1- وعي المبادئ | 2- وعي الأهداف | 3- المرجعية السياسية | 4- وعي المصالح | 5- الوعي للظروف السياسية  
 
 
 

خطاب سماحة آية الله السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) في افتتاح
دورة (ثأر الله) السياسيّة التي أقامها مجمع الكوادر الإسلامية في قم المقدسة،
وذلك بتاريخ: 19 / جمادي الأولى/ 1422هـ ق الموافق 09/08/2001 م.


التخصص والوعي السياسـي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

في البداية أُبارك للأخوة الأعزاء هذا الموسم الشريف والاهتمام بلقاءات الدورة السياسية، لاسّيما في هذا العام الذي أعلناه عام (المرجعية الدينية والشعائر الحسينية)، وفي الحديث الذي نطرحه مع الإخوة الأعزاء لابدّ أن أشير فيه إلى نقطتين رئيسيتين، وهي:

1- أهمية عمل هذه الدورات السياسية.

2- الوعي السياسي.

منذ سنتين اتخذنا قراراً بتطوير الوضع السياسي في أوساطنا السياسية العراقية، وذلك بإقامة دورات لتطوير الوضع المعلوماتي والسياسي في الأوساط العامة لإخواننا العاملين والمتصدين في الساحة السياسية، وذلك بعد أن وصلت عملية التعبئة السياسية إلى مستوى ودرجة مناسبة لعملية التصدي والمواجهة السياسية، ولكن التعبئة السياسية تحتاج إلى تنظيم ومعرفة ووعي للواقع السياسي، بحيث يمكّن هذه التعبئة من الوصول إلى الأهداف التي وجدت من أجلها، خاصة وأنّ النظام العراقي - من خلال الخطط التي رسمها في هذا الجانب التي من جملتها ما سماه بـ الحملة الإيمانية - حاول أن يحتوي هذه التعبئة العامة، حيث وجد أن سياسة القمع وحدها لا تكفي للوصول إلى هذه النتائج فأدخل الحملة الإيمانية ضمن منهاجه الجديد.

لذلك أعتقد أنّ هذا الموضوع (الوعي السياسي) أو المعرفة السياسية أو الفهم السياسي للواقع، وترتيب أولوياته وتنظيمه يعتبر من الأهداف الرئيسية والمهمة في هذه المرحلة التي نواجهها مع النظام، ومن هذا المنطلق وعلى أساس هذه الرؤية، بدأنا بعمل واسع وفي مجالات مختلفة للقيام بالتوعية السياسية، وخصوصاً هذا المجمع (مجمع الكوادر) الذي قام بعمل دورات وندوات متعددة. وكذلك في (فيلق بدر)(1) فإنه يشهد أيضاً حركة واسعة من الدورات، ولهذه الدورات معلم من معالم هذه المرحلة التي يمر بها (الفيلق)، وعملنا السياسي، أي التوعية السياسية في مواجهة الظروف.

وهناك مسألة أخرى مهمة لها علاقة بهذه الدورات، وهي مسألة التخصص والتخطيط، حيث إنّ الظروف الحالية تختلف عن الظروف السابقة التي كانت المجتمعات الإنسانية تمر بها.

إنّ عالم اليوم مبني على التخصص والتخطيط من أجل الوصول إلى الأهداف المرسومة؛ وذلك باعتبار التطور الاجتماعي للحياة الإنسانية، حيث تحول العالم اليوم إلى بلد واحد، في تداخل مصالحه وقضاياه ومشاكله وتداعياته، وفي الاشتراك العام للقوى الموجودة في هذا العالم، الإنسان في السابق كان يستطيع أن يعيش وحده في كل أمور حياته ضمن مجتمعه - وأقصد الفرد والأسرة أو الجماعة الصغيرة - يمكن أن يعيشوا في هذه الحياة، ويحافظ على الاستقلال في حياته.

