<
 

لقاء سماحة آية الله السيد محمد باقر الحكيم مع مراسل صوت العراق الثائر بمناسبة حلول بدء العام الدراسي الجديد
وذلك بتاريخ 8 جمادي الأول /1418هـ ق الموافق 11 / 9 / 1997


بسم الله الرحمن الرحيم


سماحة السيد ما هي توجيهاتكم لطلبتنا الأعزاء بهذا الشأن؟

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

في البداية أبارك للإخوة الأعزاء والأبناء الكرام هذه الأيام أيام بداية العام الدراسي والاهتمام بطلب العلم والمعرفة ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها أيام مباركة وميمونة محفوفة بالتوفيق والسداد في الرأي والسداد في العمل، وفي الوقت نفسه أيضاً أذكّر الإخوة الأعزاء والأبناء الكرام بالموقف الإسلامي العام من العلم وطلب العلم، حيث إنّ الإسلام أكد على طلب العلم وأهمية العلم، فإنّ من الأمور الباقية التي يتميّز بها الإنسان على الإنسان الآخر، وفُضّل بها الإنسان على الإنسان الآخر، العلم إلى جانب التقوى وإلى جانب الجهاد في سبيل الله تعالى.

جُعل العلم قضية حقيقية باقية، ويصل فيها الإنسان إلى الكمالات العالية، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}. وقال سبحانه وتعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}.

كما أنّ الله سبحانه وتعالى عرَّفَ العلماء بأنّهم هم ذوي المعرفة بالله الذين يصلون إلى درجة الخشية والطاعة لله سبحانه وتعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، وورد الحديث الشريف المتواتر والمستفيض عن رسول الله صلى الله عليه وآله وبالطرق الصحيحة، أنّ طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

إذن فطلب العلم في نظر الإسلام من الواجبات الشرعية التي لابد أن يهتم بها الإنسان المسلم، ولذلك يذكر أيضاً الفقهاء في رسائلهم العملية أنّ على الإنسان المكلف أن يتعلم من أمور دينه ما يجعله مطيعاً لله سبحانه وتعالى، وملتزماً بأحكامه الشرعية وبمقدار ما يبتلي به من سلوك وعلاقات وارتباطات، سواء في سلوكه الشخصي أو في سلوكه العائلي أو في سلوكه الاجتماعي العام أو في داخل السوق أو المدرسة أو غير ذلك من المجالات التي يتحرك بها الإنسان. فطلب العلم والمعرفة من الواجبات الشرعية.

ومن ناحية أخرى أيضاً نجد أنّ الأمم والجماعات إنّما تتقدم في هذا العالم وفي هذه الدنيا من خلال العلم والمعرفة بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى والارتباط به سبحانه وتعالى، والمسلمون عندما جاءهم الإسلام وحثّهم القرآن الكريم على العلم وحثّهم النبي صلى الله عليه وآله على العلم وآمنوا بالله سبحانه وتعالى واهتمّوا بالجانب العلمي نجد أنّهم تمكنوا من أن يصبحوا الأمّة الأولى بين الأمم، والأمة التي تهيمن على الأمم الأخرى.

وعندما تخلّفوا في قضية الإيمان والارتباط بالله سبحانه وتعالى من ناحية والعلم من ناحية أخرى، نجد أنّ المسلمين يتراجعون ويقعون تحت هيمنة الآخرين.

ومن هنا نجد ذلك الارتباط الوثيق في النظرية الإسلامية بين الإيمان والعلم، فالإيمان يدعو إلى العلم لما دعا إليه القرآن الكريم، كما أنّ العلم أيضاً يدعو إلى الإيمان ويكشف عن الحقائق الكونية ذات العلاقة بالإيمان.

ومن هنا يمتاز الإسلام الحنيف على بقية الأديان في هذه النظرة الخاصة إلى العلم والاهتمام بموضوع العلم، ولذلك بهذه المناسبة التي نبارك فيها لأبنائنا وإخواننا الأعزاء الكرام هذا العام الدراسي، أيضاً نذكرهم بهذه النظرة الإسلامية للعلم وضرورة الاهتمام بقضية العلم وجعل هذه القضية من القضايا المركزية التي يجاهد من أجلها الإنسان في عراقنا الجريح.

ونحن أيضاً في الوقت نفسه نُدرك الظروف المأساوية التي يعيشها الناس ويعيشها أبناء الشعب العراقي في العراق بسبب السياسات الحمقاء والتدميرية التي اتّبعها النظام تجاه الشعب العراقي وتجاه المنطقة، هذه السياسات التي أدّت أن تجعل العراق مفتوحا إلى كل الاحتمالات من ناحية ومفتوحا إلى تدخّل القوى الأجنبية في شؤون العراق ومحاصرته والسيطرة عليه.

ومن هنا نجد أنّ هذه السياسات في الوقت الذي تؤدي إلى وجود هذه المآسي والمشاكل المعقدة لأبناء الشعب العراقي نرى أيضاً في نفس الوقت من الضروري جدّا لأبناء الشعب العراقي أن يواصلوا جهادهم في مواجهة هذه السياسات، ومن جملة القضايا التي يمكن لأبناء الشعب العراقي أن يواصلوا جهادهم فيها هو قضية العلم.

نحن كلما نكون أكثر اهتماماً بالعلم وأكثر ممارسةً لدورنا في طلب العلم، كلما كنا أكثر قوة في مواجهة هذه السياسات التي يشبعها النظام لتدمير العراق، ولجعل أبناء الشعب العراقي دائما يعيشون هذه المأساة التي يعيشونها في الوقت الحاضر؛ ولذلك أنا أدعو إخواني وأبنائي الأعزاء من طلبة المدارس العراقية أن يناضلوا ويجاهدوا ويجعلوا هذا الأمر أمراً جهاديا مقرّبا إلى الله سبحانه وتعالى من ناحية وأيضاً مؤدياً إلى بناء العراق من ناحية أخرى.


الرسوم والإتاوات

وعليهم أن يناضلوا ويجاهدوا في مسألة طلب العلم، وفي هذا المجال تُثار هذه القضية التي أشرتم إليها في السؤال، وهي قضية الإتاوات أو الرسوم التي يفرضها النظام أو تفرضها أحيانا بعض أجهزة النظام أو بعض الأوغاد وأزلام النظام يفرضونها على الطلبة الأعزاء من أجل أن يحقّقوا أغراضهم وأهدافهم الشخصية من ورائها، والتي تشكل في هذا الوقت مشكلة أساسية ورئيسية أمام الطلبة، لأنّ الظروف الاقتصادية التي يعيشها أبناء الشعب العراقي لا تسمح بأن يؤدّي هؤلاء الطلبة مثل هذه الرسوم أو يقدّموا المعونات فضلا عن أنّ هذه الرسوم تذهب إلى جيوب الأوغاد وجيوب الأزلام دون أن يكون لها ثمرة معينة يعود بالنفع على أبناء الشعب العراقي.

وعلى الطلبة في هذا المجال هنا عندما يُثار هذا السؤال أنا أدعو الطلبة في الوقت الذي يهتمّوا اهتماماً بالغاً بقضية العلم وطلب العلم والانتماء إلى المدارس والجدّ في طلب العلم، أن يقوموا بعملين رئيسين مهمّين:

العمل الأول: هو مقاومة هذه السياسات، فكلّما يجدوا موردا وموقعا يبارز النظام والأوغاد بهذه السياسات، وهي سياسات فرض الإتاوات والرسوم من أجل أغراضهم الشخصية، يجب عليهم أن يقاوموا هذا الأمر بمختلف الوسائل ويصرّوا على الاستمرار في الدراسة، ويمتنعوا عن تقديم مثل هذه الرسوم وهذه الإتاوات بالقدر الذي تسمح لهم به الظروف.

العمل الثاني: أن يقوموا بفضح سياسات النظام وممارساته في الأوساط الاجتماعية، الآن الطلبة هم أبناء الشعب العراقي وينتسبون إلى كل الأوساط الاجتماعية لأبناء الشعب العراقي، أوساط الدين أوساط المدينة أوساط الكسبة أوساط العمال أوساط الموظّفين الإداريين وأوساط الفلاحين وأوساط العسكريين وغير ذلك من الأوساط التي ينتسب إليها أبناء الشعب العراقي أبناء العشائر العراقية أبناء المدينة.

كلّ هؤلاء في الحقيقة ينتسب إليهم الطلبة فالطلبة عندما يقوموا بعمل واسع في فضح سياسات النظام، سوف يكون لهم دور وتأثير سياسي حقيقي في مستقبل العراق وفي مصير العراق ونحن نعرف من خلال الحركة الاجتماعية القائمة في عصرنا الحاضر أنّ للطلبة دور مهم جدا في مستقبل الحياة السياسية ومصير الشعوب، وتمكّن الطلبة في كثير من الأدوار والمواقع والبلاد من أن يقوموا بأعمال حاسمة لمستقبل شعوبهم، وعليهم أن يتحمّلوا في هذه المرحلة التاريخية هذا الدور.

وعليهم أن يقوموا بدورهم الجهادي كما يقوم المجاهدون الذين يحملون السلاح ويجاهدون بالبندقية، عليهم أن يجاهدوا بطلب العلم وأن يفرضوا على النظام هذا الموقف بحيث نبني عراقاً قائماً على العلم والمعرفة من ناحية، ومن ناحية أخرى أيضاً كما أنّ المجاهدين يجاهدون ببنادقهم وبسلاحهم، ويلحقون الهزائم ويوجّهون الضربات للنظام من خلال هذه البنادق ومن خلال هذا السلاح على الطلبة أيضاً أن يقوموا بدورهم في فضح سياسات النظام في مختلف المجالات من أجل التعبير عن موقفهم الجهادي ومن أجل المساهمة بشكل حقيقي في مصير العراق وشعب العراق.

ولذلك يجب أن يستمع هؤلاء الطلبة وكذلك هذا الكلام أنا أوجّهه إلى المعلمين الشرفاء المعلمين الصالحين المعلمين الذين تحترق قلوبهم أيضاً من أجل هؤلاء الطلبة، عليهم جميعاً أن يشاركوا في هذا العمل، وأن يكون لهم دور في توعية أبناء الشعب العراقي، وفي فضح سياسات النظام التي يريد بها أن يصبح العراق لقمة سائغة بيد الاستكبار العالمي وبيد أمريكا وبيد الغرب، ويسلط الدول الغربية والاستكبار العالمي على العراق، ويجعلهم يهيمنون على ثروات العراق وعلى مقدرات العراق وعلى مصالح العراق.

فعلى أبنائنا من الطلبة وكذلك إخواننا الأعزاء من المعلمين وهذا الوسط الثقافي الذي يعرف الكثير من الأمور، عليهم أن يقوموا بهذا الدور وأسأل الله سبحانه وتعالى لهم السداد والتوفيق في عملهم.

ولا شكّ أنّ المأساة التي يعيشها أبناء الشعب العراقي مأساة كبيرة، لكن الشعوب إنّما تُعرف من خلال مثل هذه المحن ومثل هذه الابتلاءات.

وعليهم أن يحوّلوا هذه المحنة إلى طاقة عمل في مواجهة الطغاة والظالمين، والله هو الناصر وهو المعين والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أحسنتم كثيرا.

مستمعينا الكرام نتوجه بالشكر الجزيل إلى سماحة آية الله السيد محمد باقر الحكيم على هذه التوجيهات والنصائح القيّمة. شكراً جزيلاً سماحة السيد.

أنا أيضاً أشكركم على هذه الفرصة وأسأل الله لكم التوفيق والسداد.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية