دراسة مستفيضة القاها سماحة الشهيد الحكيم في الندوة التي اقيمت في الكويت بتاريخ 23 محرم الحرام 1421هـ
العلاقات
المستقبلية العراقية ـ الكويتية
رؤية واقعيـة إسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربّ العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد..
فاني أشكر السادة الأفاضل والقائمين على هذه الندوة ولمجلس الأمة الكويتي هذه الدعوة للمشاركة والفرصة في المساهمة، وأسأله تعالى أن يجعلها ندوة نافعة للشعبين المسلمين الشقيقين الجارين العراقي والكويتي، وأن يوفقني في الحديث بما ينفع الناس والأمة.
وقد حاولت أن ألبـي في الحديث هذا طلب الأخوة القائمين على هذه الندوة كما في الرسالة الموجهة لي بتاريخ 23/2/2000 والمستلمة بتاريخ 5/3/2000 وذلك من خلال تناول المحاور الثلاثة التالية:
الأول: طبيعة الرؤية المتبادلة بين المجتمعين الكويتي والعراقي.
الثاني: احتمالات المستقبل على أساس احتمالات التغيير.
الثالث: كيفية تعامل القوى السياسية العراقية المعارضة وبالأخص الاسلامية منها مع الكويت.
المحور الأول ـ طبيعة الرؤية المتبادلة بين المجتمعين الكويتي والعراقي:
1ـ الرؤية المتبادلة بين المجتمعين:
انّ صورة الرؤية المتبادلة بين المجتمعين يمكن أن تحدد من خلال زاويتين يبدو بينهما شيء من التباين الواضح:
الأولى: زاوية رؤية الأمة في البلدين كل منها للآخر.
الثانية: زاوية رؤية النظامين الحاكمين في كل من البلدين.
وهنا أحاول أن أحدد هذه الرؤية كما رأيتها ولمستها في البلدين وكشاهد على الحقيقة قبل أن أستخدم عنصر التحليل والاستنتاج في ذلك.
أما زاوية رؤية الأمة في البلدين، فاني أرى الصورة فيها تتحدد بالأبعاد التالية:
أ ـ الحب المتبادل والذي كان يتجسد بالعلاقات الاجتماعية كالزواج والصداقة والدراسة والزيارات المكثفة من الطرفين في المواسم الدينية أو الترفيهية.
ب ـ المصالح المتبادلة في التجارة والعمل، والمصدر الأساس للتجارة في الناتج الوطني (النفط)، وخدمات الطرق وتسهيلات المرور للتجارة (الترانزيت) والسياحة، والتعليم.
ج ـ الاحترام المتبادل بين المواطنين في الشعور بالكفاءة والمساواة والجوار.
د ـ التكامل المتبادل، حيث نجد انّ كلاً من البلدين يمكن أن يكون مكملاً للآخر في بعض المجالات كالموانئ والمياه والتعليم واليـد العاملة والكادر الانساني المتخصص، بدل أن تشيع فيهما روح العداء أو المنافسة.
وتقوم هذه الرؤية على أساس عميق من العلاقات الدينية والثقافية والتاريخية والعادات والتقاليد والهموم المشتركة والعلاقات الاجتماعية.
ولكن مع كل هذه العناصر الايجابية كانت هناك بعض الشوائب التي تعكّر صفو هذه الرؤية، حيث كانت فرصة التحرك وحريته للكويتي في العراق أوسع وأرحب من فرصة التحرك للعراقي في الكويت، بسبب الامكانات المالية من ناحية والقيود القانونية في الكويت من ناحية أخرى، يقابلها احساس العراقي بنوع من التميـز في العمق والحجم الجغرافي والكم البشري والتطور الثقافي والمدني تاريخياً وتنوع الامكانات المادية والاقتصادية في العراق، وهي أمور أوجدت بعض الحساسيات الاجتماعية المحدودة.
ولم تكن هذه الشوائب وحدها قادرة على ايجاد الاختلال في طبيعة الرؤية والعلاقة بين المجتمعين وإن كانت تؤثر أحياناً على صفاء العلاقة ونقاءها.
ولكن هذه الشوائب يمكنها أن تتحول إلى أداة بشعة يستخدمها الطغاة والمجرمون لإيذاء هذه العلاقة عندما يريدون.
وأذكر شاهدين من جملة شواهد عديدة على حقيقة ماذكرت من طبيعة هذه العلاقة المتينة:
أحدهما: موقف أبناء الشعب العراقي من غزو النظام للكويت الذي تمثل في رفض سلبي لهذا الغزو، ثم تطور إلى رفض غاضب صارخ في انتفاضة شعبان / آذار 1991 التي كانت أحد أسبابها الرئيسية هو تحميل النظام مسؤولية هذا الغزو اللامعقول وتداعياته المدمرة، وقد عبـّر أبناء الشعب العراقي عن موقفهم الودي تجاه الشعب الكويتي باطلاق عدة آلاف من الأسرى الكويتيين الذين كانوا في المناطق التي حررها الشعب من يد النظام.
ثانيهما: ما لمسته من موقف الشعب الكويتي تجاه محنة الشعب العراقي بعد الغزو حيث كانت هناك مقولة طاغية لدى كثير من الأوساط الكويتية ـ بعد الغزو ـ برفض كل ما هو عراقي كرد فعل نفسي تجاه العدوان والغزو وآثاره وتعميم موقف الكويتيين من النظام الغازي وأزلامه المجرمين إلى جميع العراقيين، ولكن وجدت انه بمجرد ما قمت به من توضيح وشرح في أوساط الكويتيين رسميين وشعبيين لواقع موقف الشعب العراقي مع ذكر الشواهد والقرائن المنطقية، وجدت تحول الموقف الشعبي إلى التمييز بين النظام في تحميله مسؤولية الغزو وبين الشعب العراقي المسلوب الارادة والمقهور على ذلك، وأصبحت الذكريات الحلوة للعلاقة بين الشعبين هي التي تحكم مشاعر الكويتيين قبل ذكريات الغزو الأليمة التي كانت تؤجج فيهم الغضب والمقت الطاغي.
ومع كل ذلك كان هناك عتب شديد وتساؤل عميق لدى العراقيين حول موقف بعض الكويتيين من اسناد النظام العراقي ضد الشعب العراقي أيام الحرب (العراقية ـ الايرانية) في (كل المجالات) بدون مبرر معقول، وهو أمر شجع النظام العراقي على القيام بالعدوان ظناً منه انّ الكويت وشعبها تحول إلى قاعدة عراقية مؤيدة لنظام صدام.
وأما زاوية رؤية النظامين الحاكمين، فيمكن أن تتحدد الصورة من خلال المقارنة بين النظامين وتداعيات هذه المقارنة.
فالنظام في الكويت يمكن أن يوصف بأنه:
1ـ نظام ديمقراطي مطبوع بالتراث وتقاليد الحكم الاسلامية المعروفة في حركة التاريخ الاسلامي ويحترم الاسلام، والشعائر الاسلامية، والتقاليد الاسلامية.
2ـ يسعى لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والرفاه الاجتماعي للمواطنين.
3ـ يهتم بوجود الانسجام بين الحاكم والمحكوم والتآلف بينهما.
4ـ يهتم بسياسات التعايش بين طوائف وجماعات أبناء الشعب الكويتي واحترام خصوصياتهم المذهبية والعرقية والجغرافية.
5ـ توظيف الامكانات المالية لبناء الكويت واعمارها وتقريبها من الحياة المدنية المعاصرة.
6ـ الاهتمام بعلاقات حسن الجوار والالتـزام بالمواثيق والعهود الثنائية والدولية والاحترام المتبادل والتعاون مع الآخرين ومساعدتهم، والانسجام مع السياسات العامة في العالم العربي والاسلامي.
وقد تمكن هذا النظام من أن يجني ثمرات ذلك في الموقف الموحد القوي لجميع أبناء الشعب الكويتي ـ على اختلاف مذاهبهم الدينية ومشاربهم السياسية وانتماءاتهم العرقية ـ في وحدة الكلمة في الدفاع عن النظام وفي الصمود في وجه العدوان، وكذلك في الموقف العام للدول العربية والاسلامية الرافض لغزو النظام العراقي للكويت، بل ومشاركة الكثير منها في عملية التحرير.
وأما النظام العراقي فيمكن أن يوصف بأنه:
1ـ نظام الحزب الواحد الذي تلخص بالشخص الواحد وهو نظام عنصري طائفي عشائري قمعي معادي للاسلام.
2ـ نظام منافق يعيش انفصال الشخصية بين الادعاءات العريضة والواقع المناقض للادعاء.
3ـ إلتزام سياسة العدوان ومنهج الأزمات التي تسيرها حالات جنون العظمة وشهوة التوسع على حساب جيرانه، ويشهد لذلك العلاقة المتأزمة مع ايران حتى بلغت ذروتها في الحرب، والعلاقة المتأزمة مع سوريا حتى بلغت القطيعة المطلقة وعمليات التخريب الواسعة، والعدوان على الكويت والسعودية وسائر دول الخليج، وكذلك الأزمات مع تركيا ومصر في عدة قضايا.
4ـ الأزمات الاجتماعية الداخلية المتتاليـة: مثل الأزمة مع الأكراد، والأزمة مع المرجعية الدينية الشيعية، والأزمة الاقتصادية، وقرارات التأميم والمصادرة للتجارة، والأزمة مع القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها الدينية والعلمانية حتى بلغت حد التصفيات البدنية الواسعة، والأزمة مع العشائر والريف العراقي في المناطق الحساسة كالوسط والجنوب العراقي حتى بلغت حد التدمير الواسع، والأزمة مع الأوساط الاجتماعية والثقافية بمصادرة جميع المؤسسات الخبرية والثقافية...إلخ.
5ـ الانفصال بين الحاكم من المحكوم من خلال تعامل الحاكم مع الشعب من موقع السيادة المطلقة للحاكم وعبودية الشعب وقصوره والشعور بالعداء والحقد المتبادل بينهما، بحيث لم نجد الشعب يتطوع في اسناد الدولة في جميع القضايا، بل تستخدم الدولة اسلوب القوة والاجراءات والقوانين الاستثنائية لغرض الانخراط في المؤسسات العسكرية والمدنية ذات العلاقة بذلك.
6ـ منهج التجويع والتشريد والارهاب والقهر واستخدام ذلك كاستراتيجية للبقاء في الحكم وإلغاء دور القانون والشعب، ولذا بقي الدستور مؤقتاً من مجيء هذا النظام وحتى اليوم، وكذلك ظاهرة (القوانين المتغيرة) والصلاحيات المطلقة لرئيس الجمهورية ومجلس قيادة الثورة وحصر السلطات الثلاثة فيهما واستمرار ذلك لمدة أكثر من ثلاثة عقود دون تغيير واقعي.
7ـ تبذير وتبديد الامكانات والطاقات على أسلحة الدمار الشامل، وشراء الذمم وبناء القصور الكثيرة وأماكن الترفيه الخاصة بالحكام ورجال السلطة، وعلى إدارة الأزمات والحروب وتدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية من خلال محاولة تغيير العلاقات الاجتماعية وتدمير الزراعة والصناعة والريف وتأميم التجارة وتغيير البيئة والبنيـة السكانية إلى غير ذلك من الأعمال التدميرية.
انّ أي مقارنة بسيطة بين هذين النظامين تفرض أن تكون العلاقة بينهما متوترة للغاية ومرشحة للانفجار دائماً.
فالكويت:
أولاً: هي أضعف نقطة في الجدار الحدودي مع العراق.
ثانياً: هي أقوى مثال للتحدي والاثارة الاجتماعية والاقتصادية والانسانية لأنها تبدو أنها النقيض الذي يذكّر العراقيين دائماً بمأساتهم وآلامهم ومحنتهم على يد النظام المستبد الذي لا يؤمن بالحرية ولا الرفاه للشعب ولا الاستقرار السياسي للبلد.
وثالثاً: تثير المطامع والغرائز الشيطانية ـ من خلال استقرارها وعمرانها ورفاهها ـ في حكام العراق المستبدين وتهيج روح الحسد وشهوة التسلّط والتوسع والهيمنة.
وقد زاد الطين بـلّة موقف بعض الكويتيين من عباد القدرة والطغيان الذي كان يعبـّر عن اعجابه بالنظام العراقي ويصفّق لجولاته وصولاته متغاضياً عن كل هذه الحقائق.
مضافاً إلى إلغاء دور الأمة والشعب ودور النصيحة والعقل في جانب النظام العرقي.
ورابعاً: انّ المجموعة المتسلّطة على الحكم تجد دائماً في الكويت ـ من خلال ضمها إلى العراق ـ هدفاً لها في ايجاد موازنة ديموغرافية وجغرافية تحقق لها مبررات البقاء والاستمرار وحلقة الصلة بمنطقة الخليج الهامة.
ولهذه الأسباب وغيرها فلا أتوقع إلاّ علاقة متوترة ومتأزمة بين هذين النوعين من الأنظمة وهي علاقة مشوبة بالطمع والحسد والاستعلاء من جانب والحذر والخوف من جانب آخر. على أفضل الأحوال وأقل درجات التأزم.
وعلى هذا الأساس نجد انّ النظام العراقي كان يفتعل الأزمات ويتحين الفرص ويمهد الطريق للقيام بهذا الغزو، وسوف يبقى يفكر بهذه الطريقة ما لم يتغير النظام، لأنني أتصور انّ العلاقة الطبيعية بين البلدين محكومة بعاملين أساسيين في تحقيق الاستقرار وعدمه:
أحدهما: الاستقرار الداخلي ودور الشعب في الحكم في العراق.
وثانيهما: الاستقرار في الوضع السياسي والأمني في المنطقة كلّها لأنّ الكويت جزء مهم في منطقة الخليج.
المحور الثاني ـ احتمالات المستقبل على أساس احتمالات التغيير:
في احتمال التغيير أشير إلى ثلاث احتمالات:
الأول: احتمال التغيير على أساس بقاء النظام الحالي العشائري بشخص صدام أو بغيابه ولكن مع تغييرات في صورة النظام الشكلية كما يؤشر النظام إلى ذلك أحياناً.
وفي هذا الاحتمال سوف نجد أمامنا نظاماً يتصف بالمواصفات التالية:
أ ـ نظام منتصر يطالب باستحقاقات النصر ليس على مستوى الكويت والمملكة العربية السعودية وحدهما، بل على مستوى العالم العربي، لأنه خاض أم المعارك في عدوانه على الكويت وخاض معركة الحصار مع الولايات المتحدة وحلفائها ومجلس الأمن، وتمكن أن يصمد ويبقى ويفرض التراجع على المجتمع الدولي ودول التحالف الثلاثينـي ـ كما يسميها النظام ـ.
ب ـ نظام حاقد ومتضرر اهينت كرامته يطالب بالتعويض ورد الاعتبار والانتقام ولايلتزم بالعهود والمواثيق والقرارات الدولية أو الاقليمية.
ج ـ نظام لديه قدرة تنظيمية عالية، ويد حديدية ضاربة، وتجربة سياسية وعسكرية واعلامية جيدة، وامكانات مالية كبيرة، ومصالح اقتصادية مغرية للدول المتقدمة ولدول المنطقة.
د ـ شعب مدمّر في بيئتته الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، مدرب على السلاح والقتال ومقموع من النظام ومسيرّ ومروض بالحديد والنار قد شاعت فيه الفتن الطائفية والعشائرية والفساد الاداري والاجتماعي والانتهازية وتحيط به شعوب ودول نامية ومتطورة تملك الكثير من حريتها.
هـ ـ مجتمع دولي واقليمي يخضع لعوامل الفرقة والمصالح الذاتية الضيقة والانتهازية السياسية ولا تهمه كثيراً المواثيق الدولية والانسانية بقدر هذه المصالح وهو بذلك مستعد لتحمل وقبول الانظمة الاستبدادية وعمليات الابادة الجماعية إذا كانت ضمن مصالحه الخاصة، وقد لاحظنا هذا القبول في قبوله لنظام صدام أو نظام يوغسلافيا أو عمليات الابادة في الشيشان، والبوسنة، وراوندا، والتدمير الواسع في فلسطين المحتلة.
و ـ ورقة ضغط اقليمية ودولية مهمة وهي مأساة الشعب العراقي والتي تمكن النظام أن يوظفها لصالحه ويلقي بمسؤولياتها على المجتمع الدولي والدول الخليجية ولا سيما الكويت والسعودية.
ز ـ مصالح دولية واقليمية في ابقاء حالة التوتر والمواجهة في المنطقة لاستنزافها واضعافها ولتبرير الحضور العسكري واستمرار الهيمنة ولتمرير المشاريع الصهيونية والاستكبارية.
ولكن احتمال بقاء النظام واستمراره أو عدمه يرتبط بعدة عوامل مهمة:
الأول: قبول وانسجام الموقف الدولي مع هذا الاحتمال ولا سيما موقف الولايات المتحدة وبريطانيا لوجود القرارات الدولية العديدة التي تسمح باتخاذ أشد المواقف، وهو موقف متغير ومتحرك مع المصالح، ولكن لا يبدو منه حتى الآن القبول بذلك.
الثاني: الموقف الاقليمي ولا سيما المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية في ايران والجمهورية التركية، وكذلك الموقف المصري باعتباره يمثل موقف العالم العربي بصورة عامة.
الثالث: الواقع الفعلي السياسي الداخلي في العراق الذي يتحرك باتجاه التغيير وفيه حركة شعبية منظمة، وما يمكن ان تحصل عليه من دعم دولي ولا سيما الحماية من عمليات القمع اللامحدود التي يمارسها النظام ضد المدنيين من أبناء الشعب العراقي، أو دعم داخلي من قوى الجيش والاوساط العشائرية.
وفي جميع الأحوال سوف يبقى الوضع متوتراً في العراق مادام النظام موجوداً ومرشحاً للانفجار ولمختلف الأزمات أو الركوب عليها ومنها الأزمة في فلسطين المحتلة، كما دللت على ذلك السنوات الماضية في العقود الثلاثة المنصرمة.
الاحتمال الثاني: تغيير النظام عن طريق الانقلاب العسكري ومن داخل أجهزة الحكم نفسه:
ومعنى ذلك مجيء مجموعة من الضباط العسكريين الذين سوف يتمسكون بالسلطة والحكم كحق طبيعي للنصر والغلبة ولأنهم معزولون عن الشعب والأمة بطبيعة انتمائهم.
وسوف تعود الكرة السابقة مع اختلاف في الدرجة لوجود الأسباب التي أشرنا إليها في المقارنة بين الوضع السياسي والاجتماعي في الكويت والوضع السياسي والاجتماعي في العراق.
ولكن هذا التغيير في الواقع السياسي العراقي في الوقت الحاضر لا توجد له أي فرصة حقيقية.
فانّه بالرغم من أن أوساط الجيش العراقي تعيش حالة التذمر والانفصال النفسي عن النظام، ولكن لا توجد أمامها أي فرصة للحركة بعد أن كبَّل النظام هذه الأوساط بالقيود المحكمة وأخضعها لسلسلة معقدة من الرقابة والتنظيمات العسكرية والأمنية، فالحرس الجمهوري الخاص، والحرس الجمهوري العام، وقوات الطوارئ، وفدائيي صدام، وأجهزة المخابرات، والاستخبارات، وتنظيم الحزب، وحصر السلطات بأفراد العشيرة وأصحاب المصائر المرتبطة بالنظام إلى غير ذلك من الاساليب والعوامل المؤثرة كلها قيود محكمة تمنع الجيش من اتخاذ زمام المبادرة، ولذا فهذا الاحتمال بعيد جداً في الوقت الحاضر ولا واقع لحركة عسكرية منظمة مستقلة في الجيش والقوات العسكرية.
ومايجري من تصفيات في أوساط الجيش أحياناً فانما هو بسبب التذمر والتململ وكمحاولة لقتل النطفة قبل نموها ورشدها.
الاحتمال الثالث: حركة شعبية منظمة مدعومة من عناصر عسكرية واجتماعية وسياسية تمثل مختلف القوى السياسية العراقية الفاعلة في الساحة العراقية.
وهذا الاحتمال يعتمد على عدة حقائـق موجودة في الساحة العراقية:
1ـ الانتفاضة الشعبانية آذار 1991 ذات البعد الشعبي الواسع والمسلح.
2ـ المقاومة المسلحة في داخل العراق والتي تمكنت من الصمود مدة عشرة سنوات ولازالت.
3ـ الغليان الشعبي المتنامي في العراق والمرشح لانتفاضة أخرى اكثر تنظيماً.
4ـ وجود تعاون صامت وسلبي بين أبناء الجيش العراقي والمقاومة.
5ـ خروج المنطقة الشمالية (كردستان العراق) من سيطرة النظام.
6ـ تعاون سياسي وعسكري بين المقاومة في الجنوب وبعض القوى الكردية المهمة في كردستان.
7ـ وجود قوات عسكرية مدربة على مختلف الاسلحة وكبيرة نسبياً خارجة عن سيطرة النظام لديها استعداد في المشاركة في أي تغيير وفرصة مرتقبة.
8ـ وجود علاقات متنامية للمعارضة في الداخل مع القوى العربية السنية في المنطقة الغربية والوسطى من العراق.
9ـ وجود خطاب سياسي موحد ورؤية مستقبلية موحدة لدى القوى السياسية العراقية.
10ـ وجود مؤشرات وأرضية لقيام تحالف سياسي واسع في الساحة العراقية اذا وجدت مؤشرات جدية في التعامل مع القضية العراقية في المنطقة أو في المجتمع الدولي.
وقد عبرت عن هذه المؤشرات مجموعة من المؤتمرات والمواثيق طيلة السنوات العشرين الماضية ويمكن تفعيلها في الوقت المناسب.
11ـ وجود مواثيق وقرارات لمجلس الأمن وتوصيات دولية تؤيد طموحات وحقوق مثل هذه الحركة الشعبية، ويمكن أن تشكل غطاءً لها.
وهذا الاحتمال على أهميته يواجه مشاكل من الناحية الواقعية.
أولاً: استعداد وتهيؤ النظام للقيام بعمل قمعي واسع وأبادة جماعية للشعب عند وجود هذه الحركة، الأمر الذي يتطلب موقفاً دولياً لحماية المدنيين من أبناء الشعب العراقي لا حماية الحركة نفسها ويعتبر قرار مجلس الأمن 688 أفضل مبرر دولي لهذه الحماية.
ثانياً: وجود مخاوف لدى بعض الاوساط الاقليمية والدولية يقوم النظام بالعمل على ترويجها واثارتها ضمن مخطط وبرنامج مثل: المخاوف من الاقتتال الداخلي، أو تقسيم العراق، أو الاختلاف والتنازع بين المعارضة العراقية نفسها.
ثالثاً: التخوف من إختلال التوازن الاستراتيجي السياسي في المنطقة لصالح القوى الشعبية الرافضة للوجود الصهيوني أو القوات الأجنبية في مقابل الهيمنة الاستكبارية والصهيونية على المنطقة، الأمر الذي يجعل القوى الاستكبارية والصهيونية تتردد في القبول بهذا الواقع الميداني المستقل.
ولكن هذا الاحتمال يمثل في كل الأحوال:
أولاً: الحل الواقعي القائم في الوضع العراقي لازمة وجود النظام العراقي الفعلي الذي يتضرر منه الشعب العراقي بدرجة عالية تفوق كل هذه المخاوف، وكذلك تتضرر منه شعوب وانظمة المنطقة كلها، وعلى حساب مصالحها لخدمة مصالح قوى الهيمنة والتسلط والقوى الصهيونية، وبذلك يشكل وجود النظام العراقي الفعلي أعظم خطر على الشعب العراقي.
ثانياً: انّ مساهمة الشعب العراقي بأي درجة واقعية في التغيير سوف تعني بطبيعة الحال المساهمة في الحكم والادارة وهذا الأمر يوفر وجود ضمانه حقيقة وواقعية لتجنب الازمات الحادة التي أوجدها أو سوف يوجدها النظام العراقي الحالي في الداخل أو في المنطقة ويحقق الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة.
وثالثاً: ان هذه المخاوف هي قضايا مبالغ فيها والعلاقات المتينة القائمة فعلاً بين فئات وأوساط الشعب العراقي وقوى المعارضة نفسها كفيلة بمواجهتها.
رابعاً: اننا نعتقد انّ ذلك هو الطريق الأفضل لحل مشكلة العلاقات المستقبلية بين العراق والكويت بالخصوص فضلاً عن حل المشكلات مع ايران والمملكة العربية السعودية وسوريا وبقية الدول المجاورة لأنّ هذه المشكلة تنبع بالأساس من طبيعة النظام غير المتوازن القائم في العراق والذي يفتش عن أزمات خارجية لحل مشاكله الداخلية، ولا شك انّ الكويت هي أضعف نقطة في الجدار العراقي الخارجي، وهي في الوقت نفسه تمثل التحدي السياسي والاجتماعي والاقتصادي للنظام، كما هي أيضاً مثار لطمع الطغاة والمستبدين الحاكمين في العراق، مما يثير شهواتهم ونزواتهم وهي هدف لفكرة ايجاد التوازن الطائفي، والمشاركة الخليجية لحماية أنظمة هؤلاء الطغاة من المشاكل الداخلية.
وأدعو إلى وجود تفكير وعمل جدي في اسناد فكرة أن يكون الموقف الدولي والاقليمي والكويتي هو أن يمنح الشعب العراقي دوراً حقيقياً في الحكم لمعالجة الأزمات التي أوجدها النظام العراقي وكذلك معالجة العلاقات المتوترة مع الكويت نفسها.
المحور الثالث ـ رؤيتنا لكيفية تعامل القوى السياسية العراقية مع الكويت:
يمكن تقسيم موقف القوى السياسية العراقية من الكويت إلى عدة أقسام:
الأول: القوى السياسية ذات العمق الشعبي الجماهيري، وهي اجمالاً القوى الاسلامية والقوى الكردية.
الثاني: القوى السياسية ذات التاريخ السياسي والثقافة السياسية العامة وهي القوى القومية واليسارية.
الثالث: القوى السياسية ذات العلاقة الاستراتيجية مع النظام ولكنها انفصلت عن النظام بسبب المصالح الخاصة أو المشاكل الخاصة وكذلك بسبب الموقف الغربي الذي كان يؤشر باتجاه سقوط صدام، وقد وجدت فرصة لتغيير الواقع واستباق الأحداث.
الرابع: القوى السياسية ذات العلاقة بالموقف الغربي والمدعومة غربياً أو اقليمياً للتعبير عن مواقف دولية واقليمية.
وفي ضوء هذا التقسيم يمكننا أن نتبين الرؤية المستقبلية لها التي تتأثر عادة لعاملين أساسيين:
1ـ عامل العقيدة والفكر.
2ـ عامل المصالح والخيارات السياسية.
ولاشك انّ المواقف التاريخية السابقة لهذه القوى تصلح أن تكون مؤشراً على مواقفها المستقبلية.
وأبدأ من القسم الرابع الذي نفترض أنه يتأثر بالمواقف الغربية والاقليمية حيث تنسحب عليه هذه المواقف الغربية لأنّ هذا القسم من القوى السياسية العراقية هو وليدها ويتقدم ويتأخر ويتمدد ويتقلص معها.
ومن الواضح انّ المواقف الدولية متغيـّرة لا تتسم بالثبات، وانّما تحكمها بصورة عامة المصالح الاقتصادية والسياسية، وقد ذكرت انّ العراق يملك امكانات اقتصادية هائلة وموقعاً سياسياً مهماً حاول النظام أن يستغلها إلى أبعد الحدود في عدوانه على الكويت، وكان من الممكن أن ينقلب الموقف الدولي والاقليمي إلى صالح النظام لولا السلوك المشين لرأس النظام وغطرسته وسياساته الحمقاء مع الآخرين وطريقة أدائه.
بل يمكن أن نقول انّ الموقف الدولي هو الذي شجّع النظام على هذا العدوان ولكن النظام لم يحسن الأداء والادارة.
وقد كانت طريقة تعامل الموقف الدولي والولايات المتحدة الأمريكية بالذات ـ بعد هزيمة النظام وخروجه من الكويت ـ دليلاً آخر على عدم ثبات الموقف الدولي وانتهازيته وتقلبه.
إذ فوتت الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا على الشعب العراقي عدة فرص لإحداث التغيير في العراق وذلك بتدخلها المباشر أحياناً ضد التغيير كما حصل ذلك في انتفاضة شعبان/ آذار 1991، أو بترددها باتخاذ القرار المنطقي لحماية الشعب العراقي كما في عام 1992 عند اعلان الحظر الجوي في الجنوب، حيث كانت الحركة الشعبية في أوجها وبدأ النظام يقوم بعملية قمع استخدم فيها الطائرات والجهد الهندسي للجيش العراقي المدعوم بالدبابات لقطع المياه وتجفيف الأهوار، وكذلك عام 1996 عندما هاجم النظام منطقة كردستان العراق للقضاء على المعارضة المتنامية التي بدأت تأخذ شكلاً سياسياً وعسكرياً موحداً.
ولازال الموقف يتسم بالتـردد والتأرجح بين الاحتواء بالعقوبات ولجان التفتيش، إلى التدخل العسكري العنيف أو الرمزي، إلى استخدام الضغوط السياسية وتقديم التنازلات والتراجع من قبل الأمريكان للنظام.
ومثل ذلك يقال تجاه الموقف الفرنسي والروسي والأوربي مع الاختلاف في مستوى الأهمية أو في مستوى التعامل حيث اتسم مواقفها بالانتهازية.
وأما الموقف الاقليمي فقد اتسم باللاأبالية أحياناً أو بالتبعية للموقف الغربي أحياناً أخرى أو تصفية الحسابات السابقة والمصالح الآنية الخاصة، ولازال كذلك بحيث أصبح الشعب العراقي يتعرض الآن إلى عملية حصار وابادة من الداخل على يد النظام، وهي الأشد والأقسى والأخطر، حيث يتكتم عليها النظام، وكذلك عمليات ابادة بسبب العقوبات التي يستغلها النظام أبشع استغلال ليوظّفها اعلامياً في معركته غير الشريفة وهي معركة البقاء في كرسـي الحكم.
ومع ذلك لا نجد موقفاً اقليمياً ـ لا على مستوى الجامعة العربية ولا على مستوى منظمة المؤتمر الاسلامي ـ يدافع عن الشعب العراقي أو يعمل من أجل معرفة الحقيقة وتشخيص المسؤول عن ذلك بل يترك الموضوع إلى الصراع بين النظام والولايات المتحدة الأمريكية ويقف فيها موقف المتفرج على المأساة أو الادانة العامة.
فرؤية هذا القسم من القوى السياسية العراقية يعتمد على مقدار ما تقدمه الكويت من مصالح ومنافع للقوى التي تقف وراءها.
والكويتيون هم أعرف بذلك، ولكن أعتقد انّ هذه المصالح لا تتكافئ مع حجم المصالح والمنافع التي يملكها العراق (مصالح اقتصادية، سياسية، استراتيجية) والتي يمكن أن يوظفها أي نظام مستبد بطريقة ما لإحداث التغيير في الموقف الدولي، ثم في موقف هذه القوى السياسية التابعة له.
ويبدو انّ الموقف الغربي ـ كما نشاهد ـ لا يريد أن تحل هذه المشكلة بين النظام في العراق والكويت، بل يريدها أن تبقى قضية قابلة للانفجار أو التأزم على الأقل، فهو يشجع النظام على التمادي في العدوان أو الاستمرار في سياسة خلق الأزمات، كما هو شأنه في القضايا الأخرى.
ولعلّ أفضل شاهد على ذلك هو بقاء هذه المشكلة قائمة منذ العهد الملكي وحتى الآن مع انّ الغربيين كانوا يسيطرون على الموقف في العراق في كثير من الأدوار السابقة. كما انّ الكويتيين تعاملوا مع هذا الموضوع بطريقة بعيدة عن الحكمة والمنطق أبان الحرب العراقية الايرانية عندما حولوا الكويت إلى قاعدة عسكرية وسياسية للنظام العراقي وفتحوا له الأبواب العامة والخاصة دون أي ثمن، الأمر الذي جعله يطمع بتحقيق هدف ضم الكويت إلى العراق والقيام بهذا العدوان ظناً منه انه لم يبق أمامه في تحقيق ذلك أي عائق حتى موقف الشعب الكويتي نفسه.
وهنا يجب التأكيد بأنّ القوى السياسية من القسم الرابع لا تمثل ـ في الوقت الحاضر ـ قوة داخلية في العراق ذات أهمية، وهي عاجزة عن القيام بأي دور أساسي داخلياً وانّما تمثل غطاءً رقيقاً لحركة القوى الدولية فحسب.
وأما القسم الثالث، فهي قوى لا تختلف رؤيتها في المحصلة السياسية عن القسم الرابع، وإن كانت تتأثر بموقف عدائي وتاريخي في موقفها من الكويت، حيث انها كانت جزءاً من النظام الذي يعادي الكويت وتنتظر أي فرصة للتعبير عن هذا الموقف سواء في صفوف المعارضة العراقية أو في مستقبل الأيام، ولكنها من حيث الواقع ليس لها أهمية تذكر في الوقت الحاضر أيضاً، لأنها تفتقد التنظيم الواحد، والعقيدة الواحدة، والرؤية الواحدة، وتتوزعها المصالح الشخصية والآنية، وأحلام اليقظة، والخوف من النظام واجراءاته القمعية التي تعرفها، وليس لديها الاستعداد لتحملها أو المخاطرة بمصالحها الفعلية.
ولكن لو ملكت الأمور في المستقبل فسوف يكون موقفها عدائياً من الكويت ما لم تمنعهم الظروف من ذلك.
وأما القسم الثاني من هذه القوى السياسية، وهي القوى ذات الثقافة القومية واليسارية فانّ الموقف التاريخي لهذه القوى كان يدعو إلى ضم الكويت إلى العراق، وهذا الموقف هو موقف تمليه عليهم أحلام (الوحدة العربية) والتي تعتقد انّ ضم أي جزء من العالم العربي وبأي طريقة كانت هو عمل عقائدي يخدم الأمة العربية ومصالحها، كما انهم ينظرون إلى النظام في الكويت انه نظام رجعي ومتخلف وهو وريث القرون الوسطى ومتحالف مع الاستكبار العالمي... إلى غير ذلك من الصفات التي تزخر بها أدبيات هذه الثقافة، ويجد له في الشارع العربي وثقافته من يحرضه على هذا الموقف أيضاً.
وأفضل شاهد على هذه الحقيقة هو موقف هذه القوى التي لازالت تأبى الاعتراف بالسيادة الكويتية وتتعامل معها أحياناً كواقع لا يمكن تجاوزه ولكنه لا ينطبق مع الحق.
كما انّ القوى العربية التي تمثل هذا التيار السياسي والفكري تتعامل من هذا المنطلق، وبذلك يمكن أن نفسر موقف هذه القوى في الشارع العربي الداعم لموقف النظام العراقي بالرغم من انّ عدوانه واضح بيّن لا يمكن التستر عليه، ولازالت هذه القوى تتعاطف مع النظام حتى الآن من هذا المنطلق.
ويمكن أن نضيف إلى ذلك الخصوصية العراقية لهذه القوى وهي انّ الذي يمسك بزمام المبادرة لهذه القوى في الساحة العراقية هم من أولئك الأشخاص الذين يلتزمون منهج السياسات الطائفية في العراق التي ترى انّ ضم الكويت يمثل أحد مفاتيح الحل لايجاد التوازن الطائفي في العراق من حيث العدد والعمق لأنّ أكثرية الشعب الكويتي من السنة العرب الذين يمكن أن يضيفوا إلى نسبة السنة العرب في العراق أعداداً جديدة، ويمكنهم أيضاً أن يكونوا حلقة الوصل بمنطقة الخليج المهمة.
كما انّ هذه القوى ترى أنّ بقائها في السلطة مرهون بوجود الأزمات وعدم الاستقرار، والعلاقة مع الكويت مرشحة للتأزم باستمرار.
وأما القسم الأول من القوى السياسية العراقية وهي القوى ذات العمق الشعبي الجماهيري (القوى الاسلامية الشعبية والأكراد) فانّ موقفها يتأثر بعدة عوامل أساسية:
الأول: عامل الأمن والاستقرار للوجود الشعبي الذي يمثل قاعدتها الأساسية وقوتها ووجودها.
الثاني: المصالح القومية للجماعة التي تدافع عنها.
الثالث: المصالح المادية العامة للشعب العراقي.
الرابع: عقائدها الدينية والتقليدية ونظرتها إلى النموذج الكويتي في النظام والشعب.
وهذه العوامل كلها تصب في خندق الدفاع عن علاقات جيدة ومتينة وكفؤة مع الكويت ومع الدول المجاورة بصورة عامة.
لأنّ وجود العلاقات بهذه الصفة مع جميع الدول المجاورة ومنها الكويت هو أفضل طريق يحقق الأمن والاستقرار لهذا الوجود الشعبي الذي كان ولازال يعاني من أشد ألوان الاضطهاد والمطاردة والعدوان، ويشعر بوجود التآمر على وجوده وأمنه منذ قـرون من الزمن، فهو يصبو ويطمح إلى الأمن والاستقرار.
ولاشك انّ المصالح القومية للجماعة وكذلك المصالح المادية للشعب انّما هو في منهج المصالح والاحترام المتبادل وفي علاقات الحب والود والتعاون وفي الرؤية إلى هذه العلاقات من زاوية تكاملية لا تنافسية أو تضاد وتقاطع.
وقد أشرت إلى هذه الحقيقة بما ذكرته من واقع العلاقات القائمة بين الشعبين العراقي والكويتي، ولا يمكن لهذه القوى أن تتجاوز هذا الواقع بعد أن كانت تستند في شرعيتها وقوتها إلى عمقها وجذرها الشعبي.
ويؤكد ذلك انّ نظرتها العقائدية والتقليدية إلى النموذج الكويتي هي نظرة ايجابية بعد أن كان يؤمن باحترام الاسلام وشعائره، ويلتزم بالتعددية المذهبية والقومية، والتعايش القومي والمذهبي، وبالحرية السياسية في اطار القانون والدين وهي قضايا تشكل الأساس لكل نظام صالح يمكن أن يحكم العراق ومبادئ مهمة في خطابها السياسي.
ولذا كان أهل البيت (ع) وأتباعهم يدعون ويلتزمون بالتعايش مع الحكومات والمذاهب الاسلامية ما لم تتجاوز الحدود المعقولة في الطغيان والاستبداد والظلم وانتهاك حرمات الدين والانسان (1) .
ويشهد لهذه الرؤية المواقف التاريخية، التي قلت بأنها تصلح أن تكون مؤشراً إلى طبيعة هذه العلاقة، وهنا أشير إلى بعض هذه المواقف:
الأول: موقف المرجعية الدينية العليا للشيعة التي كانت متمثلة بالامام الحكيم في عقد الستينات، فقد حاول عبدالكريم قاسم أن يقوم بعمل عسكري ضد الكويت عند اعلان استقلالها، كما هو معروف. ومع قطع النظر عن الأسباب الواقعية لتوقف عبدالكريم قاسم عن القيام بهذه العملية، إلاّ انّ هناك موقفاً مشهوداً للمرجعية الدينية عندما طلب قائد المنطقة الأولى العسكرية في العراق اللواء السيد حميد حصونه المكلف بالاعداد لهذه العملية العسكرية طلب من الامام الحكيم الموقف الشرعي، فقد أفتـى الامام الحكيم بحرمة القيام بهذا العمل لأنه سوف يكون سبباً لإراقة الدماء وانتهاك الحرمات.
وتمكن اللواء (حصونه) أن يقنع عبدالكريم قاسم بالعدول عن رأيه خوفاً من الفشل في هذه العملية لأنّ أكثر الجنود والمراتب كانوا يقلّدون الامام الحكيم.
كما انّ الامام الحكيم كانت له علاقات طبيعية تتسم بالاحترام مع حكومة الكويت طيلة مدة مرجعيته الدينية، وكانت حكومة دولة الكويت أول حكومة خليجية تطلب من الامام الحكيم ترشيح قاض جعفري لأبناء الشيعة في الكويت، فرشح لها القاضي اللبناني سماحة الشيخ ابراهيم سليمان، ويمكن الرجوع في ذلك إلى وثائق الحكومة الكويتية.
الثاني: موقف المرجعية الدينية العليا في عقد التسعينات وعند غزو النظام العراقي الحالي للكويت، التي كانت تتمثل بالامام (الخوئي)، فانه بالرغم من الطغيان والارهاب الذي كان يفرضه النظام العراقي على الشعب نجد الامام الخوئي يفتي بحرمة التصرف أو شراء الأموال المنهوبة الكويتية.
الثالث: موقف جماهير الشعب العراقي في انتفاضة شعبان / آذار 1991 التي كانت تهتف بالاسلام والخلاص من الطغيان والاستبداد، فأنهم قاموا باطلاق آلاف الأسرى الكويتيين بالرغم من الموقف السلبي السابق للحكومة الكويتية تجاه أبناء التيار الاسلامي أيام الحرب العراقية الايرانية، حيث تعاون بعض الأجهزة الأمنية في الكويت مع أجهزة النظام في مطاردتهم، كما انّ القوى السياسية الاسلامية العراقية كانت أول من بادر إلى ادانة العدوان ورفضة بعد سماع نبأه ظهر عاشوراء الثاني من آب 1990.
الرابع: موقف الاسلاميين من أبناء الشعب الكويتي ولاسيما الشيعة منهم في مقاومة العدوان وتشكيل قوى المقاومة المسلحة والصمود في داخل الكويت بالرغم من كل الظروف القاسية التي مرت بهم قبل العدوان وأثناء العدوان، وهذا الموقف وإن كان يعبـّر من ناحية عن وحدة الصف للشعب الكويتـي التي كان لها دور كبير في احباط العدوان، ولكنه في الوقت نفسه يعبـّر عن رؤية سياسية وعقائدية ذات معنى عميق.
ولاشك انّ للنموذج الكويتي الايجابي في الحرية السياسية والمذهبية والتعايش القومي والمذهبي بين أبناء الشعب الكويتي دور كبير في تكوين هذه الرؤية للعلاقة، الأمر الذي يدعونا إلى التأكيد على أهمية دراسة العامل المذهبـي والنظر إليه في السياسات الاستراتيجية للمنطقة كعامل ايجابي في تحقيق الاستقرار والأمن لها، وذلك من خلال الايمان بالحرية المذهبية في المجالات الثقافية والممارسة الشخصية وعدم السماح بتسببه والتعايش الاجتماعي بين أبناء المذاهب الاسلامية القائم على أساس الأخوة الاسلامية.
فالتعددية المذهبية هي مثل التعددية السياسية والقومية عوامل ايجابية بناءة عندما تصاغ في اطار الأخوة الاسلامية والوطنية والانسانية، والابتعاد بها عن التعصب الطائفي والاستغلال السياسي. مع انّ الاعتراف بها في الممارسة الشخصية والثقافة العامة للجماعة.
وقد عمل الاستعمار ومخططي قوى التسلط والهيمنة أو المتطرفين من أبناء الأمة على تمزيق شمل الأمة من خلال فرض القهر وفرض الرأي الواحد الشمولي على هذه الفوارق والتعدديات، وذلك بعيداً عن فهم الاسلام والحياة والفطرة الانسانية، وعرّضوا بذلك أمن الشعوب واستقرارها ومقدراتها إلى أشد الأخطار والكوارث.
الخامس: انّ الاسلاميين ولاسيما أتباع أهل البيت (عليهم السلام) يرون في قضية الوفاء بالعهود والمواثيق الدولية والاسلامية وفي ميثاق الأخوة الاسلامية أمرين رئيسيين:
أحدهما: هو الأمر الشرعي الديني الذي يفرضه الاسلام.
والآخر، هو الاستقرار والأمن وتحقيق المصالح للجماعة الانسانية.
وانّ الأمر الآخر يمثل هدفاً مهماً في الرؤية الشرعية للواقع السياسي، لأنه من أهم المصالح في نظر الاسلام هو الاستقرار والأمن والوحدة للجماعة الانسانية.
ولذلك فانّ بناء العلاقة على أساس هذه العهود والمواثيق والاحترام المتبادل والأخوة الاسلامية والمصالح المشتركة من أهم العوامل التي تشخّص وتحدد طبيعة العلاقة المستقبلية.
ولذا نحن نطالب بأن يكون هناك عهد وميثاق بين الشعب الكويتـي والقوى السياسية ذات البعد الشعبي في العراق يقوم على أساس احتـرام إرادة الشعبين العراقي والكويتـي في القضية السياسية المستقبلية وعلى أساس التناصر في مواجهة الظلم والعدوان والطغيان والاستبداد والتعاون على البـر والتقوى والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق والسداد والنصر، وهو من وراء القصد والرقيب على الوفاء بالعهد.
وختاماً، أشكر للسادة الأفاضل مرة أخرى هذه الفرصة ولدولة الكويت ولشعبها العزيز ومجلسها الموقر هذه الدعوة والعناية والاهتمام.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
____________
(1) هذا الموضوع له أبعاد عقائدية وسياسية تناولتها بشيء من التفصيل في كتاب (الوحدة الاسلامية من منظور الثقلين).
|