من تركها بالكفر {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فانّ الله غني عن العالمين}.

ولعلّ السبب في كل ذلك هو انّ الحج يمتاز عن بقية العبادات بعدة ميزات: الأولى: هو انّ الحج يجمع بين أبعاد وممارسات جميع العبادات الاسلامية الرئيسية كالصلاة والزكاة والصوم والجهاد في سبيل الله تعالى وغيرها، ومن ثم فهو يؤدي دورها جميعاً ويحقق آثارها ونتائجها مرة واحدة.

الثانية: انّ الحج يمثل مشهداً حسياً ليوم الحشر والقيامة، حيث يقف الناس فيه جميعاً على صعيد واحد مجرّدين عن مظاهر الدنيا وزينتها يلبون نداء الله وينتظرون رحمته وثوابه، ويحاسبون على أعمالهم ونياتهم ومقاصدهم.

الثالثة: انّ الحج هو العبادة الاسلامية الوحيدة التي يجتمع فيها المسلمون من جميع أقطارهم وأوساطهم ليؤدوا واجباتهم الفردية والاجتماعية المفروضة عليها كأمة واحدة.

الرابعة: انّ الحج يجسّد وحدة الأمة الاسلامية وعزّتها وكرامتها وإنتشارها والنظرة الاسلامية الأصيلة إلى وحدة البشرية في أصولها ومسؤولياتها وعلاقتها بعضها ببعض، ويسقط جميع الحواجز القومية والجغرافية والنفسية. أهداف الحج:

وللحج مجموعة كبيرة من الأهداف التي يتداخل بعضها مع بعض وأشار إليها القرآن الكريم والأحاديث الشريفة التي وردت عن النبي وأهل بيته الكرام صلّى الله عليه وعليهم أجمعين ويحسن بالحاج أن يسعى إلى تحقيقها بصورة عامة، ويمكن أن أشير إلى أهم هذه الاهداف:

الأول: الاخلاص بالتلبية لله تعالى، وأداء عبادة الحج بصورة متقنة وصحيحة للوصول من خلالها إلى مراتب الكمال الروحي والمعنوي، والتزكية للنفس والمال، والطهارة للروح، والحصول على الثواب الجزيل والأجر الجميل، وأهمها: التوبة من الله تعالى، والعتق من النار، والتوفيق في الأعمال.

الثاني: التفقه في الدين في الأحكام الشرعية والمعارف الالهية والسلوك الأخلاقي ومعرفة المواقف السياسية الاجتماعية الصالحة وذلك من خلال اللقاء بأهل العلم والمعرفة والقيادة الاسلامية والاستماع إليهم.

الثالث: تأكيد الولاء والعلاقة بالله تعالى وبرسوله والأئمة الطاهرين عليهم الصلاة والسلام وبالمرجعية الدينية والقيادة الاسلامية وتجديد العهد والبيعة والصلة واستلام المواقف، وعرض الأعمال والنشاطات والاستعداد للنصرة.

فقد ورد بسند معتبر عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: [إنّما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا ليخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم]، كما روى عن الباقر عليه السلام [إنه قال إتمام الحج لقاء الامام].

كما قد ورد عنهم عليهم السلام [إنّ التفث هو لقى الامام].

الرابع: تأكيد الصلة والولاء بين المؤمنين والتعبير عن وحدة الجماعة الاسلامية من خلال تنمية وتوسعة العلاقات معهم وابراز الاهتمام بقضاياهم ولو بصورة محدودة وبالقدر الذي تسمح به ظروف الحج ووقت الحاج وحركته.

وهذه الأهداف هي أهداف ثابتة لابد للحاج من الحرص عليها بأجمعها وبها يصبح حجّه حجاً كاملاً باذن الله ومن الله تعالى القبول والرحمة والمغفرة.

ويحسن بالحاج أن ينظّم وقتـه وحركته ويقسّم نشاطه بما يضمن له تحقيق هذه الأهداف العامة الكلية.


الأعمال المطلوبة:

ويمكن أن نجد في النقاط التالية ما يحقق ذلك للحاج باذن الله تعالى:

1ـ المبادرة إلى أداء واجبات الحج وسنّته بعد التفقه فيها ثم القيام بأدائها بصورة متقنة وميسّرة وهي واجبات وسنن مدوّنة في الكتب الفقهية للمراجع العظام، مع المحافظة على اليسر في الأداء، كما أكّد ذلك أهل البيت عليهم السلام.

2ـ التوبة والإنابة إلى الله تعالى والعزم على ترك المعاصي والالتزام بالواجبات والندم على المعصية والدعاء للنفس والأهل و (أهل الحزانة) من الأصدقاء والأولياء والأموات من الآباء والأمهات والأرحام والصالحين من المؤمنين، والتواصل معهم بذلك كما نتواصل مع الأحياء.

3ـ أن يعيـّن له وقتاً خاصاً للتردد على المسجد الحرام ومسجد النبي (ص) وزيارة الأئمة الأطهار (ع) وليختار في ذلك الوقت الذي يتمكن فيه من الجمع بين العبادة واللقاء بأخوانه المؤمنين والمسلمين ممن تربطه بهم أواصر الحب والولاء في الله والهموم المشتركة.

4ـ الاهتمام البالغ بالتعرف على الأوضاع العامة لبلاده الأصلية التي ينتمي إليها ولاسيما للغرباء الذين لا يجدون فرصة لذلك إلاّ في مثل هذه المواسم كما هو الحال بالنسبة إلى اخواننا العراقيين الذين تعرضوا إلى التشريد والمطاردة والقمع.

ومن أفضل الوسائل لذلك هو المشاركة في الندوات العامة التي تعقد لذلك، أو دعوة الشخصيات العلمية الموثوقة لإلقاء المحاضرات في القافلة التي يشارك فيها.

5ـ الاهتمام البالغ باللقاء بين أبناء البلد الواحد الذين لا تتوفر لهم الفرصة في اللقاء إلاّ من خلال الحج وذلك توكيداً للقاء المؤمن مع أخيه المؤمن وتجسيداً لمفهوم ولاء المؤمن للمؤمن {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} ولا سيما بالنسبة إلى اخواننا العراقيين الذين تفرقوا في البلاد وتشردوا في الغربة، ولذلك لابد أن يحظى العراقيون من حجاج (الداخل) بالعناية الخاصة في التفقد والتعرف.

6ـ التعرف على أوضاع المسلمين عموماً وهمومهم ومشاكلهم ولاسيما أهل بلدهم فإنّ [من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم]

ويعتبر الحج فرصة مهمة ونعمة إلهية في تجسيد هذا الاهتمام، ويمكن أن يتم ذلك من خلال حضور الندوات العامة التي تقام من أجل شرح وتوضيح هذه الأوضاع ومنها ندوة مجمع التقريب بين المذاهب الاسلامية، وندوة المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، والندوات الخاصة بالشعوب الاسلامية المضطهدة التي تقيمها الجمهورية الاسلامية كندوة العراق وفلسطين ولبنان وأفغانستان وغيرها.

7ـ المساهمة في اسناد العمل الاسلامي مادياً ومعنوياً في البلد الذي ينتمي إليه فانّ الأقربين أولى بالمعروف، كما انّ الانسان يتحمل مسؤولية خاصة شرعية وأخلاقية تجاه بلده ووطنه، وعليه أن يقوم بواجبه في هذا المجال في كل وقت وفرصة، وهو من أفضل العبادات التي يمكن أن يؤديها في الحج.

ولاشك انّ المقاومة الاسلامية في العراق والجهود الاسلامية التي يبذلها المتصدون هي بأشد الحاجة إلى ذلك.

8ـ العمل على المساهمة في التخفيف من آلام ومعاناة الطبقات المستضعفة من العراقيين كالمجاهدين والمضحين وعوائل الشهداء والمفقودين أو المشردين والعاجزين والأيتام وذلك بالانفاق عليهم ومساعدتهم مباشرة أو إرسالها إليهم.

9ـ تصفية الحقوق الشرعية التي استحقت على الحاج وهي في ذمته سواء كانت في أموال الحج أو في غيرها، فانّ قبول الحج والتوبة مرهون بأداء هذه الحقوق سواء كانت لله تعــــالى أو للناس، ويمكن

صرف هذه الحقوق أو بعضها في موارد النقطة السادسة والسابعة، بالاستئذان من المرجعية الدينية الفقهية أو المرجعية الدينية الاجتماعية والله تعالى ولي القبول.

10ـ السعي للاستفادة من فرصة الحج لرد الاشاعات أو الشبهات العقائدية أو السياسية أو الاجتماعية التي يقوم بها الأعداء أو المنافقون أو المنحرفون أو الجهلة، وذلك من خلال مراجعة العلماء الدينيين والمتصدين للعمل الاجتماعي لتوضيح الحقائق وشرحها.

11ـ العمل على معالجة حالة الاحباط الروحي والنفسي لدى بعض الأوساط بسبب طول الأمد واستمرار الطغيان والاستبداد ووجود الاختلافات والنزاعات وغير ذلك من الأسباب التي تترك آثارها في بعض الناس، ويمكن أن يتم ذلك من خلال التعرف على الجهود الكبيرة والانجازات العظيمة التي تحققت في ساحة النهضة الاسلامية عموماً وفي الساحة العراقية خصوصاً، وكذلك من خلال الاقتداء بالصامدين والصابرين وما حققه الله تعالى لهم من نصر بعد طول المدة وقسوة الظروف وضغوط الآلام والمحن فيكون الحج فرصة للتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

وفي الختام أسأل الله تعالى باخلاص أن يوفقنا جميعاً لهذه الأعمال الصالحة وأن يتقبل من حجاج بيت الله الحرام حجهم ونسكهم وأن يتوب عليهم وينزل رحمته بهم ويفرّج عنّا وعن جميع المسلمين ويعتق رقابنا من النار وأن يحقق النصر المؤزر للمجاهدين .

حفظكم الله في حلكم وترحالكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

{والعصر إنّ الانسان لفي خسر إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}

محمد باقر الحكيم   
1 ذو الحجة الحرام     1422هـ   
 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية