<
      السؤال الأول | السؤال الثاني | السؤال الثالث | السؤال الرابع | السؤال الخامس  
 
  <
 

نص الحوار الذي أجرته (مجلة النور) الصادرة في لندن مع سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) حول أوضاع العراق
وذلك في عام 1416 هـ ق، 1996 م


أوضاعُ العِراق


بسم الله الرحمن الرحيم


السؤال الأول

من خلال ما هو مطروح في الندوة ومتداول في الأوساط الإعلامية، برز عامل جديد يتمثل بالانقسام الداخلي في العائلة الحاكمة، وتصدي الأردن لمشروع تغيير النظام في العراق، كيف تنظرون إلى هذه المسألة على ضوء تفاعلاتها داخل العراق أولاً؟ وإقليمياً ودولياً ثانياً؟


أجاب (قدّس سرّه)

الانقسام الداخلي في العائلة الحاكمة لم يكن شيئاً جديداً في الأوضاع السياسية الداخلية في العراق، بل إنَّ ظهوره بهذا الشكل الحاد والواضح هو الشيء الجديد، وقد سبق هذا الحدث إخراج وطبان، وعلي حسن المجيد، من وزارتي الداخلية والدفاع، ورفض برزان العودة إلى العراق، وكذلك المناوشات التي كانت بين عدي ووطبان وعلي حسن المجيد، والتي كانت تنعكس على الصحافة أحياناً، مضافاً إلى تعرُّض وطبان لإطلاق رصاص من قبل عدي نفسه.

وهذه الأوضاع المتردِّية العامَّة - والتي يمثِّل الانقسام الداخلي أحد مظاهرها - هي التي دعَتْ الأردن إلى التفكير في تغيير موقفه من النظام، ثم الإعلان عن هذا التغيير بعد إجراء محادثات مع الرئيس المصري، ورؤساء بعض الدول العربية الأخرى، وأوساط سياسية قريبة من النظام.

ذلك لأن الأردن هو أقرب الدول إلى ما يجري في داخل العراق، ويعرف الكثير من الحقائق منذ مدة من الزمن، ولكن الوضع لديه لم يكن قد بلغ درجة اليأس.

أما الآن فهو يشعر بأنه وضع مأيوس منه، يفرض تغيير الموقف عليه وعلى كل من يفكر في المستقبل بطريقة تتَّسم بشيء من المعقولية والمحافظة على المصالح.

والمهم أنَّ الأسباب الحقيقية التي تشكل بمجموعها العامل الأساس لهذا التدهور العام يمكن تلخيصها بعناصر ثلاث:


العنصر الأول

طبيعة وشخصية صدام، وطريقة تفكيره وعمله التي لا يمكن أن تتعايش حتى مع أقرب الناس إليه، مما يجعله عدواً للشعب العراقي وللمنطقة.

فهو لم يتعايش مع الشيعة وهم أكثرية الشعب العراقي، ولا مع الكُرد، ولا مع السنة العرب، ولا مع الحزبيِّين الكبار، ولا مع أفراد الجيش العراقي، ولا مع الدول المجاورة - وحتى الدول الصديقة له والتي وقفت إلى جانبه في الحرب -، ولا مع الغرب ولا مع الشرق ولا مع الدول العربية ولا الإسلامية. والآن جاء دور العشيرة والأقرباء والمنتفعين الذين فرَضَهُم صدام على الشعب بقوة الحديد والنار.


العنصر الثاني

تكامل موقف الشعب العراقي الرافض، الذي بدأ يتبلور بشكل واضح في انتفاضة شعبان (1411 هـ - 1991م) وأخذ يتَّسع الرَّفْض حتى امتدَّ إلى القاعدة التي كان يرتكز ويناور عليها صدام، وخصوصاً الإخوة السنة العرب الذين كانوا لا يوالون صدام ولكنهم يشعرون بالخوف من التغيير، لأسباب يطول الحديث عنها، وقد تكامل هذا الموقف في السنة الماضية وأصبح واضحاً في أحداث الرمادي.


العنصر الثالث

فشل صدام بعد استلامه لرئاسة الوزراء في تحقيق وُعُودِه، وفي عموم القضايا المهمة التي واجهها بالرغم من قيامه بجهد واسع وتقديم تنازلات كبيرة للأجانب ولبعض الدول الكبرى مثل: روسيا والصين وفرنسا. مضافاً إلى إجراءات قاسية اتَّخذها ضد الشعب، وتشريعه لقوانين قمعية لا نظير لها في التأريخ المعاصر، مثل: قانون قطع الأيدي، ووسم الجباه، والقتل لأمور عادية مثل الفرار من الخدمة العسكرية.

وهذه القضايا هي:


القضية الأولى

استمرار المقاومة المسلحة في الجنوب وامتدادها إلى الوسط.


القضية الثانية

التدهورُ الحادُّ في الأمن الاجتماعي العام (الجرائم).


القضية الثالثة

الفساد الإداري، وتفاقم الرشوة بدرجة علنيَّة.


القضية الرابعة

التضخُّم النقدي، وتدهور وضع الدينار المستمر بالرغم من كل الإجراءات.


القضية الخامسة

تدهور الإنتاج الزراعي العام، وتقلُّص الأرض المزروعة.


القضية السادسة

الموقف السلبي العام في أوساط الجيش، والشعور باللامبالاة، وتدهور أوضاعه المعيشية واللوجستيكية إلى حدٍّ غير معقول.


القضية السابعة

استمرار العقوبات، والحصار السياسي والاقتصادي، والعزلة الدولية سياسياً، وقد أدَّى ذلك إلى حدوث تغييرات في بُنية المجتمع العراقي وبروز تهديدات خطيرة مخيفة.

أحدها: خطر تقسيم العراق واقعياً في ظلِّ دكتاتورية صدام، حيث إنَّ هذا الانقسام هو قائم واقعياً، ولكنه غير مقبول سياسياً وغير معترف به رسمياً.

وخطر تصاعد الصراعات العشائرية والمذهبية من خلال تشجيع الخطوط الدينية المتطرفة في العمل داخل العراق.

ومن يراجع السنوات الماضية ويستذكر قضايا:

1 - انسحاب النظام من كردستان طوعاً.

2 - فرض الحصار عليها من قبله.

3 - القبول بقرار (687).

4 - التنازلات أمام لجان التفتيش، والقبول بنظام الرقابة طويلة الأمد.

5 - رفض القبول بالاعتراف بالحدود الكويتية طوعاً، والموافقة على ذلك بالرغم من أنف صدام.

6 - تجفيف الأهوار.

7 - تسليح العشائر العراقية.

8 - قطع الأيدي والآذان، ووشم الجباه.

9 - إعدام التجار.

10 - العروض المُغرية في عقد صفقات النفط.

11 - شراء الأسلحة.

12 - المشاريع العمرانية مع الشركات الفرنسية والحكومة الروسية.

13 - عقد المؤتمرات واللقاءات الشعبية.

إلى غير ذلك من سلسلة الإجراءات. فمن يستذكر هذه القضايا يعرف بأن النظام بذل جهوداً كبيرة غير مجدية.

وأصبح الآن وأخيراً في مواجهة مكشوفة مع المجتمع الدولي من خلال الإجماع الدولي على قرار (986) الذي رفضه النظام، ومن خلال الكشف عن الكذب والخداع الذي استخدمه النظام ولا زال في إخفاء الأسلحة التدميرية، ومن خلال الاستمرار في سياسة التهديد باستخدام القوة ضد الكويت والدول المجاورة والتي كان يصرُّ عليها النظام علَناً حتى آب الماضي، ولا زالت لديه هذه النية حسب المعلومات الأولية المتوفرة لدينا.


السؤال الثاني

آلية التغيير، عدا عن احتلالها مكانة مهمة في برامج قوى المعارضة العراقية وأطرافها، فإنها تلقى اهتماماً متزايداً من الأوساط الدولية والإقليمية، وبعدما آلت إليه الأحداث في شمال العراق، وبعدما لم تتقدم المشاريع الخاصة في تطوير الحالة في الجنوب، تعود إلى التداول فكرة تشكيل حكومة مَنفى تعمل على كسب التأييد العربي والدولي وإحداث نقلة نوعية في مسار عملية التغيير.

فكيف تنظرون إلى هذه الفكرة من حيث المبدأ، وما هي المقدمات اللازمة لتسهيل قيامها؟


أجاب (قدّس سرّه)

هذا السؤال يحتاج إلى وقفة قصيرة عند اهتمام المعارضة ببرامج آلية التغيير، فمن المؤسف أن أقول بأن أكثر الأسماء المطروحة في ساحة المعارضة لم تهتم بآلية التغيير، وإن كانت مهتمة بالتغيير إلى حدٍّ ما، ولعلَّ السبب أنَّ أكثرها يشعر بالعزلة عن الشعب وما يجري داخل العراق.

ولذا كان الكثير من قوى المعارضة يراهن على دور الحرب في التغيير أو الحصار أو التدخل الخارجي. وبعضهم كان يراهن على شهامة ونبل الجيش العراقي، أو تضاد المصالح والإرادات في أوساط الجيش العراقي ليقوم بانقلاب عسكري. وكنا نعتقد منذ البداية أنَّ هذه الآليات غير منتِجة حتماً، كما أنها خارجة عن إرادة هذه المعارضة نفسها.

وبقطع النظر عن تقييمنا الأخلاقي والسياسي لهذه الآليات أو تقييمنا لنتائجها وآثارها، فلا الأجانب على استعداد للتضحية من أجل خلاصنا، ولا ظروفهم السياسية تسمح لهم بهذا العمل مهما كانت أهدافهم.

والحصار وإن كان يضعف النظام إلى حدٍّ كبير، ولكنه يؤذي الشعب أيضاً، وقد وُضع الحصار بصيغة جَهنَّمية لتحقيق أغراضٍ للقوى الكبرى، لأن محوره هو قضية الأسلحة التدميرية، ولم يجعل محور الحصار قضايا القمع والعدوان الذي يمارسه النظام ضد الشعب العراقي والشعوب المجاورة.

وعلى هذا الأساس نجد أن النظام رحَّب بالقرار (687) بسرعة ودون توقف، وقبله أيضاً، كل ذلك مع غياب الشعب العراقي ومصالحه ومقوماته، لأن المعركة بين النظام وهذه القوى الكبرى، وهي معركة بعيدة عن مصالح الشعب، فالنظام لا يهمُّه مصالح الشعب، لأنه نظام يدافع عن صدام لا عن الشعب، ولا حتى عن الجيش أو الحزب، فضلاً عن السُّنة العرب أو الدولة كمؤسسة.

وقد استطاع حتى الآن أن ينجو بجلده من الحصار، وقد يقبل بقرار (986)، وعندئذ يطول أمد الآلام والمحنة لأنَّ سببها الأصلي هو صدام ونظامه، لا الحصار.

كما أنَّ ظروف الجيش وطريقة بناء المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية، والاحتياطات التي اتَّخذها صدام، لا تسمح لمجموعة من الضباط أن يقوموا بانقلاب عسكري، حيث يتم الكشف عن العملية في مراحلها الأولى أو الأخيرة، وحتى يمكن مقاومتها عند بدأها، فتكون - طبعاً هذا إلى الآن - عملية انتحارية.

ولذلك أعتقد أنَّ الشعب العراقي توصَّل إلى آلية معقولة من خلال تجربة الانتفاضة، حيث اعتمد في البداية على القدرات الشعبية العامة، ثم توصل إلى أهمية مشاركة الجيش في العملية على الطريقة التي تمَّت في رومانيا لإزاحة تشاوشيسكو، أو التي جرَتْ في مناطق أخرى أخيراً مثل الكونغو.

وكان من الضروري تكامل الظروف السياسية والداخلية والخارجية لنجاح هذه العملية، وأعتقد أنَّ ما حدث أخيراً في الداخل - خصوصاً أحداث الرمادي - يعبِّر عن تطور مهم باتجاه تكامل هذه الظروف، وأصبح الجيش يؤمن بجدوى هذه الآلية.

كذلك التطور الأخير الذي حدث في أوساط المعارضة العراقية، من اهتمامها بالعمل الميداني كضرورة في آلية التغيير، وقبول بعض القوى المهمة في المعارضة لهذه الفكرة، مثل بعض القوى الكردية.

بالإضافة إلى التطور الذي حدث في موقف بعض القوى الإقليمية والدولية، في عدم رفضها لهذه الآلية، وخصوصاً الموقف الأخير في الأردن إذا أخذناه على ظاهره، حيث يتكامل به الموقف الإقليمي المطالب بالتغيير.

وقد يثير البعض مخاوف من هذه الآلية، وهي كثرة الخسائر والتضحيات، أو الحرب الأهلية، أو تقسيم العراق، ولكن هذه المخاوف لا يوجد لها مبرِّرات واقعية، حيث إنَّ الخسائر الآن كبيرة جداً، وهي بمئات الآلاف من الأطفال والشيوخ والنساء، مضافاً إلى عمليات القتل المنظمة التي يقوم بها النظام في صفوف أبناء الشعب العراقي والجيش.

كما أنّ العلاقات الشيعية الكردية، والشيعية السنية، جيدة على مستوى الشعب، وتطورت على المستوى السياسي، وأصبح النظام معزولاً، والجميع يطالب بوحدة العراق.

وهنا لابُدَّ أن أؤكد على أهمية أن يكون المشروع التغييري وطنياً عراقياً، وحدوياً في خطابه السياسي، وفي رؤيته المستقبلية، ويحترم حقوق الجميع، ويعترف بوجودهم في إطار الأخوَّة الإسلامية، والوحدة الوطنية.

وإنَّ التدخل المباشر لأمريكا أو إسرائيل في أي عملية سوف يؤدي إلى إحباطها حتماً، فإننا قد دَعَونا عدة مرات إلى ضرورة طرح موضوع الشعب العراقي والاعتماد عليه في التغيير، والاكتفاء في الموقف الدولي لطرح قضايا القمع التي يمارسها النظام، وممارسة الضغط عليه للكف عنه، وتهيئة الفرصة لذلك للشعب العراقي أن يقوم بهذه المهمة.

وأعتقد أنَّ الحالة في الجنوب تطوَّرت إلى حدٍّ كبير، حيث انتقلت من حالة المواجهات العسكرية المحدودة إلى حالة تثبيت الرفض مع تسليح الشعب كلِّه، وتفاهم وتعايش غير معلن بين جميع الأطراف على الرفض والمقاومة، وقد تحسَّنَت الحالة في الشمال بعد التدهور الخطير فيها.

وأما فكرة حكومة المنفى فهي فكرة جديرة بالاهتمام عند توفر شروطها، وقد تمَّ بحثها في فترات سابقة، وأهم المقدمات هو: الاتفاق على آلية للعمل بعد البرنامج السياسي والرؤية المستقبلية، حيث لا توجد إشكالات مهمة في الأمرين الأخيرين، وكذلك وجود دولة أو أكثر إقليمية تعترف بهذه الحكومة رسمياً، وسوف يؤدي ذلك إلى تداعيات مهمة وواسعة في داخل العراق حتماً، وبدون توفر مثل هذه الشروط تصبح الفكرة مثاراً للجدل والمخاوف والاستغلال.


السؤال الثالث

العراق في واقعه الديمغرافي يتكوَّن ضمن انتمائه العربي والإسلامي العام من تلوينات إثنية وطائفية، وحتى الآن نموذج الحكم يتمثل بقيام سلطة مركزية في بغداد تحوَّل - خصوصاً في العقود المتأخرة - إلى ديكتاتورية مستبدَّة تكرِّس حكم الفرد وتسلط العائلة.

وسعياً لتجنيب العراق مستقبلاً من مسارين سلبيَّين هما الديكتاتورية أو التقسيم، هل ترون في الفيدرالية حلاً مقبولاً لعراق المستقبل؟ وكيف تتصوَّرون تشكيل هذه الفيدرالية في إطار عراق موحَّد؟


أجاب (قدّس سرّه)

لا شَكَّ بوجود تركيبة خاصة للشعب العراقي يتميَّز فيها عن كثير من الدول والشعوب العربية والإسلامية، وهي تركيبة تعبِّر عن صفة إيجابية في هذا الشعب، وتقدِّم النموذج الصالح للتعايش على مستوى الشعب أقلاً بين القوميات والمذاهب والأديان.

ولكن نموذج الحكم فيه - مع الأسف - بقي محكوماً بالسياسات العثمانية الإنكليزية في العراق، حيث حُذفت منها الشريعة الإسلامية وبقي فيها الحكم يُدار من قبل الحاكم عن طريق القمع أو التهديد به، أو التضليل والإغراء، أو التجهيل والإهمال، على اختلاف في مستويات هذا اللون من السياسة والتعامل.

وترسم السياسات فيه على أساس أنَّ الشيعة يُعاملون كأقلِّية كما هو شأنهم في الدولة العثمانية العظمى قبل الحرب العالمية الأولى، والكرد كشعبٍ مهمل ومتروك إلى الجبال والأودية، كما هو الحال في الدولة العثمانية، وبالرغم من أنهم من أهل السنة لكنَّهم ينتمون إلى المذهب الشافعي الذي كان على خلاف المذهب الرسمي الحنفي، والذي كان يفرضه العثمانيون على أطراف الدولة كلها. كما أن العثمانيين الأتراك كانوا يكنُّون الأحقاد للكُرد، ولا سيَّما بعد التحول في سيطرة حزب الاتحاد، والترَقِّي على الأوضاع السياسية.

وفي بعض فترات الحكم العراقي عندما كان يحاول بعض الساسة الخروج من مستنقع هذه السياسة كان يجد مقاومة شديدة من مخلَّفات رجال العهد العثماني والإنكليزي، وتلاميذ مدرسته.

فالمسألة الأساسية هي ليست المركزية في الحكم فحسب، بل هذه التعدُّدية من ناحية، وهذه السياسات التمييزيَّة من ناحية أخرى.

ومثل هذا النظام لا يمكن أن يستمر إلاَّ من خلال القمع والاضطهاد لجمهور الشعب والأمة، وإلاَّ من خلال سياسة المطامِع، وتضادِّ المصالح، والتآمر من قبل النُّخبة الحاكمة، أو الارتباط بالأجنبي، وهذا هو ما شهده العراق طيلة حياته السياسية.

وفي العهد الملكي أُريدَ للملك أن يكون رمزاً وأداةً لحفظ التوازن النَّسَبي، وأريد للجيش أن يكون أداة القوة الضاربة والعصا الغليظة، وأريد للنُّخبة المنتفعة الخاصة أن تكون هي الحاكمة، وحتى جمهور أبناء السنة من العشائر العربية كانت مهملة ومتروكة.

ولكن الجيش انتفض على الرمز، لأنَّه كان هشّاً ومعزولاً عن الأمة ومصالحها، سياسياً واجتماعياً ونفسياً؛ ولذلك انضم الشعب إلى هذا العمل الذي قام به الجيش، وحاول الانتفاض على هذه السياسة، ولكن سرعان ما تدخَّلَت القوى الأجنبية وأصحاب المصالح الخاصة لإرجاع هذه السياسات.

ولذا فالحلُّ الحقيقي إنما هو: تغيير هذه السياسات التي فُرضت على الشعب العراقي من الخارج لمصلحة زُمَرٍ عَمِيلة، أو منتفعة، ومَنحُ الفرصة للشعب العراقي بجميع فئاته أن يعيد الأمور إلى مجاريها الطبيعية، وعندما أدرك الشعب أنَّ العملية لم يكن الهدف منها مصلحته العامة رجع إلى العزلة، وبقي صراع المصالح على أشدِّه بين عناصر من الجيش والنخبة، وأصبحت الأوضاع تسير من سيِّئ إلى أسوأ، لأن الأساس لم يتغير، والسياسات العامَّة لم تتبدَّل.

أما تشخيص الفدرالية كحلٍّ، فإن الفدرالية الإدارية هي أسلوب معروفٌ ومتَّبع في إدارة الحكم، ويستمد مقدماته النظرية إسلامياً من نظام الولايات الذي طرحْتُه في إحدى محاضراتي، ولا تعني الفدرالية التقسيم أو تجزئة العراق بطبيعة الحال.

ولكنها تثير الكثير من المخاوف الداخلية والإقليمية، ولذا لابُدَّ من التعامل معها بدقة، ولابُدَّ أن تكون ضمن الإطار التالي:


أولاً

أن يجري تعديل حقيقي على الأساس والسياسات العامَّة، كما ذكرتُ.


ثانياً

أن تكون نظاماً إدارياً واجتماعياً ضمن الوحدة العراقية الكاملة.


ثالثاً

أن تكون مقبولة من أبناء الشعب العراقي بكل قوميَّاته، في استفتاء عام يضمن فيه حرِّية التعبير عن الرأي، بعيداً عن التدخل الخارجي أو الإكراه.

وبدون ذلك فلا يكون الحلُّ بتغيير الأسماء، واقتحام التجارب الخطرة.

ولا شَكَّ أنَّ أرضية الأخوُّة الإسلامية في العراق بين الشيعة والسنة، والعرب والكرد والترك، والعلاقات الاجتماعية الشعبية الجيدة بينهم، تعطي فرصة جيدة لوجود حكم قوي وحقيقي ومتماسك، يقوم على أساس المساواة والعدالة في الحقوق العامة لجميع أبناء الشعب، والاحترام المتبادل للخصوصيات، والاعتراف المتبادل بالحقوق الثقافية والاجتماعية والدينية لجميع القوميات والمذاهب والأديان، وليكن ذلك بصيغة الولايات أو الفدرالية أو بأي صيغة أخرى مناسبة.

ويؤكد ذلك أنه لا يوجد في الوقت الحاضر - على الأقل - من الوسط السياسي أو الشعبي العراقي من يدعو إلى التقسيم أو الانفصال، وحتى الأخوة الكرد تخلَّوا عن هذه الفكرة سياسياً، لأنها بنظرهم غير واقعية وعملية، وتضرُّ بمصالحهم الفعلية، وإن كان قيام الدولة الكردية الواحدة يمثل أملاً لبعض أوساطهم السياسية، كما هو الحال في الدولة العربية الواحدة، والدولة الإسلامية الواحدة.


السؤال الرابع

هل هناك إمكانية للقاء عراقي موسَّع يدرس هذه المسائل ويعطي فيها رأياً موحداً؟ وعلى أي مستوى يمكن أن يتمَّ ذلك؟ وهل هناك اقتراح للمكان الأنسب لحصول مثل هذا اللقاء؟


أجاب (قدّس سرّه)

لا شَكَّ بوجود إمكانية للقاء عراقي موسع يستوعب أكثرية المهتمين بالقضية العراقية، وقد حدثت لقاءات عامة وموسعة ومهمة سابقاً، وتمكنت أن تتوصل إلى نتائج مهمة، وإن كانت غير كاملة، مثل اللقاءات التي حصلت في طهران، وبيروت، وصلاح الدين، ومثل هذه اللقاءات تحتاج عادة إلى تحضير على مستوى الكادر الوسطي والفنيين، وتحتاج أيضاً إلى دعم سياسي وشعبي واسع.

وأما المكان فلا يوجد لدي اقتراح لمكان معين، وأعتقد أنه من السابق لأوانه اقتراح مكان بعينه، لأن ذلك قد يُلقي ظلالاً على الفكرة مما يؤذيها.

بل لابُدَّ من إنضاج الفكرة ثم التفكير بالمكان، لأن وجود الإرادة العراقية المستقلة في التفكير والقرار والتي تحسب جميع الظروف أمر مهم في نجاح هذه الفكرة.


السؤال الخامس

كيف ترون دور القوى السياسية العراقية العاملة من أجل التغيير في ترتيب المواقف الإقليمية والدولية لتكون داعمة للمشروع الذي يتم التوافق عليه؟


أجاب (قدّس سرّه)

دور القوى السياسية العراقية مهم في صياغة آلية التغيير، كما أنه مهمٌّ بعد ذلك في تعبئة جميع الطاقات وتحشيدها لدعم المشروع، ولكن لابُدَّ لها أولاً من صياغة مشروعها التغييري وآليته.

ومن خلال تجربتي العملية أعتقد أنه يمكن حشد هذا التأييد إذا اتفَقَتْ القوى والتيارات العاملة في الساحة على هذا الموضوع، ولا سيَّما الآلية العامة، وتجنَّبَتْ المطبات التي أصبحت معروفة لدى الجميع.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية