نفحات من الذكرى | العنوان الأول | العنوان الثاني | العنوان الثالث | العنوان الرابع | العراقيون وثورة الإمام الحسين (عليه السلام) | قبس من الثورة الخالدة | مشكلة الطائفية | مشكلتا العنصرية والدكتاتورية | إسقاط النظام السبيل الوحيد للخلاص  
 
 
 

نص البيان الذي وجهه سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) إلى الشعب العراقي بمناسبة حلول شهر محرم الحرام
وذلك يوم الثلاثاء المصادف 30 / 12 / 1415 هـ ق، الموافق 30 / 5 / 1995 م


الثورةُ الحسينيَّة في ضَميرِ الشعب


بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

السلام عليك يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلَّت بفِنائك، عليك منِّي سلامُ الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار.

السلام عليك يا وارث الأنبياء والمرسلين، السلام عليك يا وارث الشهداء والصديقين، السلام عليك يا وارث الأولياء والربَّانيين، السلام عليك يا صاحب العَبرة الساكبة، والمصيبة الراتبة، السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره.

أيها الأخوة المؤمنون، أيها الصالحون، يا أصحاب الضمائر الحيَّة والوجدان الواعي، أيها المستضعفون المظلومون في كلِّ مكان:


نفحات من الذكرى:

تمرُّ علينا هذه الأيام الذكرى الأليمة والمصيبة العظيمة، والملحمة الإنسانية والصرخة الربَّانية، والمأساة التأريخية، وهي ذكرى شهادة أبي عبد الله الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام)، سيد الشهداء وسبط رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) بن عبد الله، الذي قتل في كربلاء، مظلوماً عطشاناً، غريباً مسلوباً، هو وأهلُ بيته الأبرار، وصحابته الأخيار (عليهم جميعاً سلام الله).

وذُبح أطفالُه وسُبِيَتْ عيالاتُه، ونُكِّل به حقداً وانتقاماً من رسالة جده النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وارتداداً على مبادئه، وانتهاكاً للقِيَم والمُثُل الإنسانية، والأخلاق الإسلامية.

هذه الملحمة التي لم يعرف التأريخ الإنساني كلُّه مثيلاً لها في أشخاصها وأبعادها، وأهدافها وأسبابها، ومنهجها وأسلوبها، وأخلاقها وكلِّ تفاصيلها، ثم لم يعرف التأريخ الإنساني مثيلاً لها في آثارها ونتائجها وتفاعلاتها.

ولذا كانت بحقٍّ الأطروحة الإلهية التي اختصت بها الرسالة الخاتمة من بين الرسالات، وذلك للمساهمة في حفظها في مضمونها وحيويتها، وقدرتها على الحركة والتأثير.

وكانت بحقٍّ القدوة والأسوة للمسلمين والإنسانية جَمعاء، في معاركها المصيرية ومواجهاتها الحاسمة، وفَهمها العملي لحركة التأريخ وتجسيد المبادئ والقيم الإنسانية.

والحديث عن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ونهضته في جميع هذه الأبعاد والمناحي حديث واسعٌ، ومَعِين لا ينضَب، ويبقى متجدِّداً على مَرِّ السنين والعصور، ولكنْ تبقى دائماً العناوين البارزة في هذه الثورة هي التي تأخذ المساحة الأهمَّ في مثل هذه البيانات الموجزة:


العنوان الأول:

الرؤية الواضحة للأشياء، والفَهم العميق للمبادئ والمثل، والاستيعاب الكامل للمفاهيم، والتجسيد العملي للشعارات، يمثِّلُ أحد العناوين البارزة والكبيرة في هذه الثورة.


العنوان الثاني:

الإرادة القوية الصلبة والتصميم السابق الثابت، والاستمرار على الطريق والصبر على الآلام والمِحَن، وتغيُّر الأحوال والأوضاع، وخُذلان الناصر وقِلَّةُ العدد، وتفرُّق الناس وقسوةُ القلوب، وصَمَمُ الآذان وبُكم الأفواه، يُمثِّل عنواناً آخر من العناوين الكبيرة والبارزة لهذه الثورة المِعطاء.


العنوان الثالث:

التضحية الكبيرة بالنفس، والأهل والأولاد، والأطفال والأصحاب، بالشيوخ والكهول، والشباب والفتيان والغلمان، بالعلماء والأخيار والصالحين، والشجعان والأبرار، بالمال والمقام والجاه، وبكل شيء من هذه الحياة الدنيا، يُمثِّل عنواناً ثالثاً من عناوين هذه النَّهضة الإنسانية.


العنوان الرابع:

الوجدان الصَّافي والأخلاق العالية، والضَّمير الحي والإحساس بالمسؤولية العالية، والشعور بالعزَّة والكرامة الإنسانية، والإيمان بالعدل ورَفْض الظلم الاجتماعي، وفَهم حقيقة الموت والحياة والسعادة والشقاء، تُمثِّل عنواناً آخر من عناوين هذه الملحمة التأريخية.

وصرخات العقل الواعي لا زالت مُدَوِّية في مسيرة التأريخ الإسلامي، وشعارات القضية لا زالت حيَّة وباقية تهتف في كل وقت وزمان:

(إِنِّي لاَ أَرَى المَوْتَ إِلاَّ سَعَادَةً وَالْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلاَّ بَرَماً).

(أَلاَ وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ: بَيْنَ السِّلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَهَيْهَات مِنَّا الذِّلَّة، يَأبَى اللهُ ذَلِكَ لَنَا وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ، وَحِجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ).

(الْمَوْتُ أَوْلَى مِنْ رُكُوبِ الْعَارِ، وَالْعَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ).

(لاَ وَاللهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ الذَّلِيلِ، وَلاَ أُقِرُّ لَكُمْ إِقْرَارَ الْعَبِيدِ).

ولا زال تحليل الإمام الحسين (عليه السلام) للظلم ونتائجه والأوضاع السائدة، وموقفه الشرعي منها يمثِّل موقفاً دائماً ومستمراً في كل عصر وزمان:

(أيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) قال: مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً، مُسْتَحِلاًّ لِحَرَامِ اللهِ، نَاكِثاً عَهْدَهُ، مُخَالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللهِ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَلَمْ يُغَيِّرُ عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلاَ قَوْلٍ كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مُدْخَلَهُ).

وقد عبَّر زهير بن القين عن سياسة بني أمية في البطش والإرهاب في خطابه يوم عاشوراء: (إن الله ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) لينظرَ ما نحن وأنتم عاملون، إنَّا ندعوكم إلى نَصرهم وخُذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد، فإنَّكم لا تدركون منهما إلا سوء عُمْر سلطانهما، يُسْمِلان أعينَكم، ويقطِّعان أيديَكم وأرجلَكم، ويمثِّلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلانِ أمَاثِلَكم وقُرَّاءكم، أمثال حِجر بن عَدي وأصحابَه، وهاني بنَ عُروة وأشباهه).

ولا زال دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) على الأمة المتخاذلة، المرعوبة المرتدَّة، يَدْوِي عبر التأريخ، ويتفاعل عبر العصور، فهي أمَّةٌ ممزَّقة ومضطهدة، ومتفرقة ومختلفة، لا تقوم لها قائمة تكون مرتعاً للظلم، ولُقمة سائغة للظالمين، تفقد كرامتها وعزَّتها، وقدرتها على العطاء والتأثير:

(اللَّهُمَّ احْبِسْ عَنْهُمْ قَطْرَ السَّمَاءِ، وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُف، وَسَلِّطْ عَلَيْهِمْ غُلاَم ثقيف، يَسْقِيهِمْ كَأْساً مُصَبَّرة، فَإِنَّهُمْ كَذَّبُونَا وَخَذَلُونَا، وَأَنْتَ رَبُّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ).

(وَالله لا يَدَعُ أحَداً مِنْهُمْ إِلاَّ انْتَقَمَ لي مِنْه، قَتْلَةً بِقَتْلَةٍ، وَضَربَةً بِضَرْبَةٍ، وَإِنَّهُ لَيَنْتَصِرُ لي وَلأَهْلِ بَيْتي وَأَشْيَاعِيْ).

(اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَى هَؤُلاءِ، فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِم أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) خَلْقاً وَخُلُقاً وَمَنْطِقاً، وَكُنَّا إِذَا اشْتَقْنَا إِلى رُؤْيَةِ نَبِيِّكَ نَظَرْنَا إِلَيهِ، اللَّهُمَّ فَامْنَعْهُمْ بَرَكَاتِ الأرْضِ، وَفَرِّقْهُم تَفْرِيقاً، وَمَزِّقْهُمْ تَمْزِيقاً، وَاجْعَلْهُمْ طَرَائِقَ قِدَداً، وَلاَ تُرْضِ الوُلاَةَ عَنْهُمْ أبَداً، فَإِنَّهُمْ دَعَوْنَا لِيَنْصُرُونَا ثُمَّ عَدَوْا عَلَيْنَا يُقَاتِلُونَنَا).

ثمَّ تَلا (عليه السلام) قولَه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

إنَّ الإنسانية في كلِّ عَصر - وفي هذا العصر بشكل خاص - بحاجة إلى كل هذه العناوين والدروس، وهي تُوَاجه الطغاة والجبابرة من كلِّ لون وشِكل وفي كل مكان، وبأساليب ومناهج مختلفة.


العراقيون وثورة الإمام الحسين (عليه السلام):

ونحن في العراق، هذا البلد الذي ارتبط تأريخه الإسلامي بالإمام الحسين (عليه السلام) منذ البداية، وارتوت أرضُه من دم الإمام الحسين (عليه السلام)، وامتُحِنَ أبناؤُه بالإمام الحسين (عليه السلام) وثورتِه، واستُشهِد خيرة أبنائه على نهج الإمام الحسين (عليه السلام).

هذا العراق الذي امتاز على جميع بلدان العالم الإسلامي أنه فهم عناوين نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) قبل غيره، فبادر لدعوة الإمام الحسين (عليه السلام) للنهضة، واقترح عليه النصرة، ومشى خطوات في طريقها.

ثم كان الامتحان الكبير للعراقيين في ذلك العصر للإرادة والصبر من خلال القمع والإرهاب والطغيان، الذي مارسه الأُمَويون وبالخصوص عبيد الله بن زياد، الشاب النَّزِقُ الذي لا يتوقف عن ارتكاب كل جريمة وحشية، وكل قبيح وظلم، من أجل ترسيخ دعائم سلطانه وقدرته.

فاشترى الضمائر الميتة والقلوب القاسية من أصحاب الشَّرَطة والمحترفين العسكريين، التي كانت معروضة للبيع والشراء في مختلف الأدوار، وتخاذل الناس والعامَّة بسبب الخوف والقمع والقسوة، وثبت المخلصون والواعون من القادة.

فعاشوا المحنة والآلام، والسجن والمطاردة، والقتل والتشريد، فتنازلوا عن الدنيا وعشقوا الآخرة، فاشتروها بدمائهم وأموالهم ومواقعهم، فربحوا الحياة والسعادة الأبدية، والعزة والكرامة الإنسانية، والشرف والفخر الدائم، والثناء والذكر الحسن.

وبقيت اللعنة الإلهية تلاحق الطغاة وأتباعهم، والمَقْت والذم والعار والشَّنَار عنواناً لهم، وتبرَّأ منهم الأصدقاء والأرحام والأقارب، والعشائر والقبائل.

إنّ هذه الصور والمواقف والمشاهد لا زالت تتكرر في تأريخ العراق، وتربى عليها العراقيون، فكان النصر والبقاء والمكث والنمو للأخيار والصالحين والصابرين، وكانت الهزيمة والفناء والاستئصال للمجرمين والفاسدين المتخاذلين.


قَبَس من الثورة الخالدة:

أيها المؤمنون:

إنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن معركة قَبَليَّة، ولا نهضة هامشية إصلاحية، ولا حركة انفعالية، بل ولا حتى مجرَّد مشاعر إنسانية فحسب، بل هي ثورة حقيقية على الواقع الموغل في الفساد، والارتداد على الإسلام والظلم، والاستهتار بالكرامات والانتهاك للحرمات.

وبالتالي فهي ثورة إسلامية في أسبابها ومنطَلقاتها، ومنهجها وأهدافها، مهما اختلفت العناوين ومهما حاول الأمويون وأتباعُهم وأزلامُهم أن يشوِّهوا هذه الحقيقة.

وسوف تبقى ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) نور هداية لكل الأجيال، لأنَّ الحُسَيْنَ مِصْبَاحُ الهُدَى وَسَفِينَةُ النَّجَاةِ.

وهذه الحقيقة هي التي تشكل الأطار الصحيح والخلفية الحقيقية للصراع مع العفالقة المجرمين، والطغاة الوحشيين الحاكمين في العراق في هذه الأيام.

وكان صَدَّام المجرم بأسلوبه وطغيانه ووحشيته، وخلفيته الأخلاقية والنَّسَبية مصداقاً آخر لعبيد الله بن زياد وليزيد بن معاوية.

وكان أزلام صَدَّام هم المصاديق الأخرى لشِمرَ بن ذي الجوشن، وعمرَ بن سعد، والحصينَ بن نمير، وحَرملة بن كاهِل، وعمرو بن حريث، وغيرهم من المجرمين.

وكان الصالحون والشهداء، والأبرار والمجاهدون، من جميع الأوساط المدنية والعسكرية، ومن السادة والقُرَّاء ورؤساء القبائل، والغلمان والشيوخ والفتيان، هم الحرُّ بن يزيد الرياحي، وحبيب بن مظاهر الأسدي، وزُهير بن القَين، وعابس بن شَبيب، ومسلم بن عقيل، والعباس بن علي، وعلي الأكبر، والقاسم بن الحسن، وواضِح التُّركي، وجَون، وغيرهم (سلام الله عليهم أجمعين).

وهذا هو الذي يفسر لنا الموقف المتشدد للمجرمين العفالقة من الشعائر الحسينية والمجالس الحسينية والثقافة الحسينية، فإنهم كَعِلْمانيِّين كان يمكنهم أن ينظروا إلى هذه الشعائر على أساس أنها تمثِّل تراثاً لهذا الشعب المسلم، وهو أمر تمارسه كل الشعوب في جميع أنحاء العالم، ولكنهم في عدائهم للإسلام ولمبادئه، وفي عدائهم للقِيَم والمُثُل، وامتهانهم للعزة والكرامة الإنسانية، كانوا يرون الشعائر الحسينية والمجالس الحسينية مدارس سَيَّارةً تربِّي الإنسان المسلم في العراق على كلِّ العناوين الكبيرة التي تحدثنا عنها.

وكانوا يرونها دورة تربوية على العزة والكرامة، ورفض الظلم والطغيان، وتعليم الشهادة والتضحية، والصبر والصمود.

وهذا هو الذي يفسر لنا موقف العفالقة المجرمين من الإسلام والثقافة الإسلامية، ومحاولتهم باستمرار أن يمسخوا هوية الشعب العراقي الإسلامية، ويشوهوا الانتماء والتأريخ، والقيم والمفاهيم والشعارات، ويمنعوا الإنسان العراقي من الثقافة الإسلامية الأصيلة، فحاربوا الحوزات العلمية والمؤسسات الدينية، والمعاهد الثقافية والمكتبات العامة، والمساجد والحسينيات والتَّكايَا، ومراكز العلم والدعوة إلى الله تعالى.

ولم يكتفوا بذلك حتى قتلوا العلم والعلماء، وحرَّموا تداول الكتاب الإسلامي حتى كتب الدعاء والأعمال العبادية، والروايات والأحاديث النبوية، فضلاً عن نتاجات المفكرين المسلمين والكتَّاب والأدباء الصالحين.

وقد استخدموا في كل ذلك مختلف الأساليب الوحشية، والأجهزة الفنية الحديثة، والتضليل الإعلامي، وشراء الضمائر والذمم والأقلام، وصرف الأموال الطائلة في سبيل ذلك.

وحاولوا التستُّر على هذه الأعمال الإجرامية بشعارات الطائفية، والعنصرية، والعلمانية، لتمزيق الأمة في الداخل وإضعافها في مواجهتهم من ناحية، ولتضليل الرأي العام العربي والإسلامي في العالم الإسلامي من ناحية أخرى، ومحاولة كسب التأييد الغربي العلماني في أوساط الرأي العام العالمي.


مشكلة الطائفية:

إنَّ مشكلة التمييز الطائفي في العراق من قبل الأنظمة لها أبعاد وجذور تمتدُّ إلى السياسات التي وضعها المستعمر الإنجليزي لما يسمى بـ(الحكم الوطني)، لإبقاء الأمة في عُزلة من الأحداث السياسية، ولتبقى الطبقة الحاكمة مرتبطة بأهداف المستعمِر ومخطَّطاته وهيمنته.

وبالرغم من أن الشعب العراقي بعربه وأكراده وتركمانه وبقية أقلِّياته، وبشيعته وسُنَّتِه وبقية انتماءاته المذهبية يمثِّل شعباً واحداً في علاقاته الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، وثقافته، وفي مصالحه وأهدافه، ومواقفه في القضايا الرئيسة بحيث لا نجد مشكلة طائفية على مستوى الأمَّة والشعب في العراق.

ولكن الحكَّام حاولوا دائماً أن يكرِّسوا هذا الأمر لأهداف خبيثة ليست في مصلحة السنة ولا الشيعة، ولا مصلحة القوميات الأخرى.

وكان في مقدمة أسباب التكريس للوضع الطائفي على مستوى الحكم هو تغيُّب إرادة الشعب عن ممارسة دورها في رسم السياسات العامة للأمة، الأمر الذي أدَّى إلى حرمان الطبقات المستضعفة من الشعب من تمثيلها في إدارة الحكم والتعبير عن رأيها، بل ومطاردتها وملاحقتها عندما أخذت تطالب بحقوقها.

وبرزت الدكتاتورية والانفراد في الحكم كظاهرة طبيعية لهذا الإجراء وهذه السياسات، وفقد الشعب حرِّيته وكرامته وعزته، واستأثر الحاكم بكل الصلاحيات والإمكانات والطاقات، واستهتر بكل القوانين والحرمات والأعراف.

فكانت محنة الشعب عامَّة، ولكن من أجل تبريرها والتستُّر على أسبابها وكسب بعض الأنصار لها طَرَح النظام قضية الخوف من التغيير، لأن التغيير - كما يزعم النظام ويتذرَّع - سوف يكون على حساب الطائفة لا صَدَّام وزمرته.

وهنا لابد أن نؤكِّد ما أكَّده شهيدنا الإمام الصدر (قدّس سرّه)، ونبيِّن لجميع العراقيين أن النظام هو عدو لجميع أبناء الشعب العراقي من السنة والشيعة، وإذا كان ذلك خفيّاً إلى حَدٍّ ما بالأمس فقد أصبح ذلك واضحاً اليوم، وهو يقوم الآن بقتل واعتقال وتشريد أبناء السنة في العراق كما كان يصنع ولا زال في أبناء الشيعة في العراق.

كما لابد أن نؤكِّد أيضاً أن جميع أبناء الشعب العراقي إخوة يجمعهم الإسلام، وتُحتَرم فيه الأقلِّيّات الدينية، وأنَّ أواصر الأخوة والمحبة لابد أن تكون أساساً للتعاون والتناصر والتراحم بينهم للخروج من هذه المحنة الكأْدَاء.


مشكلتا العنصرية والدكتاتورية:

أيها الأخوة العراقيون:

إنَّ النظام عندما يثير موضوع الجنسية والأصول الفارسية والتركية للعراقيين يريد أن يمزِّقهم ويشتِّتهم، ويسلُبَ منهم هويتهم.

وعندما يثير موضوع الصراع بين الفرس والعرب في أكبر جريمة ارتكبها في حقِّ الشعب العراقي هي جريمة الحرب العدوانية ضد الإسلام والجمهورية الإسلامية يريد من ذلك أن يضلِّل الرأي العام العراقي والعربي، ويدخلهم في متاهات لا نهاية لها، وإلاَّ فإن شاه إيران كان يقيم نظامه على أساس الفارسية وكان صديقاً لصَدَّام، ودخل معه في معاهدة ومواثيق، ودافع صَدَّام عنه حتى النهاية.

ولكن عندما يقوم نظام في إيران على أساس الإسلام، ويدافع عن اللغة العربية والقرآن، وعن قضية الإسلام والعرب الكبرى فلسطين، يتحول خوف صَدَّام على نظامه إلى صراع بين الفرس والعرب، ويخرج صَدَّام من هذا الصراع بتدمير العراق وقتل أبنائه، ويتراجع خاسئاً عن مدَّعياته في شطِّ العرب وفي هذه الحرب.

ثم لا يكتفي بذلك حتى يكشف عن موقفه من الدفاع عن العرب بغزوه لأشقَّائه وجيرانه في الكويت، وتدميره لبلدهم وقتله لأبنائهم، واستخدام كل الإمكانات العسكرية ضدَّهم وضد أبناء جلدته بدل استخدامها ضد إسرائيل وضد الصهاينة، فيتحول الصراع في المنطقة بسبب ذلك إلى صراع مدمِّر بين العرب أنفسهم بدل الصراع مع إسرائيل.

ويفتح الأبواب للأجانب ويقدم لهم المبرِّرات في المنطقة وفي العراق نفسه، تحت شعار (أمُّ المعارك)، و(الله أكبر)، وغير ذلك من المدَّعَيات السخيفة.

وعندما يمنع النظام الشعائر الحسينية ويلاحق أبناءها، ويدخل في مواجهة مكشوفة واسعة مع أكثرية أبناء الشعب، لا يريد من ذلك إلا تبرير أعماله الوحشية، وفرض الهيمنة والتسلُّط على أبناء الشعب العراقي، وإبعادهم عن مضمون هذه الشعائر وأخلاقها.

وهكذا الأمر عندما يمنع النظام أكثر من ألف عنوان من الكتب الدينية والإسلامية والتراثية، ويتدخل في الشؤون الداخلية للعتبات المقدسة والزيارة، إنَّما يريد من ذلك ممارسة المزيد من الإرهاب والقمع، والهيمنة وإسكات الأصوات تحت شعارات الطائفية.

وعندما يقوم النظام بضرب الحوزات العلمية، ومُصادرة المؤسسات والمساجد، والهيمنة على خطب الجمعة والأحاديث الدينية، وكل شيء في العراق، إنَّما يريد من ذلك أن يبطش بالشعب ويتستر على جرائمه الوحشية التي لا يمكن للمخلصين السكوت عنها.

ثم عندما يقوم النظام بتنفيذ مخطَّط رهيبٍ لتجويع الشعب العراقي، وقطع كلِّ السُّبل ومنع كل الوسائل لإغاثته، وتعريض العراق وبُنْيته الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والحياتية للأخطار والدمار، إنما يصنع ذلك لأن صَدَّام وجَلاوِزته لا يهمُّهُم أن يموت الشعب أو يجوع أو يَعْرَى، أو ينتشر فيه الفساد والدمار والخراب، وإنما يريد صَدَّام أن يبقى في السلطة، وتبقى بيده أموال النفط ويتصرف بها كيف يشاء في تحقيق مآربه وشهواته ولذاته، وهو مستعد أن يضحِّي بالعراق وشعبه وكل مقوِّماته من أجل هذه السلطة والهيمنة.

ولذلك لا يجد صَدَّام وجَلاوِزته مانعاً من تدمير أسلحة العراق ومقدراته، وتراكم الديون في ذمة العراق إلى عقود طويلة من الزمن، ووضع الرقابة على مصانعه وقدراته، وتِجوال لِجَانِ التفتيش في كل مرافق العراق، لأن ذلك لا يَمَسُّ سلطته، فهو يتنازل عن سيادة العراق وكرامته وثروته من أجل البقاء في السلطة، أما عندما يراد أن يُشترى الدواء والغذاء لشعب العراق من أموال النفط فهو يرفض ذلك لأنه يمس سلطته ونفوذه.

وعندما يستخدم النظام الأسلحة الكيمياوية الفتاكة ضدَّ أبناء الشعب العراقي في الداخل وخصوصاً إخواننا الأكراد تحت شعار العنصرية، وضدَّ المسلمين في إيران تحت شعار الحرب ضد الشيعة والفرس، لا يريد من ذلك المحافظة على العراق وشعبه، أو المحافظة على العرب في مقابل الأكراد، أو السنة في مقابل الشيعة، بدليل أن صَدَّام لم يستخدم هذه الأسلحة ضد الصهاينة ولم يستخدمها ضد الغزاة، لأن استخدامها كان يمسُّ بسلطته ويهددها.

وبدليل أن صَدَّام قتل العرب في الكويت والمسلمين في إيران وقتل الشيعة في الجنوب والسنة الأكراد في الشمال، بل هو على استعداد لأن يقتل أقرب الناس له، حتى البعثييِّن المخدوعين المضلَّلين، قَتَلَهم وشرَّدهم، وطاردهم وامتهَن كراماتهم.

ولا يريد صَدَّام بهذه الشعارات أن يحافظ على الجيش العراقي وقدرته، لأنَّ أبناء الجيش العراقي يعرفون قبل غيرهم الذُّلَّ والهوان والامتهان الذي أنزله صَدَّام بهم وبالجيش العراقي، والدمار بتجهيزاته ومُعدَّاته، بحيث أصبحَ الجندي لا يجد لقمة الخبز التي يأكلها، أو السيارة التي تنقله، أو المعدات التي تدافع عنه.

إن هذه الحقائق وأمثالها كثيرة يشاهدها الإنسان العراقي في كل مناحي الحياة، فلا تجارة ولا اقتصاد، ولا إدارات ولا جامعات ولا مستشفيات، ولا جيش ولا أمن ولا استقرار، ولا حياة ولا عزة، ولا كرامة ولا ثقافة، إلا وتعرَّضت للأخطار في العراق في ظلِّ هذا النظام.


إسقاط النظام السبيل الوحيد للخلاص:

يا أبناء الشعب العراقي في الداخل والخارج، أيها المسلمون في كل مكان، أيها الحسينيون المجاهدون:

إنّ هذه الأوضاع المأساوية التي يعيشها العراق لا يمكن الخلاص منها إلا بإزالة هذا الكابوس الجاثم على صدر العراق، وإزالة هذا الكابوس إنَّما تكون بوحدة الكلمة، والتعاون بين جميع أبناء الشعب العراقي من العرب والأكراد، والتركمان وغيرهم من الأقليات، من السنة والشيعة والأقليات الدينية، ومن الشعب والجيش وبقية القوات المسلحة.

وها نحن نوجه نداءَنا لكم جميعاً، ونفتح صدورنا ونهتف بجميع المخلصين أن يستفيدوا من قيم ومُثُل وأخلاق الثورة الحسينية في هذه الأيام الشريفة، ويعدُّوا أنفسهم لعمل جادٍّ مخلص، يَتَّسم بالتضحية والفداء، والعزة والكرامة والإباء، لإنقاذ العراق وشعبه من هذه المحنة، والاعتماد في ذلك كله على الله تعالى وإرادة الشعب وطاقاته.

إنَّ الواجب على جميع العراقيين في كلِّ مكان أن يبذلوا كل ما بوسعهم من أجل تحقيق هذا الهدف، ويقفوا إلى جانب إخوانهم المجاهدين الذين يقدمون الغالي والنفيس، ويُضحُّون بأنفسهم من أجل خلاص الشعب العراقي من النظام الحاكم.

إنّ الواجب والمسؤولية العظمى على عاتق الجيش العراقي وعلى العشائر العراقية، وعلى المجاهدين والإداريين، والشباب والطلبة، والتجار والكسبة والعمال، والرجال والنساء، وعلى جميع المخلصين الخَيِّرين من طبقات الشعب العراقي، أن يتَّحدُوا في كلمتهم وموقفهم من أجل هذا الخلاص، ويكون رائدُهم مرضاةَ الله وحُرِّيةَ هذا الشعب وخلاصه من أيدي هؤلاء الجَلاوِزة المجرمين.

ولابُدَّ لأبناء الشعب العراقي المسلم أن يُحْيوا ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام)، ويتعلَّموا من مدرسته في هذه المحنة الصعبة، ولْيكن هذا الإحياء في قلوبهم وزيارتهم للإمام الحسين (عليه السلام)، وإقامتهم لشعائره، والتأكيد على ثقافته ودوره في حياة الأمة، والتعبير بأي وسيلة عن ارتباطهم به (عليه السلام)، وبمدرسته التي كانت مدرسة التضحية والفداء، والصبر والصمود، من أجل الخلاص والإطاحة بالظالمين.

فسلام الله عليك يا أبا عبد الله يوم ولدتَ ويوم استُشهدتَ ويوم تُبعَثُ حياً، والسلام عليك وعلى جميع الشهداء الصالحين ورحمة الله وبركاته.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية