<
      السؤال الأول | السؤال الثاني | السؤال الثالث | السؤال الرابع | السؤال الخامس | السؤال السادس | السؤال السابع | السؤال الثامن | السؤال التاسع | السؤال العاشر | السؤال الحادي عشر  
 
  <
 

نص الحوار الذي أجري مع سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) حول حديث الغدير ومكانته
وذلك في ربيع الثاني 1419 هـ، 1999 م


حديث الغدير ومكانته


بسم الله الرحمن الرحيم


السؤال الأول

الرجاء أن تقدِّموا توضيحاً موجزاً حول حديث الغدير ومكانته.


أجاب (قدّس سرّه):

بسم الله الرحمن الرحيم

حديثُ الغدير هو الحديث الذي يروي واقعة مهمة في تأريخ الإسلام والمسلمين، وهي:

حادثة تنصيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) - قولاً وعملاً - خليفة له من بعده، وأخذ البيعة له من المسلمين الذين اشتركوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع، وهم يمثلون عامَّة المسلمين في ذلك الوقت.

ويُنسب الحديث إلى (الغدير) لأن هذا العمل قام به رسول الله (صلى الله عليه وآله) - بعد انصرافه من حجَّة الوداع - في منطقة قريبة نسبياً من الجحفة تسمى (غديرُ خُمٍّ)، وهي - في ذلك الوقت - مُفترَق طُرق الحاج من مختلف الأقطار، حيث نزل عليه الوحي الإلهي بإبلاغ هذه الرسالة في قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (1).

وعلى أثر ذلك قام النبي (صلى الله عليه وآله) بإرجاع الحُجَّاج الذين كانوا قد تقدموه في مسيرته، وانتظر بقية الحجاج الذين كانوا وراءه، وقام خطيباً فيهم، وتحدَّث إليهم بحديث لَخَّصَ فيه دوره الرسالي، وأعماله وإنجازاته، وأنه أوشك أن يفارقهم في هذه الحياة، واستشهدهم على نفسه وعمله. ثم نصَّب علياً (عليه السلام) للخلافة وإدارة الحكم من بعده، وأخذ البيعة له منهم على ذلك.

هذه هي الصورة الإجمالية للحديث، وإن كانت الروايات لهذه الواقعة قد اختلفت في كثير من التفاصيل من جانب الإجمال والتفصيل، ومن جانب المفردات اللغوية التي استخدمت، ولكنها تُجمع إلى حَدِّ التواتر على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال فيه:

«مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذَا عَليٌّ مَوْلاهُ».

وبهذا العرض للحديث الذي يُجمع عليه شيعة أهل البيت (عليهم السلام) ويقطعون بصحته، ويقبله إجمالاً ويصحِّحه عُموم المحدِّثين والمحققين من جمهور المسلمين، يمكن أن نتبين موقع الحديث من الأمور التالية التي يتميز بها عن الأحاديث الأخرى:


الأول

إنَّ هذا الحديث يحتوي على مضمون متميِّز عن أحاديث الولاية؛ لما تضمَّنته خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مفاهيم ومضامين عامة وخاصة لا يشبهه فيها أي حديث آخر من أحاديث فضل علي (عليه السلام) في الولاية، مضافاً إلى المفاهيم الاجتماعية والمعنوية العامة، وهي مضامين تستحق البحث والتحقيق.


الثاني

إن سند وطريق روايته سواء على مستوى علم الحديث، أو علم التأريخ، أو علم الكلام، أو علم آداب اللغة العربية، وشياعه في ضمير الأمة وآدابها الاجتماعية، لا مثيل له في كل الروايات التي وردت في موضوع الولاية، وقد أثبت تواتره المحققون، واعترف بصحته جميع فرق المسلمين على ما سوف نشير إلى ذلك.


الثالث

إنَّ الظروف التي وقعت فيها هذه الحادثة كانت ظروفاً متميزة لا تشبهها ظروف أخرى؛ لأن هذا الاجتماع عُقد من أجل هذا الحديث دون هدف آخر، وهو اجتماع عامٌّ عظيم لا نظير له في الأحداث الأخرى، وطريقة أداء رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهذه الرسالة كانت من حيث العموم والشمول والحجم والأسلوب متميزة، وشاملة، لا يشبهها إلا قضية سورة براءة التي يعبِّر فيها القرآن الكريم:

{وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} (2).

كما أنَّ هذا الظرف كان متميزاً لأنه كان في آخر حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهو ظرف تكامَلَت فيه الرسالة الإسلامية، وأصبحت فيه الدولة الإسلامية ذات قاعدة واسعة مُحكَمة، حيث سيطر الإسلام على الجزيرة العربية بكاملها، والأمة الإسلامية قوية، ومَنيعة، وموحَّدة، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يودِّعُ الناس فيها.

وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة التي نزلت بعد أخذ البيعة:

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} (3).


الرابع

إنَّ هذا التنصيب القولي الواضح لم يكن يتَّسم بالإخبار فحسب، كما قد يقال في شأن روايات الولاية الأخرى، بل فيه هنا - بصورة واضحة - جانب الإنشاء والحكم والقرار، واقترَنَ - مضافاً إلى ذلك بأخذ البيعة من المسلمين التي تعني العهد والميثاق والالتزام - بعقد الولاء والطاعة والنصرة، وهذا مما تتميز به هذه الواقعة على غيرها أيضاً من وقائع وأحداث الولاية.


الخامس

إن النبي (صلى الله عليه وآله) - بحسب إدراكه للواقع السياسي - كان يخشى - بحق - من عدم تماميَّة هذه البيعة ونقضِها من قبل عموم المسلمين بعد ذلك، وهذه الخشية هي التي منعَتْه من القيام بهذا العمل الذي كان يرى أهمِّيته وضرورته في تنظيم حياة الأمة الإسلامية والمجتمع الإسلامي.

ولكنه (صلى الله عليه وآله) كان يخشى أن ينسحب نقض هذه البيعة والميثاق لهذا الركن المهم من الإسلام إلى نقض الميثاق بالنسبة إلى أصل الرسالة، ولكن لما جاءه الأمر الإلهي القاطع بضرورة إنجازه والقيام به كأداء للتكليف الإلهي، وبيان للحقيقة السياسية والاجتماعية التي بها تتكامل الرسالة الإلهية، وأن الله سبحانه سوف يَعصمه ورسالتَه من الناس، قام رسول (صلى الله عليه وآله) بإبلاغ هذه الرسالة وأدائها بهذه الصورة الواضحة والواسعة، والمؤكَّدة بالبيعة والميثاق.

وقد كان تشخيص رسول الله (صلى الله عليه وآله) للواقع السياسي صحيحاً، حيث نقض المسلمون البيعة بعد مضي حوالي سبعين يوماً منها (4)، وأن الله تعالى عصم رسوله (صلى الله عليه وآله) ورسالته من الناس في استجابتهم للبيعة في بداية الأمر، وبقائهم على الالتزام بالإسلام عموماً ورسالته بعدها.

واستمرار آثار هذا العمل الذي قام به رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حياة المسلمين بعد ذلك - وإن لم يفِ المسلمون عموماً في ذلك العصر بهذه البيعة - حتى أصبح الملتزمون بهذه البيعة يمثِّلون الجماعة الأولى من حيث الأهمية، وتحمُّل المسؤولية، والقدرة على الصبر والاستقامة، والنُّمو والبقاء. وهذه الصفة يختص بها حديث الغدير دون غيره من الروايات والأحاديث والحوادث، وبذلك يمكن أن نعرف الموقع الخاص لهذا الحديث الشريف.


السؤال الثاني

مع الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ حديث الغدير جاء ذكرُه في المصادر الحديثية الشيعية والسنِّية، فما هي مواضع الاختلاف؟


أجاب (قدّس سرّه):

يمكن تحديد مواضع الاختلاف إجمالاً بالخطوط الآتية، وإن كانت التفاصيل عديدة:


الأول

محاولة إسقاط هذا الحديث سنداً، وعلى مستويات تبدأ بإنكار صدوره باستدلالات واهية كما فعل الفخر الرازي إلى التشكيك في صدوره، أو دعوى عدم ثبوته، وإلى دعوى عدم تواتره كما فعل ابن حجر الهيتمي، ونور الدين الحلبي، وابن تيمية، وابن حزم الأندلسي، وعبد الحق الدهلوي، وأمثالهم من المتعصبين الذين كانوا يرون أن إنكار أصل الحديث عندهم أهون من إنكار دلالته، أو معارضته.


الثاني

التعتيم أو التغاضي أو إغفال الواقعة والسكوت عنها عملاً؛ لمحو معالمها وآثارها، انسجاماً مع الواقع المذهبي الذي لا يلتزم بالخلافة لعلي (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا هو موقف البخاري، ومسلم، وأمثالهما من أصحاب الحديث.

ولعلهم وجدوا الحديث واضحاً في السند والمضمون فالتزموا هذا الموقف، وهو موقف عامَّة علماء الجمهور في مرحلة العمل بالحديث والأخذ به، وإن كانوا يروونه ويذكرونه في كثير من الأحيان.


الثالث

حذف بعض القرائن اللفظية والحاليَّة المهمة التي أحاطت بالواقعة والحديث، والتي أشرنا إليها في جواب السؤال الأول، حتى أنَّ الترمذي اقتصر على القول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث الغدير «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذَا عَليٌّ مَوْلاهُ».

وإذا قارنا هذا بما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن الإمام الباقر (عليه السلام) في خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحديثه (5)، نرى العمل الكبير الذي مارسه الكثيرون من هؤلاء الرواة في عمليات الحذف والمحاصرة.


الرابع

محاولة تفسير الحديث بأساليب وطُرق فيها الكثير من الغرابة والبعد عن الواقع اللُّغوي، وذلك من أجل صرفه عن محتواه العقائدي والسياسي والاجتماعي إلى محتوى أخلاقي وعاطفي، ومن ثَمَّ فهذا الموقف من الحديث يشكّل ظاهرة مؤسفة بل مردعة في التعامل مع أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) تستحق دراسة مستقلة.


السؤال الثالث

ما هو موقع حديث الغدير في المصادر الروائية عند أهل السنة؟


أجاب (قدّس سرّه):

يمكن أن نعطيه الدرجة الثانية أو الثالثة عند محدِّثي الجمهور من ناحية السند على مستوى طبقات كتب الحديث، لأنه لم يرد في كتبهم المعروفة بينهم - أخيراً – بالصحاح، إلاَّ ما رواه الترمذي، وابن ماجة بصورة مبتورة، كما ذكرنا:

قال الرسول (صلى الله عليه وآله) في يوم الغدير: «مَن كُنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه».

نعم رواه النسائي - أيضاً - بطرق عديدة، ولكن في كتابه خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) لا في مسنده.

وفيما عدا ذلك فقد رواه أحمد بن حنبل في مسنده من (40) طريقاً، وابن جرير الطبري من (72) طريقاً، والجزري المقري من (80) طريقاً، وابن عقدة من (105) طريق، وأبو سعيد السجستاني من (120) طريقاً، وأبو بكر الجعابي من (125) طريقاً، ومحمد اليمني من (150) طريقاً (6).

كما رواه الحاكم في مستدرك الصحيحين بعدة طرق، والطبراني في معجمه بعِدَّة طرق، وابن عساكر في تأريخه بعدة طرق، وغيرهم من المحدثين والمؤرخين.

وقد نسب العلامة شرف الدين إلى مسلم روايته لحديث الغدير برواية زيد بن أرْقَم إلاَّ أنه اختصره وبتره (7).

ويبدو أن الموقف العام لدى علماء الجمهور صحة الحديث سنداً وإن أنكره بعضهم وهم من الشواذ المتعصبين - كما أشرنا -، وذهب بعضهم إلى تواتره مثل الذهبي، وابن الجرزي، وجلال الدين السيوطي، والملا علي القادري، وجمال الدين عطاء الله بن فضل الشيرازي، والمناوي الشافعي، وابن كثير الدمشقي، والشيخ علي التقي، والميرزا مخدوم، وضياء الدين القبلي، ومحمد بن إسماعيل الأمير، ومحمد صدر العالم، وغيرهم (8).

وأما من ناحية الدلالة فإن الموقف العام لهم هو: طرح الإثارات حول دلالته، أو المراد منه، ومحاولة تأويله، على أن المراد منه بيان خصائص وصفات الإمام علي (عليه السلام)، وتأكيد حُبِّه ومودَّته، ولذا يذكُرونه في أبواب الفضائل والأخلاق، كما يبدو ذلك واضحاً من كثرة روايته من ناحية، وتأويله وتفسيره بما لا يدل على الخلافة من ناحية أخرى، لأنهم ملتزمون بذلك بعد قبولهم بصحة خلافة الخلفاء الثلاثة الأوائل، ولذلك يثيرون الشكوك حول دلالة كلمة (مولى)، ويقطعون هذه الفقرة عن القرائن الحالية والمقالية (9).


السؤال الرابع

ما هي القضايا العقائدية التي يستفيدها الشيعة من حديث الغدير؟


أجاب (قدّس سرّه):

يمكن استفادة عدة نقاط عقائدية مهمة من حديث واقعة الغدير، نذكر ثلاثة منها:


الأولى

إنَّ الإمامة منصب إلهي كالنبوة، لأنَّ نَصْب علي (عليه السلام) من قِبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان بالأمر الإلهي.

ويؤكد ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يتوقَّع أن لا يتمَّ هذا الأمر لعلي (عليه السلام)، وقد كانت هذه الرؤية مطابقة للواقع التأريخي - أيضاً -، ومع كلِّ ذلك فقد أمره الله تعالى بهذا النَّصب لبيان هذا الحكم العقائدي في هذا المجال.

فلم يكن ذلك مجرد محاولة لتمكين علي (عليه السلام) من استلام الحكم فعلاً وخارجاً، وإلا فإن هذا الهدف لم يتحقق لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويكون ذلك الأمر والفعل حينئذٍ لغواً إذا حصرنا الهدف بذلك، وإنما كانت الواقعة من أجل بيان هذا الحكم العقائدي للإمامة.


الثانية

إن البيعة والميثاق والعهد والولاية من حيث الأهمية والآثار الواقعية لا تختلف عن نظائرها في النبوة، بحيث إنَّ نقضها وعدم الإيمان بها تترتب عليها مسؤولية نقض بيعة النبي (صلى الله عليه وآله) وآثارها الواقعية.


الثالثة

ثبوت عصمة الإمام علي (عليه السلام) باعتبار أن ولاءه، ونصرته، ومعاداته، والتزام مسيرته، ومواقفه، هي كولاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ونصرته، والتزام سيرته، ومواقفه.


السؤال الخامس

هل قام الأئمة (عليهم السلام) في زمان حضورهم بالاحتجاج بحديث الغدير؟


أجاب (قدّس سرّه):

لقد احتجَّ الإمام علي (عليه السلام) بحديث الغدير عدة مرات، وأولاهُ أهمية خاصة في الاحتجاج، لما يتميَّز به من مواصفات ذكرنا بعضها في جواب السؤال الأول، وبذلك حفظ الإمام (عليه السلام) تواتر هذا الحديث من ناحية، وحقَّق الهدف الإلهي وهو هدف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من وراء وقوع هذه الحادثة، لأننا قلنا إن الهدف من الواقعة لم يكن هو وصول الإمام علي (عليه السلام) إلى موقع الحكم خارجاً - وإن كان ذلك حقه لأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يتوقع نقض البيعة كما ذكرنا - وإنما كان الهدف هو إثبات هذا الركن في الإسلام الذي هو أهَمُّ الدعائم والأركان الإسلامية. وإن هذا الفهم لواقعة الغدير هو الذي يفسِّر لنا بوضوح امتناع الإمام علي (عليه السلام) عن البيعة لأبي بكر بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ويفسِّر لنا تضحية سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) من أجل منع إجبار الإمام علي (عليه السلام) على هذه البيعة، لأن هذه البيعة لو تمَّت لأمكن التعتيم على هذه الحقيقة العقائدية ولم يبق لها أثر في الإسلام، كما هو الحال بالنسبة إلى بعض الأحكام.

فهو موقف يشبه تضحية الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل تثبيت المبدأ الإسلامي في الموقف تجاه الظاهرة اليزيدية، وتجاه الحكم الجائر المستهتر بالإسلام وأحكامه.

كما أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) احتجُّوا بهذا الحديث والواقعة في مناسبات عديدة كاحتجاج الزهراء البتول (عليها السلام)، والإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، والإمام الحسين السبط (عليه السلام)، وما رواه الإمام الباقر (عليه السلام) من الحديث، وغيرهم من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وإن لم ينقل لنا التأريخ وكتب الحديث الكثير من التفاصيل (10).


السؤال السادس

هل يمكن أن تقدموا تعريفاً موجزاً بالمحققين الكبار الذين بذلوا جهوداً في تحقيق حديث الغدير؟


أجاب (قدّس سرّه):

لقد اهتمَّ المسلمون بحديث الغدير اهتماماً كبيراً، ولكن علماء أهل البيت (عليهم السلام) ومُحبيهم كان لهم الاهتمام الأكبر والأبلغ، ولذلك نجد أن جماعة من العلماء قد خصصوا كتباً وأبحاثاً خاصة بهذه الواقعة والحديث، فمن القدماء كان ابن عقدة، وابن جرير الطبري، وغيرهما، ومن المتأخرين كان السيد حامد حسين اللكنهوي صاحب كتاب (العبقات)، والعلامة الأميـني صاحب كتاب (الغدير).

وقد عدّ العلامة الأميني المؤلفين في هذا الموضوع ستة وعشرين مؤلفاً في جميع العصور الإسلامية (11).


السؤال السابع

ما هي الأبعاد التي تحتاج إلى تحقيق في حديث الغدير؟


أجاب (قدّس سرّه):

هناك أبحاث مهمة حول حديث الغدير تناولها الباحثون تستحق التقدير والثناء والاحترام، وقد تركَّزت بصورة أساسية حول سنده ودلالته، ولكن توجد أبحاث أخرى مهمة حول هذا الحديث والواقعة لم يتمّ استيعابها، ووردت إشارات لها في أحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والعلماء من شيعتهم، وهنا أشير إلى بعضها:


الأول

بحث حقيقة الأسباب في خشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) من إعلان هذا القرار وتنفيذه، مع أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان قد أعلن خلافة علي (عليه السلام) قبل هذا التأريخ عدَّة مرات، لا سيَّما وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت له في ذلك الوقت القوة والمنعة والسيطرة الكاملة على الجزيرة العربية، وهو في الوقت نفسه يحظى بحُبِّ وتقديرِ واحترام عامَّة المسلمين.

ويؤكد ذلك الانتصارات، والاستقرار الأمني، والوحدة العامة التي كان قد حقَّقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الجزيرة العربية، والذي تمنحه مثل هذا الحب والتقدير بصورة طبيعية أيضاً، أضف إلى ذلك العزة والكرامة والمنعة التي حقَّقها (صلى الله عليه وآله) للعرب والمسلمين.

كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أحدث تغييراً كبيراً وعميقاً في الأوضاع السياسية والاجتماعية والمعنوية لدى أُمَّة العرب، وهذه الخشية في مثل هذه الظروف تحتاج إلى تفسير سياسي واجتماعي لأسبابها، والظواهر التي ارتبطت بها.


الثاني

تفسير ظاهرة التناقض بين كثرة رواية الحديث أو تواتره لدى رواة وعلماء الجمهور من ناحية - كما أشرنا إلى ذلك -، وظاهرة التسالم على إنكار الجانب العملي أو الالتزام بمضمونه من ناحية أخرى، وهل أن ذلك مجرد تعصب؟!

إذن فلماذا يقوم هؤلاء برواية الحديث، ونقله، والتسليم به؟!، أو أنها تعبر عن ظاهرة أخرى نفسية واجتماعية لها تأثيرها في التأريخ الإنساني؟!، ولا سيَّما تأريخ الأديان السماوية، لأننا نلاحظ تأكيد القرآن ظاهرة مشابهة لها، وهي وجود النصوص على رسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وإنكار أهل الكتاب لذلك.

وعندما تكون القضية ذات طبيعة نفسية واجتماعية، فما هي العوامل المؤثرة في تكوين هذا الجانب النفسي والروحي، والتي قد تكون وراء نقض البيعة نفسها؟.

إن مثل هذه القضايا تحتاج إلى دراسات مستوعبة تساهم في الكشف عن هذه الواقعة المهمة، وتفسر المواقف منها في تأريخ المسلمين.


الثالث

هل أن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وخلافته المستفادة من حديث الغدير هي تكرار لظاهرة مشابهة لها في تأريخ الرسالات الإلهية، مثل ولاية وخلافة هارون ويوشع لموسى (عليه السلام) في حياته أو بعد مماته، وشمعون الصفا لعيسى (عليه السلام)، كما قد يفهم ذلك من بعض النصوص؟، أو أنها تعبر عن تطوُّر مُهم ورئيس في جانب من الرسالات الإلهية يتناسب مع التطور الذي اتَّصفت به الرسالة الإسلامية الخاتمة؟

وإذا كان الثاني هو الصحيح - كما هو كذلك - فما هي معالم التطور في الولاية في أبعاده العقائدية والسياسية والاجتماعية.

والحاصل: أن حديث الغدير لم يتم استيعاب البحث فيه في بُعده الرسالي والسياسي والاجتماعي والتأريخي بصورة مناسبة، ونحتاج إلى تطوير البحث فيه في هذه المجالات، ليبقى حياً مؤثراً في التأريخ الإنساني، وإلا فقد يتحوَّل إلى مجرد مسألة كلامية ذات بعد عقائدي وتأريخي ينعكس على الالتزام العقائدي والتكليف الشرعي، ويكون البحث فيه تكرارياً.


السؤال الثامن

هل احتجَّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بحديث الغدير قبل خلافته، أم أنه احتجَّ به بعد وصوله إلى الخلافة؟.


أجاب (قدّس سرّه):

لم يذكر التأريخ بصورة واضحة احتجاج الإمام علي (عليه السلام) بحديث الغدير قبل خلافته كما ذكر ذلك بعد خلافته، ويمكن تفسير السبب في ذلك بواحد أو أكثر من الأمور التالية:


الأمر الأول

إنَّ الإمام عليا (عليه السلام) كان قد احتجَّ على خلافته بحديث الغدير بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكن تمَّ التعتيم وإخفاء ذلك، أو ضياع أثره، كما هو شأن كثير من القضايا التي تمَّ إخفاؤها أو ضياعها في بواطن التأريخ. ولا سيَّما أن هذا الاحتجاج لو كان فلابُدَّ أن يكون بصورة محدودة؛ وذلك للحصار السياسي الذي ضُرب على الإمام علي (عليه السلام) من ناحية، ومن ناحية أخرى أن مجال الاحتجاج لو كانت له فرصة فهي محدودة بطبيعة الحال، وليست مثل الفرصة التي كانت له وهو خليفة، ورئيس دولة.

كما أن هناك أغراضاً سياسية واضحة كانت في هذا الإخفاء بذلك الوقت، بخلافه بعد ذلك، حيث تحوَّلت القضية إلى قضية عقائدية أو سياسية ذات آثار غير مباشرة بالنسبة إلى الإمام علي (عليه السلام).


الأمر الثاني

إنَّ الإمام عليا (عليه السلام) لم يحتج بحديث الغدير قبل خلافته، لأن الواقعة كانت حينذاك حديثة العهد ومعروفة وواضحة لدى عموم الناس، لأنها تمَّت أمام عشرات الآلاف من المسلمين، ومنهم عدد كبير من أهل المدينة نفسها، فلم يكن يشعر الإمام علي بأهمية الفائدة في هذا الاحتجاج، وكان تشخيصه (عليه السلام) أن الموقف العام السياسي هو تجاوز هذه البيعة.

وأما بعد خلافته (عليه السلام) فإن العهد بالواقعة أصبح بعيداً نسبياً حيث مضى عليها ما يزيد على ربع قرن من الزمن.

كما أنَّ الأمة الإسلامية أصبحت كبيرة، ومساحة العالم الإسلامي أصبحت واسعة، الأمر الذي دعا إلى هذا الاحتجاج والإعلان، لوجود فائدة مهمة لا ترتبط بموضوع استلام الخلافة لأنه كان في موقع الخلافة، بل ترتبط بإثبات هذا الحق العقائدي والسياسي كما ذكرنا.


الأمر الثالث

إنَّ الإمام عليا (عليه السلام) لم يحتج بحديث الغدير قبل خلافته لأن هذا الاحتجاج كان يفسَّر حينذاك بأنه حركة سياسية في مقابل الحكم، ويعبِّر عن انشقاق ومعارضة للحكم، وهذا موقف لم يلتزم به الإمام علي (عليه السلام) منذ البداية، حيث إنَّ رفضه (عليه السلام) للبيعة في أول الأمر كان بهدف تثبيت الموقف الشرعي والعقائدي، دون إيجاد معارضة سياسية لشَقِّ الصف الإسلامي السياسي.

وهذا ما أعلن عنه عدة مرات في مثل قوله (عليه السلام):

«ما سلمت أمور المسلمين وكان الجور علَيَّ خاصة».

وهذا ينطبق على ظروف خلافة عمر الخليفة الثاني، والخليفة الثالث عثمان، التي شهدت توسّعاً في الحكم الإسلامي، وأما في أيام خلافته فإن الإعلان لا يعبِّر إلاَّ عن الموقف العقائدي والسياسي، وتثبيت خلافته في مواجهة حركة معاوية المضادَّة، وهو موقف ينسجم مع الموقف السابق تماماً.


الأمر الرابع

إنَّ الإمام عليا (عليه السلام) كان قد توقَّع حدوث تطورات في التأريخ الإسلامي تؤدي إلى ضياع حادثة الغدير، فأراد أن يستفيد من فرصة خلافته لتثبيت هذه الواقعة لتحقيق الهدف العقائدي، وهي فرصة لم تكن موجودة قبل ذلك، ولا هي مهيَّأة لأحد بعده بعد ذلك. وبذلك حفظ الإمام علي (عليه السلام) تواتر حديث الغدير، فالهدف من الاحتجاج يكون تحقيق التواتر الإجمالي لهذه الحادثة.


السؤال التاسع

كيف تفسرون سكوت الناس عموماً عن الاحتجاج بحديث الغدير وتسليمهم بالخلافة لغير أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، مع أن بين بيعة الغدير ووفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) ليس أكثر من سبعين يوماً؟


أجاب (قدّس سرّه):

هذا الموضوع هو من الأبحاث التأريخية المهمة التي تحتاج إلى فحص وتحقيق، واستيعاب وتفصيل، كما أشرت إلى ذلك في جواب السؤال الأسبق، وهذا قد لا يتناسب مع فرصة هذا الحوار المحدود، ولكن في هذه العُجالة أشير إلى عدة نقاط قد تساهم في اتجاه البحث، وتوضيح الصورة:


النقطة الأولى

إنَّ التوسع الإسلامي قد حدث في الأيام الأخيرة وبعد فتح مكة بالذات، وبذلك تَحقَّق الاستقرار للدولة الإسلامية كما تشير إليه سورة النصر المباركة، ولكن ذلك كانت تحوطه مخاطر كثيرة، منها ظهور حركة الارتداد أو الانحراف بسبب عدم تجذُّر هذه الحالة في المجتمع الإسلامي، والتأريخ الإسلامي يُجمع على ظهور حركة الارتداد بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وتوجد مؤشرات كثيرة في التأريخ تدلِّل على ظهور الحركة الثانية التي كان أحد مظاهرها نقضُ بيعة الغدير، وتقديم مبرِّرات لهذا النقض تتمسك بشعارات المصلحة الإسلامية في مقابل الالتزام بالنص الإسلامي، ووجود ظاهرة ما يسمى أصولياً وتأريخياً بظاهرة: (الاجتهاد في مقابل النص).


النقطة الثانية

إنَّ الأمة الإسلامية في أيام حجة الوداع، ووفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) - التي كان يوحِّدها الإسلام وشعائره الشريفة، والكيان السياسي الجديد المتمثل بالدولة الإسلامية، وروح النصر، والفتح، والآمال الكبيرة في التوسع والقوة والقدرة، التي تعبِّر عن هموم وأهداف مشتركة، إلى غير ذلك من القضايا المادية والمعنوية - يمكن تقسميها في وضعها السياسي إلى ست مجموعات سياسية، تختلف من حيث الحجم والأهداف المرحلية والأساليب والمناهج:


المجموعة الأولى

الأعراب، وعامة مُسلِمي الفتح، والذين يمتلكون الكثرة الكاثرة في المجتمع الإسلامي، ويرفعون شعارات الإسلام دون عمق في الإيمان، ويطمحون إلى المكاسب الجديدة في هذا الدين، وأخذتهم قوة الإسلام وعزَّته وانتصاراته، فوحَّدتهم هذه القوة والعزة في حركة واحدة:

{قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [ الحجرات: 14 ].


المجموعة الثانية

المنافقون الذين كانوا يتربصون بالمسلمين، فإن كان لهم الفتح قالوا: ألم نكن معكم، وإن لم يكن لهم الفتح قالوا: ألم نمنعكم، فهم يفتشون عن الفرص لينتهزونها، وعن الثغرات ليدخلوا منها، وعن العيوب ليستغلوها.

وقد استسلموا للقوة الإسلامية بعد أن وجدوا فيها حقيقة لا تقاوم، ولكنهم لا زالوا يحقدون على الإسلام والمخلصين من أبنائه، وقد كانوا يمثلون قوة سياسية؛ لأن فيهم الوجهاء والطبقة المتنفِّذة التي كانت تشعر أن الوجود الإسلامي كان على حسابها.

كما أنها تتصف بالتلوُّن والمرونة في التكيف واستغلال الفرص، ويشتركون في كثير من القضايا مع الجماعة الأولى، وأهمها خِفَّة الإيمان، وإن كانوا يتميَّزون عليهم بالحقد والكيد، والخبرة بالأوضاع السياسية الداخلية، والمعرفة بالأوساط السياسية والاجتماعية القريبة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، من أصحاب الحَلِّ والعَقد، والقوى المؤثرة، ويميِّزون درجات إخلاصهم وأهدافهم البعيدة والقريبة.


المجموعة الثالثة

أصحاب المصالح السياسية، وطلاب السلطة والقدرة من الانتهازيِّين، أو ممن كانوا يشعرون أن لهم حقوقاً في السلطة وفي المكاسب المادية لها، بعد أن كانت لهم مساهمات كبيرة في وجودها وتوطيد دعائمها، فهم يدَّعون أنهم رجال الرسالة الذين مهَّدوا الطريق بسيوفهم وسواعدهم، فلهم الحق في الغنائم التي يحصلون عليها في المعارك، وهم ينظرون إلى السلطة وأجهزتها كما ينظرون إلى غنائم الحرب.


المجموعة الرابعة

وجود أشخاص كانوا يخططون للسيطرة على الأوضاع السياسية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من زاوية أنهم ينظرون إلى الحكم والخلافة أنهما شأنٌ إنساني، وليست الخلافة شأناً إلهياً، وهم على استعداد دائماً لفرض اجتهاداتهم وتصوراتهم في فهم المصالح والمفاسد كَمُبرِّرات لمخالفة النصوص الواضحة.

وهناك مؤشرات تأريخية عديدة تدل على وجود هذه الحركة السياسية، وهذه النظرة المصلحية بأبعادها المختلفة في تلك الأيام، أهمها الموقف من بيعة الغدير - نفسهـا -، وبعثة جيش أسامة، وقضية مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة في المسجد، وقضية الدواة والكتف وكتابة ما لا يضلوا من بعده أبداً، وبيعة السقيفة، ودفن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والموقف الذي يَتَّسم بالعنف من الزهراء (عليها السلام) إلخ.


المجموعة الخامسة

عموم الأنصار والمهاجرين من بقية السلف الذين جاهدوا في سبيل الله، وقدموا التضحيات الكبيرة في هذا السبيل، وكان يهمُّهم بالدرجة الأولى الاحتفاظ بالمكاسب الجديدة في وحدة الأمة، وقيام الحكم الإسلامي، ونشر الدعوة الإسلامية، دون أن يولوا أهمية كبيرة للقضايا الأخرى، ومنها قضية الخلافة.

بل كان بعضهم يراها أنها من التفاصيل التي لا تستحق العناية الخاصة، ويتخذ منها موقف اللاَّمُبالاة أو المتردِّد، ويختار حب السلام والاستقرار على الوقوف بحزم عندها، ولا سيما أن هذا الوسط السياسي من الناس قد تمَّ تعبئتهم روحياً ومعنوياً وفكرياً في مواجهة أعدائهم الخارجيِّين، من المشركين والمتمرِّدين من أهل الكتاب والقوى الكبرى التي تحيط بهم.

وفي الوقت نفسه تمَّ تحذيرهم من الاختلافات والنزاعات الداخلية، وهم يرون في هذا الموضوع قضية صراعات داخلية يفضلون فيها الحياد والسكوت عملاً، حرصاً على المصالح الإسلامية حتى لو كانوا يعرفون الحق وموضعه (12).


المجموعة السادسة

الصفوة الصالحة الواعية ممن كان يسمِّيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشيعة علي (عليه السلام)، الذين كانوا يدركون عُمق الأخطار، ويميِّزون بين الخطوط السياسية، ويعرفون الأشخاص، ويدركون الحدَّ الفاصل بين الحق والباطل، والخطأ من الصواب.

وكانوا على استعداد وبدرجات متفاوتة للتضحية والبذل، ولكنهم كانوا قِلَّة معدودة تقيِّدهم وصايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المحافظة على الأهم في مقابل المهم. وقد كان الأهم لديهم هو بقاء الإسلام، والمحافظة على الرسالة، ووحدة الأمة الإسلامية، وحدة تمكِّنها من القيام بمسؤولياتها الشرعية والتأريخية المستقبلية.

بهذه الصورة الواقعية التي تؤكدها الآيات القرآنية، وأحاديث الإمام علي (عليه السلام) وسائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، والشواهد التأريخية يمكن أن نفهم ظاهرة سكوت الناس عموماً - كما ورد في السؤال -، حيث اصطفَّت الجماعات الثلاث الأولى في موقف سياسي واحد ولأسباب عديدة.

ووقفت الجماعة الرابعة موقف المتحيِّر من هذا التحول السياسي المخطَّط له، بالرغم من إحساسها وشعورها بالحيف والانحراف عن إبلاغ النبي (صلى الله عليه وآله) للرسالة (13).

وكان موقف الجماعة الخامسة هو الاحتجاج والرفض لبيعة أبي بكر، وهذا ما تؤكده النصوص التأريخية، ويكاد أن يكون الإجماع عليها بالنسبة إلى موقف سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء وأمير المؤمنين علي (عليهما السلام)، ومجموعة من المقربين إليه أمثال سلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود، وأبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والعباس بن عبد المطلب، والزبير بن العوام، وعموم الهاشميين، فهناك عدة أسباب ساهمت في تكوين هذا الموقف العام:


السبب الأول

المنهج المبدئي الذي كان يلتزمه الإمام علي (عليه السلام) والذي لا يقبل المساومة، أو أنصاف الحلول، أو المهادنة في الحق، أو التنازلات السياسية، وقد كان ذلك معروفاً عن الإمام علي (عليه السلام)، وتجسَّد في رفضه لمساومة أبي سفيان في موضوع الخلافة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، أو رفض تَخَلِّيه عن تغسيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أجل الحضور في حلبه الصراع، وأصبح هذا المنهج واضحاً بعد خلافته.


السبب الثاني

موقف الإمام علي (عليه السلام) من موضوع الصراع من أجل (التنزيل)، حيث كانت له اليد الطولى في توطيد دعائم الإسلام، وهو في حساب المبادئ عامل امتياز وتكريم، ولكنه في حساب المصالح والمنافع المادية والآثار النفسية عامل إبعاد وأحقاد وعداوات، ولا سيَّما في مجتمع لا زال يتأثر بالمخلفات النفسية والاجتماعية الجاهلية.


السبب الثالث

إن القبول ببيعة الغدير ومداليلها العقائدية التي أشرت إليها يعني سَدَّ الأبواب أمام جميع ذوي المطامع أو الطموح في الخلافة مستقبلاً، لأن الإمام عليا (عليه السلام) سوف يتولاَّها بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، ويتولاَّها من بعده بقية الأئمة الاثني عشر من ولده، ولا يعلم إلا الله مدى استمرارها تأريخياً.

وإن هذا قرار إلهي لا يمكن نقضه بعد ذلك إذا تحول إلى واقع سياسي واجتماعي، وليس مجرد قرار إنساني يمكن تغييره بمجرد اختلاف الظروف السياسية، وهذا هو الذي يفسر لنا الشعار الذي رُفع في مواجهة هذه البيعة وهو شعار: (لا تجتمع النبوة والإمامة في بيت واحد).


السبب الرابع

صغر سنِّ الإمام علي (عليه السلام)، الذي كان يمثل عائقاً في نظر العرف والمجتمع الجاهلي عن تولِّي مثل هذه المناصب التي هي من شأن متقدمي السن والعمر، ولا يمكن استغلاله لتبرير الاجتهاد في مقابل النص، ولذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) يستهدف فيما يستهدف من إمارة أسامة بن زيد على البعثة العسكرية الكبيرة - وجعل تحت أمرته كبار الصحابة سِنّاً من المهاجرين والأنصار - أن يكسر هذا العرف الجاهلي، كما صنع ذلك أيضاً في إبلاغ سورة براءة، إلى غير ذلك من العوامل الأخرى.


السؤال العاشر

ما هي رؤيتكم للظروف السياسية والاجتماعية التي منعت الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) من التصريح بقرار خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنه لم يفعل ذلك إلا بعد نزول الآية {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ..}.


أجاب (قدّس سرّه):

يمكن معرفة هذه الظروف السياسية من الجواب عن السؤال السابق، حيث كانت هذه الصورة الواقعية للوضع السياسي واضحة عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأن هذه البيعة سوف يتم نقضُها، ولا تتمُّ هذه الخلافة لعلي (عليه السلام)، بل يمكن أن نقول إنَّ خشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت من وقوع النتائج الأخطر، حيث كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يرى أنَّ هذا الوضع السياسي سوف يؤدي إلى نقض هذه البيعة التي كان يبدو الهدف منها تمكين الإمام علي (عليه السلام) من الخلافة، وقيادة الجيش، وقد تمَّ بالفعل نقضُ هذه البيعة وعدم تحقيق هدف التمكين.

ولكن بعد تأكيد الأمر الإلهي بإبلاغ الرسالة أصبح واضحاً بأن الهدف ليس هو تمكينه من الخلافة خارجاً فحسب، بل هناك هدف آخر أيضاً وهو تثبيت الحكم الشرعي العقائدي وإقامة الحجة البالغة، وتأسيس قاعدة لبناء الخط الإسلامي الأصيل والمتمثل بخط الإمامة.

ومن ناحية أخرى وجود خطر الارتداد عن أصل الرسالة والالتزام بها؛ لأن الدولة الإسلامية وإن كانت قد بسطَتْ نفوذها على الجزيرة العربية إلا أن الوضع السياسي الداخلي الذي شرحناه، والقوى الخارجية المتربصة كانت تهدِّد هذا الوجود المبارك بصورة جِدِّية.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله) - وهو في آخر أيامه - يخشى أن تكون هذه البيعة أحد الأسباب في تفجير الوضع الداخلي، ولا سيَّما إذا واجهت الأمة خلوَّ الساحة من وجوده الشريف، الذي كان عاملاً أساسياً ومهمّاً في وجود الاستقرار، والخضوع للحكم الإسلامي من قبل الأعراب والمنافقين، وغيرهم.

وقد دلَّت الأحداث بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على وجود هذا العامل للخشية، ولولا الموقف المبدئي للإمام علي (عليه السلام) في ضبط النفس، وتقديم الأهمِّ على المهم لانْهارَ الكيان السياسي الإسلامي.

ونرى الإمام عليا (سلام الله عليه) يعبِّر عن هذه الرؤية السياسية في ذلك الوقت بقوله (عليه السلام):

«حَتى رأيتُ راجعةَ الناسِ قد رجعَتْ عن الإسلام، يدعُونَ إلى مَحْقِ دينِ مُحمَّد (صلى الله عليه وآله)، فخشيتُ إن لم أنصر الإسلامَ أهله أن أرى فيه ثلماً أو هَدماً تكونُ المصيبةُ به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم، التي هي متاع أيام قلائل» (14).

ومن جهة أخرى وجود خطر الانحراف عن الرسالة والاختلاف فيها، كما واجهت ذلك الرسالات السماوية السابقة، وقد جاء التأكيد أن الأمة الإسلامية سوف تتعرَّض للإعراض والحالات نفسها التي تعرَّضت لها الأمم السابقة.

وقد كان ذلك سبباً لهذه الخشية والتوقف، إذ يكون ذلك أحد الموضوعات - كما كان فعلاً - المهمة التي تتعرض فيها الأمة إلى الانحراف والاختلاف.

وأخيرا إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد تعرَّض إلى عدة محاولات للتشهير به ولتسقيط شخصيته، سواء من قِبَل المشركين والجاهليين، أو من قِبَل المنافقين، أو الأعراب وضعفاء النفوس والدين، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في عدة مواضع من سورة (التوبة) و (النور).

وكذلك تعرَّض إلى عدة محاولات لقتله واغتياله كما يؤكد القرآن الكريم والتأريخ ذلك، وقد كانت علاقته الحميمة والمتميِّزة مع الإمام علي (عليه السلام) إحدى القضايا الرئيسية التي يثير المنافقون والجاهلون حولها الإشاعات والشبهات، ويقدِّمون التفسيرات ذات الطابع الذاتي والشخصي فيها.

وهناك عشرات الحوادث والشواهد على وجود هذا الوضع السياسي والاجتماعي تجاه هذه العلاقة، وقد كانت خشية النبي (صلى الله عليه وآله) أن تكون هذه البيعة والإعلان عنها وأخذها بهذه الطريقة سبباً آخر ومهمّاً لتصاعد وَتِيرة الاتهامات، بحيث تُلقي هذه الاتهامات بظِلالها الثقيلة على الرسالة نفسها، وتؤدِّي إلى إضلال البسطاء وجديدي العهد بالإسلام من الناس.

ولذلك جاء التأكيد القرآني مزدوجاً يعالج أصل موضوع الخشية، وهو إبلاغ رسالة الخلافة، وأن الهدف من ذلك هو تثبيت هذا الركن الأهم في الرسالة من ناحية، كما يعالج العصمة من الناس وحماية النبي (صلى الله عليه وآله) والرسالة من ردود الفعل السلبية من ناحية أخرى.


السؤال الحادي عشر

ما هي مَعالم التطوُّر في ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) في جوانبها العقائدية، والسياسية، والاجتماعية، عن الولاية التي كانت لهارون ويوشع وشمعون الصفا؟، وهل باعتقادكم أن لهذا التطور في ولايته (عليه السلام) دور في إبعاده عن الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مباشرة؟.


أجاب (قدّس سرّه):

الجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى بحث واسع، ولا يمكن أن يستوعبه هذا الحوار لأنه من الأبحاث الجديدة.

ولكن أشير هنا إلى أن هذا التطور يمكن أن نلاحظه في عدة أبعاد:


البُعد الأول

إن الرسالة الإسلامية لمّا كانت هي الرسالة الخاتمة فلابد أن تكون الوصاية والخلافة فيها تتناسب من حيث العُمق، والسِّعة، والشُّمول، وحَجم المسؤوليات، والبقاء، والاستمرار مع هذا الدور المتميِّز، الذي لا يمكن أن نشاهده في الوصايا الأخرى، وهذه آفاق للبحث ذات أهمية خاصة لابُدَّ من تناولها في مجال آخر (15).


البُعد الثاني

إن الخلافة والوصاية في قضية بيعة الغدير كانت خلافة ووصاية لدولة إسلامية قائمة وكاملة في مقوِّماتها وأركانها، فهي وصاية للحكم بمعنى السلطة وبَسْط اليَد، وهذا ما لا نراه في وصاية هارون ويوشع وشمعون الصفا، فإنها ولاية على إدارة شؤون الجماعة في مواصلة الجهاد والدعوة إلى الله تعالى، وإقامة الحكم الإسلامي. وهناك فوارق أساسية بين الحالتين والمرحلتين.


البُعد الثالث

إن الإمامة الربانية وإن كانت أطروحة ذات جذور في الرسالات الإلهية وهي واضحة في رسالة إبراهيم (عليه السلام) كما يشير القرآن الكريم إلى ذلك، وكذلك في موسى (عليه السلام)، وعيسى (عليه السلام)، وبعضها في نوح (عليه السلام)، كما قد يُستفاد ذلك من بعض الآيات القرآنية على ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان، ولكن هذه الإمامة لم تنتقل إلى مرحلة الحكم في طول تأريخ الرسالات الإلهية كمقام رباني وسلطة إلهية.

وما نراه في داود وسليمان (عليهما السلام) وغيرهما من الأنبياء الذين يستحقون الإمامة بقرار إلهي وتولَّوا السلطة والحكم خارجاً وفعلاً كانوا قد توصَّلوا إليها في حركة التأريخ من خلال الحركة القتالية، والقدرة التي مكَّنتهم من السلطة، وليست من خلال التنصيب الإلهي.

وقد كان تأريخ بني إسرائيل يفصل بين السلطة والنبوَّة، كما تشير إلى ذلك قصة جالوت وطالوت، ومن ثم داود (عليه السلام) واستلامه السلطة، فإن تولِّي طالوت للحكم كان بترشيح من النبي الإسرائيلي، ولم يتولَّ النبي نفسه هذه المهمة، وعلى أي حال هذا بحث تأريخي إسلامي لابُدَّ من متابعته بصورة دقيقة. وهنا نلاحظ أن إمامة وخلافة الإمام علي (عليه السلام) أُريدَ لها أن تكون خلافة دينية ودنيوية معاً، بقرار إلهي يشبه قرار النبوة نفسها، وهذا شئ جديد - ولو بنظر الناس وفي الواقع التأريخي - في الرسالات الإلهية اقتضى هذه العناية الإلهية، وهذا الموقف الرسالي الخاص، والله أعلم.

ولا شَكَّ أن هذا التطور كان له دور في إثارة الخشية من ناحية، وكانت له مساهمة في عملية الإبعاد على ما أشرنا إلى ذلك في السبب الثالث من النقطة الرابعة في جوابنا الأسبق، والله هو العالم.

____________

1- المائدة: 67.

2- التوبة: 3.

3- المائدة: 3.

4- إذا كانت بيعة الغدير يوم الثامن من ذي الحجة ووفاته (صلى الله عليه وآله) في الثامن والعشرين من صفر تكون المدة الفاصلة سبعين يوماًً، وأما إذا كانت وفاته (صلى الله عليه وآله) في الثاني والعشرين من ربيع الأول - كما يذهب إلى ذلك بعض المؤرخين - فيكون الفاصل أربعة وثمانين يوماًً، مع من قطع النظر عن نقصان بعض الشهور القمرية حتماًً.

5- الاحتجاج 2: 330، حيث قال لرجل (فكيف يجوز هذا لهم ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في علي (عليه السلام):

«اللَّهُمَّ والِ مَن وَالاهُ، وعَادِ مَن عَاداه، وانْصُر مَن نَصَره، واخْذُل مَن خَذَله».

وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله):

«أحمدُهُ عَلى السَّرَّاء والضَّرَّاء، والشِّدَّة والرَّخاء، وأؤمِنُ به وبملائِكَتِه وكُتُبه ورُسُله، أسْمَعُ أمْرَه وأطيعُ وأبادِرُ إلى كُلِّ مَا يَرْضَاهُ، وأستَسْلمُ لقَضائِه رَغْبةً في طاعتِهِ، وَخَوفاً مِن عُقُوبَتِه، لأنَّه اللهُ الَّذِي لا يُؤمَن مَكرُه، ولا يُخَافُ جَورُه.

وأقرُّ له علَى نَفسي بالعُبوديَّة، وأشْهدُ له بالرُّبوبيَّة، وادي مَا أوحي إليَّ حَذَراً من أن لا أفعل فَتحلُّ لي منه قَارعةٌ لا يَدفَعُها عني أحد وإن عَظُمت حياته لا إِلَه إِلاَّ هُو، لأنَّه قَد أعْلَمَني أنِّي إِنْ لم أبلِّغْ مَا أنزلَ إليَّ فَمَا بَلَّغْتُ رِسَالَتَه.

وَقَدْ ضَمِن لي تَباركَ وتعالى العِصْمة، وَهُو اللهُ الكافي الكريم، فَأوْحَى إِليَّ:

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ- في علي، يعني في الخلافة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) - وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [ المائدة: 67 ].

مَعَاشِرَ النَّاس:

مَا قَصَّرْتُ في تَبْليغِ مَا أَنزلَ اللهُ تَعالى إليَّ وأنا مُبيِّن لَكُم سَبَب نُزولِ هذه الآية:

إنَّ جبرائيل (عليه السلام) هَبَط إليَّ مِراراً ثَلاثة يأمرُني عَن السَّلام رَبي وَهُو السَّلامُ أنْ أقومَ في هَذَا المشْهَد فأعْلِم كُلَّ أبيضٍ وأسْوَد أنَّ عَليَّ بْن أبى طَالِبٍ (عليه السلام) أَخي، ووَصيِّي، وَخَليفَتي، والإمامُ مِن بَعدي، الَّذِي مَحلّه مِني محلَّ هارونَ من مُوسى إِلاَّ أنَّه لا نَبِيَّ مِن بَعْدي وَهُو وَليُّكُم مِن بَعْدِ اللهِ وَرَسُولِه، وَقَدْ أنزلَ الله تَباركَ وَتَعالى عَليَّ بِذَلكَ آية مِن كِتَابه:

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} المائدة: 55.

وعلي بن أبي طَالب (عليه السلام) أقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ وهو راكِعٌ يُريد الله عزَّ وجلَّ في كُلِّ حَالٍ.

فاعلَموا مَعاشِرَ النَّاس:

إنَّ اللهَ قَد نَصَّبه لكم وَليّاً وإمَاماً، مفترضاً طاعتَه عَلى المهَاجِرين والأنصارِ، وعَلى التَّابعين لهم بإحسانٍ، وعَلى البَادي والحاضِر، وعَلى الأعْجَمي والعَربي، والحُرِّ والمملوك، والصَّغير والكَبير، وعلى الأبْيَض والأسْود، وَعلي موحدٍ مَاضٍ حكمه، جائز قوله نَافِذ أمْره، مَلْعونٌ مَن خَالفَه، مَرحومٌ مَن تبعَه، مُؤمنٌ مَن صدَّقَه، فقد غَفَر لَهُ ولِمن سمعَ منه وأطاعَ لَه.

مَعاشِر الناس:

إنَّه آخرُ مقامٍ أقومُه في هذا المشهد، فاسمعوا وأطيعوا وانقادوا لأمْرِ ربِّكم، فإنَّ الله عزَّ وجَلَّ هو مولاكم وإلهُكم، ثمَّ من دونه مُحمد (صلى الله عليه وآله) وليُّكم القائم، المخاطِب لكم، ثم من بعدي عَليٌّ وليُّكم وإمامكم بأمر ربكم، ثم الإمامة في ذُرِّيتي من وُلدِه، إلى يوم تَلقَوْن اللهَ ورسولَه، ولا حَلال إلاَّ ما أحلَّه اللهُ، ولا حَرامَ إلا مَا حَرَّمَه اللهُ، عَرَّفَني الحلالَ والحرامَ، وأنَا أفضَيتُ لما علَّمني ربي من كتابِه وحَلالِه وحَرامِه إليه.

مَعاشِر الناس:

إنَّه إمام من اللهِ، ولن يتوبَ اللهُ على أحد أنْكَرَ ولايتَه، ولَنْ يغفِرَ اللهُ لَه، حَتماً على اللهِ أنْ يفعل ذلكَ بمَّمن خالف أمرَه فيه، وأنْ يُعذِّبَه عذاباً شديداً نكراً، أبد الآباد ودهر الدهور، فاحذروا أنْ تخالفوهُ فَتُصْلَوا ناراً وقودُها النَّاسُ والحجارةُ أعِدَّت للكافرين.

أيها الناس:

بي والله بشر الأولون مِنَ النبيِّين والمرسَلين، فَمن شَكَّ في ذلكَ فهو كافرٌ كُفر الجاهلية الأولى، ومن شَكَّ في شيء من قولي هذا فقد شَكَّ في الكل منه، والشاكُّ في ذلك فَلَهُ النَّار).

مَعاشر الناس:

تدبَّروا القرآنَ وافهَموا آياته، وانظُروا إلى محكَماته ولا تَتَّبعوا متشابِهَه، فَوالله لنْ يبيِّنَ لكم زَواجِره، ولا يوضِّحَ لكم تفسيرَه، إلا الذي أنا آخِذٌ بِيَده، ومُصعدُه إليَّ، وشائِلٌ بِعضدِه، ومُعلمكم أنَّ منْ كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، وهُو عليٌّ بن أبي طالب (عليه السلام) أخي ووصيِّي، ومُوالاتُه من الله عزَّ وجلَّ أنزلها عليَّ.

مَعاشِر الناس:

إنَّ عليّاً والطيِّبين من ولدي هم الثِّقل الأصغر، والقرآن الثقلُ الأكبر، فكل واحد مُنبئٌ عن صاحبه وموافق له، لن يفترقا حتى يَرِدا عليَّ الحوضَ، هُم أمَناءُ الله في خَلقه، وحُكماؤه في أرضه، ألا وقد أدَّيْتُ، ألا وقد بلَّغْتُ، ألا وقد أسْمَعتُ، ألا وقد أوضَحتُ، ألا وإن الله عزَّ وجلَّ قال وأنا قلت عن الله عزَّ وجلَّ، ألا إنَّه ليس أميرُ المؤمنينَ غَير أخي هذا، ولا تحلُّ إِمْرَةُ المؤمنين بعدي لأحَدٍ غيره».

ثم ضرب (صلى الله عليه وآله) بيده إلى عضده فرفعه، وكان منذ أول ما صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) شال علياً حتى صارت رجله مع ركبة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال (صلى الله عليه وآله):

«مَعاشر الناس:

هذا عليٌّ أخي، ووصيِّي، ووَاعِي علمي، وخليفتي على أُمَّتي وعلى تفسير كتاب الله عزَّ وجلَّ، والداعي إليه، والعامل بما يرضاه، والمحارب لأعدائه، والمُوالي على طاعته، والناهي عن مَعصيته، خليفةُ رسول الله، وأميرُ المؤمنين، والإمامُ الهادي، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بأمر الله.

أقولُ وما يُبدَّل القولُ لديَّ بأمر ربي، أقول: اللَّهمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ من عاداه، والعن مَن أنكره، واغضَبْ على من جَحد حقَّه، اللَّهم إنَّك أنزلت عليَّ أن الإمامة بعدي لعلي (عليه السلام) وليِّك، عند تبياني ذلك ونَصْبي إيَّاه بما أكملتَ لعبادك من دينهم وأتممتَ عليهم بنعمتك ورضيتَ لهم الإسلام ديناً، فقلت:

{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [ آل عمران: 85 ]، اللُّهم إني أُشهدك وكفى بك شهيداً إِني قَدْ بَلَّغْتُ».

الرواية طويلة، اقتطعنا منها بعض الفقرات كنماذج، ويمكن مراجعتها في الاحتجاج [ 1: 55، تعليقة السيد الخرسان ].

6- المراجعات: 184، المراجعة: 56، تعليقة الشيخ الراضي: برقم 623.

7- المراجعات: 182، طبعة المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام).

8- نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار 6: 105-121.

9- يمكن ملاحظة المراجعة: 43 وما بعدها من كتاب المراجعات: 161.

10- يراجع في ذلك الاحتجاج للطبرسي 1: 74، و 273، و 2: 296، والمراجعات للعلامة شرف الدين: 184 - 189 المراجعة: 56، طبعة المجمع.

11- الغدير 1: 152 – 158.

12- إن هذه الحالة السياسية حالة مشهودة في كل الصراعات الداخلية، حيث نشاهد عدداً كبيراً من الناس يتَّصِفون بالسلامة والإخلاص عموماً يكونوا على استعداد لخوض الصراع مع الأعداء الخارجيين بأعلى المستويات، ولكنهم يتوقفون عن البذل والعطاء في الصراعات الداخلية، فهم على استعداد للقتال على (التنزيل) ولكنهم يتوقفون في القتال والصراع على (التأويل)، كما ورد التعبير عن هذين النوعين من الصراع في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله).

13- تشير بعض النصوص التأريخية أن عقد اجتماع السقيفة من الأنصار كان بهدف معالجة هذا الموقف والانحراف، وأن الأنصار كانوا يهتفون: لا نبايع إلا علياً، وأن سعد بن عبادة كان يسعى لتوحيد موقف الأنصار في هذا الاتجاه، ولكنه غُلب هو والأنصار على أمرهم بعد ذلك، فاختاروا السكوت.

14- نهج البلاغة: الكتاب: 62، الذي بعثه (عليه السلام) إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمَّا ولاَّه إمارتها.

15- تناولنا جانباً من هذا الموضوع في محاضرة (العالمية والخاتمية والخلود).

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية