السؤال الثامن
اشتهرت في التراث السياسي الإسلامي مسألة (البيعة)، وتنوَّعَت المواقف إزاء أدلَّتها وشرطيتها في صحة الولاية، ولزوم الانقياد والطاعة، فهل تعني البيعة تعبير المبايِع عن الوفاء والانقياد للقائد؟ أم أنها تمثل وكالة يمنحها مجموع المبايعين (الأمة) لولي الأمر لينوبَ عن الأمة في إدارة شؤونها؟
أجاب (قدّس سرّه):
الظاهر أنَّ البيعة والولاء هي من التراث العربي أو الإنساني الذي كان موجوداً قبل الإسلام، وهي نوع من العهد والميثاق يلتزم به الإنسان بالطاعة، أو الدفاع أو أي عمل آخر يكون متعلقاً له، وهو عقد ملزم بنظر العقلاء كالإلزام في العهد واليمين، وقد أمضاه الشارع المقدس، وعمل به النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، والمسلمون.
ولا يدلُّ بنفسه على جعل الولاية للمبايع - إلاَّ إذا التزم المبايع - بذلك بأن يبايعه على الولاية والطاعة له فيكون المبايع ملزماً لذلك في نظر العرف بالبيعة.
ولذلك نجد أنَّ البيعة قد جَرَت بين المسلمين في التأريخ في بعض الموارد التي ليس فيها مضمون الولاية، كما هو الحال في (بيعة العقبة) الأولى والثانية، حيث بايع النقباء من أهل المدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدافعوا عنه كما يدافعوا عن أهلهم وحريمهم.
أو في بعض الموارد التي كانت فيها الولاية واضحة كما في بيعة الشجرة والرضوان، فإنها كانت بيعة على القتال والجهاد أو (بيعة الغدير)، فإنَّ الولاية في الأولى كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) واضحة، ومع ذلك كان قد أخذها من القائلين لتوثيق الوفاء والانقياد منهم للقتال، فهي مثل العهد أو الإشهاد، أو غير ذلك مما يدل على توثيق الالتزام.
وكذا الولاية في الثانية كانت واضحة لعلي (عليه السلام) بعد أن نصَّبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خطابه يوم الغدير، ثم وثَّقَها بالبيعة من الطاعة والقبول والتسليم.
أو كبيعة النساء لرسول الله (صلى الله عليه وآله) التي أشار إليها القرآن الكريم، فإنها توثيق على الالتزام بهذه الواجبات، والتوَرُّع عن المحرمات اللازمة، فمدلولهُا هو التوثيق لذلك الالتزام.
نعم قد يستدل بروايات البيعة على صحة فكرة تعييـن الولاية بانتخاب الأكثرية، ونفوذها على الأقلِّية، وهذا بحث آخر لا يرتبط بمضمون البيعة، وإنما يرتبط بمضمون الروايات نفسها.
وإنما كان الولاة يهتمون بالبيعة لأنهم كانوا يريدون التأكد من التزام المسلمين لهم بالطاعة، حيث لا يتمكنون عادة في الخارج من إدارة الشؤون إلاَّ بهذا الالتزام، فكانوا يهتمُّون بها، ولا سيَّما عند الشك أو وجود المنافسة لهذا التوثيق، وليس فيها دلالة على التوكيل أو الإنابة عنهم أو منح حقِّ الولاية للحاكم الذي يبايع من قبلهم.
والله هو العاصم. راجياً منه القبول والتوفيق، والإفادة والاستزادة من العلم النافع.
والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
____________
1- آل عمران: 159.