تمزق النظام وفشله | أوضاع الأمة في العراق | حدود المنهج الذي نتبناه في الساحة العراقية | خطوط مشروعنا الإسلامي | كلمة شكر  
 
 
 

خطاب سماحة آية الله السيد الحكيم (قدس سره) بمناسبة أربعينية الإمام الحسين(عليه السلام)
في حرم السيدة المعصومة بمدينة قم المقدسة، بتأريخ: 20 / صفر / 1422 هـ. ق الموافق 14 / 5 / 2001م.


المشروع الإسلامي للقضية العراقية


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أيها الأخوة الأعزاء بالنظر لضيق الوقت نحاول أن ننهي مراسمنا هذه قبل أذان الظهر، ولذلك أرجو من جميع الإخوة الأعزاء المشاركين أن يأذنوا لنا بإلقاء هذه الكلمة المختصرة، وسوف ألقيها إن شاء الله مكتوبة على الورق اختصاراً للوقت.

السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، عليك مني سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم، السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

أيها الإخوة المؤمنون، يا أبناء علي والزهراء، السلام عليكم يا أبناء الشعب العراقي الصامد، أيها المهاجرون المشردون الغرباء من أبناء هذا الشعب الأبي، يا سيدي يا أبا عبد الله هؤلاء أولياؤك وأنصارك والسائرون على منهاجك، جاؤوا يجددون العهد معك وقد بَعُدت بهم البلاد وشق بهم المسير، وأُخرجوا من ديارهم وأموالهم وأبنائهم ظلماً وعَدْوَاً؛ ذلك لأنهم أحبوك وانتصروا لك والتزموا منهجك في رفض الظلم والطغيان والفساد في الأرض، فاشفع لهم يا أبا عبد الله عند ربك واكتبهم من أنصارك وأعوانك وشيعتك وزوارك.


رؤيتنا للحاضر والمستقبل:

أيها الإخوة المؤمنون، يا أبناء الشعب العراقي، إننا وكعادتنا معكم في الصراحة والوضوح في الحديث عن قضايانا في مثل هذا الموقف الروحي والمعنوي والجماهيري، المتضمخ بدماء سيد الشهداء وأهل بيته وأنصاره. نقول باختصار ونشير الى نقاط ثلاث تشكل مجمل رؤيتنا للحاضر والمستقبل، وهي:


تمزق النظام وفشله

النقطة الأولى: تشخيص الوضع العام الذي يعيشه النظام، حيث يمكن أن نحدده بصورة إجمالية بالأمور التالية:

أولاّ: الضعف الداخلي الذي يعيشه النظام، بالرغم من كل الإجراءات والمحاولات التي بذلها طيلة المدة السابقة، ويتمثل هذا الضعف بصورة أساسية بانكفاء النظام الى سلطة العشيرة التّي تمزقها الاختلافات والصراعات على النفوذ، مهددة النظام بالانقضاض عليه بإذن الله تعالى، وتحولت جميع المؤسسات والأجهزة التي يملكها النظام الى مؤسسات قمع وقهر واضطهاد للشعب العراقي.

ثانياً: عزلة النظام عن الشعب العراقي، وعجزه عن احتواء الحركة الشعبية بدون استخدام القوى العسكرية وعمليات القمع الواسعة، سواءً في شمال العراق أم في المحافظات الخمس الجنوبية التي تشهد عمليات عسكرية طول السنة، أم المحافظات الوسطى.

ثالثاً: فشل النظام في حل مشكلته مع المجتمع الدولي والدول الإقليمية، ولاسيما بعد مؤتمر القمة الذي عُقد في عمّان، وتدهور علاقاته مع الجمهورية الإسلامية.


أوضاع الأمة في العراق

النقطة الثانية: حركة الأمة في العراق، حيث نلاحظ بوضوح الاستجابة إلى النقاط الست التّي أعلناها في العام الماضي، تحت عنوان: ماهو المطلوب من الأمة؟ حيث نلاحظ ما يلي:

أ - الالتزام بالإسلام وشعائره، والولاء لأهل البيت (عليهم السلام).

ب - استمرار المقاومة وتصاعد قدرتها، وتنظيمها بصورة أقوى وأدق، وتطورها الكيفي ومساحة حركتها.

جـ - تطور الوعي السياسي في أوساط الأمة، سواءً في الالتفاف والتمسك بحبل الولاية المتين، أم بالتوجه الى المعركة الأساسية والعدو الوحشي.

د - تطور الوضع التنظيمي في حركة الأمة، والاتجاه نحو التخطيط والمرونة في مواجهة أساليب النظام.

هـ - بدأ الرأي العام الدولي والإقليمي يميز بين الشعب العراقي والنظام في الحصار، ويعمل على فك الحصار عن الشعب العراقي، وهذا ما دعونا له منذ عدة سنوات،وأصبح الآن هو السياسة العامة التي تحكم مسير كل السياسات.

وبهذا الصدد أيها الإخوة، لابد من التأكيد على ما يلي:

أولاً: إن وجود النظام العراقي يشكل أكبر خطر وتهديد للعراق وشعبه ومقدراته.

ثانياً: إن حماية الشعب العراقي دولياً من القمع المستمر، هو واجب حقوقي تفرضه قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهو واجب سياسي تفرضه المعاهدات الدولية، وواجب سياسي يفرضه واقع حركة الشعب العراقي من أجل الخلاص، حيث لا يمكن أن يتحقق الخلاص إلاّ بإذن الله تعالى وحركة الشعب العراقي من الداخل، ولا يمكن أن يأتي الخلاص من الخارج، بل لابدّ أن تتحرك الجماهير لتحقيق الخلاص.


حدود المنهج الذي نتبناه في الساحة العراقية

النقطة الثالثة: توضيح وتحديد المنهج والمشروع الذي نتبناه، فماذا نتبنى في ساحتنا العراقية؟

أولاً: لابدّ أن نعرف أننّا ننطلق من مبادئ وقواعد في عملنا، تمثل المنهج الذي نسير عليه، وهذه المبادئ هي:

أ - الموقف الشرعي في أداء التكليف الإلهي في مقاومة الطغيان والاستبداد، والذي نستلهمه من موقف سيدنا ومولانا الإمام الحسين)عليه السلام) ومن مواقف علمائنا ومراجعنا العظام، وفي عصرنا الحاضر من مواقف الإمام الخميني (رضوان الله عليه) وكذلك من مواقف الإمام الخوئي (رضوان الله عليه) في انتفاضة الخامس عشر من شعبان، ومن موقف الإمام الشهيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه) الذي فجر الثورة الإسلامية في العراق، وكل ذلك لأننا مسلمون ملتزمون بالإسلام ومبادئه، ولابد أن يكون لدينا تكليف شرعي نسير عليه.

ب - التمسك بالإسلام وأصوله العامة، لأن الشعب العراقي - بصورة عامة - شعب مسلم، بعربه وكرده وتركمانه، وسنته وشيعته، وحتى الأقليات الدينية الموجودة في العراق، هي أقليات عاشت في ظل الإسلام، وفي المجتمع الإسلامي، ولابد لها أن تسير في هذا الإطار الإسلامي.

جـ - الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) فإن الولاء لهم، وللعلماء والمراجع والحوزة العلمية، وهو مبدأ الإسلام الذي يعتقد به جميع المسلمين، وكان ملازماً لتاريخ العراق منذ الصدر الأول للإسلام، حيث كان العراقيون يوالون أهل البيت (عليهم السلام) ويحبونهم ويقيمون شعائرهم، وهذه الحقيقة لا يمكن أن نتنازل عنها.

د - المطالبة بالحقوق الإنسانية المشروعة لجميع أبناء الشعب العراقي، لا سيّما المظلومين منهم، والدفاع عن هذه الحقوق المدنية والثقافية والسياسية، هذه الحقوق التي صادرها النظام، وانتهك الحرمات دون تمييز بين سنة وشيعة، وبين عرب وكرد وتركمان، فالنظام انتهك جميع حقوق أبناء الشعب العراقي.


خطوط مشروعنا الإسلامي

ثانياً: إننا نلتزم بالخطوط التالية في مسيرتنا وعملنا، وهذا هو مشروعنا الإسلامي في مقابل المشاريع الغربية، وفي مقابل مشاريع الانحراف والتضليل، نحن لدينا مشروع إسلامي له خطوطه:

1- الإيمان بالغيب والقدرة الإلهية العظمى التّي لا تشبهها قدرة، وبها يتحقق النصر والغلبة بإذن الله تعالى.

2- الإرادة الإنسانية القوية الصابرة الثابتة المؤمنة المعتمدة على النفس، وعلى الثقة بالله تعالى، فإن التغيير لا يتحقق إلا من داخل النفس، ومن داخل هذه الجماعة {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(1).

3- تعبئة الأمة، هذه الأمة التي ترونها أمامكم بكل قطاعاتها ووحدة كلمتها ووحدة الصف في هذه الأمة، ووحدتها في أهدافها العامة وفي همومها، وتنظيمها وتوعيتها سياسياً وثقافياً، فالأمة هي أداة التغيير، وهي الهدف من التغيير والإصلاح.

4- الالتزام بالمقاومة بكل أشكالها المسلحة، والمدنية والسياسية والثقافية، وإسنادها بالعمل السياسي والإعلامي، بما يتناسب مع ظروف العراق.

5- إن هدفنا من التغيير ليس السلطة والحكم، وإنما هدفنا الإصلاح في اُمة رسول الله، وإصلاح الشعب العراقي.

هذا هو هدفنا أيها الإخوة، وهو الإصلاح الحقيقي لا الشكلي والصوري الذي تسعى له القوى الأجنبية، أو الذي تسعى له الأطروحات التضليلية والانحرافيّة، فهدفنا أن يكون هناك تغيير حقيقي في العراق، والرجوع الى الأمة في الحكم والإرادة في إطار الإسلام والمبادئ الإنسانية العامة، والالتزامات الدولية والحقوق المتبادلة في عالمنا اليوم.

أيها الإخوة الأعزاء المؤمنون، إننا حينما نجتمع بهذه الجماهير الواسعة، التي تمثل أوساط الشعب العراقي الأبي، من العلماء والخطباء والمبلغين والكُتّاب والأدباء، والمجاهدين الأبطال أبناء الشعب العراقي العرب والكرد والتركمان والعشائر العراقية البطلة، والمهاجرين المعذبين في سبيل الله. هذه الجماهير التي تمثل أقصى الجنوب في العراق الى أقصى الشمال في كردستان، وفي الوسط والغرب، كلها تحضر في هذه المناسبة بشخصياتها وممثليها، من أجل أن تعبر عن موقف واحد، وهو تجديد العهد مع الإمام الحسين (عليه السلام).

فنحن على هذا الطريق نجدد العهد مع الحسين(عليهم السلام) ونجدد البيعة له، إننا على طريق شهداء كربلاء، وهذا هو طريقنا أيها الإخوة.

ونعلن مرة أخرى تكريمنا للشهداء الأبرار الذين سبقونا بالإيمان، والمفقودين الأخيار الذين قد يكونون التحقوا بشهدائنا، وللمعذبين والسجناء، ولعوائل الشهداء، والصابرين والمعذبين والمشردين، إننا إذ نكرمهم في هذا الموقف، نعاهدك يا مولاي يا أبا عبد الله أننا على هذا الطريق صابرون صامدون شاكرون لله تعالى، مستمدون العون والنصر منه تعالى: {وَمَا النَّـصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}(2).


كلمة شكر

وكلمتي الأخيرة، كلمة شكر من صميم القلب، لكل هذه العواطف والمواقف التي جسدها الإخوة الأعزاء، وكان بودي أيها الإخوة أن أذكر كل الأسماء، ولكن كما تعرفون أن الوقت ضيق، والقلب معكم واليكم، وأنا معكم بإذن الله في هذا الطريق.

جزاكم الله خير الجزاء، وكتبنا من أنصار الحسين (عليه السلام) ونرجو شفاعة الحسين يوم الورود في مثل هذا الموقف، وأشكر إخواني الذين جاؤوا من كردستان العراق ليقفوا معنا هذا الموقف، وأشكر إخواني الذين جاؤوا من جميع المخيمات في الجمهورية الإسلامية، وهم يتحملون عناء السفر ومشقاته ليشاهدوا هذا الموقف.

وأشكر إخواننا المجاهدين الأبطال في كل مواقفهم، في الداخل والخارج، الذين شاركونا في هذا الموقف، وأشكر الهيئات الحسينية المشاركة، سواءً من قم أم طهران أم من الأماكن الأخرى من مختلف مناطق الجمهورية الإسلامية، وأشكر إخواني الذين ضيفونا في هذه الأماكن المقدسة، وفي مقدمتهم ولي أمر المسلمين آية الله العظمى الإمام الخامنئي، والأخوة في محافظة قم المقدسة، وكل الأجهزة العاملة، لا سيما الإخوة والسادة الأعزاء في روضة الحرم المقدس لسيدتنا ومولاتنا فاطمة بنت موسى (عليهما السلام)، نشكرهم جميعاً من صميم القلب، وإذا فاتني شكر أحد فشكره على الله سبحانه وتعالى.

أشكر الأخوات والشباب والفتيات، الذين كان لحضورهم في هذا الاجتماع طعم خاص، عندما تشارك نساؤنا ويشارك شبابنا وتشارك فتياتنا، مضافاً إلى شيوخنا الذين يكون وجودهم بركة لنا، نشكرهم جميعاً من صميم القلب، ونرجو من الله أن يشكر لهم ذلك.

أيها الإخوة الأعزاء ماذا أقول؟ يشهد الله عليّ أني في كل يوم أذكركم مرّات ومرات، ولا سيما في أعقاب الصلوات، أشكركم بعناوينكم وبجماعاتكم، وأسأل الله أن يرينا يوم النصر العاجل والفتح، وقد أدينا وظيفتنا الشرعية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

____________

1- الرعد: 11.

2- آل عمران: 126.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية