<
      تقديم | نظرة تاريخية للحوزة العلمية | مسؤوليات الحوزة العلمية | الحوزة حاملة الأمانة | خصائص الحوزة العلمية | مواصفات طالب العلم  
 
  <
 

محاضرة سماحة آية الله السيد الحكيم (قدّس سرّه) في مدرسة دار الشفاء، بمدينة قم المقدسة،
بتأريخ: 2 / 7 / 1422 هـ ق الموافق 20 / 9 / 2001 م.


خصائص وامتيازات الحوزة العلمية


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد وعلى آلِ بيته الطيبين الطاهرين.

والصلاة والسّلام على سيدنا ومولانا - بقية الله في أرضه - الحجة بن الحسن (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

والسلام على شهداء الإسلام في كل مكان، منذ الصدر الأوّل للإسلام وحتى شهداء هذا العصر.

والسلام على سادتي وإخوتي وأعزائي المجتمعين في هذا المكان الشريف ورحمة الله وبركاته.


تقديم

قال الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً}(1).

في البداية أبارك للإخوة الأعزاء والسادة الأفاضل هذه الأيام الشريفة، ولاسّيما أيام مواليد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حيث كنّا في ذكرى ميلاد الإمام الباقر (عليه السلام) مؤسس هذه الحوزة العلمية، ومولد الإمام الهادي (عليه السلام) الذي يصادف في هذا اليوم على رواية، وأمامنا مواليد أُخرى كمولد الإمام الجواد، والإمام مولى المتقين أمير المؤمنين (عليه السلام).

أسأل الله أن يبارك لجميع المسلمين هذه الأيام الشريفة، وأيام رجب وشعبان ورمضان، هذا الموسم الإلهي المبارك.

وفي هذه الأيام فرصة عظيمة ينتهزها الإنسان للاستزادة من الجانب الروحي والمعنوي، الذي هو من الشروط والمواصفات الرئيسية التّي يحتاجها الإنسان بصورة عامة في مسيرته في هذه الدنيا، وطالب العلم بصورة خاصة، حسب مراتبه ودرجاته في مسيرة التكامل.

أسأل الله أن يوفقنا جميعاً للمزيد من هذا الجانب المعنوي، وأن نكون ممن تأسى بأسلافه الصالحين.

الحوزات العلمية في تجاربها السابقة التي عشناها وعاصرناها كانت تستفيد إلى حدٍ كبير من هذه المواسم الشريفة، ضمن برنامج واسع من الممارسة الشخصية والذاتية، حيث تتحول إلى حالة جماعية في حركتها، ولذلك أنصح نفسي وكل الإخوة الأعزاء والسادة الأفاضل، أن يكون لهم برنامج خاص في هذا الموسم الشريف، فيضع كل واحد منا هذا البرنامج لما يتوافق مع درسه وشؤونه الخاصة، لكن يجب أن يكون هناك هدف معين من وراء هذا البرنامج، وهو الاستزادة المعنوية في هذا الموسم الشريف.

وكان من حسن الصدف والاتفاق والمقارنة أن يبدأ العام الدراسي في هذه السنة في هذا الموسم الشريف، الذي هو من ناحية يضغط على الجانب العلمي والدراسي، لكن من جانب آخر يكمل هذا الجانب العلمي والدراسي، أسأل الله المزيد من التوفيق.

الحديث في هذا المجلس الشريف، وفي هذه الظروف والآفاق التي نعيشها حديث واسع، وقد تفضل السادة الأفاضل، والإخوة الأعزاء الذين سبقوني في حديثهم، بإشارة إلى مجموعة من القضايا والآفاق المهمة، سواء كانت على مستوى النظرية والفهم الكلي لمسيرة الحوزات العلمية، أم على المستوى التطبيقي وملاحظة ومتابعة الأساليب والمصاديق والتجارب التي مرت بها هذه الحوزات العلمية، ولذلك أحاول أن أشير إلى أمور أتجنب فيها - إلى حد كبير - التكرار، إلاّ بما يفرضه تفسير المعنى وتوضيحه من خلال الإشارة إلى بعض المصاديق، وأكتفي في هذا الجانب بما تفضل به السادة الأفاضل، والأساتذة الكرام، والمسؤولون عن إدارة هذه الحوزات العلمية، جزاهم الله خير الجزاء، وأحاول أن أركز على محورين رئيسيين هما:

المحور الأوّل: هو إيجاد تصور عام عن الحوزة، والدور الرئيسي والمواصفات العامة التي لابدّ أن تتصف بها.

وعندما أقول لا بدّ أن تتصف بها، لا أقصد من ذلك إصدار الحكم الشخصي، فأنا واحد من طلاب هذه الحوزة - إذا كنت محسوباً كذلك - ولا يحق لي أن أقف هذا الموقف في إصدار الأحكام، وإنما أشير إلى ما أفهمه من مسيرة الحوزة، ومن النصوص التي وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) في فهمهم وتفسيرهم لهذه الحوزة العلمية.

المحور الثاني: هو محور طلبة الحوزة العلمية، أو بتعبير آخر المنتمين والمنخرطين في هذا الكيان الإسلامي المبارك، من أساتذة وطلاب ومبلغين ومرشدين وعاملين، إلى غير ذلك ممن ينخرط في الحوزة العلمية.


نظرة تاريخية للحوزة العلمية

وفيما يتعلق بالمحور الأوّل، فمن الناحية التاريخية يبدو أن الحوزة العلمية كانت تعتبر مؤسسة رئيسية من مؤسسات الدولة الإسلامية، عندما شاء الله أن يكون نصيب الرسالة الخاتمة - التي هي خاتمة الرسالات الإلهية - قيام الدولة والكيان السياسي لهذه الرسالة في عهد صاحب الرسالة نفسه، على خلاف الرسالات الإلهية السابقة التي تحمل مسؤولياتها الأنبياء أولو العزم، ولكن لم يشأ الله أن يقوم الكيان السياسي في عصر صاحب الرسالة.

أمّا الرسالة الإسلامية فقد شاء الله أن يقوم الكيان السياسي في عصر صاحب الرسالة، ويقوم صاحب الرسالة بتأسيس هذا الكيان السياسي بكل امتداداته، ومنه قضية ولاية علي وأهل بيته (عليهم السلام) على ما عرفنا ذلك من التأريخ، وقد أشرت إلى هذا المعنى في أحاديثي السابقة.

ومن هنا يمكن أن نجد أن آية النفر التي تمثل المبدأ التأسيسي للحوزة العلمية، جاءت في عصر متأخر من حركة هذه الرسالة، فبعد أن تمكنت هذه الرسالة من أن توظف دعائمها نسبياً في قاعدتها، وهي الجزيرة العربية، جاءت هذه الآية التي تنفي في بدايتها أن يكون النفر كله من أجل الجهاد في سبيل الله، وإنما تقسمه إلى قسمين:

القسم الأوّل: نفر للجهاد.

القسم الثاني: نفر لطلب العلم كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(2).

والحديث في هذا الموضوع طويل، لكن أشير إلى بعض جوانبه:

شاء الله تعالى أن يكون مصير الكيان السياسي ليس كما أُريد له في التخطيط الإلهي بإدارة أهل البيت (عليهم السلام) وبولايتهم، فمن هنا نلاحظ أنه كانت هناك فترة استمرت أكثر من قرن من الزمن، بدأت فيها مساعي أهل البيت (عليهم السلام) في إرجاع الكيان السياسي إلى خطه الرئيسي والأساسي، أي إلى يد أوليائه وهم أهل البيت (عليهم السلام) لكن شاء الله أن لا تتحقق هذه الأمنية وهذا الهدف، وأن يكون تحقيق هذا الهدف في مستقبل الأيام.

من هنا كان لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) المتأخرين نسبياً، الدور في إيجاد هذه المؤسسة بصورة مستقلة، من أجل أن تتحمل المسؤوليات الأُخر التي لابد أن يتحملها أهل البيت (عليهم السلام) من ناحية، وتتحملها هذه المؤسسة من ناحية أُخرى، فكان هذا التوفيق الإلهي العظيم للإمامين الصادقين الباقر والصادق (عليهما السلام)، في إيجاد هذه المؤسسة على شكل بذور وأفراد ينتشرون هنا وهناك، يقومون بدورهم في المجتمع الإسلامي، وكان لهذه المؤسسة في زمن الغيبة الكبرى للإمام الحجة الدور الرئيسي في النيابة عن دور أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بصورة عامة.

وإذا أردنا أن ننظر إلى القضية بمنظارها الكلي العام، من أجل تشكيل إطار الحركة في هذه المؤسسة، فهناك كثير من التفاصيل والشواهد التي يمكن أن تُذكر من أجل تأكيد وتوثيق هذه الفكرة التي أشرت إليها، ولعل من جملة ما يؤكد هذا الموضوع، التوقيع المعروف المروي عن الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، والذي يعطي لهذه المؤسسة هذا الدور، فبعد توجيه السؤال من أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، ومن معاصري الإمام الحجة عن الموقف بعد الغيبة الكبرى، قال الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف): «أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»(3).

وهذا في الواقع يعطي هذا النوع من التصور، لذا فإن مؤسسة الحوزة العلمية في معناها الشامل، الذي يكون من خلال المرجع الذي يمثل قمة الحركة في هذه الحوزة، ثم إلى المدرسين والعلماء، ثم إلى الطلبة، الذين نأمل من الله أن يكونوا في مدارج الرُقي فيصلوا إلى قمة الحركة في مستقبل أيامهم، فهذه المؤسسة - في الواقع - تمثل القيادة الكلية عن دور الأئمة (عليهم السلام) في غيبة وجود الكيان السياسي الإسلامي.

وقد شاء الله أن تمرَّ قرون على المسلمين وعلى شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، والكيان السياسي له وجود يختلف في مسيره عن مسير الجماعة الصالحة وحركة الحوزة الإسلامية.

أمّا الآن بعد وجود هذا الكيان السياسي، فهناك حديث آخر لا أُريد أن أُورِدهُ لأنه يوجد فيه بحث واسع وطويل، وبحثنا إنما هو في الحوزة العلمية بهذا المعنى وهذا الإطار والشكل، فلا بد أن تتوفر فيها مواصفات خاصة ومعينة شهدناها عبر تأريخها، وهذه المواصفات تمثل هذا الموقع الخاص، الذي أعبر عنه في بعض أحاديثي، أنه الموقع الأهم على الإطلاق بعد الكيان السياسي الإسلامي.

وهذا المفهوم الذي تحدثنا عنه، وموقع هذه المؤسسة، باعتبارها أسست في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) فكان لها هذا الموقع بعد الكيان السياسي، وهذه المؤسسة لا بدّ أن تتصف بمجموعة من المواصفات الرئيسية والأساسية، التي في جماعة أهل البيت (عليهم السلام) طيلة القرون السابقة، ولا زالت تتمثل فيها هذه الخصوصية، وتعتبر المؤسسة الأم لكل المؤسسات الأخر التي يمكن أن نفترضها في هذه الجماعة. وتتحمل هذه المؤسسة أصل المسؤوليات الرئيسية التي تحملها أهل البيت (عليهم السلام).


مسؤوليات الحوزة العلمية

وإذا أردنا أن نتحدث عن هذه المسؤوليات فقد يطول الحديث في تعدادها، لكن أشير إلى ثلاث مسؤوليات رئيسية مركزية، ولعل البقية تتفرع عنها.

وهذه المسؤوليات هي:

الأُولى: مسؤولية إبلاغ الرسالة بصورة عامة.

الثانية: إدارة الجماعة في شؤونها الداخلية، لا في شؤونها العامة ذات العلاقة بالكيان السياسي.

الثالثة: مسؤولية الفصل والقضاء في داخل إطار هذه الجماعة.

وهذه المسؤوليات الثلاث لابد أن توضع كهدف إذا أردنا أن نتحدث عن الأمانة التي تتحملها هذه الحوزة العلمية، فلابدّ أن توضع كهدف من أهداف هذا الإنسان الذي ينخرط في هذه الحوزة العلمية، ويكون هذا الهدف قائماً أمام هذا الإنسان.


الحوزة حاملة الأمانة

وإذا أردنا أن نتحدث عن الأمانة ونوضحها نقول: إن هذه الأمانة تتمثل بهذه المسؤوليات، وبهذه القضايا الخاصة التي يجب أن تعد الحوزة نفسها لتحمل هذه الأمانة، والقيام بها أفضل قيام وأدائها بأفضل دور.

وفي هذا المجال لابد أن نقول باعتزاز وفخر وشرف: إن حوزتنا العلمية بالرغم من كل النواقص والمشكلات التي واجهتها تمكنت عبر التأريخ أن تقوم - والحمد لله رب العالمين - إلى حد كبير بحمل هذه الأمانة، وأفضل شاهد هو ما ذكر في هذه الجلسة من ملاحظة الخط البياني لحركة جماعة أهل البيت (عليهم السلام)، سواء أخذناه من يوم وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، كخط بياني تحمله أئمة أهل البيت (عليهم السلام)أم أخذناه من أيام الغيبة الكبرى للإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) حيث تحمل المسؤولية المراجع والعلماء.

انظروا إلى جماعة أهل البيت (عليهم السلام) في زمن الشيخ الطوسي والمفيد والسيد المرتضى، حيث يمثل هذا الزمن بداية تحمل هذه المسؤولية من جماعة أهل البيت (عليهم السلام)، تجدوا أن هذا الخط البياني كان خطاً متصاعداً لا متنازلاً.

صحيح كان هناك اختلاف في الصعود والنزول، لكن بصورة عامة نجد أن هذا الخط كان خطاً متصاعداً، وهذا يعني أن العملية بصورتها الإجمالية العامة - في خطها العام لا بجزئياتها وتفاصيلها في هذا الوقت، أو في هذا الشخص أو ذاك، أو في هذه المجموعة من أهل البيت (عليهم السلام) أو تلك - كانت صحيحة وناجحة وقادرة على تحقيق الأهداف الكلية.

إذن، نقول ذلك بفخر إنها كانت بهذه الصورة وبهذا المضمون. ومن هنا فمراجعة الخصائص والمميزات الأساسية، التي كانت تتميز بها الحوزة العلمية والمرجعية الدينية طوال هذه القرون يُمثل شيئاً مهماً جداً في دراسة حركتنا المستقبلية.

فما هي الخصائص والامتيازات الرئيسية التي كانت في هذه الحوزة، والتي جعلتها قادرة على أن تعبر كل هذه العقبات والمشكلات، وتكون قادرة على التكامل والتنامي بالرغم من كل المحن والآلام التي مرت بها؟ وما هي هذه الخصائص التي جعلتها قادرة على القيام بهذه المسؤولية، وأداء هذه الأمانة، والوصول بها إلى هذا العصر والزمان؟


خصائص الحوزة العلمية

إن هذا شيء مهم جداً في رؤيتنا للمستقبل عندما نتحدث عن هذه الحوزة وعن موقعها، وسوف أشير إلى بعض الخصائص بصورة إجمالية، لأن بعضها قد يحتاج إلى كلام تفصيلي، ولا يسع الوقت لذلك. وهذه الخصائص هي:


1 - عالمية الحوزة:

الخصيصة الأُولى: العالمية في الحوزة العلمية، وهذا هو منهج أهل البيت (عليهم السلام) فهذه الحوزة كانت منذ بداية وجودها حوزة ذات خصائص أعلى من الخصائص التي يتأطر فيها الإنسان في حركته، سواء كانت هذه الخصائص قومية، أم خصائص جغرافية، أم خصائص أخرى يمكن أن تنعكس على ظروف هذه الحوزة، من قبيل خصائص الظروف السياسية والاجتماعية.

فمن خصائص الحوزة العلميّة الشيعية (الحالة العالمية)، التي هي حالة إسلامية، ومن خصائص الرسالة الإسلامية الخاتمة التي جاءت وتمكنت أن تحقق هذه العالمية.

وهذا الموضوع بحثه طويل جداً يرجع إلى ذلك الصراع الذي نشأ بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) على مستوى الدولة الإسلامية، ثم انعكس هذا الصراع على مستوى الأُمة وشعوبها، وهذا الصراع هو: هل تكون الرسالة الإسلامية رسالة يحمل همومها ومسؤوليتها العرب بصورة عامة، ويبلغونها للناس، ويدخل الناس في الإسلام من خلال هذه الجماعة، أو أن هذه الرسالة هي رسالة للمسلمين جميعاً، ولا تختص بهذه الجماعة من الناس؟

هناك اتجاه كان يقول: إن القضية هي قضية العرب، ولذلك عمّم مصطلح أهل البيت (عليهم السلام) إلى قريش، باعتبار أن لهم خصوصيات من الناحية القبلية، ولهم احترام خاص في المجتمع القبلي، ثم تطور هذا الأمر في زمن الأمويين إلى طرح القومية العربية.

الذي نشأ هذا الطرح في أيام عمر بن الخطاب، وأُريد من الخليفة الثاني أن يُقره في الأساس، لكن في أيام الأمويين أصبح هذا من الأطروحات الواضحة، بحيث تأتي جماعة من الناس إلى الإمام علي (عليه السلام) في ذلك العصر وتقول له: (غلبتنا عليك هذه الحمراء) (4) - أي أولئك الناس الذين لا ينتمون إلى العرب غلبونا عليك - ومع أن الإمام عليا (عليه السلام) من صلب العرب، ومن صلب الأُمة العربية، لكن مع ذلك كانت القضية بهذا الشكل.

ولعل من أسرار هذا الارتباط والولاء الخاص لغير العرب بأهل البيت (عليهم السلام) ووجود مراكز التشيع بصورة فاعلة وقوية، وبالرغم من أن التشيع لم ينطلق من المناطق غير العربية، وإنما انطلق من العراق في حركته السياسية، لكن وجود المراكز المهمة للتشيع التي ازدادت في غير البلاد العربية، لعل أحد الأسرار والأسباب في ذلك هو هذه الرؤية، وهذا الفهم والطريقة من العمل والحركة في الحوزة العلمية.

فقد هاجر الأشاعرة إلى قم، وهم من العرب، ووجدوا لهم موطناً وأسسوا هذه الحوزة، التي هي أعرق مؤسسة وحوزة من حوزاتنا العلمية في تأريخنا.

وهكذا كان لبلاد ما وراء النهر، وبلاد خراسان، وبلاد الري وغيرها من المناطق، كان لها دور عظيم جداً في هذا التأسيس، في مختلف المجالات والمواقع.

وقضية العالمية من القضايا المهمة، ولذلك نلاحظ في حياتنا المعاصرة أن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في انتمائهم الحوزوي لا فرق عندهم بين الشيعي العربي، أو الهندي، أو التركي، أو الفارسي، فيما يتعلق بهذا الجانب القومي.

نحن شاهدنا في عصرنا الحديث مراجع ينتمون إلى العرب قُلدوا واحترموا بدرجة عالية جداً في مناطق غير عربية، كالإمام الحكيم (رضوان الله عليه)، وكذلك شاهدنا مراجع ينتمون إلى بلاد فارس، وبعضهم ينتمي إلى الترك، وإلى قوميات آخر كانوا موضع الاحترام والتقليد، والرجوع المطلق للبلاد العربية.

وهذا الرجوع من الناس حاصل بالرغم من الضغوط والظروف السياسية، وبالرغم من محاولات القمع والحصار التي فرضت على هؤلاء المراجع والعلماء، وبالرغم من وجود الحكومات المنحرفة، التي كانت ولا زالت تحكم بعض مناطق العالم الإسلامي، بالرغم من كل ذلك شاهدنا هذه الحالة، وهذا كنتيجة للتأريخ وليست كحالة، وبالرغم من وجود ما يعبر عنه بـ(الوطنية، والقومية، والجغرافية) التي أصبحت مطروحة بقوة الآن، لكن مع ذلك بقيت الحوزة العلمية تقاوم هذا الأمر مقاومة عالية وكبيرة، وهذا - في تصوري - أحد الأسرار المهمة لمقدرة الحوزة العلمية على أن تتحرك بهذا الاتجاه، وتحقق هذا البُعد.


2 - الحالة التطوعية في الحوزة:

الخصيصة الثانية: الجانب التطوعي، فالحوزة منذ بداية نشوئها وحتى الآن هي حوزة تطوعية في كل مراحل حياتها، من الطالب الذي يتدرّج في الظروف الصعبة، إلى الأُستاذ الذي يجهد نفسه في تدريس وبذل العلم وإعطاء الوقت، إلى المرجع الذي يتحمل كل هذه المسؤوليات، فالحالة لا تخضع لمواثيق وعهود بالمعنى المعاملتي الذي نقرأه في كتاب المكاسب في عقد الإجارة، والبيع، والجعالة، وما أشبه ذلك من المعاملات، بل هي عهود ومواثيق مع الله ومع أهل البيت (عليهم السلام) ومع دماء الشهداء، ومع هذه القيم التي نعتقد أن المواثيق والعهود معها هي المواثيق والعهود الحقيقية.

فالحوزة العلمية حوزة تطوعية بهذا المعنى، لكن في بُعد آخر تتصف هذه الحوزة بالاستقلالية، وأحد العناصر المهمة والذي يمثل ذلك الجانب هو هذا الاستقلال، الذي نشأ من هذا النوع من التطور، فهذه الحوزة كانت مستقلة في إرادتها وكيانها.

فالجانب المالي التطوعي، هو الجانب المالي في خصوصية أهل البيت (عليهم السلام)، الذي أشير إليه في بحث السادة الأفاضل في موضوع (الخمس).

فالقضية هي ليست قضية الخمس في مقابل الزكاة، وإلاّ فالزكاة هي - أيضاً - مورد مالي، وأهل السنة يؤمنون بها، ونظرتهم للزكاة في مجالها المالي أوسع من الخمس; لأنهم يعتقدون أن الزكاة في مال التجارة أيضاً، فهم يوسعون أموال الزكاة بصورة واسعة، ومن ثمَّ فالمورد يكون مورداً كبيراً، وإنما القضية أن هذه المسألة لم تكن مفروضة على الناس من خلال قوانين الدولة، والخمس لم تؤمن به الدولة حتى تفرضه فرضاً، وإنما نشأ بتوجيه أهل البيت (عليهم السلام)، وهو مشروع مفروض في الإسلام، لكن نشأ بتوجيه أهل البيت (عليهم السلام) وبدأ في حياة هذه الجماعة بحالة تطوعية.

فالناس عندما يدفعون الخمس لا يدفعونه من خلال فرض ضرائب مالية ملزمة، وإنما هي حالة طوعية، وهذه قضية مهمة جداً في مسيرة هذه الحوزة، ولذلك كان إمام الأُمة(5) وهو مؤسس لهذه الدولة، ومعتقد بشرعيتها اعتقاداً كاملا، ولا يوجد عنده أي شك في شرعيتها وشموليتها، يرى أن استقلال هذه الحوزة يمثل قضية مهمة جداً في أداء هذه الحوزة لدورها العالمي الذي يمكن أن تقوم به، وهذه المسألة من المسائل المهمة جداً التي لابد أن نأخذها بعين الاعتبار.


3 - الاجتهاد المنضبط:

الخصيصة الثالثة: الحركة العلمية، فأحد المميزات الرئيسية للحوزة العلمية الشيعية هو بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً.

وهنا يطرح هذا السؤال:

هل أن إبقاء باب الاجتهاد مفتوحاً مع وجود المذاهب الإسلامية الأُخرى، هي قضية صراع في مقابل أهل البيت (عليهم السلام) أو أنها قضية ترتبط بمسألة أُخرى، وهي أن باب الاجتهاد في الفقه يبقى مفتوحاً بصورة مطلقة؟ وهذا أدى إلى مشكلات أساسية في المجتمع الإسلامي، باعتبار قضية الرأي والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، إلى غير ذلك ممّا يؤمن به الفقه السنّي، الأمر الذي أدى إلى حالة انحلال في الاجتهاد، ومن ثم انفلات في المجتمع الإسلامي، كما نلاحظ الآن - ومع الأسف - بعض الظواهر في أوضاعنا العلمية، عندما تشاهد هذه الحالة من الانفلات والخروج عن الضوابط العلمية الاجتهادية، تُطلق فتاوى وكلمات تجعل المجتمع يهتز من خلال هذا المفتاح.

أمّا أهل البيت (عليهم السلام) فقد جعلوا موازنة علمية أساسية ومهمة، ولا بدّ للحوزة العلمية أن تحتفظ بها، وتجعلها من أهدافها الأساسية، وهي أن يكون الاجتهاد مفتوحاً لا يغلق بصورة مطلقة، ولذلك لا يوجد عندنا صحاح بالمصطلح السني، بالرغم من وجود أحاديث كثيرة أضعاف ما عند أهل السنة، وتوجد عندنا روايات معتبرة، لكن لا يوجد عندنا صحاح، فلماذا؟

لأن باب الاجتهاد مفتوح دائماً أمام المجتهد بالنسبة إلى الأحاديث والفقه، وغير ذلك، ومن ثمَّ فلا معنى أن نقول: إن هذا صحيح ونقف بصورة مطلقة، فيمكن أن يتبدل الصحيح في يوم من الأيام إلى شيء غير صحيح، بحسب الحركة الاجتهادية. لكن في الوقت نفسه جعلت هذه الحركة الاجتهادية حركة مضبوطة ضمن قواعد وأُصول دقيقة، لا يمكن تجاوزها، ووضع أهل البيت (عليهم السلام) خطوطاً حمراء، منعوا من تجاوزها، من أجل أن يبقى هذا الانضباط في العملية الاجتهادية.

وهذا هو الذي يفسر في تأريخنا الإسلامي - بحسب ما أفهم من تحليل التاريخ - بالموقف المتشدد من قبل أهل البيت (عليهم السلام) تجاه مدرسة الرأي - والتي رائدها أبو حنيفة - باعتبار أن هذه المدرسة تعمل خارج هذه الخطوط الحمراء، مع أن مدرسة الرأي من الناحية السياسية كانت أقرب إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من المدارس الأُخرى.

وكذلك موقعها الجغرافي حيث كان أقرب إلى جماعة أهل البيت (عليهم السلام) - لأنها كانت في العراق - من المدارس الأُخرى، التي لم تكن قريبة من هذه الجماعة، وبالرغم من كل ذلك دخل أهل البيت (عليهم السلام) في مواجهة قوية مع هذه المدرسة.

فهم وإن انتقدوا المدارس الأخر، لكن لا بهذا المستوى، لأن مدرسة الرأي فيها هذا النوع من الانفلات في عملية الاجتهاد.

فقضية الضبط للاجتهاد، بمعنى بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً، والمحافظة على الاجتهاد، والوصول إلى المعلومات الصحيحة، قضية مهمة جداً، لكن طبق الضوابط.

وأنا أؤكد على هذا الموضوع، لأننا نعيش في هذه المرحلة مشكلة حقيقية فيما يتعلق في موضوع الإمكانات والقدرات الثقافية، التي قد يملكها شخص ما.

هناك مثلا من يملك قدرة ثقافية خطابية، وحديثه مرتب ومبرمج، لكنه لا يملك القدرات العلمية المطلوبة في الوصول إلى النتيجة الصحيحة، ومن خلال الخطاب الجيد، والثقافة الواسعة والأفكار الحسنة يمكن أن يكسب رأي أكثير الناس، ويجذب له هذه الجماعة.

وهذه مسألة خطرة جداً في الحوزة العلمية، وأحد الأُمور الأساسية التي يجب أن تجاهد لأجلها الحوزة العلمية، وتقف فيها موقفاً صلباً، كما وقفه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ألا وهي الدفاع عن قضية الضوابط، فلابدّ أن يكون العلم المطلوب طبق هذه الضوابط. فليس الحديث عن النتائج، لأن النتائج التي توصل إليها هذا المذهب أو ذاك قد تكون قريبة من نتائج مذهبنا، لكن المهم أن تكون النتيجة التي توصلنا إليها طبق الضوابط، ومن ثم تكون مُعذِّرة عند الله أو منجزة، كما نعبر في المصطلح الأُصولي.

وهذا هو المهم، لأننا من خلال هذه الحركة نريد أن نصل إلى ما يرضي الله تعالى، وإلى ما يؤهلنا للوصول إلى المقامات والدرجات العالية عند الله يوم القيامة، وليست المسألة هذا التفصيل أو ذاك في الأحكام الشرعية.

لذا فإن إبقاء الحركة العلمية نشيطة منفتحة قادرة على مواجهة كل المشكلات والحوادث التي تعيشها الجماعة، وفي ضمن الضوابط والأُصول الموضوعة لهذه الحركة، من القضايا التي جعلت هذه المؤسسة قادرة على التكيف، ومواجهة المشكلات والأحداث والتطور والنمو، وعدم الجمود والوقوع في حالة الانفلات والخروج عن الحالة الضوابط.


4 ـ التقوى:

الخصيصة الرابعة: أن التقوى والأخلاق هي إحدى المميزات في حوزتنا العلمية، والتي أكد عليها الإسلام وأكد عليها أهل البيت (عليهم السلام) تأكيداً كبيراً، وكذلك علماؤنا ومراجعنا العظام في مختلف أدوار التاريخ، سواء على المستوى المفهومي وإعطاء النظريات والمفاهيم، أم على المستوى التطبيقي والعملي، بحيث كانت المنافسة أحياناً بين هؤلاء المراجع - عندما تلتبس الأُمور - في مَنْ هو الأتقى والأورع، ومَنْ هو أكثر التزاماً بالجانب الأخلاقي والسلوكي.

إن أكثر ما تكون المنافسة في من هو الأعلم والأفضل، باعتبار أهمية هذا الجانب، كما قرأنا وكما ذكر السادة الأفاضل، ولكن في حديثهم لا يكون هذا الجانب أولاً وبذات، وبدون هذا الجانب لا معنى ولا أساس لكل الأُمور الأُخرى، لأنه مهما كان العالم عالماً، ولو كان أعلم العلماء على الإطلاق، لكنه فاقد للتقوى فلا قيمة لعلمه، ولا يصح الرجوع إليه في أي أمر من الأُمور، فيفقد الأهلية في هذا المجال.

فقضية التقوى قضية أساسية، ولها مضمون واسع، فبعض الناس كما ذكر يأخذ التقوى في مسائل معنية، ويفترض التقوى فيها، مع أن التقوى لها معنى آخر. فالتقوى تكون في المجال الشخصي، الاجتماعي، وفي الأموال وفي الجانب السياسي، فهي في أمور كثيرة، لابد أن نتحدث عنها، ويتحدث عنها الإخوة الأعزاء والسادة الأفاضل في دروسهم.

ولا بد أن نأخذ التقوى بهذا المضمون الواسع، في تحمل الأمانة والمسؤولية والتضحية من أجلها، إلى غير ذلك مما يمكن أن نشير له في هذا الموضوع.

أضف إلى ذلك الاحتفاظ بالروح المعنوية العالية، وهذا يرتبط بجانب التقوى والأخلاق، وإذا فقدت الحوزة العلمية الروح المعنوية العالية، بمعنى روح التصدي وتحمل المسؤولية الكلية للمجتمع الإنساني، وروح عمل رسالة البلاغ وإيصالها إلى العالم، وروح مواجهة الحضارة المادية بإمكاناتها وقدراتها الهائلة، التي توجه الآن هجوماً كبيراً على مجتمعاتنا وأمتنا، وعلى الحوزة العلمية، إلى غير ذلك، وحتى روح مواجهة هذا الهجوم الذي يُشن الآن على الحوزة العلمية في اتهامها بالتخلف، وابتعادها عن المسؤولية، وكذلك محاولة تخريبها من داخلها.

فإذا فقدت الحوزة العلمية الروح العالية للتصدي لكل هذه المشكلات، فسوف تقع تحت سيطرة الآخرين بلا شك، وتفقد قدرتها ومسؤوليتها. وهذا بمفهوم التقوى، فالتقوى عندما نفهمها بهذا المضمون الكلي العالي يكون لها مدلول كبير آخر في هذا المجال.

فلابد أن ننظر إلى الحوزة العلمية من هذا الموقع الخاص المهم، حيث لها الموقع الأهم بعد الكيان السياسي الإسلامي الشرعي الأصيل، وكذلك من خلال هذه المميزات والخصوصيات التي لابد أن نتحملها، ونحاول أن نكملها.


مواصفات طالب العلم

أمّا ما يتعلق بالمحور الثاني وهو محور طلبة الحوزة العلمية، فسوف أذكر فهرساً لبعضها:


1 ـ التقوى:

في هذا الموضوع عدة قضايا أساسية ومهمة، ذكر بعضها الإخوة الأعزاء، وبعضها أشرت إليها كقضية التقوى، وهي قضية مهمة جداً، وأؤكد عليها مرة أُخرى في طلبة العلم والحوزة، ونحن نؤكد عليها بصورة عامة، ولكن في طلابنا نحتاج أكثر إلى هذا الجانب، وبعض الأساتذة الأفاضل شرحوا وبينوا كثيراً من التفاصيل ذات العلاقة بهذا الموضوع، ونحتاج دائماً إلى أن نؤكد عليه.

والتأكيد على التقوى على مستوى دروس تلقى، أو حديث في داخل الدرس، مفيد جداً، لكن تبقى روح القضية هي المعالجة الشخصية والمحاسبة النفسية للطالب نفسه، ومقدار تأكيده على هذا الجانب، وتخطيطه لإيجاد هذا الموضوع في نفسه، وزرع روح التقوى في نفسه هو الأساس والأهم في هذا الجانب.

والأمر يتعلق بالطالب ومقدار قناعته ومحاسبته لنفسه، وتخطيطه الشخصي للوصول إلى هذه الدرجات التكاملية، والتقوى وإن كانت مصلحة، لكنها قبل كل هذه المصالح هي قضية الإنسان نفسه، كيف يمكن أن يصل إلى الله ويكون مرضياً من قبل الله.


2 - طلب العلم:

إن طلب العلم والمعرفة من أهم الأمور لدى طالب العلم، فالعلم فيه مضمون ومحتوى، ونحن لابد أن يكون لدنيا تطوير في المضمون والمحتوى، ولكن هناك جانباً مهماً في العلم وهو الشكل والبيان لهذا العلم، وتقديمه للناس.

ولذلك نجد من جملة الصفات التي يصف القرآن الكريم بها نفسه أنه مبين، أي هذا الأمر لابد أن يكون أمراً بيناً واضحاً للناس، حتى يمكن أن يفهموه ويعرفوه، فالعلم والمعرفة يحتاجان إلى هذا الجانب.


3 ـ الوعي السياسي:

إن الوعي السياسي من الأمور المهمة والمفيدة التي يحتاجها طالب العلم، وخاصة في مثل هذه الأيام الحرجة، وإن وجد هناك اتجاه معاكس بأن طالب العلم عليه أن يكون بعيداً عن السياسية ودورها، ويفرغ نفسه لطلب العلم فقط; لأن دوره الأساسي ومهمته الأساسية طلب العلم.

ولكن شئنا أم أبينا أن هذا الأمر ليس بإرادتنا واختيارنا، لقد أصبحت القضية السياسية قضية يومية نعيشها، فالإنسان يمر في الشارع ويجد أمامه القضية السياسية، ونحن الآن كعراقيين في هذه الهجرة كل قضيتنا من أولها لآخرها هي قضية سياسية.

وأنا أتحدث بصورة عامة ولا أتكلم عن كل فرد، إن وجودنا في الجمهورية الإسلامية بصورة عامة هو قضية سياسية واستثنائية، فلولا هذه القضية السياسية لكنا في النجف. هذا هو الوضع بشكل عام.

إذن، فقضيتنا سياسية، وهكذا أهلنا وعشائرنا وأقوامنا يعيشون هذه الحالة، فضلاً عن الوضع الفعلي العالمي الموجود في عالمنا اليوم، حيث تحول العالم اليوم إلى مدينة أو قرية واحدة، ووسائل الاتصال الموجودة تفرض دخول القضية السياسية إلى أعماق وجودنا، وحتى لو أردنا أن ننعزل، وهذه العزلة - إذا لم نخطط لهذا الأمر - سوف تؤدي إلى انعزال بعض الأشخاص وليس اعتزالهم، بمعنى أنهم يُعزلون والباقون يقعون تحت القضية السياسية، ويخرجون من أيدينا ومن حركتنا.

هذا هو تقديري وفهمي من خلال تجربتي الطويلة في العمل الحوزوي والسياسي، أقول: إن القضية السياسية مفروضة علينا، ويشهد الله عليَّ في هذا اليوم الشريف وأنا أصبحت متقدماً بالسن لولا أن تُفرض عليَّ القضية السياسية بهذا المستوى من التصدي لما تصديت، ولكان عملي بطريقة أُخرى وقد كنت أتصدى ولكن ليس بهذا المستوى.

فالمهام السياسية الآن مفروضة على هذا المجتمع، وعلى حوزتنا بالذات، وبالرغم من محاولات الكثير من المدارس والطلاب الابتعاد عن هذه القضية، إلاّ أنها تواجههم في عُقر دارهم، وعندما تكون هناك حادثة، فالمعالجة ليست هي الاعتزال.

وفي تصوري أننا لا بد أن نحذر من الوقوع في كل وجودات القضية السياسية، وإلا فالمعالجة هي التوعية، أي أن نعي القضايا السياسية، ونفرق بين القضايا الكلية والقضايا التفصيلية بين التحزب والدخول في الصراعات الجانبية - وفي هذا الحزب أو هذه الجماعة أو الحركة أو الجناح، وهذه المسألة لابد أن يبتعد عنها الطالب ابتعاداً كلياً - وبين مسألة هموم الأُمة وقضاياها.

إن قضية الوعي السياسي والاجتماعي العام في الحركة العامة، هي قضية أساسية ومهمة، وفي تصوري أنها لابد أن تدخل للحوزة، لا من قبل الأعداء والمنافسين والمغرورين، وإنما من قبل المخططين لهذه الحوزة، والمدرسين، بطريقة مناسبة بحيث تجعل هؤلاء الطلاب في حماية ومأمن من الوقوع في المشكلات السياسية، وذلك شبيه بالتطعيم الذي يوجد مناعة لدى هذا العنصر الحوزوي من الوقوع في المشكلات السياسية التي لا يريد أن يقع فيها.

ولا بد أن يتربى طالب الحوزة على ذلك، لأنه إذا خرج من الحوزة سوف يواجه هذه الحالة، فلابد أن تكون عندهُ هذه المناعة والرؤية، أو على أقل تقدير أن تتضح للحوزة ودورها ولمهماتها ومسؤولياتها، وكثير من الطلاب لا يعرفون ذلك ولا يفهمونه، ومن ثم يقع تحت تأثير هذه الجماعة أو تلك، فمرة يقول: الحوزة جيدة، وأُخرى الحوزة سيئة، أو أن الحوزة لا تقوم بدورها، ومرة يتهم العلماء والمراجع، وهكذا.

فإذا لم تكن هناك تربية حقيقية بالنسبة إلى مختلف أوضاعنا، فسوف نقع في هذه المشكلة.


4 ـ التوعية والجهاد المعنوي:

إذ نحن بحاجة إلى طلاب يحملون التوعية والجهاد الروحي والمعنوي، ويتحملون المعاناة والتضحيات والآلام، وهذه الحوزة العلمية لم تبنَ ولم توجد إلاّ في أحضان أهل البيت (عليهم السلام)، ونحن في كل يوم نقرأ مصيبة أهل البيت (عليهم السلام)، وفي كل يوم نشهد هذه المصائب، والعلماء الذين مضوا والذين بقوا كلهم مروا بالآلام والمحن، وأنتم الآن تمرون بهذه الآلام والمحن، آلام الهجرة، فإذا لم نربّ طلبتنا على تحمل الآلام والتضحيات والاستعداد لذلك، لا يمكنهم أن يقوموا بواجبهم ومسؤوليتهم.

وليس الأمر أن يكون عند الطالب استعداد للجهاد فقط، فإذا كان يتضرر شخصياً بهذا الجهاد مالياً وعائلياً، كأن يكون مسكنه ضيقاً، أو ظروفه صعبةً، ويعيش مع المستضعفين والمساكين، ويأكل أكلهم ويشرب شربهم وهو يتمكن من ذلك، فهل يترك الجهاد؟ فعندما يجد فرصة أُخرى هنا وهناك أفضل من هذه الفرصة، بأن يذهب ويفتش عن الفرصة الأفضل، والوضع والمال والاحترام الأفضل، وتقبيل اليد الأفضل، والصلوات الأكبر، وغير ذلك مما يرغب به، فإن مثل هذا الطالب لا يمكن أن يؤدي دوره، وسوف ينكمش على هذه المواقع وتبقى المواقع الأُخرى مكشوفة.

حيث إن عالمنا الشيعي تعرض ولا زال يتعرض إلى هجوم واسع من الوهابيين والبهائيين، في مختلف المناطق وليس في منطقة واحدة، ويتعرض إلى هجوم واسع من الأحمديين(6)، في بعض المناطق، ويتعرضون إلى هجوم واسع من جماعة أغاخانيين(7)، وما أشبه ذلك في أفغانستان والهند وأفريقيا وأوروبا، وغيرها من المناطق، فضلا عن المشكلات الأخيرة التي وجدت في داخل حوزتنا العلمية.

وهذه المسألة تحتاج إلى هذا النوع من التضحية، وسوف أذكر لكم تجربة ربما يعرفها بعض الإخوة الأعزاء والسادة الأفاضل.

أُسست مدرسة في كراچي، وكان مخططا أن يكون فيها ألف طالب يقومون بدور كبير جداً في شبه القارة الهندية وأفريقيا، لكن هذه المدرسة لم تنجح؛ بسبب عدم وجود أساتذة لديهم استعداد لتحمل التضحيات في إدارة هذه المدرسة، فلا يوجد أستاذ يذهب إلى هناك ويتحمل مشكلات كبيرة جداً، قد يصل بعضها إلى التهديد بالموت أو الاغتيال، وما أشبه ذلك.

وإذا نظرتم إلى تأريخنا تجدون الكثير من العلماء والمراجع استشهدوا في سبيل قضية الحوزة، الآن من استشهد في العراق من مراجعنا كان بإمكانهم أن ينتقلوا من النجف إلى مكان آخر، ويؤمنوا على حياتهم، ولا يواجهوا مثل هذه الأخطار، لكنهم تعرضوا للأذى.

أحد الأُمور التي يجب أن تذكر عن الإمام الخوئي (قدّس سرّه) في مقام الحديث عن جانبه الشخصي، أنه كان قادراً على الانتقال إلى إيران، ويبقى العالم الشيعي مرتبطاً به، ويحصل على أموال أكثر واحترام أوسع، لكنه مع ذلك بقي صامداً في النجف حتى اللحظة الأخيرة، إلى أن استشهد، أو مات موتاً شبيهاً بالشهادة. وهذا الصمود والثبات له معان جليلة، وهذا الأمر يجب أن يُقيم.

قد تكون عندنا ملاحظة ما، وهي صحيحة، لكن يجب أن يكون التقييم كلياً عندما نقيم الأشخاص، فإذا كان هؤلاء العلماء والمراجع الذين استشهدوا في سبيل الحوزة قد تحملوا الآلام، فلماذا لا يتربى الطالب على ذلك؟

لابد أن نُربي أنفسنا على هذا النوع من الاستعداد للتضحية والفداء، لا أن نكرم الشهداء فقط، فنكرم الشهيد الصدر (قدّس سرّه) ونمدحه ونثني عليه ونقرأ له الفاتحة، لماذا لا نفكر في الاقتراب خطوة أو خطوتين أو ثلاث من مسيرته وسلوكه وتضحيته؟

نعم، قد لا نتمكن من الوصول إلى ذلك المستوى، ولكن نقترب خطوة أو خطوتين أو أكثر، حسب همتنا وقدرتنا في هذا الطريق، وهذه مسألة مهمة جداً، ومسألة التضحية والمعاناة والجهاد مهمة وأساسية في تربية الطلاب.


5 ـ تطوير الجانب الفني:

ومن الأمور المهمة التي لابد أن تحصل عند طالب العلم، وأعبر عنها بقضية الفن، فالطالب في هذا العصر يحتاج إلى فن، والفن سابقاً كان يدرس في علم البلاغة، وهذا فن من الفنون، ولكننا انحصرنا في هذه العلوم، وقد تطورت الفنون تطوراً كبيراً جداً، والطالب بحاجة إلى أن يكون قادراً على الخطابة والكتابة والحوار، وأن يدرس بصورة منهجية، أو يتكلم بلغة معينة في هذا البلد أو ذاك.

وهذه الفنون ليست لها علاقة بالعلم بالمعنى الأخص من العلم. وهذا الفن لابد أن نعطيه أهمية خاصة إذا أردنا أن نقوم بدورنا بصورة كاملة.

وهذا الفن - مع الأسف - لا يُعطى الدرجة الكاملة من الأهمية، حيث تطورت العلوم تطورا كبيرا، وينبغي التأكيد على التطور والوصول به إلى درجاته الكاملة، فالتفسير مثلا أصبح مادة أساسية، وهكذا موضوع الكلام وغير ذلك من العلوم، ولابد أن نسير في هذا الطريق.

أما الفنون فحتى الآن لا زلنا في بدايتها، قضية الفن وقدرة الطالب على أداء دوره في المجتمع، وإلاّ فبدون هذه الفنون نتحول إلى أُميين في مقابل العالم، لا بمعنى أننا لا نعرف الحقائق، إنما لا نتمكن من الأداء.

فالذي لا يتمكن أن يستخدم الكمبيوتر بصورة جيدة، قد يصبح في يوم من الأيام عاجزاً عن القيام بدوره الحقيقي، وكذلك من لا يتمكن من استخدام التلفون. ففي عالمنا اليوم نحتاج إلى هذه الفنون.

كان العالِم سابقاً لا يحتاج إلى ذلك لأنه يحتك بجماعة معينة، ولا يحتاج لأن يتحدث على المنبر، فالناس يأتون ويسألونه وهو على السجادة وبعد الدرس، وأما الآن فأنت تتمكن أن تخاطب العالم كله، وليس مجموعة من الناس في حسينية أو قاعة، فتحتاج إلى فن في خطاب كل العالم، وإلى غير ذلك من التطورات التي حدثت في مجتمعنا.

وحوزتنا العلمية تحتاج إلى أن تبدأ هذا المسير، وليس هذا المسير سير يوم أو يومين، لكن طلبتنا يجب أن يضعوا أمامهم هذا الأمر حتى يصلوا بإذن الله إلى التكامل.

أسأل الله أن يحقق كل هذه الآمال في الحوزة العلمية، وأن يكون هذا العام الدراسي الذي اقترن بهذه الأيام المباركة عاماً ميموناً مباركاً، لنا ولكم وللمسلمين جميعاً، ولشيعة أهل البيت (عليهم السلام) بالخصوص، ولا شك أن إخوانكم، أبناء الشعب العراقي ينتظرونكم، ويكون الفرج بإذن الله، فنحن نعتقد أن الله يفرج عن هذه الأُمة ولو بعد طول مدة ومحنة، وسوف يكون لكم دور في العراق وفي العالم الإسلامي كله إن شاء الله لأن العراق مهد التشيع.

أسأل الله تعالى أن يحقق كل هذه الآمال، وإلى أرواح شهدائنا الأبرار، ومراجعنا العظام وأسلافنا الصالحين، ولا سيما أسلاف الإخوة الحاضرين، وإلى روح إمام الأُمة والشهيد الصدر، رحم الله من قرأ الفاتحة قبلها الصلاة على محمد وآلِ محمد.

____________

1- الأحزاب: 39.

2- التوبة: 122.

3- وسائل الشيعة: ج 27،ص140، باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشيعة.

4- شرح النهج للمعتزلي: ج 19، ص 124، والحمراء: العجم والروم.

5- المراد بإمام الأمة:هو مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد الخميني (قدس سره).

6- وهي إحدى الطرق الصوفية، وتنسب إلى أحمد البدوي المصري (536 - 634)، وهم منتشرون في جميع أرجاء مصر.

7- وهي إحدى الفرق الإسماعيلية.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية