مبدأ التعايش السلمي والتعددية السياسية | مبدأ الحرية السياسية | مبدأ تقديم المصالح العامة على الخاصة | حوزة ُالنجفِ والاحتلال الإنجليزي | مرجعيةُ النجفِ تساندُ الحركةَ الوطنيةَ | موقفُ علماءِ النَّجفِ مِنَ القَضيّةِ الفَلَسْطِينِيةِ  
 
 
 

نص الحوار الذي أجرته رسالة التقريب في عددها (11) مع شهيد المحراب
السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، وذلك بتاريخ 4 / 3 / 1996 م


حوار رسالة التقريب


بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة السيد محمد باقر الحكيم عرفته حوزة النجف العلمية أستاذاً وباحثاً وعضداً مفدى للسيد الصدر وابناً للمرجعية الدينية.

وعرفته الأروقة الجامعية أستاذاً جامعياً في علوم القرآن وسائر العلوم الإسلامية.

وعرفته ساحة إيران والعراق وسائر أرجاء العالم الإسلامي رسالياً ملتزماً يحمل هموم المسلمين ويدافع عن شرفهم وكرامتهم.

كان من المفروض أن تلتقيه (رسالة التقريب) في أعدادها الأولى لأنه المشرف عليها، ولأنه رئيس المجلس الأعلى للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، لكن التوجه في المجلة نحو المقابلات لم يكن جاداً.

وإذا بدأنا في هذا العدد مسيرة جديدة للمجلة، بدأنا - أيضاً - بإجراء سلسلة حوارات مع أصحاب الهموم التقريبية وهذا هو أول حوار في هذه السلسلة.

رسالة التقريب: باعتباركم واحداً من كبار المفكرين المهتمين بأمر التقريب في العالم الإسلامي، ما هي الأسس التي يجب أن يقوم عليها التقريب بين المسلمين؟

السيد الحكيم: هذا الموضوع تناولته باختصار في كتاب (الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين) ويمكن تلخيص الأسس التي أشرت إليها بالنقاط التالية:

أولاً: لابد في موضوع التقريب من الاهتمام بالبحث عن الحقائق لكل مذهب من المذاهب الإسلامية، فكل مذهب له متبنيات خاصة، سواء في الجانب العقائدي أم الفقهي أم في حقل تفسير التاريخ وفهم التاريخ، ولكن حقائق كل مذهب قد اختلطت - مع الأسف - باتهامات ونسب باطلة.

والتقريب بين المذاهب يفرض أمرين:

أحدهما: الأخذ بمتبنيات وآراء كل مذهب من لسان أصحابه وآرائهم، ومن الآراء الصحيحة والمعروفة لدى ذلك المذهب، وهذا أساس هام من أسس التقريب لفرز الصحيح عن المفتعل والمفترى أو المشتبه أو الشاذ في كل مذهب.

الأمر الآخر: هو التمييز بين الرأي السائد والرأي الشاذ داخل كل مذهب، فآراء رجال المذاهب بعضها يمثل الرأي العام السائد، وبعضها شاذ يختلف عن متبنيات علماء المذاهب السائدة. والباحث الذي يسند رأياً إلى مذهب معيّن، لابد أن يأخذ بنظر الاعتبار الرأي السائد فيه، ولا يتشبث بالآراء الشاذة.

نعم يمكن أن ينقل هذه الآراء الشاذة وينسبها إلى أفرادها، لا إلى المذهب بشكل عام.

ثانياً: احترام الرأي الآخر وهي مسألة أخلاقية وسلوكية. ولابد أن تسود الحالة العلمية في المواقف والحوار بين العلماء.

نعم، الاختلاف طبيعي، والدفاع عن الرأي والاستدلال على صحته حق لكل عالم، وردّ الرأي الآخر باستدلال علمي حقّ أيضاً لكل باحث عن الحقيقة، ولكن تارة يكون الردّ بروح الاتهام والتحامل والهجوم، وتارة أخرى يكون بروح احترام رأي الطرف الآخر وأفكاره.

يجب أن يكون تبادل الأفكار والآراء والمناقشات بين علماء المذاهب تماماً كما هو الحال بين علماء العلوم التجريبية والفكرية والثقافية الأخرى، أو بين المختلفين من مذهب واحد. حيث يكون ردّ العالم على العالم الآخر يحمل روح الاحترام للرأي الآخر، باعتبار أنه يردّ على جهة علمية بذلت جهوداً حتى توصلت إلى هذا الرأي، بنفس هذا النفس من الاحترام المتبادل يجب أن يسير الحوار بين علماء المذاهب، إذا شاؤوا التقريب بينهم.

ثالثاً: لابد - في هذا المجال - من الاتفاق على مرجع للتحكيم بين هذه الآراء والمذاهب، والمسلمون متفقون نظرياً على هذا المرجع، ولكنهم لا يلتزمون عملياً أحياناً بهذا الجانب النظري - بعضهم على الأقل - وهذا المرجع هو الكتاب الكريم، والسنة النبوية الصحيحة.

المسلمون يتفقون جميعاً على هذا الكتاب الموجود الآن بين المسلمين، ويعتبرونه وحياً نازلاً على الرسول الكريم بنصّه دون زيادة أو نقيصة، ولا قيمة طبعاً لما ينسب إلى الشيعة من القول بتحريف القرآن فهي نسبة باطلة وغير صحيحة، وآراء علماء الشيعة منذ الصدر الأول وحتى عصرنا الراهن هي الاعتقاد بسلامة النص القرآني من أي تحريف، وهذا هو الرأي السائد، إذن هناك اتفاق على الرجوع إلى القرآن الكريم.

وهكذا بالنسبة للسنة النبوية، كل المسلمين بكل مذاهبهم يعتقدون بأن ما جاء على الرسول الكريم حجّة لا يمكن لأي شخص أن يجتهد أمامه أو على خلافه.

ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) يركز على هذه المرجعية مرجعية القرآن والسنّة، وقد بينا أهمية هذه المرجعية في بحثنا عن: (التفسير عند أهل البيت)، على أي حال، الاتفاق على هذه المرجعية نظرياً بين المسلمين يستدعي الاتفاق عليها عملياً، عندما يختلف المسلمون في رأي من الآراء، فليرجعوا إلى المتفق عليه بينهم وهو: القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، دون اتخاذ موقف تفسيري مسبق تجاه القرآن والسنة يناصر رأي هذا المذهب أو ذاك، ولقد اهتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذا الأمر حين وقف ينصح المسلمين في (حجة الوداع) بعدة أمور كان من جملتها نصيحتهم بالعودة إلى الثقلــــين.(1)

ورابعاً: الاهتمام بإبراز النقاط المشتركة بين المذاهب الإسلامية، صحيح إن هناك اختلافاً بين المذاهب الإسلامية في مختلف المجالات، ولكن الاشتراك بينها أكثر وأهم مما بينهما من اختلاف. فالتوجّه والاهتمام تارة يكون نحو المشتركات، وتارة يكون نحو إبراز الخلافات وإثارة النزاعات.

نقاط الاتفاق بين مذاهب المسلمين مهمة جداً، تعبّر عن وحدة الأمة الإسلامية وعن هويتها وشخصيتها، فهم يعتقدون بالأمة الواحدة وبالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وبالكتاب الواحد، واليوم الآخر ويودون أهل البيت وينزهونهم.

كما أنهم يحجون جميعاً حجاً واحداً، ويقفون على صعيد مشاعر واحدة، وهذه نعمة كبيرة من نعم الله على الأمة الإسلامية، وهكذا الصلوات الخمسة قد اتفق عليها المسلمون في شكلها ومواقيتها وصوم شهر رمضان والزكاة والخمس والجهاد وغيرها الكثير من المسائل الرئيسة المتفق عليها بين المسلمين؛ وان كانوا قد يختلفون في بعض تفاصيل هذه المسائل، ولابد من إبراز مواضع الاتفاق هذه باعتبارها أساساً من أسس التقريب.

خامساً: إن الاختلاف في الأفكار والآراء يجب أن لا ينعكس على موقف المسلمين من القضايا الإسلامية العالمية الكبرى، فالاختلاف الفكري بين أمة كبيرة لها تاريخ طويل وعلماء كثيرون طبيعي جداً، كما إن الاختلاف الفكري سنّة من سنن الله تعالى ينتج الحركة والتلاحم والنمو والثراء، لكن موقف المسلمين من القضايا الكبرى يجب أن يكون موحّداً لأن الاختلاف هنا يعني ضعف الأمة وتمزقها وهيمنة أعدائها عليها.

لذلك أعتقد أن من أهم أسس التقريب توحيد موقف المسلمين تجاه القضايا الرئيسة والمركزية، والتوحيد في موقف المسلمين مطلوب في المجالات السياسية وفي المواقف الاجتماعية، كما حدث بالفعل ضمن إطار المؤتمرات التي عقدت أخيراً لمعالجة المشاكل الاجتماعية مثل مؤتمر القاهرة ومؤتمر بكين ومؤتمر فينا، وكل هذه المؤتمرات عالجت مسائل حساسة هامة مثل مسائل الأسرة والمرأة. والمسلمون مطالبون باتخاذ موقف موحّد تجاه هذه القضايا، وهو عامل على تقريب المسلمين بكافة مذاهبهم وعلى وحدة الأمة.

والأمر الأخير الذي أود أن أشير إليه في هذه العجالة هو قضية الأولويات في الحركة الاجتماعية والفكرية والثقافية والسياسية وسائر المجالات الأخرى، ولابد للمسلمين أن تكون لهم أولويات، وأن يكون لهم (سلّم) في القضايا التي يواجهونها. وأيّ قضية أولى بالاهتمام أو باتخاذ موقف من غيرها؟ ولابد من أجل التقريب بين المسلمين من وضع القضايا الهامة في رأس قائمة الاهتمامات والمناقشات، وسيكون ذلك عاملاً على التقريب بل على الوحدة، لأن القضايا كلما كبرت فإن الاتفاق بشأنها يكبر أيضاً وكلما دخلنا في التفاصيل والجزئيات أكثر اتجهنا إلى الهامش وإلى الاختلاف.

فقضية الأولويات، قضية هامة إذ نجد أعداء الإسلام يحاولون دائماً جرّ المسلمين للدخول في تفاصيل جزئية صغيرة بعيدة عن همومهم الكبيرة؛ وذلك من أجل أن يفرّقوهم ويجعلوهم يختلفون ويتباعدون، والحركة الإسلامية الصحيحة هي التي تدفع المسلمين باتجاه الاهتمام بالقضايا الكبرى على المستوى السياسي والاجتماعي، فأمامنا قضايا المرأة والجنس والمخدرات والأسرة والشباب والسكن والعلاقات الاجتماعية والقضايا الاقتصادية وكثير من القضايا الأخرى، وهذه تشكل بأجمعها تحديات أمام الموقف الإسلامي.

ولقد اتضح عملياً أن المسلمين حين يدخلون في الحديث عن هذه القضايا الهامة الكبرى يجدون أنفسهم متفقين في الآراء والمواقف. وهكذا على المستوى السياسي يواجه المسلمون قضايا كبيرة مثل الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب. أو بين الحضارة الإسلامية والحضارة المادية، وهكذا قضية فلسطين والبوسنة والهرسك، وقضية الشيشان، وقضايا الهيمنة على مصادر الثروة والنظام العالمي الجديد والطغيان من الحكام، وما شابهها من القضايا ذات البعد الإسلامي. وإعطاء هذه المسائل الدرجة الأولى من الاهتمام يجعل المسلمين متقاربين متعاضدين، وهذه - في اعتقادي - أهم الأسس التي يجب أن يقوم عليها التقريب بل الوحدة بين المسلمين.

رسالة التقريب: ما هو رأيكم في إمكان نجاح جهود التقريب بين المذاهب الإسلامية في عالمنا الإسلامي الذي تكاثرت فيه معاول التخريب الداخلية والأجنبية؟

السيد الحكيم: في الواقع توجد فرصة كبيرة أمام نجاح هذه الجهود إذا أخذنا بنظر الاعتبار عدة أمور وقضايا رئيسة مساعدة:

الأمر الأول: السنة التاريخية التي تحكم حركة التاريخ والمجتمع الإنساني فإن هذه السنة تقول إن الحق يعلو وينتصر لا محالة، وإن الباطل زاهق ومهزوم لا محالة.

وقضية تقريب المذاهب ووحدة المسلمين هي قضية حقة، ولابد أن تنتصر في حركة السنن التاريخية والكونية التي تحكم حركة الإنسان وحركة المجتمع الإنساني؛ فإن هذه السنة هي مسألة غيبية تتحدث عن حقيقة تاريخية نؤمن بها وركز عليها القرآن في مواضع كثيرة منها قوله سبحانه: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}(2)، ومنها قوله سبحانه: {... فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ...}(3).

الأمر الثاني: وجود هذا الكيان المبارك القائم على الساحة الدولية اليوم المتمثل بالجمهورية الإسلامية، فقضية التقريب وقضية الوحدة الإسلامية أصبح لها أم وأب يرعيانها، ويهتمان بها ويتبنيانها.

والدولة الإسلامية المباركة لها وجود كبير على الساحة الدولية، وتتبنّى أساساً راسخاً وقوياً في العقيدة التوحيدية، وتنطوي على معنويات عالية مدعومة بتضحيات غالية ودماء زكية، وهذه الدولة اليوم تشكل رصيداً هاماً لوحدة المسلمين، لأنها تطالب بعزم وإصرار على استعادة عزة المسلمين وكرامتهم، (ما ضاع حق وراءه مطالب)، وهي مسألة هامة جداً يجب أن نأخذها بنظر الاعتبار في تقويم مستقبل حركة التقريب.

الأمر الثالث: أن الوعي الإسلامي الفعلي العام الموجود لدى الأمة الإسلامية حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد، هناك صحوة إسلامية، هناك وعي عام قائم لدى الأمة الإسلامية، هناك اهتمام لدى الأمة في العودة إلى الله، والعودة إلى الهوية والشخصية الإسلامية، والالتزام بما أمر الله سبحانه به، وهذا الوعي يوحّد بين فصائل المسلمين ومذاهبهم ويوجّه عواطفهم واهتمامهم نحو هدف واحد.

الأمر الرابع: التطور العلمي والتقني الذي يمكن أن يساهم مساهمة كبيرة جداً في تحقيق هذا التقريب، حيث إنني قلت إن أحد أسس التقريب هو التفتيش عن حقائق كل مذهب، وواقعاً بعيداً عن الأوهام والظنون والشبهات، ووجود هذا التطور الكبير في وسائل الارتباطات ونقل المعلومات يوفر فرصة كبيرة للكشف عن هذه الحقائق ومعرفتها.

الأمر الخامس: هو تطور الرؤية والفهم في الجانب الإنساني على الساحة العالمية، رغم أن السلوك العام شهد عالمياً تدهوراً وتدنياً في الجانب الأخلاقي، إذ ازداد الظلم والعدوان والتجاوز وبلغ حداً كبيراً وشكلاً مفزعاً استخدمت فيه الأسلحة الكيماوية والنووية الفتاكة، رغم ذلك فهذا التدهور مقرون بتطور ونمو وتكامل في الرؤية للقضية الأخلاقية، بما يعبّر عنه بحقوق الإنسان والإحساس بضرورة الدفاع عن هذا الحق.

وهذه الظاهرة سنة طبيعية تحتاج إلى حديث آخر عن حركة التاريخ والمجتمع، فهناك دائماً حالة توازن بين التدهور الأخلاقي والوعي الأخلاقي، تؤدي إلى انفجار تغييري نسمّيه (الثورة والتغيير الجذري) ونحن اليوم نشاهد أيضاً تدهوراً في الحالة السلوكية العالمية، وإلى جانبها تطوراً في الناحية النظرية، وفي الوعي على الحالة الأخلاقية، فيما يرتبط بحقوق الإنسان، والرأي المتبادل، وقضايا الحرية التفاهم والتعارف، وغيرها من الأمور التي يمكن أن تكون عاملاً مساعداً في خدمة التقريب وقضية وحدة الإنسانية ولذلك نشاهد الآن كثيراً من المشاريع الوحدوية المطروحة في العالم على المستوى الإقليمي والعالمي، نتيجة وجود الوعي في هذا الاتجاه.

الأمر السادس: والمهمة في تصوري هي حاجة الأمة الإسلامية اليوم إلى التقريب والوحدة فالأمة تعيش صراعاً مصيرياً، والتقريب والوحدة من العناصر الهامة في كسب المعركة لصالح الأمة الإسلامية في هذا الصراع المصيري، والحاجة - كما يقولون - أم الاختراع عند الإحساس بالحاجة الحقيقية للوحدة الحقيقية والتقريب وستتحرك الأمة لسدّ حاجتها، ولذلك فإن الفرص كبيرة لنجاح مشروع التقريب ونجاح مشروع أطروحة التقريب بين المذاهب ووحدة الأمة، ومن هنا نجد أن الأصوات الداعية للتقريب هي الأقوى، والأصوات الداعية إلى الاختلاف والتمسك بالفرعيات والتشبث بالجزئيات أصبحت هي الأصوات السلبية، فهي تتحدث بطريقة ملتوية بعيدة عن الواقع وتعيش في الظلام وتحاول أن تخفي حقيقة مواقفها، وتحاول أن تتخذ موقف النفاق. وحالة النفاق تعبر عن بداية الانتصار للإيمان والحق، فعندما يبدأ الحق بالانتصار والباطل بالانهزام يعلن الباطل عن نفسه أولاً بشكل واضح ويدخل في الصراع، وعندما يمنى بالهزيمة يحاول أن يدخل في الظلام وحالة النفاق.

وهذه الحالة مشهودة في بداية الدعوة الإسلامية وفي تاريخنا المعاصر أبان الثورة الإسلامية، حيث كان العلمانيون والملحدون والمنحرفون والمرتدون يواجهون الثورة علنياً في البداية، وعندما هزموا أخذوا يواجهونها بطريقة (نفاقية). على أي حال الإحساس بالحاجة الماسة بين المسلمين للتقريب هي بذاتها عامل على فتح الطريق لتحقيق هذا الهدف.

رسالة التقريب: هناك من يتهم النجف وعلماء النجف بأن الهموم المذهبية هناك أكثر من الهموم الرسالية الإسلامية، ما هو رأيكم بذلك، وما هي المواقف التقريبية لحوزة النجف، إذا كانت هناك مواقف تقريبية؟

السيد الحكيم: الكلام عن حوزة النجف ومدرسة النجف وعلماء النجف هو في الواقع حديث عن الشيعة والتشيع، تعرفون أن هذه الحوزة العلمية ترتبط بما أسسه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في الكوفة من مدرسة ذات أسس علمية وثقافية وعقائدية، وتطورت هذه المدرسة في عهد الصادقين (عليهما السلام)، وأخذت موقعها في العالم الإسلامي، ثم حدثت لها إمدادات تمثلت في مواقع متعددة أهمها الحوزة العلمية في قم، ولذلك فإن الحديث عن حوزة النجف هو حديث عن التشيع وعن حركة أهل البيت (عليهم السلام).

فيما يتعلق بموضوع التقريب أنا أعتقد أن قضية التقريب في نظرية أهل البيت (عليهم السلام) قضية أساسية ورئيسة، وواجب من الواجبات الشرعية، وأول من رفع شعار التقريب بين المسلمين هم أهل البيت (عليهم السلام)، ولم يرفعوه شعاراً يتحدثون عنه فحسب، بل جسدوه أيضاً كحالة عملية وخارجية وتطبيقية، وقدموا على طريقه تضحيات كبيرة جداً على المستوى الشخصي لهم، وعلى مستوى الجماعة والفئة التابعة لهم والملتزمة بسلوكهم ومسيرتهم.

ولقد تحدثت عن مواقفهم هذه في كتاب (الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين) وهناك مجموعة من المبادئ الرئيسية المعروفة لدى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) تجسّد هذه الحالة، مثل مبدأ (التقية) و هو مبدأ تقريبي كما هو مبدأ (أمني)، ولو طالعنا نصوصه مطالعة واعية لوجدنا أنه لا يقتصر على الجانب (الأمني) بل يشمل أيضاً البعد (التقريبي) والبعد (الوحدوي)، وهو بعد مهم، غفل عنه كثير من الباحثين، وأشرت في كتابي المذكور إلى نصوص التقية التي تكرِّس هذا البعد التقريبي والوحدوي(4).

وثمة مبدأ آخر غفل عنه كثير من الباحثين هو مبدأ (التعايش) بين المسلمين، وقد نادى أهل البيت (عليهم السلام) بهذا المبدأ وهو من خصائص مدرستهم. فنحن إذا لاحظنا التيارات السياسية في الأمة الإسلامية نجد هناك تيارات عديدة مثل: تيار الخوارج، وتيارات السلطة والجهاز الحاكم، وتيارات الانتهازيين، وتيارات الثوريين المنتسبين لأهل البيت (عليهم السلام) مثل (الزيدية) الذي تبناه بعد ذلك الحسنيون بعد زيد وأولاده وهي تيارات لا تقبل بمبدأ التعايش والتعددية أجمالاً.


مبدأ التعايش السلمي والتعددية السياسية

وتمتاز مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بين كل هذه التيارات بدعوتها إلى مبدأ التعايش السلمي بين المسلمين والقبول سياسياً بالتعددية حتى لو كانت مرفوضة فكرياً وعقائديا.ً ونرى مصاديق هذا المبدأ في دعوة أهل البيت للاشتراك في صلوات الجماعة للمسلمين وزيارة المرضى والاهتمام بالأمور الاجتماعية مثل تشييع الجنائز، والوفاء بالعقود، وغيرها من المسائل التي دعوا المسلمين جميعاً إليها حتى مع الاختلاف المذهبي بينهم من أجل أن يؤكدوا مسألة التعايش، وهذا مبدأ مهم لم يدرس بشكل كامل مع الأسف في أبحاثنا السياسية والاجتماعية.


مبدأ الحرية السياسية

لقد تبنّى أمير المؤمنين (عليه السلام) مبدأ الحرية السياسية ومبدأ التعددية السياسية في المجتمع الإسلامي، وهو تَبَنّ ٍ فريد يمتاز به عن بقية الحكام، وكل أهل البيت يتبنون هذا الرأي. وهي ظاهرة سياسية مهمة، فالإمام يعتقد أن الخوارج على خطأ وباطل، وأن الزبير وطلحة وأم المؤمنين عائشة على خطأ وباطل في موقفهم، لكنه لم يتخذ موقفاً قمعياً لإسكاتهم ولم يستخدم القوة ضدهم وإنما ترك لهم الحرية في أن يتحركوا وكان يكتفي بإدانة مواقفهم وبيان بطلانها. وبقوا يتحركون حتى رفعوا السلاح بوجه الإمام علي (عليه السلام) وأعلنوا الانشقاق على جماعة المسلمين والدولة الإسلامية، عندئذ لجأ إلى القوة من أجل أن يحافظ على وحدة المسلمين والجماعة.


مبدأ تقديم المصالح العامة على الخاصة

وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) تبنوا أيضاً مبدأ ومقولة (لاستسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن الجور إلا عليَّ خاصة) وهي مقولة ذات دلائل وحدوية، حيث فرقوا في مسألة الثورة بين تجاوزات الحاكم ذات الطابع الشخصي وبين تجاوزات الحاكم ذات الطابع العام والذي يمس سلامة الجماعة، فكان النوع الثاني الذي يمس مصالح الجماعة كلها وأمنها وسلامتها مبرراً للثورة بخلاف النوع الأول منها. وهذه هي مبادئ التشيع وأفكاره. وفي تاريخنا القديم والحديث صور كثيرة تعبّر عن الموقف العملي لهذه المبادئ والحالة الوحدوية. والنجف في التاريخ المعاصر عبّرت عن هذا الاتجاه من خلال مواقف كثيرة منها:


حوزة ُالنجفِ والاحتلال الإنجليزي

فالعراق هو البلد الوحيد الذي اجتمع فيه المسلمون بجميع مذاهبهم لمواجهة الغزو البريطاني، وقاد هذه المواجهة العلماء الشيعة في العراق، فاصدر علماء النجف فتوى الجهاد ضد الإنجليز، ووقفوا إلى جانب الدولة العثمانية لصدّ هذا الغزو.

على أن الدولة العثمانية كانت تتبنى مواقف مذهبية متشددة قمعية تجاه غير أتباع المذهب الحنفي من أجل فرض هذا المذهب على كل المسلمين، مع أن أكثرية الشعب العراقي ينتمون إلى المذهب الإمامي وبعضهم ينتمون إلى المذهب الشافعي. بالرغم من ذلك وقف علماء النجف هذا الموقف الوحدوي.

وهكذا الأمر في ثورة العشرين، نجد أن الشعار المطروح هو إخراج الكفار البريطانيين من العراق، دون التفكير في البديل المسلم الحاكم، هل سيكون سنياً أم شيعياً، بل إن بعض علماء النجف ذهبوا وجاؤوا بحاكم مسلم سني من الحجاز. علماء النجف وشيعة العراق هم الذين قاتلوا البريطانيين وهم الذين قدموا التضحيات وهم أصحاب القوة الشعبية في ذلك الوقت ولكن كان همهم الأول هو الإسلام، ولم يكن لهم همّ طائفي مذهبي ولذلك اختاروا حاكماً سنياً وله ما صنعة إلى ذلك على شرط أن يحكم بالإسلام، وحينما نقض هذا الحاكم السني مبادئ الإسلام وتجاوز على حقوق الشعب والوطن نهضوا بوجهه أيضاً بدافع إسلامي.


مرجعيةُ النجفِ تساندُ الحركةَ الوطنيةَ

وفي الحرب العالمية الثانية كان للمرجعية موقف معروف في مساندتها للحركة الوطنية الرامية لتحرير العراق من الهيمنة البريطانية، فقد وقف المرجع العام للشيعة المرحوم السيد أبو الحسن الأصفهاني إلى جانب الثوار وحركة مايس 1941 من أجل الإطاحة بالسلطة العميلة للبريطانيين مع أن الضباط والثائرين كانوا أيضاً من أتباع المذهب الحنفي.

وموقف علماء النجف من حركة الإلحاد في العراق معروف، فقد وقفوا بوجه التيار الشيوعي واليساري الذي حاول أن يهيمن على مقدرات العراق بعد انقلاب 1958 الذي جاء بعبد الكريم قاسم إلى الحكم وأطاح بالحكم الملكي.

وعلماء النجف قدموا في سبيل ذلك تضحيات جسيمة، رغم أن الظروف السياسية والطائفية كانت تفرض أن لا يقفوا هذا الموقف بل يحصلوا على مكاسب، خاصة في العهد الجمهوري بعد عهود من الاضطهاد الطائفي. فالعهد الجمهوري كان يمثل انفراجاً نسبياً للوضع الطائفي في البلد، وأعطى فرصة للشيعة كي يكونوا في جهاز الحكم وفي الأوساط العسكرية والاقتصادية، لكن علماء النجف وقفوا ضد نظام عبد الكريم قاسم المساند لتيار الإلحاد، بل وقفوا ضد هذه الحالة من الانفراج، ليحققوا مكسب وحدة المسلمين في مواجهة تيار الإلحاد الشيوعي.

وموقف علماء النجف من قضية كرد العراق واضح، وهم من أهل السنة، فقد أصدر العلماء في النجف فتوى تحريم سفك دماء الكرد، وتحريم أي عدوان على أعراضهم، بينما وقف علماء السلطة وهم عامة علماء السنة ضد الكرد. وعلماء الشيعة وقفوا إلى جانب صيانة دم الكرد وأعراضهم بينما وقف علماء السلطة إلى جانب العمليات القمعية ضد الكرد.


موقفُ علماءِ النَّجفِ مِنَ القَضيّةِ الفَلَسْطِينِيةِ

أضف إلى كل ما تقدم، موقف علماء النجف من قضية فلسطين، فقد واصلوا هذا الموقف في كل مراحل القضية، وأفتوا بجواز إنفاق الأموال والحقوق الشرعية لمناصرة العمل الفدائي ضد الصهاينة، ولا يزال هذا الموقف المبدئي من هذه القضية ومناصرتها قائماً حتى اليوم.

ثم إن مواقف علماء النجف من الاشتراكية والعلمانية المعلنة في العراق قد جسد مبدأهم في عدم الانجراف نحو الشرق ولا نحو الغرب، فقد وقفوا بوجه التيار الاشتراكي الذي أريد له أن يكون بديلاً للتيار العلماني الديمقراطي، مؤكدين رساليتهم في هذا الموقف ودخلوا في صراع كبير لم يدخله غيرهم.

وأما مسألة التقريب بين المذاهب فقد بُذلت جهود كبيرة في النجف الأشرف لطرح ثقافة التقريب، ولتأليف الكتب الدراسية التقريبية، ولجعل مادة الفقه المقارن مادة دراسية في الحوزات العلمية، وهذا ما حدث في النجف لأول مرة، حيث أصبح كتاب (الأصول العامة للفقه المقارن) للسيد محمد تقي الحكيم كتاباً دراسياً في النجف، وكذلك الأمر في كلية أصول الدين ببغداد، هذه الكلية التي كانت برعاية المرجعية الدينية في النجف.

ولقد شهد تاريخ الحوزة العلمية في النجف قديماً وحديثاً تأليف مثل هذه الكتب الفقهية المقارنة مثل كتاب (تحرير المجلة) للمرحوم الإمام الشيخ كاشف الغطاء في أيام الحكم العثماني، وقد ألف الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه) كتاب (الخلاف)، والعلامة الحلي وهو من علماء مدرسة النجف، ألف كتاب (التذكرة) وكتاب (المختلف) وهكذا حتى عصرنا هذا، دأب العلماء في النجف على السير على هذا المنهج التقريبي ونهج توحيد المسلمين.

وهناك نشاطات لدى علماء النجف من أجل إقامة علاقات مع علماء الأزهر الشريف، وخاصة شيوخ الأزهر، وكان من نتائج تلك النشاطات التقريبية أن أصدر المرحوم الشيخ شلتوت شيخ الأزهر فتواه المعروفة - طبعاً كان لسماحة آية الله العظمى المرجع الكبير السيد البروجردي (رحمه الله) في قم مسعى خاص تمهيدي في هذا المجال، ولكن التطورات السياسية في إيران والعراق أدت إلى أن تتواصل جهود التقريب مع الأزهر عبر علماء العراق - ولا بأس أن نعرف ونحن نؤرخ لهذا الموضوع شيئاً يرتبط بخلفية صدور هذه الفتوى في هذا الوقت بالذات.

إن فتوى الشيخ شلتوت صدرت في زمن جمال عبد الناصر، وكانت علاقات جمال عبد الناصر بنظام الحكم في إيران - آنذاك - متوترة جداً، بينما كانت حوزة النجف تخوض - آنذاك - حرباً مريرة ضد الشيوعيين الذين كانوا يطرحون شعارات ضد عبد الناصر في العراق وفي المنطقة العربية بشكل عام، مما قرب الحوزة العلمية في النجف من سائر علماء الإسلام عامة، وخاصة علماء الأزهر، ولاشك أن هذه الأرضية السياسية والموقف العلمي الإسلامي المتميز لعلماء النجف الأشرف ضد الحركة الإلحادية السياسية للشيوعية كان لها الأثر الفعال في إصدار الفتوى، حيث يتضح ذلك من خلال المراجعة لتاريخ صدور هذه الفتوى مقارنةً بهذه الأحداث.

ولا بأس أن أذكر شاهداً يمكن أن يعتبر مصداقاً لهذا التقارب الذي حدث آنئذ: حيث اعترف نظام الشاه بإسرائيل وفتح الكيان الصهيوني مكتباً اقتصادياً له في طهران، فأرسل شيخ الأزهر الشيخ شلتوت برقية إلى الإمام السيد الحكيم (رضوان الله عليه)، وأصدر الإمام الحكيم على أثر ذلك استنكاراً على ما أقدم عليه نظام الشاه.

ومن اهتمامات مرجعية النجف في حقل التقريب، إرسال مصادر كتب الشيعة الهامة إلى المكتبات المركزية في مصر مثل: مكتبة الأزهر، وكلية الشريعة، ولبنان، وسوريا، والسودان، وغيرها من البلدان الإسلامية.

ومن اهتمامات علماء النجف في حقل التقريب حضور المؤتمرات العلمية والسياسية التي عقدت في القاهرة ومراكش وتونس والأردن والسعودية وباكستان واللقاء فيها بعلماء المسلمين والمفكرين من جميع أرجاء العالم الإسلامي، وكان التمثيل على أعلى المستويات العلمية، حيث حضر بعض هذه المؤتمرات المرحوم الشيخ كاشف الغطاء والمرحوم الشيخ المظفر، وحضر بعضها السيد محمد تقي الحكيم والسيد موسى الصدر، والسيد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري ومحمد باقر الحكيم وغيرهم.

وهناك بعد آخر من هذه النشاطات التقريبية يتمثل في إقامة علاقات بين الكليات والمعاهد العلمية الدينية في النجف الأشرف وبغداد والكليات المماثلة في العالم الإسلامي، أهمها كليات الشريعة في القاهرة، وكان للسيد محمد تقي الحكيم والعلامة السيد مرتضى العسكري نشاط خاص ومساع جادة في مجال التقريب على هذا البعد.

ولا يمكن أن نهمل الدور التقريبي الهام الذي قام به الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين والذي يعتبر من خريجي مدرسة النجف الأشرف.

رسالة التقريب: بشأن نشاطاتكم التقريبية، نرجو أن تعطونا صورة عن أبعاد هذه النشاطات؟

السيد الحكيم: أنا أؤمن بأن الخطوة التقريبية الأولى هي نشر ثقافة التقريب، فلا يمكن أن نقطع أيّ خطوة على طريق توحيد المسلمين دون أرضية ثقافية تحوّل قضية التقريب إلى ثقافة متبناة من قبل المسلمين بكافة مذاهبهم، وأعتقد أن أفضل إطار لنشر هذه الثقافة هو إطار أهل البيت (عليهم السلام) بما كانت لهم من أفكار وآراء ونشاطات استهدفت توحيد صفوف المسلمين - كما ألمحنا إليه سابقاً - ومن الواضح أن هذه النشاطات أثمرت عن عاطفة جياشة يحملها المسلمون في مختلف عصور التاريخ وحتى يومنا هذا تجاه أهل البيت (عليهم السلام) وليس هناك من لم يحمل هذه الحرمة وهذه العاطفة تجاه آل البيت (عليهم السلام) الذين كرمهم القرآن الكريم وطهرهم رب العالمين وجعل مودتهم أجر رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) سوى نفر قليل من النواصب عُرفوا ببغضهم لآل البيت (عليهم السلام) وهي حالة شاذة لم تدم طويلاً، فقد انقرض هؤلاء على مستوى الفئة والجماعة والتيار السياسي، والوهابيون وإن كانوا ينصبون العداء لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) لكنهم يتعاملون مع جميع المسلمين بهذه الروح السلبية والهجومية ويعادون الكثير من طوائفهم.

جدير بالذكر أن أهل البيت (عليهم السلام) عاشوا مجتمعاً مليئاً بالتناقضات الحادة والصراعات التي تحولت أحياناً إلى شكل مواجهة دموية، كما حدث في واقعة كربلاء، ومع ذلك كان موقف آل البيت (عليهم السلام) من هذا المجتمع موقف الدعوة إلى الوحدة والتآلف والتعايش والتعاون - كما ذكرنا - مما جعل هذا البيت الكريم ينال كل هذه الحرمة بين المسلمين، حتى يزيد بن معاوية الذي ارتكب هذه الجريمة الشنعاء، ما كان يجرأ على الاستمرار بالتظاهر في عداء أهل البيت (عليهم السلام) وحاول أن يظهر بشكل وآخر ندمه على فعلته الشنيعة ويتنصل منها.

مما تقدم نفهم أن أفضل طريق لجمع مودة المسلمين على صعيد واحد هو تعريف أهل البيت (عليهم السلام) للمسلمين بمضمونهم الأصيل والصحيح الفكري والثقافي والأخلاقي.

فإذا تمكنا أن نعرض فكر أهل البيت (عليهم السلام) وطريقتهم ومواقفهم وأخلاقهم في مختلف القضايا، فذلك أفضل طريق لتقريب المسلمين حول محور واحد، ولكن هذا لا يعني أن المسلمين جميعاً سيلتزمون بالضرورة بمدرسة آل البيت (عليهم السلام)؛ لأن هذا ليس هو هدف التقريب بل يعين ذلك أنهم سيقفون جميعاً موقف الاحترام من المشروع المطروح، وتتضح لهم الكثير من الحقائق والمواقف ويلتزموا بها بالمبادئ العامة لأسس التقريب.

وعلى هذا الأساس قمت بعدة خطوات:

الأولى: تأليف كتب تعرض نظرية أهل البيت (عليهم السلام) في المجالات الحساسة الهامة، من أجل نشر ثقافة التقريب - كما ذكرت - ومن هذه الكتب: (الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق) فقد عرضت مضمون نظرية أهل البيت (عليهم السلام) في الحكم على الصعيد النظري، ودرست التطبيق العملي الراهن لهذه النظرية في إطار الدولة الإسلامية القائمة في إيران.

كما الفت كتاب: (الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين) وهو - على ما أعتقد - من المؤلفات النادرة في موضوعه، وفيه حاولت أن أستخرج نظرية الإسلام في الوحدة، مستنبطة من القرآن الكريم ومن السنة ومن أخبار أهل البيت (عليهم السلام).

الثانية: الاهتمام بالقرآن الكريم على مستوى التفسير أو على مستوى الدراسات القرآنية، وهو اهتمام يصب في حقل التقريب؛ لأن القرآن الكريم موضع احترام واتفاق جميع المسلمين، وكلما ازداد الاهتمام بهذا المحور من قبل جميع المسلمين ازداد تقاربهم وتفاهمهم، ولا بأس أن أشير إلى أن مدارسنا وحوزاتنا العلمية، بسبب ظروف متعددة بعضها سياسية وبعضها اجتماعية وبعضها تنظيمية لم تول الدراسات القرآنية الاهتمام اللازم، ومع أن علماء الشيعة ألفوا قديماً وحديثاً أسفاراً هامة في التفسير، أذكر منها في عصرنا الحديث (تفسير الميزان)، لكن الاهتمام بالدراسات القرآنية ضمن مناهج الدراسة في الحوزات العلمية ضعيف، لذلك بذلتُ جهوداً خاصة في حقل القرآن في النجف الأشرف ومدرستها العلمية، فقد دونتُ دروساً في علوم القرآن وألقيت فيها محاضرات في المعاهد العلمية التي أسست لتنظيم دراسات الحوزة العلمية في النجف، وواصلت هذا العمل العلمي في إيران بعد الهجرة التي حدثت بسبب الظروف السياسية.

الثالثة: مساهمتي في المؤتمرات، فقد اشتركت في مؤتمرات عقدت لقضية فلسطين، ومؤتمرات الوحدة الإسلامية التي عقدت لدراسة مسائل التقريب، كما حضرت عدداً من المؤتمرات التي عقدت في أرجاء العالم الإسلامي.

وفيما يرتبط بهذه النشاطات أذكر عملي في مواسم الحج، حيث إن الإمام الحكيم أول من بادر لتأسيس بعثة حج دينية في موسم الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكنت مسؤول هذه البعثة لمدة تسع سنوات، وكانت البعثة تعمل في أوساط أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وأوساط عامة المسلمين.

ومما نشطت فيه على صعيد التقريب المساهمة الجادة في تأسيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية وفي كل نشاطات هذا المجمع، وكذلك تقديم أطروحات عملية أعتقد أنها - لو نفذت - سوف تساهم مساهمة كبيرة في موضوع التقريب منها:

أطروحة الروايات المشتركة بين السنة والشيعة، المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) فهناك كمية كبيرة جداً من هذه الروايات ذات مضامين رائعة هامة مشتركة بين الفريقين، وإصدار مؤلفات تضم هذه الروايات المشتركة سيجعل المسلمين أمام واقع لم يعرفوه، وهو أنهم قريبون جداً من بعضهم دون أن يعرفوا ذلك.

وهكذا التأليف حول الرواة المشتركين إذ هناك عدد كبير من الرواة المشتركين يعتمد عليهم أهل السنة والشيعة معاً، والكشف عن هذه الحقيقة سوف يساهم مساهمة جادة في التقريب؛ لأنه يوضح للمسلمين بأنهم كانوا في السابق على وضع أفضل مما عليه في الوقت الراهن.

وكذلك التوجه لتحقيق الأصول المعتمدة عند أهل السنة والشيعة معاً تحقيقاً تقريبياً، كأن يطبع كتاب البخاري وهو من صحاح أهل السنة بطريقة تقريبية، وذلك أن توضع في هامش الكتاب الروايات الواردة من طرق أهل البيت المتفقة مع روايات البخاري، أو تضاف في الهامش إلى روايات البخاري روايات وتعليقات وشروح تقرّب الرؤى تجاه هذه النصوص، وقد بدأ العمل - بالفعل - في تنفيذ بعض هذه الأطروحات.

وعلى المستوى الفقهي كتاب ابن رشد مثلاً وهو (بداية المجتهد) من الكتب المعروفة مدرسياً لدى إخواننا أهل السنة، ويقوم المجمع الآن بتحقيق هذا الكتاب ووضع الفقه الشيعي استدلالاً إلى جانب ما يعرضه ابن رشد من الاستدلال للآراء والمذاهب الأخرى.

ومن هذه النشاطات المساهمة في تأسيس جامعة المذاهب الإسلامية على مستوى لجانها العلمية والإشراف على إدارتها ووضع المناهج فيها وبيان الهيكلية وأمور التنفيذ فيها.

وكذلك الأمر بشأن مجلة (رسالة التقريب)، حيث أعطيت من وقتي لمتابعة إصدارها والأشراف على موضوعاتها، وهي مجلة رائدة في مجال التقريب، آمل أن تتطور أكثر على طريق أداء رسالتها في المستقبل.

هذا إلى جانب خطوات ومشاريع أخرى يطول الحديث عنها، ولابد من التأكيد على أن ما قمت به حتى الآن هو قليل بحق هذا الهدف الكبير والمشروع الكبير، ونسأل الله التوفيق لأداء المزيد من الأعمال الصالحة في هذا المجال.

رسالة التقريب: العراق من البلدان التي شهدت تصاعد التآمر الطائفي فيها، والساحة العراقية كانت خلال العقود الأخيرة مسرحاً لألوان من المجابهات بين الطوائف والقوميات المسلمة... لا نريد أن ندخل في شؤون السياسة، بل نريد من منطلق الحرص على وحدة المسلمين أن نعرف شيئاً عن أبعاد مؤامرة تفريق المسلمين في العراق الذي تقفون أنتم في قمة استشراف واقعه ومستقبله؟

السيد الحكيم: العراق كما هو واضح له تاريخه الخاص وتركيبه الاجتماعي والثقافي الخاص، وهو بهذه الخصوصية يعتبر من البلاد الفريدة في العالم الإسلامي، وأخذاً بنظر الاعتبار هذه الخصائص فإن نموذج التقريب لو نجح في العراق فسيكون له تأثير كبير على كل العالم الإسلامي، فإن نِسَب التقسيم المذهبي في هذا البلد تكاد لا تكون متقاربة، كما أنه ينطوي على التعددية القومية إضافة إلى التعددية المذهبية، أضف إلى ما سبق تاريخ العراق بما له من عراقة وتأثير على مَشرق العالم الإسلامي، وما كانت له من مركزية في العالم الإسلامي بعد ذلك، حيث كانت بغداد عاصمة المسلمين السياسية، كما كانت الكوفة والبصرة عاصمتي المسلمين الفكرية والثقافية.

ومدرسة الكوفة بشكل خاص وتطورها إلى مدرسة النجف وانتسابها لأهل البيت (عليهم السلام) لها أهميتها الفائقة في تاريخ هذا البلد، ووجود مراقد أئمة آل البيت (عليهم السلام) في العراق، كل ذلك وقضايا أخرى تعطي لأرض الرافدين أهمية خاصة، ومن هنا كان العراق مستهدفاً أكثر من غيره في التآمر الاستعماري والهجوم الاستكباري، وعملية التفريق والتمزيق في العراق أريد منها تصوير حالة التمزق في جميع الأمة، والإنجليز كرسوا اهتمامهم في العراق بعد هيمنتهم عليه لإيجاد الفرقة المذهبية والطائفية بين أبناء الشعب العراقي، تماماً كما فعلوا في شبه القارة الهندية، حيث أسفرت خططهم بين المذاهب والطوائف، بل حتى بين أبناء الطائفة الواحدة في شبه القارة الهندية إلى تمزق فظيع، ولا تزال هذه الحالة قائمة حتى الآن، ويسقط جرّاءها بين آونة وأخرى القتلى والضحايا باستمرار.

نفس الشيء حاولوا تطبيقه في العراق، لكن علماء الإسلام في العراق، وخاصة علماء الشيعة في النجف وقفوا ضد هذا المخطط وأفشلوه على المستوى الشعبي، ويمكن القول الآن إن العلاقات بين فصائل الأمة شعبياً في العراق علاقات مودّة وأخوّة، حتى لم يعد الإنسان يشعر بوجود اختلافات طائفية بين أبناء الشعب، أهل السنة يتزوجون من أبناء الشيعة، والشيعة يتزوجون من بنات أهل السنة، بل إن بعض العشائر العراقية تجد أبناء عشيرة واحدة نصفها من أهل السنة ونصف آخر ينتمي إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

والمدن فيها اختلاط بين أبناء المذاهب وكثير من المؤسسات الثقافية والمشاريع التجارية يشترك فيها أهل السنة وأهل الشيعة، وهكذا في مختلف المجالات نجد هذا الاشتراك موجوداً وهذا التداخل قائماً، ولا يكاد الإنسان يشعر بوجود اختلاف.

أما على مستوى الحكومة: فالأمر مختلف تماماً - مع الأسف - فالسياسات الحاكمة تقوم على أساس التفرقة المذهبية والطائفية، وتتطرق هذه السياسات أحياناً إلى حدّ رفع شعار (لا شيعة بعد اليوم)!! كما فعل النظام الحاكم في العراق - مؤخراً - بالرغم من أن أكثرية أهل العراق هم من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) الشيعة المعروفين بـ(الإمامية الاثني عشرية) فقد حاول هذا النظام أن يقضي على كل معالم أهل البيت (عليهم السلام) في العراق فقتل العلماء، وألغى المؤسسات الدينية، ومنع طباعة الكتب الدينية والثقافية ونشرها، وأصدر قائمة في الكتب المحظورة تزيد على الألف كتاب!، بينها كتب يعود تأليفها إلى أحد عشر قرناً خلت مثل: مؤلفات الشيخ الطوسي، ومؤلفات الشيخ الصدوق.

وتدخّل النظام في تفاصيل حياة الناس لإحداث الفجوة بين أبناء الشعب، وليثبت وجوده من خلال عملية التمزيق هذه. فلقد حاولوا أخيراً أن يستثيروا أبناء السنة في العراق، بل أبناء السنة في العالم الإسلامي ضدّ شيعة العراق بأساليب مختلفة، من أجل أن يعطوا الصراع فيه طابعا مذهبيا طائفيا وكأنه صراع بين أهل السنة والشيعة بعد أن فشل النظام في سياسته العلمانية الموجهة ضد الإسلام، وكل ما هو إسلامي، وكل علماء الإسلام، ولكل التراث الإسلامي، حاول أن يعطي لحربه الظالمة ضد الإسلام والصحوة الإسلامية والتراث الإسلامي طابعا مذهبياً.

لقد بذلنا جهوداً كبيرة من أجل فضح هذا المخطط، وأسفر - والحمد لله - عن افتضاح النظام، وأصبح الموقف الشعبي داخل العراق موحداً ضد النظام، فقد تبين أنه ليس سنياً، بل ولا هو عراقي أصلاً، اتضح أنه يعادي الجميع، ويبطش بالجميع، لا يفرق بين سني وشيعي، بل إنه مستعد لأن يبطش بأعضاء الحزب. وإنّ الحاكم الطاغي يبطش حتى بأولاده وأصهاره وأقرب الناس إليه؛ من أجل أن يبقى على الحكم، وجهودنا في هذا المجال امتدت إلى العالم الإسلامي لتوضيح هذه الحقائق.

لقد احترقت ورقته الطائفية بعد أن حاول أن يلعب بها زمنا، كما حاول أن يلعب بالورقة القومية في حربه ضد الجمهورية الإسلامية بأن يعطي الحرب حالة صراع بين العرب والفرس. لقد انكشفت كل الأوراق والحمد لله رب العالمين، وأصبحت طبيعة النظام واضحة في الداخل والخارج، ولا نزال نبذل الجهود في هذا المجال.

رسالة التقريب: نشكركم على هذه الفرصة التي وفرتموها لمجلة رسالة التقريب، لقد اطّلعنا في هذه المقابلة على حقائق جديدة بشأن أفكاركم وتصوراتكم ونشاطاتكم بشأن التقريب، ونأمل أن تكون لنا معكم في المستقبل جولات فكرية ممتعة أخرى، ونسأل الله سبحانه أن يوفقكم في مساعيكم الرسالية الهادفة.

السيد الحكيم: وأنا أيضاً أشكركم وأسأل الله أن يوفقكم لخدمة مشروع التقريب عبر مجلتكم الرائدة.

____________

1- روى الترمذي بسنده عن جابر بن عبد الله قال رأيت رسول الله (ص) في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: ((يا أيها الناس إني تركت فيكم ما أن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) سنن الترمذي 5: 662/3786.

2- الإسراء: 81.

3- الرعد: 17.

4- الوحدة الإسلامية: 118 و 145.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية