نص البيان الذي وجهه سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) إلى الشعب العراقي بمناسبة حلول شهر محرم الحرام
وذلك يوم الجمعة المصادف 1 / 1 / 1410 هـ ق، الموافق 4 / 8 / 1989 م
ثورةُ الإمامِ الحسين (عليه السَّلام) عَطاءٌ لا يَنضَب
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليك يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلَّت بفِنائك، عليك مني سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم.
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين (عليهم السلام).
السلام على الشهداء والصديقين، والأبرار الذين ساروا على درب الحسين (عليه السلام).
تتجدَّدُ في كل عام ذكرى كربلاء وعاشوراء، وتتجدَّد معها صور التضحية والفداء، صور البطولات الرائعة والوفاء، صور الإخلاص والصدق مع الله تعالى، صور الصبر والإيمان المطلق بالله عزَّ وجل.
صورة المأساة الأليمة التي لا زالت تعيش في وجدان البشرية، وتتفاعل مع مسيرة الإنسان التكاملية لتدفع بها نحو مدارج العزة والكرامة.
صورة التجسيد الرائع للقِيَم والمُثُل الإلهية في الإنسان، الذي منحه الله شرف الخلافة، وثِقل الأمانة والمسؤولية، وقوة الإرادة التي تزيل الجبالَ ولا تلين.
الإنسان الذي تربَّى في أحضان الرسالة المحمدية، وارتضع من ثدي الإيمان الفاطمي، وارتوى من العرفان العلوي، وورث الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) في صفاتهم وعلومهم ومسؤولياتهم، ذلك هو الإمام الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله (عليهم جميعاً سلام الله).
دروس من واقعة كربلاء:
والحديث عن مأساة كربلاء وصورها المتباينة حديث طويل لأن هذه القضية الفريدة في تاريخ البشرية إنما تعبر عن أطروحة إلهية في مسيرة الإنسان على الأرض لتكون المدرسة التي تتربي على يدها أجيال الأمة المحمدية الخاتمة ولتمثل أحد المعالم الرئيسة في مسيرة البشرية كلها.
ولابُدَّ للإنسانية في جميع أدوارها أن تستفيد الدروس تِلوَ الدروس من هذه المدرسة المِعطاء، حيث يمكن لنا في هذا العصر وفي كل عصر أن نتعلم منها الدروس الكثيرة.
ومن هذه الدروس:
الدرس الأول: درس التضحية والفداء:
التضحية بالنفس، والأولاد والأخوة، والأصحاب والأهل، والأطفال والأحبَّة.
التضحية بالعلماء والصالحين، والأبرار من خِيرة أهل الأرض.
والفداء بالجاه والمال، والمستقبل الدنيوي والموقع الاجتماعي، وما يمكن أن يقدِّمه الإنسان الصالح من خدمة في حياته بين الناس.
كل ذلك من أجل تحقيق الأهداف السامية التي وضعها الإنسان أمام عينيه، وأداء وظيفته الشرعية، وإنجاز المسؤولية المهمة المُلقاة على عاتقه.
وبهذا يعلِّمنا الإمام الحسين (عليه السلام) درساً عظيماً، ويوضِّح لنا الموقف بشكل حاسم، حيث يقطع الطريق على كل أولئك المتردِّدين في سلوك هذا الدرب بسبب حسابات الخسارة والربح، والتذرع بأن هذه التضحيات تمثل خسارةً للمجتمع الإنساني، حيث يمكن لهؤلاء الصالحين أن يقدِّموا خدمة عظيمة له لو كُتِب لهم البقاء في المجتمع.
إنَّ الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه (عليهم سلام الله أجمعين) كانوا يمثِّلون خيرة أبناء الأمة على الإطلاق علماً وأخلاقاً، ومركزاً اجتماعياً وقدرة على العطاء، ولكنهم قدَّموا كل ذلك رخيصاً في سبيل الإسلام.
الدرس الثاني: درس الإيمان المطلق بالحكمة الإلهية:
ودرس آخر نتعلمه من الإمام الحسين (عليه السلام) في الإخلاص والثقة بالله تعالى، والإيمان المطلق بالحكمة الإلهية، حيث نجد أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يتزعزع في نفسه حتى في لحظات الاحتضار، فأي شيء من القيم والمثل والمفاهيم الإلهية كانت عنده (عليه السلام).
ولم تهتز في نظره (عليه السلام) الصورة المشرقة للرسالة الإسلامية وأهدافها بالرغم من عمق المأساة، وقوة الصدمة التي واجهها عندما رأى كلَّ هؤلاء الناس الذين كان يأمل فيهم أن يكونوا أنصاراً له إذا بهم يتكالبون عليه، ويشهرون سيوفهم ضده، ويُنزلون به هذه المصيبة الفادحة، ويرى نفسه وحيداً لا ناصر له ولا معين، بعد أن قتل جميع أهل بيته وأصحابه (عليهم السلام)، ثم يرى ما هو أشدُّ هولاً من ذلك وهو سَبْي عيالاته، والمصير المجهول لنسائه وأطفاله.
الدرس الثالث: درس الثبات على المبدأ والعقيدة:
والدرس الثالث الذي يمكن أن نتعلمه من الإمام الحسين (عليه السلام) هو درس الصبر، والثَّبات والصمود على المبدأ والعقيدة، مهما كانت الخسائر والتضحيات والنتائج، ومهما كانت الضغوط النفسية والعاطفية أو العذاب الجسدي.
هذا الصبر الذي ينطلق من الإيمان المطلق بالله تعالى وقدرته على التغيير، والنظرة البعيدة للأشياء ونهاياتها، والالتزام بأداء التكليف والوظيفة الشرعية، والإيمان بالنصر الإلهي الحتمي.
لقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) يفهم النصر في جانبه الذاتي أنه الانتصار على النفس الأمَّارة بالسوء ورغباتها وشهواتها، حيث يتجسَّد هذا النصر بأداء التكليف الشرعي والوظيفة الإلهية، وأداء الأمانة الثقيلة التي وضعها الله عزَّ وجل على عاتق الإنسان.
وأنَّ النصر في جانبه الموضوعي وفي الحياة الاجتماعية ومسيرة الإنسان يتمثل في تكامل هذه المسيرة، ودفعها إلى الأمام من خلال إيقاظ ضمير الأمة، وتحرير إرادتها من الخوف والرعب، والشهوات والضغوط الداخلية والخارجية.
وقد حقق الإمام الحسين (عليه السلام) هذا النصر بكامله في ذاته وفي مسيرة الأمة، وبذلك يمكن أن نفهم كيف علَّمَنا الإمام الحسين (عليه السلام) انتصار الدم على السيف، وانتصار التضحية والفداء على القوة والطغيان.
هذا المعنى الذي أشار إليه (عليه السلام) بقوله: (إِنِّي لا أَرَى المَوْتَ إلاَّ سَعَادَةً وَالْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلاَّ بَرَماً).
وعبَّر عنه أبوه الإمام علي (عليه السلام) بقوله: (الْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاْهِرين وَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُوْرين).
لقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) ينظر إلى المستقبل ويرى أن جميع أهدافه التي نهض من أجلها قد تحقَّقت في مسيرة الأمة.
فالحسين (عليه السلام) كان يستهدف من نهضته إقامة حكومة القسط والعدل الإلهي، وتحرير إرادة الإنسان المسلم من الهيمنة الداخلية والخارجية، والتعبير عن العزة والكرامة الإنسانية من خلال رفض الظلم والطغيان، وحفظ الأمة الإسلامية من الضَّلال والانحراف.
وقد وجدنا أن جميع هذه الأهداف تأخذ مسارها في تأريخ الأجيال التي جاءت بعد الإمام الحسين (عليه السلام)، وتصبح هذه المُثُل والقِيَم هي الأهدافُ التي تسعى إليها الأمة الإسلامية، وتجاهد من أجلها، وتتقدَّم باطراد باتجاهها.
المضمون الحقيقي للثورة الحسينية:
إنَّ طبيعة المعركة التي خاضها الحسين (عليه السلام) في صدر الإسلام ضد التسلُّط والهيمنة اليزيدية تشبه إلى حدٍّ كبير طبيعة المعركة التي يخوضها المسلمون في هذا العصر ضد قِوى الاستكبار والكفر العالمي.
إنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قاتل ضد الانحرافات والضلالات التي حاول الأمويون ويزيد الطاغية أن يفرضها على المجتمع الإسلامي من أجل تغيير الهوية الإسلامية لهذا المجتمع، وتحويل المسلمين الذين حَرَّرهم الإسلام من عبودية الأصنام والأفكار الجاهلية وتسلط الفرس والروم إلى أرِقَّاء ليزيد وجلاوزته وعمَّاله.
أيُّها المسلمون:
إنَّ الصورة التي نشهدها هذا العصر في الصراع مع قوى الاستكبار والكفر العالمي مع أمريكا وإسرائيل، وحلفائهما وعملائهما، تشبه إلى حدٍّ كبير صورة الصراع الحسيني مع يزيد بن معاوية.
والإمام الحسين (عليه السلام) كان يخوض الصراع مع يزيد نيابة عن الأمة الإسلامية جمعاء، ولذا وجدناها تتجاوب مع نهضته في جميع الأقطار.
والدولة الإسلامية بقيادة الإمام الراحل الخميني (قدّس سرّه) خاضت هذا الصراع مع أمريكا والكفر العالمي نيابة عن المسلمين، ولذا نرى أن الأقطار الإسلامية تتجاوب مع هذا الموقف أيضاً.
فقد تآمرت قوى الاستكبار العالمي على الأمة الإسلامية للقضاء عليها، وزرع اليأس في نفوس أبنائها من عودة الإسلام إلى الحياة.
واستخدمت لذلك جميع وسائل التضليل والإغراء، وجندت لذلك العساكر والجيوش والأطروحات الفكرية والثقافية المصنعة في بلاد الغرب والشرق، لفرض الهيمنة الفكرية والثقافية على المسلمين.
وكانت ثورة الإسلام في إيران الإسلام بقيادة إمام الأمة الضربة القوية التي أطاحت بكل هذه المخططات التآمرية، حيث تمَّ هذا الإنجاز العظيم بإقامة الدولة الإسلامية وعودتها إلى الحياة.
وهنا نجد أن الاستكبار العالمي وأمريكا بالخصوص تلجأ إلى وسيلتين رئيسيتين:
الوسيلة الأولى: سياسة القمع والإرهاب والتدمير الوحشي، فكانت هذه الحرب العدوانية التي شنَّها نظام الكفر والزندقة والانحراف، نظام العفالقة الحاقدين على الإسلام والقيم الإسلامية، الذي وظَّف قدرات وإمكانات الشعب العراقي بالقوة وسلطة الحديد والنار من أجل قمع الثورة الإسلامية والإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية، ولمنع نهوض الشعب العراقي المسلم.
ونجد أن القمع ينتشر كوسيلة استراتيجية لقوى الكفر والصهيونية العالمية في المنطقة كلها، وضد الشعب العراقي والفلسطيني.
الوسيلة الثانية: محاولة تضليل المسلمين من خلال طرح الإسلام المشوَّه والمحرَّف، وبالصيغة التي تؤمِّن مصالح الكفر العالمي، هذا الإسلام الذي يسمِّيه الإمام الخميني (قدّس سرّه) بـ (الإسلام الأمريكي).
وهذا الأسلوب لم يكن جديداً، وإنما كان نفس الأسلوب الذي اتبعه يزيد في مواجهة الإمام الحسين (عليه السلام).
فأمريكا تطرح الإسلام المُهَادِن، الإسلام الذي يسكت عن الظلم ويداهن الطغاة، الإسلام الذي يشتري الضمائر بالأموال والهدايا، الإسلام الذي يمكن أن يتعايش مع الطغاة ورجال المخابرات، ويرضى بالفساد، والنَّهب والسلب لأموال المسلمين، وتسلط الأجانب على رقابهم، الإسلام الذي يوافق على استلاب القبلة الأولى للمسلمين وتدنيس المسجد الأقصى.
الإسلام الذي يمنع التدخل بالسياسة ضد أمريكا وإسرائيل، ويوظف كلَّ طاقات الأمة الإسلامية وأموالها لإفساد المسلمين، وتضليلهم وإذلالهم.
الإسلام الذي يتخذ اليهود والنصارى أولياء وأحبَّاء حتى لو شتموا النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهتكوا حرمة زوجاته، وسبُّوا جميع الأنبياء (عليهم السلام)، ويرى في كل ذلك حرية الفكر والأدب والرأي.
أما الإسلام المحمَّدي الأصيل فهو مرفوض من أمريكا وأتباعها من أمثال صدام العفلقي، لأن هذا الإسلام يؤمن بالجهاد وهو الإرهاب في نظرهم، ويؤمن بعودة الإسلام إلى حياة المسلمين، وهو تخلُّف أو تطرُّف حسب زعمهم، ويؤمن بالرجوع إلى الكتاب والسنة النبوية وهو رجوع إلى الأصول.
وإذا لم يقبل الإنسان المسلم في هذا العصر الإسلام الأمريكي فلابُدَّ من قتله حتى لو كان أعزلَ، أو طفلاً، أو امرأةً، كما يُصنع الآن بأبناء العراق وأفغانستان، ولبنان وفلسطين، ويُهَدَّم داره ويُشَرَّد في الأرض بدون مأوى، وهو إرهابي لا يستحق الحياة.
ولابُدَّ من حرمانه من جميع الحقوق الإنسانية المدنية والسياسية، وتُصادر أمواله وتُهتَك عياله، ويتعرض لأقسى ألوان التعذيب الوحشي في السجون والأقبية والزنزانات.
يا أبناء الشعب العراقي المسلم:
هذه هي صورة الصراع الحسيني مع يزيد هذا العصر، ويزيد العراق في هذا العقد هو (صدام العفلقي).
وإنَّ محرَّم الحرام يذكرنا بالمأساة التي يعيشها شعبنا العراقي المسلم طيلة فترة حكم العفالقة المجرمين.
كما يذكِّرنا في الوقت نفسه بموقف هؤلاء الحاقدين على الإسلام والعملاء للأجانب من الإمام الحسين (عليه السلام) والشعائر الحسينية، وأنصار الإمام الحسين (عليه السلام) وشيعة الإمام الحسين (عليه السلام) في العراق.
لأنَّ العفالقة المجرمين وصدام الحاقد، وجميع أعداء الإسلام يعرفون الأثر العظيم الذي يمكن أن تتركه الشعائر الحسينية وثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في نفوس المسلمين، وخصوصاً العراقيين الذين ارتوَت بلادهم من دم الإمام الحسين (عليه السلام) الزكي، وتربَّوْا في أحضان الثورة الحسينية، وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وعلماء الإسلام العظام، وتعلموا الدروس من هذه المدرسة العظيمة.
الذكرى والمسؤوليات العظيمة:
وتضعنا هذه الذكرى أمام المسؤوليات العظيمة المُلقاة على عاتقنا في هذا العَقد من الزمن، لتخليص أرض الإمام الحسين (عليه السلام) من دنس العفالقة اليزيديين.
الشعب العراقي العظيم الذي تمكن أن يصمدَ حتى أمام الهجمة الشرسة لنظام العفالقة، وأمام العمليات الواسعة، والقتل الجماعي والإعدامات الكيفية - وبدون حساب -، واستخدام الأسلحة الكيمياوية، وتهجير مئات الآلاف من أبناء الشعب في الجنوب والوسط والشمال، ومن العرب الشيعة، والأكراد السنَّة.
إنَّ هذا الشعب سوف يتمكن بعون الله تعالى من مواصلة طريق النصر حتى الإطاحة بهذا النظام المجرم، كما تمكَّن من الصمود أمام أنظمة القمع التي شهدها في تاريخه، كنظام زياد ابن أبيه، وعبيد الله، والحجاج الثقفي، والمنصور الدوانيقي، والمتوكل العباسي، وعهود بني عثمان وغيرها.
ما هو المطلوب من أبناء شعبنا في الداخل؟
ولابُدَّ لأبناء الشعب العراقي في الداخل أن يستلهموا مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام) في الصبر والثبات والصمود، والتضحية والفداء، والإخلاص لله تعالى والثقة به، والتمتع بروح الأمل، وعدم الاستسلام للنظام الذي يريده أن يبيع العراق في سوق التجارة السياسية الدولية، ويحوِّل قدرات الجيش العراقي للعدوان على البلاد الإسلامية، فتارة العدوان على إيران، وأخرى على لبنان، وهكذا.
وعلى أبناء الشعب العراقي في الداخل في هذه المرحلة الخطيرة من حياتنا الاهتمام بالنقاط التالية:
النقطة الأولى: الاهتمام بإقامة الشعائر الإسلامية والتمسك بتعاليم الإسلام، وخصوصاً الشعائر الحسينية، والتوافد على زيارة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) واللجوء إليهم بالشفاعة، والتوسل والدعاء لله تعالى في الخلاص من هذا الحكم الكافر، والمزيد من الارتباط بالعلماء الأعلام، والتوجه إلى طلب العلوم الدينية.
النقطة الثانية: الاهتمام بالثقافة الإسلامية لترسيخ الوعي الإسلامي والحس الديني، ودراسة مواقف النظام المجرم والعملاء المتعاونين معه على ضوء الإسلام وتعاليمه.
النقطة الثالثة: الاحتفاظ بالعلاقات الإنسانية والمثل والقيم الإسلامية، وحفظ البُنية العائلية التي يعمل النظام على تخريبها وتفكيكها وهدمها، وكذلك البُنية العشائرية في التناصر والتحابُب والصلات الرحمية.
النقطة الرابعة: تشكيل الخلايا السياسية والإعلامية ذات الطابع الجهادي لمقاومة أعمال النظام اللاإنسانية، والتي يُستهدف منها استعباد الشعب وإذلاله من خلال القمع والإرهاب، أو تضليله بالادعاءات والشعارات الفارغة.
ويكون من أهم النشاطات لهذه الخلايا هو العمل على إشاعة روح التضامن والإخاء بين أبناء الشعب، وكشف أزلام النظام وعملائه، وعَزلهم عن المجتمع ومطاردتهم، وبناء القاعدة الإسلامية الإيمانية في المجتمع.
النقطة الخامسة: مقاومة عمليات الهيمنة والتسلُّط للأجانب على بلادنا، لأن النظام يقوم بالنيابة عن أمريكا بتنفيذ المهمات القذرة في المنطقة، وزَجُّ الشعب العراقي في حروبٍ عدوانية ضد شعوبها، كما حصل في إيران ولبنان.
كما يسعى النظام الآن في تنفيذ مخطَّط العار والذُّل والاستسلام لإسرائيل، وتغيير هوية الشعب العراقي الإسلامية من خلال إبراز دور العملاء والصليبيِّين وتمجيدهم، كما صنع ذلك في قضية ميشيل عفلق الماسوني الصهيوني الذي تحول إلى مسلم بين عشيَّة وضُحاها.
النقطة السادسة: الاهتمام بعوائل الشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله، ودفاعاً عن الإسلام وشرف الأمة في العراق، ورفضوا الظلم والتسلط الأجنبي.
أزمات النظام والتظاهر الكاذب بالقوة:
ولابُدَّ للشعب العراقي أن يدرك هذه الحقيقة، وهي: أن النظام مهما ظهر بمظهر القوة والجبروت فهو يشعر بالخوف والرعب من الشعب العراقي.
ويعاني بشكل حاد من عدة أزمات: أزمة الاختلافات الداخلية في الجهاز الحاكم، وأزمة الرفض السياسي والعزلة عن الشعب، وأزمة الديون المتراكمة والعجز الاقتصادي بعد هذا الخراب الواسع الذي أنزله بالعراق، والعزلة في المجتمع الدولي والإقليمي، بالرغم من مظاهر التأييد الكاذب التي يحصل عليها النظام أحيانا بسبب المهمات القذرة التي يقوم بها لصالحهم، وهي مهمات مرحلية وسوف يتخلَّى عنه حتى هؤلاء الأسياد وعملائهم في الوقت المناسب.
فالحقد الآن يتأجج في نفوس أبناء الأمة الإسلامية وأبناء المنطقة العربية ضد النظام العفلقي، لأنه أصبح مكشوفاً أمامهم بإجرامه في حق الشعوب كلها.
كلمة إلى أبناء العراق:
وهناك كلمة أوَدُّ أن أوجِّهَها إلى أبناء العراق في بلاد الغربة، حيث يتعرض هؤلاء الأخوان إلى خطر الذَّوَبان قي الحضارة والحياة الغربية الفاسدة، وخصوصاً الأولاد والبنات.
إنَّ مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام) خير معين لكم في هذا الخِضَمِّ المتلاطم، ولابُدَّ لكم من إحياء الشعائر الحسينية في كل مكان.
وعليكم المحافظة على هويَّتكم الإسلامية والعراقية من خلال التزاماتكم الشرعية في السلوك، والاهتمام بالثقافة الإسلامية، وإعطاء بعض الوقت من حياتكم لتربية أبنائكم وتذكيرهم بمأساة شعبهم ووطنهم.
وعليكم تحمُّل المسؤولية السياسية والإنسانية تجاه قضيَّتكم في العراق، حتى تتحول هذه الغربة إلى هجرة في سبيل الله ومن أجل الدفاع عن الإسلام والشعب العراقي.
وعليكم أن تعرِّفوا المجتمع الدولي بمأساة شعبكم، وتنصروا أخوانكم في داخل العراق من خلال المزيد من التواصل والإسناد المادي والمعنوي لهم، والتفاعل مع الأحداث في الداخل.
عليكم أيها الأخوة أن تتمثَّلوا قضيتكم العادلة بحجمها الكبير، وبأبعادها الواسعة، والابتعاد عن الطرح الفئوي، أو الوقوع في العزلة والانطواء.
كلمة للخطباء والأدباء والشعراء:
وكلمة أخرى أوجهها إلى السادة الأفاضل خطباء المنبر الحسيني، والأدباء والشعراء، وكل المبلِّغين الذين يساهمون في إحياء هذا الموسم الشريف:
إنَّ الدور الأساس للخطيب والمبلِّغ هو إبلاغ الرسالة الإلهية بجميع أبعادها، مع خشية الله تعالى دون أي أحد من العالمين:
{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ}(1).
وهذا الدور يمثل مسؤولية كبيرة تحمَّلها الأنبياء والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، والأمة الآن بحاجة إلى من يتحمل المسؤولية إزاءها.
وأوَدُّ أن أشير إلى هذه النقاط بهذا الصدد:
النقطة الأولى: الاهتمام بحفظ وحدة الأمة وتماسكها، والاجتناب عن طرح القضايا التي تثير الخلاف، أو التساؤلات أو الشكوك لدى أبناء الأمة.
النقطة الثانية: رفع المستوى الروحي والأخلاقي لدى أبناء المجمتع، خصوصاً فيما يتعلَّق بالصبر والثبات، وروح الأمل والتطلع للمستقبل، والاستفادة من دروس نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) في هذا المجال.
النقطة الثالثة: طرح الجانب السياسي والتربوي في قضية الإمام الحسين (عليه السلام) إلى جانب طرح الجانب المأساوي، وتطبيق نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) على ظروف العصر الحاضر، ليفهمَ المستمع الكريم والذين يحيُون هذه الشعائر المباركة من هو الذي يقوم بدور الإمام الحسين (عليه السلام) في هذا العصر؟، ومن هو الذي يقوم بدور يزيد في هذا العصر؟، وما هو الموقف الحسيني في هذا العصر وخصائصه؟.
فنحن بحاجة إلى تشخيص الدور والموقف الحسيني، والتخلق بالأخلاق الحسينية في عصرنا الحاضر، والتزود من مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام).
فإنَّ الشعائر الحسينية كما يجب الاهتمام فيها بالشكل وجانب المأساة والعاطفة وتحريك الوجدان كذلك يجب الاهتمام بالمضمون الفكري والثقافي والسياسي لهذه الشعائر.
وإنَّ كلَّ واحد من هذين الأمرين يكمل الآخر في التأثير على حياة الإنسان وحركته، لأن الإنسان مركب في محتواه الداخلي من العقل والوجدان، والعقل يمثل أداة الهداية إلى الصواب، والوجدان والعاطفة يمثِّلان الطاقة المحركة في مسيرة الإنسان، وعندما تتجانس العاطفة مع العقل تتكامل المسيرة الإنسانية.
(إنَّ الحُسَينَ مِصْبَاحُ الهُدَى وَسَفِينَةُ الْنَّجَاةِ)، فلابُدَّ لنا من الاستضاءة بهذا المصباح في طريق الهدى، وركوب هذه السفينة إلى شاطئ السلامة والأمان.
{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإيمان أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ}(2).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
____________
1- الأحزاب: 39.
2- آل عمران: 193.
|