السؤال الثالث
العراق في واقعه الديمغرافي يتكوَّن ضمن انتمائه العربي والإسلامي العام من تلوينات إثنية وطائفية، وحتى الآن نموذج الحكم يتمثل بقيام سلطة مركزية في بغداد تحوَّل - خصوصاً في العقود المتأخرة - إلى ديكتاتورية مستبدَّة تكرِّس حكم الفرد وتسلط العائلة.
وسعياً لتجنيب العراق مستقبلاً من مسارين سلبيَّين هما الديكتاتورية أو التقسيم، هل ترون في الفيدرالية حلاً مقبولاً لعراق المستقبل؟ وكيف تتصوَّرون تشكيل هذه الفيدرالية في إطار عراق موحَّد؟
أجاب (قدّس سرّه)
لا شَكَّ بوجود تركيبة خاصة للشعب العراقي يتميَّز فيها عن كثير من الدول والشعوب العربية والإسلامية، وهي تركيبة تعبِّر عن صفة إيجابية في هذا الشعب، وتقدِّم النموذج الصالح للتعايش على مستوى الشعب أقلاً بين القوميات والمذاهب والأديان.
ولكن نموذج الحكم فيه - مع الأسف - بقي محكوماً بالسياسات العثمانية الإنكليزية في العراق، حيث حُذفت منها الشريعة الإسلامية وبقي فيها الحكم يُدار من قبل الحاكم عن طريق القمع أو التهديد به، أو التضليل والإغراء، أو التجهيل والإهمال، على اختلاف في مستويات هذا اللون من السياسة والتعامل.
وترسم السياسات فيه على أساس أنَّ الشيعة يُعاملون كأقلِّية كما هو شأنهم في الدولة العثمانية العظمى قبل الحرب العالمية الأولى، والكرد كشعبٍ مهمل ومتروك إلى الجبال والأودية، كما هو الحال في الدولة العثمانية، وبالرغم من أنهم من أهل السنة لكنَّهم ينتمون إلى المذهب الشافعي الذي كان على خلاف المذهب الرسمي الحنفي، والذي كان يفرضه العثمانيون على أطراف الدولة كلها. كما أن العثمانيين الأتراك كانوا يكنُّون الأحقاد للكُرد، ولا سيَّما بعد التحول في سيطرة حزب الاتحاد، والترَقِّي على الأوضاع السياسية.
وفي بعض فترات الحكم العراقي عندما كان يحاول بعض الساسة الخروج من مستنقع هذه السياسة كان يجد مقاومة شديدة من مخلَّفات رجال العهد العثماني والإنكليزي، وتلاميذ مدرسته.
فالمسألة الأساسية هي ليست المركزية في الحكم فحسب، بل هذه التعدُّدية من ناحية، وهذه السياسات التمييزيَّة من ناحية أخرى.
ومثل هذا النظام لا يمكن أن يستمر إلاَّ من خلال القمع والاضطهاد لجمهور الشعب والأمة، وإلاَّ من خلال سياسة المطامِع، وتضادِّ المصالح، والتآمر من قبل النُّخبة الحاكمة، أو الارتباط بالأجنبي، وهذا هو ما شهده العراق طيلة حياته السياسية.
وفي العهد الملكي أُريدَ للملك أن يكون رمزاً وأداةً لحفظ التوازن النَّسَبي، وأريد للجيش أن يكون أداة القوة الضاربة والعصا الغليظة، وأريد للنُّخبة المنتفعة الخاصة أن تكون هي الحاكمة، وحتى جمهور أبناء السنة من العشائر العربية كانت مهملة ومتروكة.
ولكن الجيش انتفض على الرمز، لأنَّه كان هشّاً ومعزولاً عن الأمة ومصالحها، سياسياً واجتماعياً ونفسياً؛ ولذلك انضم الشعب إلى هذا العمل الذي قام به الجيش، وحاول الانتفاض على هذه السياسة، ولكن سرعان ما تدخَّلَت القوى الأجنبية وأصحاب المصالح الخاصة لإرجاع هذه السياسات.
ولذا فالحلُّ الحقيقي إنما هو: تغيير هذه السياسات التي فُرضت على الشعب العراقي من الخارج لمصلحة زُمَرٍ عَمِيلة، أو منتفعة، ومَنحُ الفرصة للشعب العراقي بجميع فئاته أن يعيد الأمور إلى مجاريها الطبيعية، وعندما أدرك الشعب أنَّ العملية لم يكن الهدف منها مصلحته العامة رجع إلى العزلة، وبقي صراع المصالح على أشدِّه بين عناصر من الجيش والنخبة، وأصبحت الأوضاع تسير من سيِّئ إلى أسوأ، لأن الأساس لم يتغير، والسياسات العامَّة لم تتبدَّل.
أما تشخيص الفدرالية كحلٍّ، فإن الفدرالية الإدارية هي أسلوب معروفٌ ومتَّبع في إدارة الحكم، ويستمد مقدماته النظرية إسلامياً من نظام الولايات الذي طرحْتُه في إحدى محاضراتي، ولا تعني الفدرالية التقسيم أو تجزئة العراق بطبيعة الحال.
ولكنها تثير الكثير من المخاوف الداخلية والإقليمية، ولذا لابُدَّ من التعامل معها بدقة، ولابُدَّ أن تكون ضمن الإطار التالي:
أولاً
أن يجري تعديل حقيقي على الأساس والسياسات العامَّة، كما ذكرتُ.
ثانياً
أن تكون نظاماً إدارياً واجتماعياً ضمن الوحدة العراقية الكاملة.
ثالثاً
أن تكون مقبولة من أبناء الشعب العراقي بكل قوميَّاته، في استفتاء عام يضمن فيه حرِّية التعبير عن الرأي، بعيداً عن التدخل الخارجي أو الإكراه.
وبدون ذلك فلا يكون الحلُّ بتغيير الأسماء، واقتحام التجارب الخطرة.
ولا شَكَّ أنَّ أرضية الأخوُّة الإسلامية في العراق بين الشيعة والسنة، والعرب والكرد والترك، والعلاقات الاجتماعية الشعبية الجيدة بينهم، تعطي فرصة جيدة لوجود حكم قوي وحقيقي ومتماسك، يقوم على أساس المساواة والعدالة في الحقوق العامة لجميع أبناء الشعب، والاحترام المتبادل للخصوصيات، والاعتراف المتبادل بالحقوق الثقافية والاجتماعية والدينية لجميع القوميات والمذاهب والأديان، وليكن ذلك بصيغة الولايات أو الفدرالية أو بأي صيغة أخرى مناسبة.
ويؤكد ذلك أنه لا يوجد في الوقت الحاضر - على الأقل - من الوسط السياسي أو الشعبي العراقي من يدعو إلى التقسيم أو الانفصال، وحتى الأخوة الكرد تخلَّوا عن هذه الفكرة سياسياً، لأنها بنظرهم غير واقعية وعملية، وتضرُّ بمصالحهم الفعلية، وإن كان قيام الدولة الكردية الواحدة يمثل أملاً لبعض أوساطهم السياسية، كما هو الحال في الدولة العربية الواحدة، والدولة الإسلامية الواحدة.
السؤال الرابع
هل هناك إمكانية للقاء عراقي موسَّع يدرس هذه المسائل ويعطي فيها رأياً موحداً؟ وعلى أي مستوى يمكن أن يتمَّ ذلك؟ وهل هناك اقتراح للمكان الأنسب لحصول مثل هذا اللقاء؟
أجاب (قدّس سرّه)
لا شَكَّ بوجود إمكانية للقاء عراقي موسع يستوعب أكثرية المهتمين بالقضية العراقية، وقد حدثت لقاءات عامة وموسعة ومهمة سابقاً، وتمكنت أن تتوصل إلى نتائج مهمة، وإن كانت غير كاملة، مثل اللقاءات التي حصلت في طهران، وبيروت، وصلاح الدين، ومثل هذه اللقاءات تحتاج عادة إلى تحضير على مستوى الكادر الوسطي والفنيين، وتحتاج أيضاً إلى دعم سياسي وشعبي واسع.
وأما المكان فلا يوجد لدي اقتراح لمكان معين، وأعتقد أنه من السابق لأوانه اقتراح مكان بعينه، لأن ذلك قد يُلقي ظلالاً على الفكرة مما يؤذيها.
بل لابُدَّ من إنضاج الفكرة ثم التفكير بالمكان، لأن وجود الإرادة العراقية المستقلة في التفكير والقرار والتي تحسب جميع الظروف أمر مهم في نجاح هذه الفكرة.
السؤال الخامس
كيف ترون دور القوى السياسية العراقية العاملة من أجل التغيير في ترتيب المواقف الإقليمية والدولية لتكون داعمة للمشروع الذي يتم التوافق عليه؟
أجاب (قدّس سرّه)
دور القوى السياسية العراقية مهم في صياغة آلية التغيير، كما أنه مهمٌّ بعد ذلك في تعبئة جميع الطاقات وتحشيدها لدعم المشروع، ولكن لابُدَّ لها أولاً من صياغة مشروعها التغييري وآليته.
ومن خلال تجربتي العملية أعتقد أنه يمكن حشد هذا التأييد إذا اتفَقَتْ القوى والتيارات العاملة في الساحة على هذا الموضوع، ولا سيَّما الآلية العامة، وتجنَّبَتْ المطبات التي أصبحت معروفة لدى الجميع.