فمثلاً في السابق كان يمكن زرع الحنطة في المزرعة الخاصة، ثم يصنع منها خبزاً في البيت بدون الاعتماد على الخارج، أمّا الآن فهذا الخبز لابدّ أن يمر بمراحل وإجراءات عديدة كي يصل إلى مرحلة الخبز، وحتى الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، واللباس الذي نلبسه، وكل شؤون هذا الإنسان ترتبط بالعالم الكبير الذي نعيشه الآن، انظروا إلى كل معالم الحياة التي نحياها، نجد أنّ هذه الأيادي التي تمتد إلينا من مناطق بعيدة لها مساهمة في حياتنا وفي أكلنا وشربنا فضلاً عن القضايا الأكبر والأعظم.

ومن هنا عندما تصبح المشاركة مشاركة واسعة تحتاج بطبيعة الحال إلى برنامج وتخطيط وتقسيم في الأعمال والواجبات؛ للمساهمة في الحياة الإنسانية، والمحافظة على الاستقلال والإرادة فيها، وإلاّ يتحول الإنسان إلى مجرد تابع وأسير لهذه القوى، فقضية التخصص قضية مركزية وأساسية ومهمة في حياة هذا الإنسان، فالإعلامي والمبلّغ والكاتب والمؤرخ، كل هؤلاء يحتاجون إلى تخصص ليكونوا قادرين على المساهمة الحقيقية، وهذه الدورة يمكن أن يكون لها مساهمة مهمة وأساسية بالقدر الذي تسمح به ظروفنا وإمكاناتنا وطاقاتنا لتحقيق هذا الجانب من حركتنا وهو التخصص.

لذا أرجو من الإخوة الأعزاء أن يأخذوا هذا الأمر مأخذ الجد، فالدورة ليست لملأ الفراغ ولا للترفيه، وإنّما هي عملية تدخل ضمن البرنامج والمخطط العام في حركتنا، وملأ فراغ حقيقي في مجال العمل الذي يرتبط بأهداف هذه الحركة، ألا وهو موضوع التخصص الذي تحتاجه الحركة، وأكثرنا لم يتخصص في العمل السياسي والاجتماعي، وكل منّا كان له شأن آخر من الشؤون في حياته، ولكنّ ساقتنا الظروف السياسية القاسية بحيث أصبحنا كلنا نمارس العمل السياسي والاجتماعي.

وفي الواقع لم يكن في تخطيطنا الشخصي وبرامجنا الخاصة أن ندخل هذا العمل السياسي والاجتماعي بهذه الصورة، ولكن الظروف في العمل هي التي أجبرتنا على ذلك، ومن خلال الواجب الشرعي والتكليف الإلهي الموجه إلى كل واحد منّا في مواجهة الطغيان والاستبداد، أو من خلال الإحساس بالمسؤولية والشعور تجاهه، وهو واجب أخلاقي تجاه ما يحدث في العراق من انتهاكات للقوانين الأخلاقية، هذا الشعور الأخلاقي موجود عند كثير من الأخوة، أو الشعور بالواجب السياسي، بحيث يشعر الإنسان أنّ مصالح الأمة هو جزء منها، بأن يفرض عليه أن يكون عنصراً فاعلاً في هذه الجماعة العاملة والمتصدية لتحقيق أهداف الأمة وبناء مصالحها.

بل إنّ كل هذه الأمور (الواجب الشرعي والواجب الأخلاقي والواجب السياسي) يفرض ذلك الشعور والموقف العملي، وكل منها يكمّل الآخر في هذه المسيرة.

وقد لا ينطلق الإنسان أحياناً من الإحساس بكل هذه الواجبات، ولكنه يتحرك على أساس واحد منها، وهذا هو الأمر الذي جمعنا على هذا الأمر السياسي.

لكن هذا لا يعني أننا لا نلتفت إلى أهمية (التخصص) وكسب المعرفة والمعلومات التخصصية التي تجعلنا قادرين على أداء هذا الواجب، سواء كان الواجب شرعياً أو أخلاقياً أو سياسياً، وأن يكون هذا التصدي على أساس التخطيط في العمل، وعلى كسب المعرفة، بحيث يستطيع إنجاز هذا الواجب بشكل صحيح، وبمقدرة عالية. وهذه الدورة مساهمة أساسية ورئيسية في أداء هذا الواجب. هذا من جانب.

وأمّا الجانب الآخر (الوعي الإسلامي السياسي) فمن خلال الممارسة الطويلة في ميدان العمل السياسي والاجتماعي، أصبح لديّ شعور - ويمكن أن أقول أكثر من شعور - بأنّ هناك نقصاً كبيراً نواجهه على المستوى العام في ساحتنا الإسلامية بصورة عامة، والمرتبطة بجماعة أهل البيت (عليهم السلام) بصورة خاصة، ألا وهو النقص في الوعي السياسي.

إنّ جماعة أهل البيت (عليهم السلام) - والمسلمين بصورة عامة - الذين آتاهم الله سبحانه من فضله نعماً كثيرة، وامتيازات عديدة على الآخرين؛ لإيمانهم بالله سبحانه وتعالى والارتباط به، والانتماء إلى هذا الوجود الـمهيمن على كل الكون والاستمداد منه، إلى غير ذلك مّما يعنيه ويستلزم الإيمان الحقيقي أولاً، وبعد ذلك نعمة الإسلام التي هي من أفضل النعم بعد الإيمان بالله سبحانه ثانياً، ثم ثالثاً نعمة الولاية لأهل البيت (عليهم السّلام) وحبهم والاعتقاد بهم والالتزام بمنهجهم، هذه النعم هي نعم عظيمة جداً. كما أعطى الله سبحانه لهذه الجماعة نعمة الاستعداد للتضحية والفداء والبذل والعطاء منذ زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وحتى يومنا هذا.

إنّ تأريخ هذه الجماعة مليء بالفخر، كذلك أعطاهم امتياز المعرفة وطلب العلم، بحيث كان لامتياز طلب العلم والمعرفة دور كبير في المحافظة على هذه الجماعة وعلى تطويرها، بالرغم من كل الظروف القاسية التي مرت بها طيلة التأريخ الإسلامي، وكان للحوزة العلمية دور كبير في هذا الجانب، حيث إنّ الفرد يتحمل المصاعب والهجرة في سبيل الانتماء للحوزة وطلب العلم، ثم إنّ أبناء هذه الجماعة يقتطعون جزءاً من لقمة خبزهم الصغيرة، من أجل بناء حوزتهم العلمية التّي لا نظير لها في العالم الإسلامي في الرسوخ العلمي والمحتوى الروحي، بل في العالم كلّه، ويتحملون بصورة ذاتية مسؤولية الاكتفاء الذاتي للحوزات العلمية وإدارتها، وهذه القضية فيها كثير من المضامين العميقة في فهم هذه الجماعة وامتيازاتها.

وهذا المنهج والالتزام عديم النظير في عالمنا اليوم إذا أردنا التحدث عن المجتمعات الإنسانية، فنحن نجد الأخوة العراقيين مثلاً الذين يعيشون في (المجمّعات والمخيّمات) وبالرغم من صعوبة ظروفهم فإنهم يأتون بالحقوق الشرعية لتنفق في مواردها، وهي على بساطتها وقلتها، فهذا العمل له مضامين روحية ومعنوية عالية.

ولكن مع ذلك كله، لو راجعنا التأريخ منذ الصدر الأول للإسلام وحتى يومنا الحاضر نلاحظ أنّ الوسط العام لهذه الجماعة كان يعاني من مشكلة، وهي مشكلة الوعي السياسي المناسب الذي يجعلها قادرة على معرفة الظروف، ومعالجتها وتشخيص المواقف للوصول إلى أهدافها، وأقصد بذلك عدم وجود هذا الوعي السياسي بصورة عامة بالشكل المطلوب والمستوى المناسب الذي نحتاجه في حركتنا لا انعدام الوعي السياسي، أو عدم وجوده في بعض الأشخاص أو الأوساط.

وإذا أردنا أن نقسم جماعة أهل البيت (عليهم السّلام) حسب ظروفهم المتعددة ومناطقهم المختلفة نجد أنهم يتفاوتون في هذا الجانب أيضاً، فإذا أردنا أن نقرأ هذا الواقع نجد تفاوتاً كبيراً بين بعضنا وبعض، بحيث يحتاج هذا التفاوت إلى دراسة عميقة وبشكل دقيق لفهم علله وأسبابه، ولأجل الوصول إلى تقييم حقيقي.

فإيران مثلاً يوجد فيها مستوى من الوعي السياسي أفضل من أماكن أُخرى للجماعة، ونلاحظ في لبنان أنّ جماعة أهل البيت (عليهم السلام) أكثر تقدماً من الجماعات الموجودة في أماكن أخرى، ثّم العراق - وهذا لا ينبغي أن يجعل العراقي يشعر بالحزازة أو النقص في تقييم هذا الواقع ـ ثّم أفغانستان تأتي بدرجة بعد العراق، وفي مناطق الخليج، أن الوعي السياسي تطوره بدرجة كبيرة في المراحل الأخيرة، ولكن عندما نذهب إلى شبه القارة الهندية نجد أنّ هناك ظروفاً صعبة تحيط بجماعة أهل البيت (عليهم السلام) أثرت على وجود هذا الوعي، بالرغم من أنّهم أكبر جماعة من حيث العدد والكم بعد إيران، ولكن ظروفهم أو ظروف الوعي السياسي ظروف لا يُحسدون عليها. فهذا الموضوع يحتاج إلى دراسة وتقييم واهتمام بالغ في معالجته.

وكان من أسباب ما واجهناه في العراق الجريح في المرحلة الأخيرة من تأريخنا، ولاسيما بعد الحرب العالمية الأولى، وقيام ما يسمى بالحكم الوطني في العراق الذي أوجد الخلل في هذا الجانب، مع أنّ الأمة والجماعة لديها درجة عالية من الثقافة السياسية والمعرفة والاستعداد للتضحية، ولكن الوعي السياسي يختلف عن موضوع كون المؤمن مثقفاً أو ذا معرفة أو شجاعاً ومجاهداً.

يا ترى لماذا حدث هذاّ؟ ولماذا هذا الخلل في الوعي السياسيّ؟

إنّ جواب هذا السؤال يحتاج إلى دراسة واسعة كما قلت، ولكن يبدو للوهلة الأولى أنّ السبب في ذلك هو جماعة أهل البيت (عليهم السلام) بسبب ظروفهم التأريخيّة كانوا بعيدين عن الحكم، والممارسة السياسية العملية، والوعي لا يحصل عادة بالمعرفة والعلم والدراسة فقط، بل لابدّ - مضافاً إلى ذلك - من التجربة والمعايشة، وهي مسألة مهمة في تصعيد درجة الوعي السياسي.

لذلك عندما نقول: إنّ في إيران وعياً سياسياً بدرجة عالية أو مناسبة؛ لأنّ في إيران ممارسة سياسية وتجربة سياسية، والتجربة كانت قريبة من الحكم، والناس كانوا ولازالوا يشعرون بدورهم في الحكم ومساهمتهم فيه، وفي لبنان كذلك، أمّا في العراق فقد كان الحكم فيه على طول التأريخ الإسلامي حكم طغيان واستبداد، والحاكم فيه كان مستبداً طاغياً دكتاتورياً، وإنّ جماعة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا قد أُقصوا عن الساحة السياسية إلاّ في فترات محدودة وجزئية، وهذا السبب هو من الأسباب المهمة التي يجب أن نلتفت إليها في مسألة الوعي والممارسة، ومسألة تقييم هذا الفراغ الموجود في الوعي السياسي، وهذا بحث من البحوث العلمية التي تحتاج إلى دراسة مستقلة.

ولذلك أعتقد أن من العوامل المهمة جداً في تصعيد الوعي السياسي، هو وجود فرص لممارسة هذه الجماعة للعمل السياسي والاجتماعي، ولأن جماعة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا على مر التأريخ الإسلامي معزولين عن الحكم، ويعيشون على شكل أقلية، والأقلية تحاول أن تحتفظ بوجودها الذاتي وهويتها مقابل الأكثرية، وتحتفظ بالأولويات في مصالحها الخاصة مقابل الأكثرية، أمّا التوجه للحكم والممارسة فيه فلم يكن لديها فرصة لهذا الشيء أو الاهتمام به، لأنه كان بعيد المنال لديها.

أمّا الآن فقد حدثت تطورات جديدة في عالم اليوم، حيث إنّ الأقليات أصبحت حقيقة لا يمكن تجاوزها، ولابدّ أن يعطى لها فرصة في العمل السياسي والتمثيل، بعكس السابق حيث كانت تتعرض إلى الإبادة والإقصاء، كما أنّ جماعة أهل البيت (عليهم السلام) أصبحوا في بعض المناطق الأخرى يشكلون الأكثرية، فلابدّ أن يبينوا موقعهم في الوضع السياسي على أساس هذا التطور الجديد والواقع الجديد.

وهذا الموضوع يلقي الضوء على الواجبات التي يجب أن تتحملها جماعة أهل البيت (عليهم السّلام) في تحمل المسؤولية، والمشاركة في العمل السياسي والتصدي له.

وأمّا بقاء هذه الجماعة معزولة عن العمل السياسي بدعوى أنه عمل غير نظيف، وباعتبار ما يشوبه أحياناً من مشكلات أخلاقية وروحية ونفسية، أو دعوى أنه عمل غير مشروع، كما هو في أذهان القليل من المتدينين، فهو أمر غير صحيح، لأنّ الدين من السياسة والسياسة من الدين على حد قول أكثر العلماء، وقليل من العلماء ممن لا يمارس العمل السياسي، وهذا ليس لكونه غير مشروع، بل للتنزه عنه والخوف من الوقوع في الشبهات، ومن يقول بعدم شرعية العمل السياسي هم قليل من المتدينين، فضلاً عن أن يكون هو الرأي العام.

وأنا أعتقد أنّ أحد الأمور المهمة التّي قامت بها مرجعية الامام الحكيم (رضوان الله عليه) في دورها الريادي والاجتماعي، هو إخراج جماعة أهل البيت (عليهم السلام) - الذين أصيبوا بنكسة بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد ثورة العشرين، الأمر الذي أدى إلى عزلتهم - من العزلة السياسية، وهذا العمل كان قضية معقدة لم تتحقق في ليلة وضحاها، بل احتاجت إلى برنامج كبير لا مجال لشرحه الآن، وقد هيئت بذلك الأرضية الصحيحة لكل هذا النشاط السياسي والعمل العام.

فقضية الاهتمام بإدخال الأمة في ممارسة العمل السياسي هو أحد العوامل الأساسية والرئيسية في تصعيد الوعي السياسي لجماعة أهل البيت (عليهم السلام) هذا جانب.

والجانب الآخر من الحديث عن الوعي السياسي، هو معرفة أبعاد هذا الوعي وماذا نقصد بالوعي السياسي؟ وهذا موضوع مهم أيضاً، وله دور في ملأ هذا الفراغ ومعالجة هذه الظاهرة.

هناك مجموعة من النقاط أتناولها بصورة مختصرة وبمجرد الاشارة:


1ـ وعي المبادئ:

فإنّ وعينا لها تارةً يكون على مستوى معرفة الثقافة العامة وفهمها، والمعرفة العامة هي: العقائد وأحكام شرعية، ومفاهيم إسلامية مستنبطة من القرآن، بحيث تصبح ثقافية إيمانية أو أخلاقية، أو ثقافية شرعية مرتبطة بالجانب السلوكي للإنسان، يعني ثقافة عامة ليس إلاّ، وكمثال توضيحي لذلك، قضية (رفض الاستكبار)، فإنّ جماعة أهل البيت (عليهم السلام) قد تربوا وتثقفوا على رفض الاستكبار، سواء كان هذا الاستكبار كحالة عبادية كما في قضية استكبار إبليس عن السجود لآدم التي ذكرها القرآن الكريم، أو حالة أخلاقية من خلال رفض الإنسان حالة التكبر أو الهيمنة على الآخرين، أو كحالة سلوكية من خلال رفض الطغيان والاستبداد، وهذا مبدأ من المبادئ الإسلامية التّي نجدها في ثقافتنا الإسلامية، أو في رفض الاستكبار العالمي والهيمنة كما قال تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}، وهذا ما أوضحته في محاضرة سابقة.

وتارةً يكون على مستوى الجانب السياسي لهذا الموضوع، فليس لدينا ما يكفي من الفهم السياسي للتعامل مع هذا الجانب في ميدان العمل والواقع، وأنّ هناك خللاً في فهم هذا المبدأ، وطريقة التعامل معه عملياً وسلوكياً على المستوى السياسي؛ وذلك لأنّ الثقافة العميقة المبدئية الموجودة لدى أوساط أهل البيت (عليهم السلام) تمنعهم من التعامل مع أي شيء فيه متشابه أو شك وريب من العمل السياسي مع الاستكبار، الأمر الذي يؤدي إلى رفض التعامل مع هذا الواقع من الاستكبار وتجنبه بصورة مطلقة، وينتهي بالعزلة والتقوقع.

ومع أنّ موضوع الاستكبار واقع قائم في حياة المجتمعات الإنسانية، ولابدّ للإنسان أن يكون لديه وعي سياسي في التعامل معه، ولا يمكن أن يكتفي بالعزلة والرفض، حيث يمكن أن يقع بدون هذه السياسة تحت الهيمنة المطلقة للاستكبار، فيُدير حياته بذلك.

وهذا من قبيل موضوع (إبليس)، فإنّ الإنسان في حياته مثلاً لابدّ أن يتعامل مع حقيقة إبليس، لأنه حقيقة قائمة ولا يمكن من أجل أن ينجو من حبائله أن يجلس في بيته لئلا يتعرض إلى الفتنة والغواية بالمال والولد والزوجة والأصدقاء والعلم والقوة وهكذا، بل لابدّ من التعامل مع هذه الحقيقة من خلال الحركة العملية الفعالة مع كل هذه الأمور، ولكن في الوقت نفسه عليه أن يعرف كيف يتجنب الوقوع في حبائله.

وأنت أينما تذهب تجد الاستكبار، حتى في الإناء الذي نشرب به الماء، ومن خلال كل الأشياء التي تحيط بنا، فهل أنّ أخلاقية رفض الاستكبار يعني أن لا نتناول هذا الماء، وأن لا نركب هذه السيارة، وأن لا نستعمل الأجهزة والألبسة، ونعيش عزلة كاملة عن الحياة بسبب هذا الاستكبار؟!

إنّ معنى رفض الاستكبار أن يحتفظ الإنسان بإيمانه ومبادئه، وفي الوقت نفسه يتحرك في هذا العالم ليحقق استقلاله، ويعبـّر عن هويته ووجوده.

إذن، فما هي كيفية التعامل مع رفض الاستكبار؟ وما هي الأساليب التي لابدّ من استخدامها ومعرفتها؟

هذا الاستكبار الذي يبدأ من إبليس في حياته وحركته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي تريد أن تجعل النظام العالمي واحداً تتحكم في كل شؤونه، ومعرفة ذلك هو الوعي السياسي المطلوب.

فالخلاصة: إن الوعي السياسي لهذه المبادئ هو أن نتحرك في هذا العالم مع الاحتفاظ بهذه المبادئ، من أجل الوصول إلى الأهداف التي وضعها الله سبحانه وتعالى.

وكثيراً ما نلاحظ وجود جماعة ذات ثقافة عقائدية إيمانية أصيلة ولكن ينقصها الوعي السياسي، والمعرفة للتعامل مع هذه الحقيقة، مّما أدى بها إلى خسرانها لمصالحها بل ولاستقلالها وإرادتها، وأصبحت طعمة سائغة للاستكبار، وتعرضها بعد ذلك إلى كثير من الآلام في حياتها بسبب عدم وجود هذه المعرفة، وعدم وجود الوعي السياسي، بالرغم من الامتيازات والمواصفات التي تمتلكها هذه الجماعة.


2ـ وعي الأهداف:

إنّ الأهداف التي يسعى إليها الإنسان في حركته هي أهداف متعددة، بعضها بعيدة المدى، وبعضها قريب المدى، وكلها أهداف صالحة وواجبة، وفي كثير من الأحيان لا يمكن للإنسان أن يجمع أو يحصل على هذه الأهداف مرة واحدة، الأمر الذي يوجب على الإنسان الاختيار لواحد منها وتعيين الأهم منها، ووعي هذه الحالة (الأهم والمهم)، وأنّ هناك هدفاً أهم يجب أن يُقدّم على الأهداف الأخرى، لأنه يمكن أن يتحقق فيكون مقدمة لهدف آخر، ومعرفة الأهداف الواجبة تحتاج إلى علم ومعرفة، وكذا تشخيص أي من هذه الأهداف هو الأهم والأقرب، فإنّ جميع ذلك يرتبط أيضاً بالوعي السياسي للمرحلة وفهم ظروفها وملابساتها.

فمثلاً نحن في العراق، لدينا مجموعة من الأهداف الكثيرة والكبيرة، والأساسية والرئيسية، وكلها أهداف مشروعة، لكن الهدف الأهم هو الخلاص من الطغيان والاستبداد.

والهدف الآخر، أن نقيم العدل والحق في العراق بصورة كاملة، ومن خلال الأيادي الأمينة والإيمانية لتحقيق الحكم الإسلامي، فنحن أصحاب حق، ونحن جزء من أمة العراق، وكلا الأمرين يوجب علينا أن نساهم ونشارك في هذا الموضوع لنشر الحق والعدل.

ولكن عندما لا نستطيع الوصول إلى هذين الهدفين مرة واحدة، يجب علينا أن نشخص أي الهدفين هو الأهم لننتخبه، ولكي يشخص خطابنا السياسي وحركتنا السياسية على أساسه.


3ـ المرجعية السياسية:

ومن جملة القضايا المهمة في هذا المجال (الوعي السياسي) هو معرفة المرجعية السياسية، لأنّ الأمة لا يمكن أن تصل إلى تحقيق أهدافها ما لم يكن لديها مرجعية سياسية دينية، تشخّص لها المواقف، وتبيّن لها معالم الطريق، وتربط بها حركة الأمة الجماعية، لأنه لا يمكن أن يتحرك الجميع كلٌ حسب ما يريد، لأنّ لكلٍ مشاعره واجتهاده، ولأن الله خلقهم متفاوتين.

إذن، لابدّ للناس أن يكون لهم مركز واحد يدورون حوله، مثلهم مثل الجوارح التي خلق الله لها إماماً وهو (العقل)، كي تكون الحركة تكاملية ومنسجمة وواحدة.

إذن، فتشخيص المرجعية السياسية قضية مهمة في الوعي السياسي ولابدّ من الرجوع إليها في الحركة السياسية التي هي جزء من الوعي السياسي، فمثلاً في المرجعية الدينية الشرعية الفقهية حيث يوجد وضوح لدى جماعة أهل البيت (عليهم السلام) بشأنها، ولا توجد لهم مشكلة أساسية في هذا المجال - وإن كانوا قد يختلفون في تشخيص المرجع - ولكنهم واعون لضرورتها وأهميتها والمحافظة عليها، ولكن المرجعية السياسية الدينية تعتبر مشكلة من المشكلات الرئيسية لجماعة أهل البيت (عليهم السلام)، فأصل الإيمان بضرورتها هو محل تردد، فضلاً عن الارتباط بها والمحافظة عليها، وهذا الموضوع من المواضيع المهمة التي يجب أن نفهمهما، قد يكون هناك تعددية في المرجعية السياسية قبل الحكم، ولكن يجب أن يكون هناك وعي لشروط المرجعية أولاً، والاهتمام بوجودها وتكونها ثانياً، والاهتمام بوحدتها بالقدر الممكن ثالثاً.

نعم، بعد قيام الحكم فلابدّ من وحدة هذه المرجعية التي نعبر عنها بالولاية، ولا يصح التعدد فيها.


4ـ وعي المصالح:

وهذه مسألة مهمة أيضاً في قضية الوعي السياسي.

فالأمة لابدّ لها في وعيها السياسي، من أن تشخّص ما هو في مصلحتها ومصلحة قضيتها العادلة، والأولويات في هذه المصالح، وكيفية التوفيق بينها وبين الواقع الذي تعيشه الأمة من جهة، ومصالح الآخرين الذين تتداخل مصالحهم وقضاياهم مع مصالح الأمة من جهة أخرى.

إذ من الواضح في عالمنا اليوم أنّ مصالح الأمم والشعوب أصبحت متداخلة، فهي تارةً متكاملة وأخرى متضاربة، وعملية التوفيق بين هذه المصالح بعد معرفتها وإدراكها تعتبر من أهم مصالح الوعي السياسي، حيث لا يمكن للإنسان والجماعات في أكثر الأحيان أن تحقق جميع مصالحها، دون أن تأخذ بنظر الاعتبار مصالح الآخرين، وهذا ما يعبـّر عنه بسياسة المصالح المتقابلة والاحترام المتبادل.

وفي هذا المجال يمكن الاشارة إلى أنّ من أهم المصالح التي لابدّ للجماعة أن تعيها سياسياً، هي قضية وحدة الموقف السياسي تجاه القضايا الهامة للجماعة، وإنّ الاختلاف مهما كانت أسبابه يشكل أضراراً بهذه المصالح ما لم يكن الاختلاف من أن نعمل بها أو لا، أو نلتزم بالشرع أو نتركه. ولذا فأنّ التأكيد على الالتزام بالطاعة للقيادة الشرعية يمثل موضوعاً مهماً في الوعي السياسي.

وكذلك موضوع بناء المؤسسة السياسية والعسكرية، وغيرها من المؤسسات ذات الاهتمام العام بقضايا الأمة، وترسيخ دعائمها يمثل قضية مهمة في مجال الوعي السياسي خصوصاً في جماعة أهل البيت (عليهم السلام)، التي كانت ولازالت محرومة من وجود المؤسسات السياسية، والعسكرية، والإنسانية، والاقتصادية القوية.


5ـ الوعي للظروف السياسية:

ومن أهم معالم الوعي السياسي الذّي تحتاجه الأمة هو الوعي للظروف السياسيّة التّي تحيط بالجماعة، سواء كانت ظروفاً داخلية أو إقليمية أو دولية، ومعرفة خطط الأعداء كالنظام، أو القوى الاستكبارية التي تسعى للتسلّط والهيمنة، أو القوى الانتهازية التي تتربّص الفرص والدوائر بالأمة والشعب للاستئثار بها.

ومعرفة هذه الظروف تحتاج إلى دراية وخبرة تخصصيّة من جانب، وإلى متابعة دقيقة للأحداث والمواقف والوقائع المكشوفة والعلنية أو الخاصة غير العلنية بدرجة عالية من التحليل والاستنباط من جانب آخر. فهي عملية تشبه الممارسة الاجتهادية التي يقوم بها الفقيه المجتهد في متابعته للنصوص من ناحية، ومتابعته للموضوعات الخارجية لتطبيقها عليها من ناحية أخرى.

وهذا الوعي السياسي، وإن كان يتمثل بصورة رئيسية في القيادة أو المرجعية السياسية التّي لابدّ لها أن تقوم بهذا الدور، ولكن الأمة لها دورها الخاص أيضاً في هذا الجانب من الوعي، حيث يمكنها أن تقف إلى جانب القيادة عندما تكون درجة الوعي فيها جيدة ولو بصورة عامة.

كما أنّ للصفوة والكادر السياسي والعناصر المتدربة دوراً مهماً في إكمال الصورة وتحقيق هذا الهدف.

وبذلك لابدّ لنا أن نعرف أنّ الكثير من الضربات التي تلقيناها، والمؤامرات التي واجهناها وأحاطت بنا وانتهت إلى تسلّط الطغاة والمستبدين، أو إلى الأضرار البالغة، كان بسبب وجود الخلل والفراغ في جانب الوعي السياسي.

نسأل الله عزّ وجلّ أن يوفق الجميع، وخاصة الإخوة الأعزاء المشاركين في هذه الدورة المباركة لما فيه خير الإسلام والمسلمين.

والحمد لله ربّ العالمين.

____________

1- الفيلق: هو جيش مدرب ومسلح بالسلاح والفكر السياسي والعقيدة، اسمه بدر.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية