<
      كلمة ترحيب | المحور الأول: الطلبة الجامعيون | 1 ـ واجبات أوساط الطلبة | 2 ـ الأخطار التي تهدد أوساط الطلبة | المحور الثاني: وضعنا الراهن | الأهداف التي نسعى إليها في هذه المرحلة | متطلبات المرحلة الحالية | عناصر النظام المستقبلي للعراق  
 
  <
 

كلمة سماحة آية الله السيد الحكيم (قدّس سرّه) في مؤتمر الطلبة الجامعين، في قم المقدسة
بتاريخ: 3 / 1 / 1424 هـ الموافق 17 / 3 / 2003 م.


دور الجامعيّين في مستقبل العراق


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين، حبيب إله العالمين أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا أبي عبد الله الحسين بن علي سيد الشهداء (عليه السلام).

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا - بقية الله في أرضه - الحجة بن الحسن (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

والسلام على شهداء الإسلام في كل مكان، منذ الصدر الأول للإسلام وحتى هذا العصر.

والسلام على سادتي وإخوتي وأبنائي وأعزائي الحاضرين ورحمة الله وبركاته.


كلمة ترحيب

في البداية أرحّب بجميع السادة الأفاضل والإخوة والأبناء والبنات، كما أتقدم لهم بالتعازي الحارة بمناسبة أيام المصيبة العظمى، والفاجعة الكبرى، شهادة سيدنا ومولانا أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، سائلاً الباري جلّ وعلا أن يجعلنا من الآخذين بثأره والمتمسكين بمنهجه، كما أسأله تعالى أن يحقق النصر لأوليائه وشيعته في كل زمان ومكان.

كما أتقدم في الوقت نفسه بالشكر الجزيل لجميع الإخوة القائمين على هذا الاجتماع، المتصدين له، على إتاحتهم لي هذه الفرصة للحديث، وللإخوة الذين ساهموا في هذا اللقاء، الذي يضم هذه النخبة الطيبة الصالحة من أبنائنا الطلبة الجامعيين في الجمهورية الإسلامية.

وقد كنّا ننتظر عقد هذا الاجتماع في وقت قبل هذا، ولكن لأسباب لا أعرف حقيقتها بالدقة، لم يتحقق هذا الأمر في هذه الظروف الحساسة، التي نعيشها من هذه المرحلة.

وحديثي في هذا اللقاء أحاول أن ألخصه في عدّة نقاط أساسية ومركزية، ترتبط بالشعار الذي عقد من أجله هذا اللقاء، وبالظروف الحساسة لهذه المرحلة، وبالطلبة الجامعيين الأعزاء.


المحور الأول: الطلبة الجامعيون

إن الوسط الطلابي يعتبر من أهم الأوساط الاجتماعية في هذا العصر، لفكرة التطور الواسع الكبير الذي تحقق في مجال التربية والتعليم، وتزايد عدد الطلبة جيلاً بعد جيل، وأصبح هذا الوسط يمثل قطاعاً كبيراً من أبناء المجتمع.

أما سابقاً فالتعليم كان محصوراً بعدد قليل من الناس، الذين لم تكن الأكثرية منهم متعلمين، حتى على المستوى الأول من التعليم، فقد كانت نسبة الأمية كبيرة جداً في المجتمعات التي عاصرناها، فضلاً عن الأدوار السابقة، ولكن التطور الذي حدث في التعليم جعل أوساط الطلبة من الأوساط الاجتماعية المهمة والمتميزة كمّاً وكيفاً.

كما أن هذا الوسط يتسم من ناحية أخرى بالشبابيّة بصورة عامة، باستثناء بعض الموارد التي يدخل فيها من يتقدم به السن، الدراسةَ الجامعية أو الأكاديمية.

ومرحلة الشباب تمثل الطاقة الحيوية المتحركة في الأمة، كما تمثل الأمل في المستقبل وفي رؤية حركة المستقبل. فبمقدار ما يمكن من تحقيق تقدم في بناء هذا الوسط عندئذ يتحقق تقدم في مستقبل الأمة والجماعة؛ لأن هذا الوسط هو الذي يتحمل مسؤوليات المستقبل.

بالإضافة إلى هاتين الخصوصيتين هناك خصوصية أخرى مهمّة جداً تختص بالطلبة، هي خصوصية العلم والمعرفة، فالطلبة متفرغون بصورة عامة للعلم والمعرفة، اللَّذين يمثلان عنصراً مهماً في كل مجتمع إنساني.

كما أن العلم إذا سلك طريقه الصحيح المرسوم له في المفهوم الإسلامي فهذا ما سيوصل طالبه إلى الله تعالى، ويجعله قريباً منه، سواء في الدرجات التفضيلية التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}(1) أو في السلوك الذي يمارسه الإنسان في السير إلى الله تعالى حيث قال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}(2).

فالعلم والمعرفة يمثلان البناء الحضاري في المجتمعات الإنسانية، في مستقبل دنيا الإنسان وآخرته، عندما يأخذ العلم طريقه الصحيح.

كما أن هناك خصوصيات أخرى لهذا الوسط قد لا نجدها بالنسبة للأوساط الأخرى، منها أن هذا الوسط عادة لا يتحمل مسؤوليات إدارة الحياة المعيشية باستثناء بعض الحالات، فمن هذه الناحية هو فارغ الذهن من المتاعب المعيشية - إن صح التعبير -، إذ إن الطلبة غالباً ما يتولى أمورهم المعيشية ذووهم من آباء وأمهات وإخوان، أو متعلقين بصورة عامة، ولذلك يكون لديهم قسط كبير من الوقت يمكن توظيفه بطريقة ما في الخدمة أو في أي مجال آخر.

ونحن نلاحظ أن هناك نشاطات واسعة جداً في أوساط الطلبة الجامعيين على مختلف الأصعدة السياسية، والاجتماعية وغيرها.

وعندما ننظر إلى الأمم نجد أن أكثر الأوساط تفاعلاً مع الأحداث التي يشهدها عالمنا هي أوساط الطلبة، وكمثال على ذلك الحرب على العراق، التي خرجت عن بُعدها العراقي والعربي والإسلامي، وأخذت بُعداً عالمياً في هذه المرحلة، وأحد معالم هذا البعد التظاهرات التي لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، إذ لم نشهدها حتى في الحرب الفيتنامية، نجد أن أكثر الأوساط المتحركة في هذا المجال - كما تشاهدون على شاشة التلفاز - هي أوساط الطلبة.

إذن، فهذا الوسط هو الذي يكون له دور رئيسي وأساسي في التعبير عن الموقف. هذه صورة تحتوي على بعض المعالم التي تبين أن الطلبة يمثلون وسطاً هاماً يتوقف عليه مستقبل الأمم، والجماعات إلى حدٍّ كبير.

وهذا الموضوع يجب أن يتفهّمه الطلبة قبل غيرهم؛ لأنهم هم المعنيون في هذا الأمر.


واجبات الطلبة والأخطار التي تهدد وسطهم

إذن، ما هي الواجبات التي على الطالب أن يقوم بها عندما يكون له هذا الدور في الحياة؟

وما هي الأخطار التي تهدد أوساط الطلبة؟

هنا سأشير إلى بعض النقاط المركزية فيما يتعلق بهذين السؤالين:


1 ـ واجبات أوساط الطلبة

البناء الذاتي

أمّا عن الواجبات، فإنني أعتقد أن أهم واجب على الطالب في هذه المرحلة أن يبني ذاته بناءً كاملاً، يؤهله لممارسة دوره المستقبلي، فكما قلنا إن هذا الوسط يتوقف عليه مستقبل الأمّة والجماعة إلى حدٍّ كبير، لذا يجب على الطالب الاهتمام بالبناء الذاتي ليكون مستعداً لممارسة هذا الدور.

ويمكن تلخيص البناء الذاتي بعدة نقاط أساسية ربما تكون واضحة، إلاّ أن أوضح الواضحات قد تكون أشكل المشكلات، والتأكيد على الواضحات في زحمة الأحداث ضروري ومهم أحياناً، خصوصاً وإن الإنسان معرّض للغفلة والنسيان والاشتباه.


أ- الإيمان بالله

حيث إن الإيمان بالله في مجتمع مسلم ومؤمن كمجتمعاتنا تعتبر واضحة، وليس من الضروري ذكرها؛ لأنها جزء من حياة المؤمن في كل تفاصيل حركته. حيث الإيمان يأخذ الأولوية في الأهمية، ولكن باعتبار وضوحها ربما يقال: إن الحديث عنها يكون من باب التبرك والتقرب إلى الله تعالى برفع هذا الشعار، لكنني أعتقد أنها أعمق من هذا الأمر الذي قد نتناوله بهذه البساطة والوضوح، ويمكن أن ننطلق في هذه الفكرة من سورة الفاتحة التي نقرؤها عشر مرّات كل يوم في الصلاة الواجبة، فالمؤمن المعتقد بالله تعالى، الذي بلغ إيمانه درجة تجسيد الاعتقاد بالعمل، فهو يمارس الشعارات الواجبة ويقف بين يدي الله تعالى لأداء أهم أركان الإسلام، ومع ذلك يطلب منه في هذا الوقوف أن يقول: {اهدنَِا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}(3). فما هو الصراط المستقيم؟

الجواب هو: الإسلام، أي الإيمان بالله تعالى. فهذه الفكرة هي التي توضح عمق الإيمان بالله، فإذا كان الصراط المستقيم هو أن يشهد الإنسان الشهادتين، ويلتزم بالواجبات الإسلامية، فلماذا يلزم هذا الإنسان أن يطلب ذلك من الله تعالى ولعدة مرّات في اليوم؟

حيث إن الإيمان بالله تبارك وتعالى، هو التجسد الوقعي لكل مفردة من أعمال الإنسان وسلوكه. هذا هو الإيمان الذي نطرحه في هذا الحديث.

وهناك بحث كان يدور في القرون الأولى للإسلام، هو أن الإيمان هل هو مجرّد الاعتقاد والالتزام الجناني؟ أم أن هذا الاعتقاد يتأثر بالسلوك الخارجي للإنسان؟

اتضح من ذلك أن السلوك الخارجي في الفكر الإسلامي يؤثر على الإيمان بالله سلباً أو إيجاباً، بتكامله يكمل الإيمان، وبدنوه يتحول الإيمان إلى نفاق. فالمراد من الإيمان في عملية البناء الذاتي للإنسان هو هذا المفهوم.

حيث إن هناك فرقاً كبيراً بين إيماننا كأناس عاديين، وإيمان الأولياء، وبين إيمان الأولياء وإيمان الأنبياء، وإن كنا لا نختلف عن الأولياء والأنبياء بعنوان الإيمان، فإننا وإياهم نوحّد الله سبحانه ونؤمن بالأنبياء وبرسالاتهم وبالوحي الإلهي وبالمعاد إلى غير ذلك من العقائد، ولكن الفرق بين إيماننا وإيمانهم يكمن في السلوكيات والالتزامات التي تنعكس على الإيمان، ولا أريد أن أستغرق في هذا البحث أكثر، ولكنني أود أن أنبه نفسي قبل غيري لهذا الأمر، الذي نحتاجه في البناء الذاتي.


ب - التحلي بالأخلاق:

إن مضمون الإنسان الحقيقي بعد الإيمان بالله تعالى هو الجانب الأخلاقي، الذي هو القاعدة التي يقوم عليها بناء الإنسان، وما يجعله قادراً على التأثير في الكون والوجود إلى غير ذلك.

فالأخلاق من القضايا الرئيسية التي يجب أن نعطيها اهتماماً خاصاً في بنائنا الذاتي، وهي ما يعبّر عنها القرآن الكريم بالتقوى، أي اتقاء الإنسان لله تعالى في سلوكه وتصرفاته، بمعنى الحذر من الوقوع في المحرمات أو تجاوز الواجبات والمسؤوليات التي وضعها الله تعالى في عنقه.


ج - السعي في طلب العلم:

إننا كطلبة لابد أن نضع أمامنا العلم والمعرفة هدفاً أساسياً في هذه المرحلة، وأنا أحث على ذلك من خلال تجربة عشتها تذكر أحياناً كحكمة في الكتب، وهي أن من أراد أن يكتب العلم ويصبح عالماً فأهم دور في تأسيس حركته العلمية هو دور الشباب، والباقي - بحسب تجربتي وتجارب آخرين - نتاج لهذا الدور، ربما يكون مقداره أكبر من هذه المرحلة إلاّ أنه نتاجها.

وهذه العملية تشبه الشجرة التي تروى وتراعى في السنين الثلاث أو الأربع الأولى - حسب اختلاف نوع الأشجار - حتى تثمر، عندئذ تكون ثمارها نتيجة لتلك المرحلة التي رويت فيها.

وأنا أتذكر بهذا الصدد كلاماً للشهيد الصدر (رضوان الله عليه) عندما توسعت معرفته في مختلف العلوم، كالفقه والأصول والتفسير والاجتماع والفلسفة والكلام وغيرها، فقد كان يبدع في الأيام الأخيرة وينتج إنتاجاً عظيما، حيث ًكان يقول: أشعر أنني لم أضف شيئاً إلى علمي، وإنما الشيء الحقيقي هو ما حصلت عليه في دور الشباب، فالدور الأساسي في الحركة العلمية هو دور الشباب، وكما يقال: (التعلم في الصغر، كالنقش في الحجر). وهذا يوضح لنا هذا الجانب من التأسيس.

ولذا فمن الضروري أن تعطوا هذا الدور أهمية في الحصول على العلم والمعرفة، ليكون الدور التأسيسي في مسيرتكم العلمية.


د - بناء الإرادة:

بناء الإرادة وميول الشهوات من الأمور المهمة في حركة الإنسان، فبمقدار ما يتمكن الإنسان من بناء إرادته أمام الشهوات والميول والرغبات، أو الضغوط التي تمارس في المجتمع، سواءً كانت قمعية كإرهاب وتخويف بعض الأنظمة، أو كانت اقتصادية أو اجتماعية أو عائلية.

فالإنسان بمقدار ما يتمكن من بناء إرادته فهو يتمكن من شقّ طريقه في الحياة، والتأثير في مستقبل الأدوار التي يمر بها. وهذا الكلام أقوله عن تجارب خاضها الآخرون، كما خضتها أنا شخصياً.

فبناء الإرادة مهم جداً في أدواركم، لذا عليكم أيها الأبناء الأعزاء أن تعرفوا كيف تبنوا إرادتكم بشكل تكون فيه قادرة على مواجهة كل المصاعب، التي من الطبيعي أن يتعرض لها كل إنسان في حياته.


هـ - الوعي والبصيرة:

بالإضافة إلى العلم، يوجد جانب آخر قد يختلف عن العلم، وهو وعي الإنسان، وإدراكه لطبيعة الظروف التي تحيط به، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية، وكذلك اتخاذه للمواقف المناسبة والمناهج الصحيحة التي يجب أتباعها في التعامل مع الأحداث.

وهذا غير العلم والمعرفة، لأن هناك شواهد تاريخية كثيرة كما شاهدنا ذلك في تاريخنا،أن يكون هناك شخص على درجة عالية من العلم والمعرفة، ولكن وعيه وبصيرته تكون على درجة واطئة من البساطة والسذاجة، ولهذا يسقط.

فهذه من المسائل المهمة جداً، وعلى الإنسان في هذه المرحلة أن يبني الوعي والبصيرة لديه; لأنه في أمس الحاجة لذلك في هذه المرحلة التي قد يتعرض فيها لخطرين رئيسيين:


2 ـ الأخطار التي تهدد أوساط الطلبة

الانحراف:

إن أكثر دوراً في التعرّض للانحرافات هو دور الشباب. فالإنسان معرّض للانحراف في كل أدوار مسيرته، لا ينجو منه حتى في لحظات منازعته للموت، وهذا أمرٌ سنّه الله سبحانه وتعالى وفرضه على البشرية، ولذلك قد يتعرض الإنسان للامتحان في سنّ متقدم من الكبر.

ومن الدروس العظيمة في واقعة كربلاء هذا الجانب من الابتلاء والامتحان، (فشمر بن ذي الجوشن) عندما نقرأ تاريخه نجده من أصحاب الإمام علي (عليه السلام) ومن المقاتلين معه في صفين، وبلغ من الثقة أن يرسله أمير المؤمنين (عليه السلام) عضواً في هيئة للتفاوض مع معاوية. ولكنه في مرحلة متقدمة وقف بوجه الحسين (عليه السلام).

وقد يمن الله تعالى على الإنسان في وقت متأخر أو في البداية بالهداية، كما حصل (للحر بن يزيد الرياحي) الذي نجده أعجوبة عندما نتأمل في شخصيته، وبعض الكتّاب الغربيين كتب موسوعة في تصوير شخصية الحر، لا بعنوان الحر وإنما هناك شخصية أخرى تتمثل في جانب من جوانبها بشخصية الحر، عند مقارنتنا للشخصيتين، وهي شخصية القائد العسكري الذي يلتزم بالضوابط والأوامر المفروضة عليه بصورة عامة، لكنه إنسان طيب وصالح في داخله، وعندما يتعرض إلى امتحانات تحكمه بها القوانين والالتزامات إلى أن يصل إلى مفترق الطرق، إما أن يستمر في انحرافه أو يتحول إلى طريق النجاة، فإنه يختار الطريق الثاني.

فالحر بن يزيد الرياحي كان أحد القادة الأربعة لجيش عبيد الله بن زياد ولم يكن شخصاً عادياً، وفي استقباله للإمام الحسين (عليه السلام) كان مقيداً بالأوامر والواجبات التي لم تسمح له بالتزحزح عن موقفه، بالرغم من احترامه الفائق للإمام الحسين (عليه السلام)، وبقي حتى اللحظة الأخيرة عندما قال لعمر بن سعد: أتقاتلون ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووجد نفسه عندها بين خيارين إما الجنة وإما النار، فركب فرسه وتحوّل إلى معسكر الحسين (عليه السلام)، وقاتل حتى استشهد بين يديه (عليه السلام).

فهذه النماذج تعبّر عن خطر الانحراف الذي قد يتعرض له أناس متقدمون في السن، ولكن أكثر الأوساط تعرضاً لهذا الخطر هو الوسط الشبابي والنسوي، فهؤلاء الأكثر تعرضاً للانحرافات الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية.

وللوعي والبصيرة دور عظيم جداً في مواجهة هذه الانحرافات، فالإنسان عندما يكون في خطر لا بد أن يواجهه للحفاظ على نفسه.

ولذلك ينبغي للشباب والشابات بصورة خاصة، وللنساء بصورة عامة الانتباه إلى هذا الخطر، وأن يكونوا على درجة عالية من الوعي والبصيرة لمواجهة هذه الأخطار، سواء كانت بصيرة الدين أو المعرفة أو الأخلاق، أو البصيرة في القضايا السياسية، لكي لا يتعرضوا للانحراف السياسي.


اليأس والعزلة:

إن الشباب هم أمل المستقبل، وسوف يكون لهم دور في رسم المستقبل. وعندما يصابون باليأس والعزلة فسيؤثر ذلك سلباً على مستقبل الأمة.

وهذا الخطر يواجهه الشاب؛ لأن عواطفه غالباً ما تكون متأججة، وقدرته البدنية عالية، وطموحاته المستقبلة كبيرة، وعندئذ لا يرى أن الحياة تلبي طموحاته وعواطفه واندفاعه وما أشبه ذلك، فإن كانت لديه أخلاق عالية، ودرجة عالية من الصبر والصمود والثبات، ربما يتمكن من مواجهة إحساسه بعدم تلبية الحياة لتطلعاته وطموحاته وطاقاته التي يملكها.

أمّا إذا لم يكن لديه ذلك فقد يصاب بالإحباط واليأس والقنوط، الذي يؤدي به إلى العزلة والانفصال التدريجي عن المجتمع في مواقع التأثير به، لا بمعنى الانفصال عن حياته الاجتماعية، فهو يأكل ويشرب مع الناس، ويتعايش معهم ولكنه ينعزل من حيث التفاعل معهم، والتأثير بهم. وهذه العزلة من أعظم الأخطار التي يواجهها الشاب.

ومن يتقدم به السن يتمكن أن يوازن إمكاناته وطاقاته مع حاجاته ومتطلباته، أما الشاب فلوجود الطاقة والطموحات وعدم أخذ الحذر ربما يصاب بمثل هذا الخطر، ولذلك يجب الانتباه لهذا الموضوع في الحركة المستقبلية.

ويجب على الشباب أن يضعوا أمامهم الأهداف المستقبلية، سواء التي يمكنهم تحقيقها بصورتها الكلية، أم التفصيلية حسب طبيعة ظروفهم وحركتهم، فهؤلاء يمكن أن يساهموا في عملية التغيير الاجتماعي فيما يتعلق ببناء الجماعة الصالحة، بناءً يجعلها قادرة على تحقيق أهدافها في الوصول إلى حقوقها والقيام بواجباتها.

ويمكن أن يساهموا أيضاً في التنمية والإعمار عند استلام العراق، بعد أن تعرض لهذا القدر من التخريب والتدمير والعزلة عن المجتمع الدولي.

هذه من المسائل المهمة في الرؤية المستقبلية، فنحن بحاجة إلى أن يضع شبابنا وقادتنا أمامهم مثل هذه الأهداف الكبيرة، ويسعى كل من موقعه لتحقيقها.


المحور الثاني: وضعنا الراهن

وأحتاج هنا إلى شرح حساسية الظروف الفعلية التي نعيشها في هذه المرحلة، فأنتم تعرفون أن الحرب المتوقعة على العراق جعلت القضية العراقية ذات طابع عالمي، وموضع اهتمام كل الأوساط العالمية دون استثناء، ولم يقتصر ذلك على الدول فحسب، بل حتى الأوساط الأخرى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأوساط الطلبة وحتى الأوساط المستضعفة في العالم، حيث أصحبت مهتمة بقضية العراق.

وقضية العراق ربما تفوق بأهميتها القضية الفلسطينية، التي تعتبر الأولى للعرب والمسلمين، ولم تعد مجرّد قضية إعلامية كما كان الإعلام الغربي يركّز عليها سابقاً، وإنما أصبحت أهم من القضية الفلسطينية حتى في واقعها السياسي.

وشرح هذا الموضوع ليس مجاله الآن، لأنه يحتاج إلى وقت كاف، ولكن سأشير إليه بصورة إجمالية، باعتبار أن قضية العراق ترتبط الآن ارتباطاً حقيقياً بالتفرّد الأمريكي بالعالم من ناحية، والتزام منهج الحرب في حل المشكلات من ناحية ثانية، وبالعولمة المطروحة من ناحية ثالثة.

كما أنها ليست مجرّد قضية تكتيكية في هذه المرحلة، فالموقف الأوربي عندما يتصلب في مقابل الموقف الأمريكي، لا الأمريكان كانوا يتوقعون هذا التصلب، ولا الأوربيون كانوا يتصورون أن يصلوا لهذا الحد من التصلب في مواجهة الموقف الأمريكي، بحيث يكونون على استعداد لاستخدام حق النقض (الفيتو).

وهذا الكلام لا أقوله تحليلاً مني، وإنّما الشواهد في المراحل السابقة تقول: إن الأوربيين من غير الممكن أن يصلوا إلى موقف مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ وذلك لوجود التحالفات الواسعة العريضة، أمّا الآن فقد وصل الأمر إلى حد المواجهة. وهذه المسائل المهمة هي التي تعطي القضية العراق أهمية خاصة.

إن الحرب أصبحت قاب قوسين أو أدنى، ومن المحتمل أن تشن اليوم أو غداً أو بعد غد، والعالم أيضاً يترقب وقوعها، إلاّ أن تحدث معجزة - كما عبّر البعض - أي حادثة غير متوقعة توقف شن الحرب.


الأهداف التي نسعى إليها في هذه المرحلة

وعندما نتحدث عن العراق، يجب أن نتحدث عن العراق الذي يواجه هذه الحرب، ومن ثمّ يجب أن نعرف الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها في هذه المرحلة. وسأبيّن هنا معالم عامة، وربما تكون هناك فرصة لبعض السادة الأفاضل والإخوة الأعزاء ليوضحوا ويشرحوا ويتحدثوا، وربما تكون هناك أجوبة على أسئلة تطرح.

إن أمامنا في هذه المرحلة - في تصوري - ما يمكن التعبير عنه بثلاث مهمات رئيسية ينبغي القيام بها الآن لتحقيق ثلاثة أهداف أساسية:


الهدف الأول: الخلاص من النظام الحاكم

ولا نعني بذلك هلاك صدام - كما يفهم بعض الناس من الخلاص أن صداماً بطش بالشعب وارتكب جرائم وحشية لذا يجب الخلاص منه، ولكن الخلاص لا يكون بهلاكه وموته وحده فحسب، قد يموت فيأتي عدي أو قصي أو ابن قصي ويبقى النظام قائماً - وإنما نعني بذلك الخلاص من هذا (النظام) بعد أن فهمنا طبيعته.

ويمكن تلخيص طبيعة النظام بعدة صفات يكون بها منعدم النظير في العالم، فحسب معلوماتي عن الأنظمة العالمية لا أجد نظيراً لهذا النظام في العالم مطلقاً، فهو نظام دكتاتوري بصيغة لا نظير لها في الدكتاتوريات العالمية.

كما أنه نظام طائفي يتخذ الاضطهاد الطائفي منهجاً في التعامل مع الأحداث السياسية، ولم نسمع ولم نشهد نظاماً طائفياً بهذه الصورة، ودكتاتورياً في نفس الوقت بطريقة فريدة في عالمنا اليوم.

إن التمييز الطائفي موجود بكثرة في العالم، أما الاضطهاد الطائفي بدرجة أن النظام يرفع شعارات (لا شيعة بعد اليوم) ويبدأ بتنفيذه، فيهدم ثلاثمائة مؤسسة بالديناميت في كربلاء والنجف وفي وقت قياسي، فهذا ما لم نشاهده حتى في فلسطين المحتلة، نعم، الإسرائيليون يقومون بعمليات قتل، أما عملية هدم لهذا القدر الكبير من المؤسسات، بعنوان أنها مؤسسات دينية، من مسجد إلى حسينية إلى مكتبة إلى مدرسة إلى مقبرة، فهذا ما لا نجد له نظيراً في العالم.

وهذا النظام، نظام عنصري يستخدم الاضطهاد العنصري في التعامل مع الأوضاع في العراق.

ولا يوجد نظام بهذه التركيبة ـ دكتاتوري طائفي عنصري ـ في كل أنحاء العالم.

نعم، قد يوجد نظام عنصري في جنوب أفريقيا مثلاً يضطهد السود، ولكنه بالنسبة للبيض كان نظاماً ديمقراطياً.

أما نظام صدام فقد جمع بين الدكتاتورية والطائفية والعنصرية، ويعتبر الخلاص من هذا النظام من الأهداف الأساسية.

ونحن في مرحلة تحقيق هذا الهدف، وهل يبقى النظام بشكل من الأشكال بعد الحرب المرتقبة أم لا؟

هذه من القضايا الأساسية المهمة التي نستهدفها.


الهدف الثاني: استقلال العراق ومواجهة الهيمنة الخارجية

إن العراق كان تحت الهيمنة الخارجية بصورة جزئية، إذ إن ثروته وصناعته وتسليحه وجيشه تهيمن عليه القوى الخارجية، فلجان التفتيش لها حق الدخول إلى العراق، ولا زالت تدخله وهو تحت هيمنتها، باعتراف النظام العراقي، وكذلك الحظر الجوي المفروض يعتبر طعناً في سيادة العراق، وهيمنة خارجية عليه، فأي بلد في العالم تفرض القوات الأجنبية حظراً على مناطقه غير العراق؟!

ولكنه الآن يواجه مرحلة جديدة تقتضي أن يكون من أوله إلى آخره تحت الهيمنة الخارجية، عندما يدير أموره حاكم عسكري. عندها يمر العراق بمرحلة استعمار واحتلال مطلق. وهذا من الأمور الخطيرة التي نواجهها في هذه المرحلة، ويجب أن نفكر في كيفية مواجهة هذا الخطر.

بعض الناس يقول نريد التخلص من الخطر الأول ثم نفكر بالخلاص من الثاني، وبعضهم يقول الثاني أخطر، وقسم منهم يقول الاثنان على حد سواء. إذن يجب أن نواجه هذا الخطر مواجهة فعلية واقعية، كما نحتاج أن نتصرف بطريقة مناسبة في هذه المواجهة.


الهدف الثالث: إعادة حقوق الشعب المهضومة

أي الحقوق المشروعة لأكثرية الشعب العراقي، التي كانت مهضومة لفترة طويلة من الزمن. فالمتغيرات التي سنشهدها في العراق من المحتمل أن يكون لها تأثير كبير على قضية الحقوق المشروعة، بإمكانية التقدم في الحصول على بعضها أو التأخر، وهذه قضية مطروحة الآن بين كل الأوساط السياسية، فيما يتعلق بالمتغيرات المستجدة.

فهذه الأهداف الثلاثة الأساسية، يجب أن نضعها أمامنا، عندما نتحدث عن كيفية التعامل مع القضية العراقية في هذه المرحلة، وما هي مواقفنا وتحركاتنا إلى غير ذلك مما هو مطروح الآن في ساحتنا السياسية، يجب أن نضع أمامنا هذه الأهداف الثلاثة، ونتحرك على أساس موازنة دقيقة، وتقدير صائب للمواقف وتحليل للحركة المضادة أيضاً، وللحركة الداخلية والخارجية معاً، حتى نتمكن من تحقيقها.

وللتعبير عن ذلك رفعنا شعار الحرية والاستقلال والعدالة.

فعندما نقول: حرية، نقصد الخلاص من هذا النظام الذي أشرت إلى خصوصياته.

وعندما نقول: استقلال، نقصد مواجهة الهيمنة الخارجية، وكذلك نقصد من العدالة إعادة حقوقنا المهضومة. والعدالة لها معان كثيرة منها: العدالة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

ولكن عندما نتحدث عن الحقوق في المرحلة الآنية نقصد منها التوازن في إدارة شؤون العراق، حيث إن هناك اضطهاداً عنصرياً وطائفياً لأكثرية الشعب العراقي، فضلاً عن الأقلية.

ونقصد بالعدالة: رفع هذا الاضطهاد، والتوازن في إدارة شؤون الشعب العراقي، وفيما بعد هذه المرحلة يجب التفكير في التنمية والرفاهية والتطور.


متطلبات المرحلة الحالية

أما احتياجاتنا لحركتنا في هذه المرحلة، فأعتقد أن هناك عدّة أمور يجب أن نضعها أمام أعيننا.


1 ـ التزام المبادئ والقيم

لأن كل عمل سياسي باعتبار الوجود الحركي له، ووجود قضية المصالح وموازناتها بتقديم الأهم على المهم إلى غير ذلك، ربما تتزحزح المبادئ والقيم ويُغفل التزامها في مصلحة ما.

لذا يجب علينا أن نلتزم المبادئ والقيم والمثل التي نؤمن بها، بمعنى أن نحسب في كل خطوة مدى مطابقتها للمبادئ ومدى تجاوزها لها ومدى التزامها بالقيم ومدى تجاوزها لها.


2 ـ الروح المعنوية

إننا - كمؤمنين - لا نعتمد على السلاح، نعم، نحمله ونقاتل به، ولكن لا نعتقد أننا ننتصر به، لأن أسلحة الأعداء أكثر تطوراً من أسلحتنا أضعافاً مضاعفة، كما لا نعتقد أننا ننتصر بعددنا، لأن أعداءنا يملكون أضعافه، وأنتم تلاحظون أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتزم المجيء بمائتين إلى مائتين وخمسين ألف عسكري، بين ضابط وجندي! كما أن التدريبات التي يعملونها لا يمكن أن نصل إلى مثلها.

إذن، نحن لا نعتمد على هذا الجانب، كما لا نهمله أيضاً، وإنما نعتمد على روحنا المعنوية، وهذا ما يميزنا عن الآخرين.

فعندما يكون ارتباطنا بالله تعالى وبالغيب، فالله سبحانه له القدرة والعزة والقوة المطلقة التي تهيمن على العالم، عندها تكون هناك روح معنوية يمكن أن نتقدم من خلالها في حركتنا ونحقق أهدافنا التي نسعى إليها.

فنحن نحتاج هذه الروح المعنوية؛ لذلك نجد أن الأعداء أكثر ما يحاربوننا بالروح المعنوية، فهم يحاولون إدخال اليأس والإحباط إلى نفوسنا والاختلافات إلى صفوفنا، مما يؤدي إلى إضعاف الروح المعنوية.

وهكذا العزلة، واختلاف الأهداف والمناهج والأساليب، كل ذلك يضعف الروح المعنوية التي نحتاجها في حركتنا دائماً، ونركز عليها، ونحافظ عليها بأنفسنا.


3 ـ وحدة الكلمة

إن القوة بعد الله سبحانه وتعالى هي وحدة الجماعة، وقد قال جل شأنه: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}،(4) فمن الضروري لنا أن نتّحد في هذه المرحلة.

ربما نختلف في الرأي والتحليل، لكن المهم أن لا يؤدي هذا إلى التنازع مع بعضنا البعض، والتصارع، ليضعف بعضنا بعضاً.


4 ـ تنظيم الصفوف

وبهذا الصدد ينبغي أن نأخذ هذا الاجتماع المبارك خطوة في تنـظيم الصفوف، الذي حث عليه القرآن الكريم بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ}(5).

هذا ما يحبه الله تعالى في الناس، ولذلك فتنظيم الصفوف والتلاحم فيما بينها يعتبر قضية أساسية ورئيسية مهمة، والإمام علي (عليه السلام) عند احتضاره بعد أن ضربه ابن ملجم، الشيء الرئيسي الذي أوصى به بعد الصلاة والقرآن تنظيم الأمر: {ونظم أمركم}(6).

فإذا تمكنا من نظم الأمة في صف واحد في مواجهة الأحداث فالله سبحانه وتعالى سينزل النصر والرحمة عليها، أما إذا كانت الأمة غير منظمة فمهما كانت عواطفها وانطباعاتها لا يمكن أن يتحقق النصر لها.

وإن أحد العوامل الأساسية في تراجع انتفاضة الخامس عشر من شعبان، تلك الانتفاضة العظيمة، إذا قمنا بدراستها بشكل دقيق بعيد عن الشبهات والمسائل الأخرى، نجد أن أحد العوامل الأساسية في تراجعها أنها كانت عفوية، ولم تكن منظمة، ولم يكن ثمّة شيء يربط أطرافها.

فبالرغم من الروح المعنوية العالية والعمل والاستعداد للدفاع والتضحية والفداء غير أنها لم تكن منظمة. فقضية التنظيم مهمة في العمل، ونحتاجها في هذه المرحلة.


5 ـ الوعي والبصيرة

فنحن في أمس الحاجة لهذا الأمر، خصوصاً في الأحداث القائمة في هذه المرحلة.

ولا نحتاج هنا أن نطيل في شرح هذا الأمر.


6 ـ الإرادة

فبمقدار ما تكون لدينا إرادة، وبمقدار ما نفرض موقفنا على الواقع لما للإدارة من دور كبير جداً.

والإرادة يحتاج بناؤها إلى عزم وتخطيط ومبادئ، ليكون لها دور مهم في اتخاذ الموقف، وفرضه على الواقع.

وبناء الإرادة أمر مهم في حركتنا وأوساطنا.


عناصر النظام المستقبلي للعراق

إن ما نستهدفه في هذه المرحلة ونسعى إليه - وهذا معنى الجهاد الآن، وهو التخطيط في عملنا الأساس - هو أن يأتي نظام يتصف بهذه المواصفات الثلاث: الحرية، الاستقلال، العدالة. فإننا نسعى إلى تجسيد هذا النظام الحر والمستقل، العادل خارجاً.

وأعتقد أن هناك أربعة عناصر أساسية ورئيسية يجب التأكيد عليها في هذا النظام، كي نتقدم خطوة باتجاه تحقيق العناوين التي ذكرناها، وهذا ما يدور حوله البحث والتأكيد والعمل:


1 ـ احترام الإسلام

أن يحترم النظام المستقبلي الإسلام، فنحن غير مستعدين للتنازل عن الإسلام، حيث إن احترام الإسلام هو احترام للشعائر والقيم والمثل والقوانين. أما هل يكون احترامه شاملاً أو غير شامل؟ فهذه مسألة فيها حديث كثير وعمل دائب، ولكن أصل المبدأ يتم تأكيده في هذه المرحلة بالنسبة لهذا النظام، لأن التنازل عن هذا المبدأ تراجع عن المبادئ والقيم من ناحية،كما أنه يفتح الباب لأخطار كثيرة من ناحية ثانية. إذن، لا بدّ من مباشرة السعي لتثبيت هذا المبدأ الرئيسي الذي لا بد من التزامه.

وقد كانت هناك معركة سياسية حقيقية بين المؤتمر الذي عقد في لندن وبين الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تكن تريد أن يثبت في بيانات المؤتمر نص يؤكد على احترام النظام المستقبلي في العراق للإسلام، والشعب العراقي نفسه، ولكنها لم تتمكن من ذلك.


2 ـ الاعتماد على رأي الأمة

أن يعتمد هذا النظام على آراء الأمة وأصواتها في صناديق اقتراع لتحقق استقلاليتها، فلا يُفرض عليها رأي آخر.

وهذه نعتبرها مسألة أساسية، وكلما تكون الأمة مسلمة ومؤمنة كلما نتقدم في الطريق الموصل إلى الأهداف، أي الطريق الذي يؤدي إلى تحقيق الأهداف يبدأ من هذه النقطة.

ولذلك فالنبي (صلى الله عليه وآله) عندما أقام الحكم الإسلامي في المدينة، بذل جهوداً كبيرة جداً في البداية لجعل الأمّة مع الإسلام،وكذلك القوانين والسنن التي تحكم مسيرة التاريخ، تتحكم بهذه الطريقة.


3 ـ احترام خصوصيات الشعب العراقي

أن يحترم هذا النظام خصائص مكونات الشعب العراقي ومقدراته، أي أن الشيعة لهم خصوصياتهم في أهدافهم وشعائرهم وثقافتهم إلى غير ذلك، ويجب أن يحترم النظام هذه الخصوصيات، كما أن أبناء السنة لا نريد أن نبخسهم حقهم، فالمناطق التي تقطنها أكثرية سنية يجب أن تكون الدراسة فيها سنية والأحكام سنية، كما أن الأكراد والتركمان يجب أن تحترم خصوصياتهم كاللغة والتقاليد والسنن. وكل هذا في إطار القانون والدستور.

أما وحدة الكلمة التي سأشير إليها فنحن نريد من مفهوم (عراق واحد)، أن نتبع في ذلك منهج أهل البيت (عليهم السلام) ومنهج الإسلام، وإلاّ فإن منهج النظام كان يريد الوحدة من خلال القوة، إذا كان لديك حكم وجيش قوي وأجهزة وأموال كثيرة تفرض بذلك وحدة، بأن تعطي من يخالفك الأموال ليسكت، وإن لم يسكت يضرب على رأسه، وبهذا تكون هناك وحدة أيضاً، فالشعائر واحدة والنداء واحد والمسير أيضاً موحد وكل الناس بشكل واحد.

ولكنْ هناك طريق إنساني للوحدة، بأن الأمور الأساسية التي تمثل خصائص الجماعة التي لم يخلقها الله تعالى بلغة واحدة، ولا بروح واحدة، ولا بذوق واحد، وإنما هناك خصوصيات في الجماعات يجب أن يكون فيها عامل التعارف {إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}(7)، ويجب أن يحترم بعضها البعض الآخر، ينبغي أن أحترم هذه اللغة مثلما أطلب من صاحبها أن يحترم لغتي وهكذا.

وهذا هو المراد من الاحترام، أي احترام خصائص مكونات الشعب العراقي. فضلاً عن الأمور الأساسية التي لا بدّ أن تحفظ فيها وحدة الجماعة، وبهذا الاحترام تتحقق الوحدة.

إن المنهج الوهابي في الوحدة بين المسلمين لا يقبل لأحد أن يصلي خلاف ما يرونه في طريقة الصلاة، وإنما يجب أن يتكتف الجميع ويقرؤون قراءة واحدة، أمّا أن نجتمع ونصلي وفينا من يسبل فهذا غير مقبول في دعوتهم للوحدة.

ولكن من الضروري أن تُحترم خصوصيات كل جماعة وذلك لا ينافي الوحدة، وهناك من يرى أن السجود يجب أن يكون على الأرض، وآخر يرى أنه يجوز على شيء آخر، فاحترام هذه الخصوصيات مسألة أساسية ورئيسية في النظام الذي نسعى إليه، وهذا الأمر يعبرون عنه الآن بالفيدرالية مثلاً وربما يتم بطريقة أخرى.


4 ـ وحدة العراق وشعبه

بأن يكون نظاماً عراقياً واحداً، والشعب العراقي يكون شعباً واحداً في علاقاته وواجباته ومسؤولياته.

هذه الأركان الأربعة للنظام الذي نسعى إليه في هذه المرحلة.


ما هي واجبات مؤتمر الطلبة؟

أما بالنسبة لهذا الاجتماع المبارك فأنا آمل أن يخرج بعدة أمور:

الأمر الأول: أن يخرج خطاب سياسي اجتماعي علمي من قبلكم لإخوانكم الموجودين خارج هذا الاجتماع، سواء في الدولة الإسلامية أو في بلاد المهجر والغربة، فهم يتطلعون إلى هذا الموقع العلمي، والجماعة المتدينة المجاهدة الثابتة الصامدة في هذا البلد بأن يؤثر فيها خطابكم، وكذلك لإخوانكم وأعزائكم في داخل العراق الذين لا يستطيعون الحديث بصوت عال، بل وحتى بصوت واطئ.

فأملنا في هذا الاجتماع أن نخرج بخطاب نتحدث مع هذا الوسط الواسع في مثل هذه الظروف الحساسة.

الأمر الثاني: أن تنبثق من هذا الاجتماع لجنة متابعة، يكون لديها اهتمام نبدأ فيها بتنظيم أنفسنا بما يتناسب مع طليعة هؤلاء الطلبة.

فتصوري هو أن يخرج المؤتمر بهذه الأمور المهمة، ولا يكون مجرّد اجتماع، وإن كان مفيداً ومشروعاً ومطلوباً في الشريعة، ولكن إضافة شيء حسن آخر يكون حُسناً إلى حُسن، وزيادة في الخير خير.

الأمر الثالث: أن تنبثق من هذا المؤتمر لجنة تختص بقضية الطلبة في داخل العراق، لأن من الضروري الآن أن نهتم بالطلبة في داخل العراق اهتماماً خاصاً، وأن نفكر في كيفية الاتصال بهم والحديث معهم، ومتابعة حركتهم إلى غير ذلك من الشؤون ذات العلاقة بهذا الموضوع.

أما هل تكون اللجنة الأولى هي الثانية؟ فهذا ما يمكن أن يتداول الإخوة الأعزاء أمره.

وأنا أرى أن هذه الأمور الثلاثة بأي صيغة تأتي فهي من الأمور المهمة، التي ينبغي أن نخرج بها من هذا الاجتماع إن شاء الله.

أسأل الله تعالى لنا ولكم القبول والتوفيق،وأن يجعل عملنا مباركاً، وأن يبارك لكم ويحفظكم ويرعاكم ويسددكم.

وأسأله تعالى أن يحقق النصر لأهلنا في العراق وللمسلمين كافة، وأن يقيهم الأخطار والأضرار والمحن والبلايا.

كما أسأله تعالى أن يتغمد شهداءنا الأبرار برحمته الواسعة، وأن يتغمد أسلافنا الصالحين، لاسيما الشهداء وأسلاف الإخوة والأخوات الحاضرين، كما أسأله أن يتغمد علماءنا ومراجعنا برحمته الواسعة، خصوصاً إمام الأمة (رضوان الله عليه) والشهيد الصدر (رضوان الله عليه) والإمام الحكيم (رضوان الله عليه).

وإلى أرواحهم جميعاً رحم الله من قرأ الفاتحة قبلها الصلاة على محمّد وآلِ محمّد.

____________

1- المجادلة: 11.

2- فاطر: 28.

3- الفاتحة: 6.

4- آل عمران: 103.

5- الصف: 4.

6- نهج البلاغة: ج3 ، ص76 ، من وصيته (عليه السلام) لولديه الحسنين (عليهما السلام) لما ضربه ابن ملجم.

7- الحجرات: 13.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية