<
      السؤال الأول | السؤال الثاني | السؤال الثالث | السؤال الرابع | السؤال الخامس | السؤال السادس | السؤال السابع | السؤال الثامن  
 
  <
 

نص الحوار الذي أجرَتْه مجلةُ (قضايا إسلامية معاصرة) مع سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه)
في مبدأ الشورى في الإسلام
وذلك في 13 رجب 1418 هـ ق، الموافق 14 / 11 / 1997 م


مبدأُ الشورى في الإسلام


بسم الله الرحمن الرحيم


السؤال الأول

تحدَّث القرآن الكريم عن الشورى في موضعين:


الأول:

في قوله تعالى:

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(1).


الثاني:

في قوله تعالى:

{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}(2).

وقد تناولَت الآيةُ الأولى الشورى في سياق الحديث عن أخلاقية الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) في التعامل مع المؤمنين، بينما تناولَت الآيةُ الثانية الشورى في سياق بيان صفات المؤمنين، وأن أمرَهم شورى بينهم.

هل أن كلمة: (الأمر)، الواردة في الآيتين تعني: (الحكم) و(الولاية)؟ وهل يدل ذلك على وجوب انتخاب الحاكم في الدولة الإسلامية بأسلوب الشورى؟


أجاب (قدّس سرّه):

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد في الآيتين موضعان للحديث حولهما كما ورد في السؤال:


الأول:

ماذا تعني كلمة (الأمر) في الآية الكريمة، والظاهر من مدلولها هو الشأن الاجتماعي الذي يرتبط بالجماعة، وهو بإطلاقه يشمل صدور الحكم في موارد كثيرة، وهي موارد الإجراءات، والمواقف، والقرارات، والأوامر التي يتخذها أو يصدرها الحاكم تجاه قضايا الأمة المتجددة، مثل القتال، والصلح، والهدنة، والمعاهدات، والمواثيق مع غير المسلمين.

وكذلك قضايا إدارة شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي كان يتعرَّض لها المسلمون، وكان يقوم بها النبي (صلى الله عليه وآله).

وهنا يثار هذا السؤال وهو: إن أصل الولاية وحق الحكم هل يكون من موارد هذا العنوان ومصاديقه، أو لا؟ فيخضع لقانون (الشورى) (وشَاوِرْهُم) فلا يثبت هذا الحق إلا من خلال ذلك، أو يكون ذلك - على الأقل - تعبيراً عن المجتمع الأفضل للجماعة، أو أنَّ هذا الحكم وأصل الولاية لا يشملها هذا العنوان؟

والظاهر أن هذا العنوان لا يشمل أصل الحكم والولاية؛ لأن (الأمر) باللغة يرجع إلى أصلين رئيسين لا ثالث لهما - كمــا يظهر ذلك من مراجعة لسان العرب: مــادة (أمر) -:

أحدهما: الأمر في مقابل النهي.

والثاني: الحادثة.

والولاية والحكم ليس أمراً في مقابل النهي، بل هو المقام والمنصب الذي يحق له إصدار الأمر والنهي، كما أنه ليس حادثاً من الحوادث، بل هو حقٌّ من الحقوق التي لابُدَّ من التفتيش عن مصدره، حيث إنه بالنسبة إلى الله تعالى حقٌّ ذاتي يفرضه مقام الأُلوهية وموقع عبودية الإنسان له تعالى، وهو ما يسمى بـ(حق الولاية) له تعالى.

وأما بالنسبة إلى غير الله تعالى فهو في نظر الإمامة حقٌّ متفرِّع عن ذلك الحق الإلهي، فلابُدَّ أن يثبت بدليل شرعي أو عقلي يدلُّ على أنَّ الله منحه إلى غيره من العباد، كما هو الحال بالنسبة إلى الأنبياء (عليهم السلام)، والربَّانيِّين، والعلماء (الأحبار)، إذ دلَّت الآيات الكريمة على ذلك، منها قوله تعالى:

{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء}(3). أو غير ذلك من الأدلة التي يُستدل بها على ثبوت هذا الحق للنبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، والفقهاء من بعدهم.

وأما أن هذا الحق يثبت بالشورى أو لا يثبت، فهذا بحث مستأنف لابُدَّ من وجود دليل خاص عليه، ولا يمكن استفادته من الآية - المذكورة في السؤال - نفسها، لخروج هذا المورد عن مدلول كلمة الأمر، هذا أولاً.

وثانياً: إنه لو تمَّ استظهار إطلاق كلمة (الأمر) لأصل الحكم والولاية لغةً وتجاوزنا البيان السابق حول مدلوله اللغوي فإن كلمة (الأمر) في الآيتين الكريمتين لا تشمل بإطلاقها أصل الحكم والولاية؛ لوجود قرينة حالية واضحة يجمع عليها المسلمون، وتؤكِّدها الحقائق التأريخية، وهي:

إن النبي (صلى الله عليه وآله) والمسلمون معه في عصر نزول القرآن الكريم لم يشاور المسلمين بشأن أصل هذا الحق، وإنما كان النبي (صلى الله عليه وآله) يمارس هذا الحق باعتباره مستخلفاً من الله تعالى فيه.

وكان المسلمون يرون ذلك في النبي (صلى الله عليه وآله) دون أن نجدَ شخصاً واحداً منهم وحتى المنافقين قد طالبه بالتشاور معهم في أصل هذا الحق، أو أثار شبهة الحيرة والتردُّد فيه، بل كان القرآن الكريم يصرِّح بوجوب الطاعة المطلقة للرسول (صلى الله عليه وآله)، ونفي أي خيار للمؤمنين في مقابل حكمه وقضائه، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(4). فالقضاء بالأمر والحق فيه إنما هو للرسول (صلى الله عليه وآله) وحده، دون أن يكون هناك دور للمسلمين فيه.

وإذا كان هذا الحق هو من الأمور أو الأوامر(5) فلابُدَّ أن ينعكس ذلك على حياة المسلمين في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأن إحدى الآيتين تضمنت الطلب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يشاورهم فيه، والثانية تحدثت عن أن الشورى من صفات المؤمنين، ولا شك أن الرعيل الأول الإسلامي هو من أفضل أجيال المسلمين، الذي لابُدَّ أن يتصف بذلك إن لم يكن أفضل هذه الأجيال.

مضافاً إلى أن الآية {وَأَمْرُهُمْ شُّورى بَيْنَهُمْ} نزلت في مكة، ولم يكن للمسلمين حكم ولا مجتمع، وإنما كانوا جماعة يعيشون في مجتمع الظلم والعدوان، فلو كان الحكم هو المعني بالآية لكان من اللازم أن يبادروا إلى التشاور في انتخاب هذا الولي، ولم يُعرف ذلك في تأريخهم بحيث نجزم بعدم وقوعه؛ لأن وقوع مثل هذا الأمر لا يمكن أن يخفى على المسلمين ومدوِّني السيرة الذين أحصَوا الصغيرة والكبيرة، كما أنه لابُدَّ أن ينقلوه إلينا ولم ينقل أحد منهم، ذلك مما يكشف عن عدم وقوعه.


الثاني:

وأما الموضوع الثاني للحديث في هاتين الآيتين فهو كلمة (الشورى)، فهل يراد منها الاستشارة والمشورة، أو يراد منها الانتخاب - باجتماع الآراء أو بأكثرية الآراء -؟

الظاهر من الآيتين الكريمتين ومن اللغة أيضاً أنَّ المقصود من الشورى في الآية الأولى الاستشارة من النبي (صلى الله عليه وآله) لأصحابه، والتشاور مع القوم في الحوادث قبل اتِّخاذ القرار وإصدار الأمر فيها، والتداول بين الجماعة في الآية الثانية والتشاور في الحوادث قبل اتخاذ المواقف أو القرارات في الأحداث الخاصة والعامة. إذ لا نجد في اللُّغة ولا في الواقع التأريخي للعرب والمسلمين في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) أكثر من ذلك، ولم تُعرف الشورى بمعنى الانتخاب إلاَّ في الشورى الستة الذين عيَّنهم الخليفة الثاني في انتخاب الخليفة الثالث.

وإلاَّ فما كان يجري بين العرب والمسلمين هو أنهم كانوا يتداولون ويتشاورون أحياناً في بعض الحوادث المهمة، ويتوصلون إلى الموقف من خلال هذا التداول، وأما ثبوت حق الحكم والولاية بذلك فلم يعرف في تأريخ المسلمين شيء من ذلك، ولا سيَّما أن ثبوت الحكم للنبي (صلى الله عليه وآله) كان بالجعل والأمر الإلهي حيث منحه الله تعالى ذلك، وكان يمارسه بهذا الشكل، نعم أمَرَ الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وآله) بأن يستشير قومه في الحوادث، ووصف جماعة المسلمين الصالحين بأنهم هم الجماعة الذين يتشاورون بينهم في اتخاذ القرار.

ويؤكد ذلك ما ورد من أحاديث كثيرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه تناولت هذه المادَّة اللغوية في حدود هذا المعنى وهو (الاستشارة) كما يتَّضح ذلك من خلال مراجعة (النهاية) لابن الأثير، وكتب اللغة كـ(لسان العرب) و(القاموس) و(تاج العروس)، فإن أصل الشورى من (الإشارة باليد).

وما ورد عن الإمام علي (عليه السلام) من قوله:

«إِنَّه بايَعَني القومُ الذين بايَعُوا أبا بَكر وعُمَر وعُثْمان عَلَى ما بايعوهُم عليه، فلَمْ يكن للشَّاهِد أن يختارَ، ولا للغَائِب أن يَردَّ، وإنَّما الشورى للمُهاجِرين والأنصار، فإنْ أجمعوا على رجل وسَمَّوه إماماً كان ذلك له رِضى»(6).

فليس فيه بيان أن الانتخاب هو طريق منح هذا الحق، ولا يدل عليه لعدة أمور:


الأمر الأول:

إنَّ الإمام عليا (عليه السلام) كان في مقام الاحتجاج لا في مقام بيان أصل مشروعية الحكم، ويؤكد ذلك أن الإمام عليا (عليه السلام) كان يرى أنَّ الخلافة له بالنص حيث استشهد المسلمين على نص الغدير.


الأمر الثاني:

إنَّ حديثه (عليه السلام) في هذا النص هو عن صدور البيعة والإجماع العام للمسلمين عليها حيث إن لها شأناً خاصاً لا مجال للبحث فيه هنا.


الأمر الثالث:

إنَّ ما ذكره في شأن الشورى فهو بصدد بيان اختصاصها بالحاضرين دون الغائبين، في مقابل من كان يدَّعي أنها للحاضرين والغائبين معاً، وهذا الموضوع لا يرتبط ببحثنا في دلالة آية الشورى.

نعم يمكن أن يكون للانتخاب دور عند تعدُّدِ الفقهاء والمجتهدين الذين تجتمع فيهم شروط الولاية، حيث إن تعيّن أحدهم في مقابل الآخرين من الحوادث المهمَّة التي لابُدَّ فيها من التشاور بين المسلمين، فإذا تمَّ التزام عامة المسلمين المعنيّين - الحاضرين أو ذوي الحَلِّ والعَقْد على الخلاف الموجود في هذه المسألة - باختيار أحد هؤلاء الأشخاص كان في الالتزام لله رضا كما ورد في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام).


السؤال الثاني

هل يصح الاستناد إلى قوله تعالى:

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)(7) في منح الأمة صلاحية ممارسة وتدبير شؤونها عند الاختلاف، طِبقاً لمبدأ الشورى وبرأي الأكثرية، على أساس أنَّ الآية الكريمة تتحدث عن الولاية لكل مؤمن على غيره، بمعنى تَوَلِّي أمور المؤمنين بقرينة تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليها، وهي ظاهرة في سَرَيان هذه الولاية بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية؟


أجاب (قدّس سرّه):

هذا الفهم من الآية الكريمة المذكور في السؤال تبنَّاه أستاذنا الشهيد الصدر (رضوان الله عليه)، وهو التفات لطيف ودقيق في فهم الآية الكريمة، ولكن ذكرتُ في كتاب (الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق) أن من الصعب استفادة ذلك من الآية الكريمة(8)، وذلك لعدة أسباب:


السبب الأول:

إن صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم تأتِ تفريعاً على الصفة الأولى، بل هي صفة مستقلة كالصفة الأولى، والشاهد على ذلك ما ورد من صفات أخرى بعدها مثل إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لله ورسوله، وهذه الصفات ليست فرعاً لتلك الصفة، ولا سيَّما الصفة الأخيرة، ولعله لأجل ذلك لم تستخدم التفريع.

نعم إذا كانت هناك ولاية فهي مُتَّصفة بهذه الصفات وفي هذا الإطار (الصفات المذكورة)، ولكن هذا غير التفريع بل تكون تقييداً لها، فلا يمكن استفادة أصل الولاية منها.


السبب الثاني:

إن المقصود من الولاء هنا حسب الظاهر هو الولاء السياسي والاجتماعي، وهو مفهوم كان له مضمون سياسي واجتماعي في لغة العرب في عصر نزول القرآن، وتترتب عليه آثار سياسية واجتماعية وحقوقية، فأراد القرآن الكريم أن يحدد طبيعة هذا الولاء بأنه ولاء بين المؤمنين، وذلك في مقابل الولاء بين الآباء والأبناء {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}(9) أو الولاء للعشيرة أو القبيلة كما هو في عقد الولاء الاجتماعي.

ويعني هذا الولاء الالتزام تجاه طرف، الولاء بالنصرة السياسية والوقوف عملياً إلى جانبه، فهو يتضمن عهداً وميثاقاً بالنصرة والحماية، وفي الوقت نفسه يعبِّر عن الحب والمودة في الله تعالى وفي إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلاة والزكاة، والطاعة لله ورسوله. وهذا لا يعني (الولاية) بالمعنى المصطلح.

نعم عندما يُنسب الولاء إلى الله تعالى والرسول (صلى الله عليه وآله) أو إلى شخص معين من المؤمنين - كما نسب ذلك في القرآن الكريم والحديث الشريف - فيفهم منه عرفاً الولاية على أمورهم، حيث كانت تستعمل كلمة الولي والمولى في هذا المعنى عرفاً(10).


السبب الثالث:

إن هذه الأوصاف كانت ثابتة للمسلمين في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، ومع ذلك لم يكن يمارس المؤمنون هذه الولاية الخاصة في زمنه، بل كانت الولاية المطلقة له (صلى الله عليه وآله) كما ذكرنا في جواب السؤال الأول. وهذا يعني أن هذه الولاية لا تعني ولاية الحكم بل هي الولاية التي شرحناها آنفاً، وإليها يشير القرآن الكريم في آيات عديدة، منها قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}(11).

وقوله تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}(12).


السؤال الثالث

ما هو دور المرجع - الفقيه العادل الكفوء - في ضوء نظرية الإمام الشهيد الصدر في الدول الإسلامية حال الغيبة، عندما يتميـَّز خط الشهادة عن خط الخلافة؟


أجاب (قدّس سرّه):

لقد حدد أُستاذنا الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) هذا الدور عندما تملك الأمة إرادتها وحُريَّتها من سيطرة الطغاة بالأمور التالية:


الأمر الأول:

الإشراف على تطبيق الإسلام والشريعة الإسلامية من خلال تطبيق الأحكام على موضوعاتها، أو من خلال ملء منطقة الفراغ التي تركها الشارع المقدس لوليِّ الأمر، بحيث يضمن مطابقة هذه الأحكام المتجدِّدة والمتحركة مع العناصر الثابتة في الشريعة.


الأمر الثاني:

الرقابة والنظارة على مسيرة العمل الإجرائي من الحكم الإسلامي، وضمانة الالتزام الخارجي للأجهزة التنفيذية بالعدل والقسط والحق.


الأمر الثالث:

الإفتاء وتشخيص الأحكام الشرعية واستنباطها، وتقديمها جاهزة للعمل.


الأمر الرابع:

فصل الخصومات والقضاء بين الناس بالحق والعدل بنفسه أو من ينوب عنه.


الأمر الخامس:

القيادة العليا للعمل السياسي والعسكري، والثقافي والاجتماعي، فيكون المسؤول عن وضع السياسات العامة له وتوجيهه.


الأمر السادس:

التمثيل العالي للدولة.


الأمر السابع:

مراقبة المظالم والحقوق، والاستماع إلى التظلُّمات العامة والخاصة التي يقدمها المواطنون ضد أجهزة الدولة.


الأمر الثامن:

توكيل رئيس الدولة المنتخب من الأمة، ورئيس الجهاز التنفيذي، لإسباغ المزيد من القدسية والشرعية على موقعه في الأمة.


السؤال الرابع

وردت في الكتاب الكريم والسنَّة الشريفة أدلَّة عديدة على الشورى، كما وردت أدلَّة أخرى على ولاية الفقيه، هل يمكن الجمع بين أدلَّة الشورى والولاية بنحو يعطي الأمة الحق في اكتشاف ولي الأمر من بين الفقهاء، أو يعطيها الحق في توكيله نيابة عنها في إدارة شؤونها؟


أجاب (قدّس سرّه):

أشرت في جواب السؤال الأول إلى أن الشورى بمعنى: الانتخاب، يمكن أن يكون لها دور اكتشاف الولي، عندما يتردَّد بين أشخاص متعددين، ويكون أحدهم هو الأعلم الأصلح للولاية، ولكن لا يكون قد تعيَّن في شخص معين، فيمكن للأمة أن تشخصه بصورة مباشرة، أو عن طريق الخبراء (مجلس الخبراء). أو أن تكون الأمة قد انتخبته بصورة طبيعية، وهو ما يسمى بـ(الانتخاب الطبيعي)، حيث كانت قد رجعت إليه في شؤونها الدينية والسياسية دون بقية الفقهاء، فأصبح متعيناً بهذا الرجوع، كما في المرجع العام الديني والسياسي.

وقد يتساوى المجتهدون في المواصفات المطلوبة في الولي، فيكون للأمة الحق في انتخاب أحدهم، وبهذا الانتخاب يتعيَّن هذا المجتهد للولاية دون غيرهم، إما لأن حفظ النظام وحلِّ الإشكال في التشاح لا يمكن أن يتم إلا عن هذا الطريق، كما ذهب إليه بعض الباحثين من الفقهاء وإن كان فيه موضع للنظر، حيث يمكن أن يكون الحلُّ بالرجوع إلى القرعة، فإنها لكلِّ مشكل كما ورد الحديث الشريف فيها.

فلا يتعيَّن حلُّ الإشكال بالرجوع إلى الانتخاب، وأما لأن ذلك يُفهم من أدلة الشورى، كآية الشورى، والروايات التي وردت في هذا الموضوع، كما هو الصحيح الذي اخترناه في كتاب (الحكم الإسلامي).

ويؤيده مضمون مقبولة عمر بن حنظلة وسالم أبي خديجة التي يرجع فيها الإمام شأن انتخاب القاضي الحاكم إلى الناس أنفسهم، ويرتب على ذلك جعله حاكماً لهم:

قال الإمام الصادق (عليه السلام) في المقبولة:

«يَنْظران مَنْ كانَ فيكم مِمَّن رَوَى حديثَنا، ونظَرَ في حَلالِنا وحَرامنا، وعَرف أحكامَنا، فليرضوا به حُكماً، فَإنِّي قَد جعلتُه عليكم حاكماً»(13).

حيث يفهم من كلمة (يَنْظران) أنَّ اكتشاف هذا الأمر متروك إلى الأمة، ويؤكد ذلك ما ورد في ذيلها:

قلت: فإن كان كلُّ رجل اختار رجلاً من أصحابنا، فرضي أن يكون الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟

قال (عليه السلام):

«الحُكمُ مَا حَكَم به أعدلُهُما، وأفقهُهُما، وأصدَقُهُما في الحديث، وأورَعُهُما، ولا يُلتفت إلى ما يحكُمُ به الآخرُ»(14).

وكذلك رواية أبي خديجة سالم المعتبرة التي وردت في القضاء.

قال بعثنـي أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) إلى أحد أصحابنا، فقال (عليه السلام):

(قُلْ لهم إيَّاكم إذا وقَعَتْ بينكم الخُصومةُ أو تداري في شيء من الأخذ والعَطاء أن تُحاكموا إلى أحدٍ من هؤلاءِ الفُسَّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عَرف حلالَنا وحرامَنا، فإنِّي قد جعلتُه عليكم قاضياً)(15).


السؤال الخامس

صاغ الإمام الشهيد الصدر (قدّس سرّه) تصوّراً جديداً للمرجعية في إطار نظام الشورى عَبْر أطروحته التي اصطلح عليها (المرجعية الموضوعية)، فما هي الملامح الأساسية لهذه الأطروحة؟، وهل أنّها تختصُّ بتطبيق نظام التشاور تنفيذياً على أجهزة المرجعية وعلاقتها بالأمة فحسب؟


أجاب (قدّس سرّه):

لقد أشرت في كتاب (الحكم الإسلامي) إلى جواب هذا السؤال بشكل مختصر(16)، ومن أجل توضيح الجواب بشيء من التفصيل لابُدَّ أن نشير إلى النقاط التالية:


النقطة الأولى:

إنّ الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) كان يرى أنَّ المرجعية في تأريخ الإمامية التي بدأت منذ الغيبة الكبرى للإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، وأُطلق عليها هذا الاسم باعتبار التوقيع المعروف الصادر عنه، الذي رواه جماعة من الثقاة عن محمد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب، الذي جاء فيه:

«وَأمَّا الحوادِثُ الواقعةُ فَارجعُوا فيها إلى رُواةِ حَديثِنا، فإِنَّهم حُجَّتي عليكم، وأنَا حُجَّة اللهِ»(17) هذه المرجعية قد مرَّت بمراحل أربع، هي:


المرحلة الأولى:

الاتصال الفردي.


المرحلة الثانية:

الجهاز المرجعي.


المرحلة الثالثة:

التحرك والاستقطاب.


المرحلة الرابعة:

القيادة للجماعة الصالحة(18).


النقطة الثانية:

إنّ الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) كان يؤمن بدلالة آية الشورى على الولاية والحكم، ثم عدل عن ذلك إلى القول بولاية الفقيه على أساس النص، ولاسيَّما التوقيع المعروف على ذلك.

وهذا التطور الفقهي جعله يعيد النظر بترتيب المفردات السياسية في واقع الأمة، وفي واقع العمل المرجعي.


النقطة الثالثة:

إنَّ قيام المرجعية بدورها القيادي الذي انتهت إليه في مرحلتها الأخيرة من ناحية، وموقعها الشرعي في ولاية أمور الأمة من ناحية أخرى، فرضت أن يتصور الشهيد الصدر المرجعية بصورة تجعلها قادرة على القيام بهذا الدور، والواجب الشرعي والاجتماعي والسياسي، فكانت هذه الصياغة للأطروحة الموضوعية للمرجعية.

ونجد الشهيد الصدر يستند في هذه الصياغة على عدة عناصر أساسية، هي النصوص الشرعية، والواقع الموضوعي كالظروف المحيطة بالمرجعية، وطبيعة علاقاتها في الأمة ودورها القيادي، وإمكاناتها الفعلية، والتجارب الإنسانية في إدارة الأمور والقضايا.

وأما الملامح الأساسية لهذا التصور:


أولاً:

تحول المرجعية من الحالة الذاتية - التي كانت تعتمد على:

أ - شخص المرجع الذاتي (خصوصياته العلمية والأخلاقية، وعلاقاته الاجتماعية).

ب - الجهاز الخاص به، وهو مكتبه الذي يدير شؤونه وأعماله، والذين يسمون عادة ب(الحاشية).

ج - الوكلاء المعتمدين الذين يرتبطون به شخصياً من خلال الرجوع إليه في التقليد أو الثقة المتبادلة شخصياً - إلى الحالة الموضوعية، التي يفترض فيها أن تكون المرجعية مؤسسة، لها نظامها الخاص، وجهازها التنفيذي، وإمكاناتها الثابتة والشاملة، ويكون المرجع قائداً لهذا الجهاز، ولكنه إذا انتقل إلى رحمة ربِّه أمكن بقاء الجهاز فاعلاً ومؤثراً.

كما أنَّ الجهاز لابُدَّ أن يتكون من مجلس للمشورة والتخطيط، وإدارة للتنفيذ، وأن تكون الإدارة موزعة على التخصصات ذات العلاقة بالحاجات والنشاطات التي تقوم بها المرجعية(19).

وكان (رضوان الله عليه) يعتقد أنَّ هذا التحول يحتاج إلى توفر شروط موضوعية مناسبة، وإلى فتـرة زمنية، وإلى سعي متواصل بهذا الاتجاه، ولكن كان يرى في الوقت نفسه أنَّ الوصول بالمرجعية إلى هذا التحول الكامل غير ممكن في مرحلة ما قبل قيام الدولة الإسلامية، وأنَّ هذه المرحلة هي أكثر تناسباً مع المرجعية الذاتية، وإن كنَّا نحتاج أن نسير باتجاه الموضوعية ولو بشكل نسبي.


ثانياً:

إنَّ هذه المرجعية يمكن أن تكون الإطار العام للعمل السياسي للجماعة الصالحة، تتحرك في ضمنه، ومن خلال مؤسساته العامة، كالمساجد، والحسينيات، والمكتبات، والمدارس، والأعمال الثقافية والاجتماعية الأخرى.


ثالثاً:

إنَّ التنظيمات السياسية الإسلامية لابُدَّ لها أن تكون مفردة من مفردات مؤسسات المرجعية في علاقتها بالمرجعية، وإن كانت مختلفة عنها في شكلها وصورة ارتباطها، حيث تكون علاقة المرجعية بها علاقة القيمومة والقيادة العامة للمرجعية على الحركة الإسلامية، والولاء من الحركة للمرجعية، مع واجب الإسناد والدعم من المرجعية للحركة.


رابعاً:

إنَّ هذه المرجعية هي امتداد لحركة الأنبياء والأئمة (عليهم أفضل الصلاة والسلام).


خامساً:

إنَّ الانتخاب للمرجع يتمُّ عَبْر أسلوب الانتخاب الطبيعي، حيث يتصدَّى المرجع للعلم، والعمل، ولشؤون الناس، ويرتبط به الناس تدريجياً، حسب كفاءته العلمية والعملية والأخلاقية وتجاربه ونشاطه.


سادساً:

أن يكون للأمة دورُ الرقابة على حركة المرجعية، كما لها دور انتخاب المرجع بالوسائل الشرعية الطبيعية.


السؤال السادس

ما هي آثار تطبيق نظام الشورى في استقرار الدولة الإسلامية، وتنمية إرادة الأمة، وترشيد وعيها، وتوطيد دعائم الحكومة الإسلامية، وتعضيد القيادة؟


أجاب (قدّس سرّه):

لقد أكَّد القرآن الكريم في مواضع عديدة وكثيرة على وجوب طاعة الله والرسول (صلى الله عليه وآله)، وكذلك على وجوب طاعة عموم أُولي الأمر، ولا شَكَّ أنَّ التأكيد على طاعة الرسول في القرآن الكريم في سياق التأكيد على طاعة الله إنّما هو باعتبار أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله) كان هو ولي الأمر للجماعة المسلمة.

ولكن في الوقت نفسه نجد القرآن الكريم والسنَّة النبوية الشريفة التي وردت عن النبي وأئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) يؤكِّدان على أهمية الشورى (المشورة) في المجتمع الإسلامي، الأمر الذي يعنـي أنَّ الشورى تمثِّل الأساس المكمِّل في تحقيق الأهداف المقدسة للأمر بالطاعة لله وللرسول (صلى الله عليه وآله).

ويمكن من خلال التدبُّر في الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة نجد أمامنا مجموعة من القضايا والنقاط ذات العلاقة بهذه الأهداف العالية للمجتمع:


النقطة الأولى:

إنّ الشورى - المشورة - مع الطاعة تمثل منهجاً في المحافظة على وحدة المجتمع الإسلامي وتماسكه من ناحية، وارتباطه بالقيادة الإسلامية من ناحية أخرى.

كما يفهم ذلك من قوله تعالى:

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(20).

فالشورى وإن كانت لا تعنـي خروج القرار من يـد الولي - لأن العزم بيده - ولكنها تحفظ للولي قدرته على تنفيذ هذا القرار واقعياً وخارجياً. ولذلك ورد الأمر بها - كما في الآية - والنهي عن مخالفتها في الروايات(21).


النقطة الثانية:

إنَّ الشورى (المشورة) تمثِّل في نظر الإسلام أفضل ضمان لاستقرار الحكم وتوطيد دعائم الحكومة الإسلامية، وهذا الاستقرار هو من أهم العوامل وأفضلها في قدرة الحكم على أداء دوره في خدمة الناس، وتوفيـر الرفاه والتقدُّم، والعزَّة والكرامة لهم، وهو يكوِّن الأرضية المناسبة للتكامل والارتقاء والتزكية والتعليم.

وهذه القوة ينبع منها التوصُّل إلى أفضل الأساليب في معالجة المشكلات التي يواجهها المجتمع - كما سوف نشير -، أو إلى مشاركة الأمة في البناء والدفاع عن الحكم والدولة، وتحملها للمسؤولية تجاهه.

وقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال فيما أوصى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) قال:

«لا مظاهرة أوثَقُ مِن المُشَاورة، ولا عَقْل كالتَّدبير»، كما ورد أيضاً عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال:

«لا غِنى كالعَقْل، ولا فَقْر كالجهل، ولا مِيراث كالأَدَب، ولا ظَهير كالمُشَاوَرة»(22).


النقطة الثالثة:

إنَّ المشورة تمثل الحزم في اتخاذ القرار وتنفيذه في مقابل التهوُّر والندامة، ولعلَّ من خصائص النظرية الإسلامية أنها تمكَّنَت أن تجمع بين فوائد الحكم الفردي في الحزم والتصميم والسرعة في اتخاذ القرار، وفوائد الحكم الجماعي في الدقة والانسجام مع مختلف الظروف النفسية والموضوعية.

وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) أنه قال:

«قِيل يا رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) مَا الحزمُ؟، قال (صلى الله عليه وآله):

مُشاورة ذَوي الرأي وأتْبَاعهم»(23).


النقطة الرابعة:

إنَّ الشورى هي أفضل طريق لمعرفة الواقع على مستوى الأمة، لأنَّ الشورى في النظرية الغربية قد تتأثر بالعواطف والانفعالات، والأهواء والمصالح الشخصية، والتزوير والإغراء، فتأتي بعيدة عن الواقع ومنحرفة عن الطريق الصحيح، وإن كانت تعتبـر في النظرية الغربية ضماناً لعدم الاستبداد.

وأما في النظرية الإسلامية فالشورى تعتمد على الضمانات التي يوفِّرها الإسلام في الحاكم الإسلامي، الذي لابُدَّ أن يتَّصف بالفقه والتقوى والكفاءة. كما أنها تعتمد على الإطار العام للحكم الذي هو الإسلام، والمصالح الإسلامية العُليا.

وتعتمد بعد ذلك أيضاً على الشروط والمواصفات الموضوعية المهمة التي لابُدَّ من توفرها في المستشارين، والتي تحمي المشورة من الانسياق مع الأهواء والعواطف والانفعالات، وهذه المواصفات مثل: العقل، والورع، والدين، والخبرة، والإخلاص، والكتمان، وحفظ الأسرار، والاعتدال في الأخلاق الشخصية، وفي الوضع الاجتماعي، وفي الوضع النفسي والعاطفي.

وقد فصلنا الحديث في ذلك مع ذكر النصوص المروية عن النبي والأئمة (عليهم الصلاة والسلام) في كتاب (الحكم الإسلامي)(24).


النقطة الخامسة:

إنَّ للشُّورى دور كبير في تنمية إرادة الأمة وترشيدها وتصليب عودها في الصبر والمقاومة والإحساس بالمسؤولية الاجتماعية.


السؤال السابع

هل يقتصر دور الأمة في الحكومة الإسلامية على الرقابة وتقديم النصيحة للقيادة، أم يتخطى ذلك إلى مهام ومسؤوليات أعمق؟


أجاب (قدّس سرّه):

دور الأمة في الحكومة الإسلامية يتمثل بالنقاط التالية:


النقطة الأولى:

انتخاب الحاكم الإسلامي والكشف عنه من خلال التدقيق في مواصفاته الخاصة التي اشترطها الشارع المقدَّس في الحاكم أو تعيينه، وهذا هو أهم دور تقوم به الأمة.

ومن هنا يمكن أن نفهم أنَّ علاقة الطاعة بين الأمة والحاكم إنما هي من خلال توفر هذه الشروط في الحاكم من ناحية، وهي علاقة واجبة وملزمة على الأمة عند توفرها من ناحية أخرى.


النقطة الثانية:

الرقابة على الحكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند بـروز الانحراف عن العدل والحق، وممارسة الضغط اللازم من أجل تصحيح المسيرة.


النقطة الثالثة:

المقاومة والجهاد بكل ألوانه عندما يتحول الحكم بشكل عام إلى حكم يتخذ عباد الله خولاً، ومال الله دولاً، مهما كان يرفع الحكم من شعارات إسلامية.


النقطة الرابعة:

تقديم النصيحة والمشورة للحاكم الإسلامي من خلال الخبرة والاختصاص الذي تملكها الأمة في مختلف الميادين.


النقطة الخامسة:

تولي تشخيص تقنين وإدارة الشؤون الحياتية ذات الطابع الخدمي في حياتهم العامة، مثل القضايا الصحية والتعليمية، والخدمات العامة، وغيرها من الشؤون ذات العلاقة بتفاصيل حياة الناس ومعيشتهم.


السؤال الثامن

اشتهرت في التراث السياسي الإسلامي مسألة (البيعة)، وتنوَّعَت المواقف إزاء أدلَّتها وشرطيتها في صحة الولاية، ولزوم الانقياد والطاعة، فهل تعني البيعة تعبير المبايِع عن الوفاء والانقياد للقائد؟ أم أنها تمثل وكالة يمنحها مجموع المبايعين (الأمة) لولي الأمر لينوبَ عن الأمة في إدارة شؤونها؟


أجاب (قدّس سرّه):

الظاهر أنَّ البيعة والولاء هي من التراث العربي أو الإنساني الذي كان موجوداً قبل الإسلام، وهي نوع من العهد والميثاق يلتزم به الإنسان بالطاعة، أو الدفاع أو أي عمل آخر يكون متعلقاً له، وهو عقد ملزم بنظر العقلاء كالإلزام في العهد واليمين، وقد أمضاه الشارع المقدس، وعمل به النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، والمسلمون.

ولا يدلُّ بنفسه على جعل الولاية للمبايع - إلاَّ إذا التزم المبايع - بذلك بأن يبايعه على الولاية والطاعة له فيكون المبايع ملزماً لذلك في نظر العرف بالبيعة.

ولذلك نجد أنَّ البيعة قد جَرَت بين المسلمين في التأريخ في بعض الموارد التي ليس فيها مضمون الولاية، كما هو الحال في (بيعة العقبة) الأولى والثانية، حيث بايع النقباء من أهل المدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدافعوا عنه كما يدافعوا عن أهلهم وحريمهم.

أو في بعض الموارد التي كانت فيها الولاية واضحة كما في بيعة الشجرة والرضوان، فإنها كانت بيعة على القتال والجهاد أو (بيعة الغدير)، فإنَّ الولاية في الأولى كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) واضحة، ومع ذلك كان قد أخذها من القائلين لتوثيق الوفاء والانقياد منهم للقتال، فهي مثل العهد أو الإشهاد، أو غير ذلك مما يدل على توثيق الالتزام.

وكذا الولاية في الثانية كانت واضحة لعلي (عليه السلام) بعد أن نصَّبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خطابه يوم الغدير، ثم وثَّقَها بالبيعة من الطاعة والقبول والتسليم.

أو كبيعة النساء لرسول الله (صلى الله عليه وآله) التي أشار إليها القرآن الكريم، فإنها توثيق على الالتزام بهذه الواجبات، والتوَرُّع عن المحرمات اللازمة، فمدلولهُا هو التوثيق لذلك الالتزام.

نعم قد يستدل بروايات البيعة على صحة فكرة تعييـن الولاية بانتخاب الأكثرية، ونفوذها على الأقلِّية، وهذا بحث آخر لا يرتبط بمضمون البيعة، وإنما يرتبط بمضمون الروايات نفسها.

وإنما كان الولاة يهتمون بالبيعة لأنهم كانوا يريدون التأكد من التزام المسلمين لهم بالطاعة، حيث لا يتمكنون عادة في الخارج من إدارة الشؤون إلاَّ بهذا الالتزام، فكانوا يهتمُّون بها، ولا سيَّما عند الشك أو وجود المنافسة لهذا التوثيق، وليس فيها دلالة على التوكيل أو الإنابة عنهم أو منح حقِّ الولاية للحاكم الذي يبايع من قبلهم.

والله هو العاصم. راجياً منه القبول والتوفيق، والإفادة والاستزادة من العلم النافع.

والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

____________

1- آل عمران: 159.

2- الشورى: 38.

3- المائدة: 44.

4- الأحزاب: 36.

5- (الأمور) جمع: أمر، بمعنى: الحادثة، و(الأوامر) جمع: أمر، بمعنى: الطلب للشيء في مقابل النهي عنه.

6- نهج البلاغة / قسم رسائل أمير المؤمنين (عليه السلام) / الكتاب السادس.

7- التوبة: 71.

8- راجع كتاب (الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق) ص 89 – 90.

9- الأنفال: 75.

10- يمكن مراجعة تعليقنا على هذا الفهم في كتاب (الحكم الإسلامي) ص 89 – 93.

11- التوبة: 23 – 24.

12- الأنفال: 72 – 73.

13- الوسائل 18: 99، حديث 1.

14- الكافي 1: 67 - 68، حديث 10.

15- الوسائل 18: 100، حديث 6.

16- الحكم الإسلامي: 125.

17- الوسائل 18: 101، حديث 9.

18- هناك إشارة إلى هذه الأدوار وتأريخها في خطاب الشهيد الصدر حول المحنة (المحاضرة الأولى).

19- يمكن الرجوع في هذا التصور إلى الكُرَّاس المطبوع بهذا الشأن (المرجعية الموضوعية)، كما أنه يوجد كُرَّاس خَطِّي لَخَّص فيه آية الله السيد كاظم الحائري أفكار الشهيد الصدر وعلَّق عليه الشهيد الصدر بقلمه، كما أنَّ لي تعليقات أخرى عليه كانت بنظر الشهيد الصدر.

20- آل عمران: 159.

21- المحاسن: 601 – 602.

22- نهج البلاغة / القسم الثاني / 155.

23- المحاسن: 600.

24- 128 – 136.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية