موقفُ علماءِ النَّجفِ مِنَ القَضيّةِ الفَلَسْطِينِيةِ
أضف إلى كل ما تقدم، موقف علماء النجف من قضية فلسطين، فقد واصلوا هذا الموقف في كل مراحل القضية، وأفتوا بجواز إنفاق الأموال والحقوق الشرعية لمناصرة العمل الفدائي ضد الصهاينة، ولا يزال هذا الموقف المبدئي من هذه القضية ومناصرتها قائماً حتى اليوم.
ثم إن مواقف علماء النجف من الاشتراكية والعلمانية المعلنة في العراق قد جسد مبدأهم في عدم الانجراف نحو الشرق ولا نحو الغرب، فقد وقفوا بوجه التيار الاشتراكي الذي أريد له أن يكون بديلاً للتيار العلماني الديمقراطي، مؤكدين رساليتهم في هذا الموقف ودخلوا في صراع كبير لم يدخله غيرهم.
وأما مسألة التقريب بين المذاهب فقد بُذلت جهود كبيرة في النجف الأشرف لطرح ثقافة التقريب، ولتأليف الكتب الدراسية التقريبية، ولجعل مادة الفقه المقارن مادة دراسية في الحوزات العلمية، وهذا ما حدث في النجف لأول مرة، حيث أصبح كتاب (الأصول العامة للفقه المقارن) للسيد محمد تقي الحكيم كتاباً دراسياً في النجف، وكذلك الأمر في كلية أصول الدين ببغداد، هذه الكلية التي كانت برعاية المرجعية الدينية في النجف.
ولقد شهد تاريخ الحوزة العلمية في النجف قديماً وحديثاً تأليف مثل هذه الكتب الفقهية المقارنة مثل كتاب (تحرير المجلة) للمرحوم الإمام الشيخ كاشف الغطاء في أيام الحكم العثماني، وقد ألف الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه) كتاب (الخلاف)، والعلامة الحلي وهو من علماء مدرسة النجف، ألف كتاب (التذكرة) وكتاب (المختلف) وهكذا حتى عصرنا هذا، دأب العلماء في النجف على السير على هذا المنهج التقريبي ونهج توحيد المسلمين.
وهناك نشاطات لدى علماء النجف من أجل إقامة علاقات مع علماء الأزهر الشريف، وخاصة شيوخ الأزهر، وكان من نتائج تلك النشاطات التقريبية أن أصدر المرحوم الشيخ شلتوت شيخ الأزهر فتواه المعروفة - طبعاً كان لسماحة آية الله العظمى المرجع الكبير السيد البروجردي (رحمه الله) في قم مسعى خاص تمهيدي في هذا المجال، ولكن التطورات السياسية في إيران والعراق أدت إلى أن تتواصل جهود التقريب مع الأزهر عبر علماء العراق - ولا بأس أن نعرف ونحن نؤرخ لهذا الموضوع شيئاً يرتبط بخلفية صدور هذه الفتوى في هذا الوقت بالذات.
إن فتوى الشيخ شلتوت صدرت في زمن جمال عبد الناصر، وكانت علاقات جمال عبد الناصر بنظام الحكم في إيران - آنذاك - متوترة جداً، بينما كانت حوزة النجف تخوض - آنذاك - حرباً مريرة ضد الشيوعيين الذين كانوا يطرحون شعارات ضد عبد الناصر في العراق وفي المنطقة العربية بشكل عام، مما قرب الحوزة العلمية في النجف من سائر علماء الإسلام عامة، وخاصة علماء الأزهر، ولاشك أن هذه الأرضية السياسية والموقف العلمي الإسلامي المتميز لعلماء النجف الأشرف ضد الحركة الإلحادية السياسية للشيوعية كان لها الأثر الفعال في إصدار الفتوى، حيث يتضح ذلك من خلال المراجعة لتاريخ صدور هذه الفتوى مقارنةً بهذه الأحداث.
ولا بأس أن أذكر شاهداً يمكن أن يعتبر مصداقاً لهذا التقارب الذي حدث آنئذ: حيث اعترف نظام الشاه بإسرائيل وفتح الكيان الصهيوني مكتباً اقتصادياً له في طهران، فأرسل شيخ الأزهر الشيخ شلتوت برقية إلى الإمام السيد الحكيم (رضوان الله عليه)، وأصدر الإمام الحكيم على أثر ذلك استنكاراً على ما أقدم عليه نظام الشاه.
ومن اهتمامات مرجعية النجف في حقل التقريب، إرسال مصادر كتب الشيعة الهامة إلى المكتبات المركزية في مصر مثل: مكتبة الأزهر، وكلية الشريعة، ولبنان، وسوريا، والسودان، وغيرها من البلدان الإسلامية.
ومن اهتمامات علماء النجف في حقل التقريب حضور المؤتمرات العلمية والسياسية التي عقدت في القاهرة ومراكش وتونس والأردن والسعودية وباكستان واللقاء فيها بعلماء المسلمين والمفكرين من جميع أرجاء العالم الإسلامي، وكان التمثيل على أعلى المستويات العلمية، حيث حضر بعض هذه المؤتمرات المرحوم الشيخ كاشف الغطاء والمرحوم الشيخ المظفر، وحضر بعضها السيد محمد تقي الحكيم والسيد موسى الصدر، والسيد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري ومحمد باقر الحكيم وغيرهم.
وهناك بعد آخر من هذه النشاطات التقريبية يتمثل في إقامة علاقات بين الكليات والمعاهد العلمية الدينية في النجف الأشرف وبغداد والكليات المماثلة في العالم الإسلامي، أهمها كليات الشريعة في القاهرة، وكان للسيد محمد تقي الحكيم والعلامة السيد مرتضى العسكري نشاط خاص ومساع جادة في مجال التقريب على هذا البعد.
ولا يمكن أن نهمل الدور التقريبي الهام الذي قام به الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين والذي يعتبر من خريجي مدرسة النجف الأشرف.
رسالة التقريب: بشأن نشاطاتكم التقريبية، نرجو أن تعطونا صورة عن أبعاد هذه النشاطات؟
السيد الحكيم: أنا أؤمن بأن الخطوة التقريبية الأولى هي نشر ثقافة التقريب، فلا يمكن أن نقطع أيّ خطوة على طريق توحيد المسلمين دون أرضية ثقافية تحوّل قضية التقريب إلى ثقافة متبناة من قبل المسلمين بكافة مذاهبهم، وأعتقد أن أفضل إطار لنشر هذه الثقافة هو إطار أهل البيت (عليهم السلام) بما كانت لهم من أفكار وآراء ونشاطات استهدفت توحيد صفوف المسلمين - كما ألمحنا إليه سابقاً - ومن الواضح أن هذه النشاطات أثمرت عن عاطفة جياشة يحملها المسلمون في مختلف عصور التاريخ وحتى يومنا هذا تجاه أهل البيت (عليهم السلام) وليس هناك من لم يحمل هذه الحرمة وهذه العاطفة تجاه آل البيت (عليهم السلام) الذين كرمهم القرآن الكريم وطهرهم رب العالمين وجعل مودتهم أجر رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) سوى نفر قليل من النواصب عُرفوا ببغضهم لآل البيت (عليهم السلام) وهي حالة شاذة لم تدم طويلاً، فقد انقرض هؤلاء على مستوى الفئة والجماعة والتيار السياسي، والوهابيون وإن كانوا ينصبون العداء لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) لكنهم يتعاملون مع جميع المسلمين بهذه الروح السلبية والهجومية ويعادون الكثير من طوائفهم.
جدير بالذكر أن أهل البيت (عليهم السلام) عاشوا مجتمعاً مليئاً بالتناقضات الحادة والصراعات التي تحولت أحياناً إلى شكل مواجهة دموية، كما حدث في واقعة كربلاء، ومع ذلك كان موقف آل البيت (عليهم السلام) من هذا المجتمع موقف الدعوة إلى الوحدة والتآلف والتعايش والتعاون - كما ذكرنا - مما جعل هذا البيت الكريم ينال كل هذه الحرمة بين المسلمين، حتى يزيد بن معاوية الذي ارتكب هذه الجريمة الشنعاء، ما كان يجرأ على الاستمرار بالتظاهر في عداء أهل البيت (عليهم السلام) وحاول أن يظهر بشكل وآخر ندمه على فعلته الشنيعة ويتنصل منها.
مما تقدم نفهم أن أفضل طريق لجمع مودة المسلمين على صعيد واحد هو تعريف أهل البيت (عليهم السلام) للمسلمين بمضمونهم الأصيل والصحيح الفكري والثقافي والأخلاقي.
فإذا تمكنا أن نعرض فكر أهل البيت (عليهم السلام) وطريقتهم ومواقفهم وأخلاقهم في مختلف القضايا، فذلك أفضل طريق لتقريب المسلمين حول محور واحد، ولكن هذا لا يعني أن المسلمين جميعاً سيلتزمون بالضرورة بمدرسة آل البيت (عليهم السلام)؛ لأن هذا ليس هو هدف التقريب بل يعين ذلك أنهم سيقفون جميعاً موقف الاحترام من المشروع المطروح، وتتضح لهم الكثير من الحقائق والمواقف ويلتزموا بها بالمبادئ العامة لأسس التقريب.
وعلى هذا الأساس قمت بعدة خطوات:
الأولى: تأليف كتب تعرض نظرية أهل البيت (عليهم السلام) في المجالات الحساسة الهامة، من أجل نشر ثقافة التقريب - كما ذكرت - ومن هذه الكتب: (الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق) فقد عرضت مضمون نظرية أهل البيت (عليهم السلام) في الحكم على الصعيد النظري، ودرست التطبيق العملي الراهن لهذه النظرية في إطار الدولة الإسلامية القائمة في إيران.
كما الفت كتاب: (الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين) وهو - على ما أعتقد - من المؤلفات النادرة في موضوعه، وفيه حاولت أن أستخرج نظرية الإسلام في الوحدة، مستنبطة من القرآن الكريم ومن السنة ومن أخبار أهل البيت (عليهم السلام).
الثانية: الاهتمام بالقرآن الكريم على مستوى التفسير أو على مستوى الدراسات القرآنية، وهو اهتمام يصب في حقل التقريب؛ لأن القرآن الكريم موضع احترام واتفاق جميع المسلمين، وكلما ازداد الاهتمام بهذا المحور من قبل جميع المسلمين ازداد تقاربهم وتفاهمهم، ولا بأس أن أشير إلى أن مدارسنا وحوزاتنا العلمية، بسبب ظروف متعددة بعضها سياسية وبعضها اجتماعية وبعضها تنظيمية لم تول الدراسات القرآنية الاهتمام اللازم، ومع أن علماء الشيعة ألفوا قديماً وحديثاً أسفاراً هامة في التفسير، أذكر منها في عصرنا الحديث (تفسير الميزان)، لكن الاهتمام بالدراسات القرآنية ضمن مناهج الدراسة في الحوزات العلمية ضعيف، لذلك بذلتُ جهوداً خاصة في حقل القرآن في النجف الأشرف ومدرستها العلمية، فقد دونتُ دروساً في علوم القرآن وألقيت فيها محاضرات في المعاهد العلمية التي أسست لتنظيم دراسات الحوزة العلمية في النجف، وواصلت هذا العمل العلمي في إيران بعد الهجرة التي حدثت بسبب الظروف السياسية.
الثالثة: مساهمتي في المؤتمرات، فقد اشتركت في مؤتمرات عقدت لقضية فلسطين، ومؤتمرات الوحدة الإسلامية التي عقدت لدراسة مسائل التقريب، كما حضرت عدداً من المؤتمرات التي عقدت في أرجاء العالم الإسلامي.
وفيما يرتبط بهذه النشاطات أذكر عملي في مواسم الحج، حيث إن الإمام الحكيم أول من بادر لتأسيس بعثة حج دينية في موسم الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكنت مسؤول هذه البعثة لمدة تسع سنوات، وكانت البعثة تعمل في أوساط أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وأوساط عامة المسلمين.
ومما نشطت فيه على صعيد التقريب المساهمة الجادة في تأسيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية وفي كل نشاطات هذا المجمع، وكذلك تقديم أطروحات عملية أعتقد أنها - لو نفذت - سوف تساهم مساهمة كبيرة في موضوع التقريب منها:
أطروحة الروايات المشتركة بين السنة والشيعة، المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) فهناك كمية كبيرة جداً من هذه الروايات ذات مضامين رائعة هامة مشتركة بين الفريقين، وإصدار مؤلفات تضم هذه الروايات المشتركة سيجعل المسلمين أمام واقع لم يعرفوه، وهو أنهم قريبون جداً من بعضهم دون أن يعرفوا ذلك.
وهكذا التأليف حول الرواة المشتركين إذ هناك عدد كبير من الرواة المشتركين يعتمد عليهم أهل السنة والشيعة معاً، والكشف عن هذه الحقيقة سوف يساهم مساهمة جادة في التقريب؛ لأنه يوضح للمسلمين بأنهم كانوا في السابق على وضع أفضل مما عليه في الوقت الراهن.
وكذلك التوجه لتحقيق الأصول المعتمدة عند أهل السنة والشيعة معاً تحقيقاً تقريبياً، كأن يطبع كتاب البخاري وهو من صحاح أهل السنة بطريقة تقريبية، وذلك أن توضع في هامش الكتاب الروايات الواردة من طرق أهل البيت المتفقة مع روايات البخاري، أو تضاف في الهامش إلى روايات البخاري روايات وتعليقات وشروح تقرّب الرؤى تجاه هذه النصوص، وقد بدأ العمل - بالفعل - في تنفيذ بعض هذه الأطروحات.
وعلى المستوى الفقهي كتاب ابن رشد مثلاً وهو (بداية المجتهد) من الكتب المعروفة مدرسياً لدى إخواننا أهل السنة، ويقوم المجمع الآن بتحقيق هذا الكتاب ووضع الفقه الشيعي استدلالاً إلى جانب ما يعرضه ابن رشد من الاستدلال للآراء والمذاهب الأخرى.
ومن هذه النشاطات المساهمة في تأسيس جامعة المذاهب الإسلامية على مستوى لجانها العلمية والإشراف على إدارتها ووضع المناهج فيها وبيان الهيكلية وأمور التنفيذ فيها.
وكذلك الأمر بشأن مجلة (رسالة التقريب)، حيث أعطيت من وقتي لمتابعة إصدارها والأشراف على موضوعاتها، وهي مجلة رائدة في مجال التقريب، آمل أن تتطور أكثر على طريق أداء رسالتها في المستقبل.
هذا إلى جانب خطوات ومشاريع أخرى يطول الحديث عنها، ولابد من التأكيد على أن ما قمت به حتى الآن هو قليل بحق هذا الهدف الكبير والمشروع الكبير، ونسأل الله التوفيق لأداء المزيد من الأعمال الصالحة في هذا المجال.
رسالة التقريب: العراق من البلدان التي شهدت تصاعد التآمر الطائفي فيها، والساحة العراقية كانت خلال العقود الأخيرة مسرحاً لألوان من المجابهات بين الطوائف والقوميات المسلمة... لا نريد أن ندخل في شؤون السياسة، بل نريد من منطلق الحرص على وحدة المسلمين أن نعرف شيئاً عن أبعاد مؤامرة تفريق المسلمين في العراق الذي تقفون أنتم في قمة استشراف واقعه ومستقبله؟
السيد الحكيم: العراق كما هو واضح له تاريخه الخاص وتركيبه الاجتماعي والثقافي الخاص، وهو بهذه الخصوصية يعتبر من البلاد الفريدة في العالم الإسلامي، وأخذاً بنظر الاعتبار هذه الخصائص فإن نموذج التقريب لو نجح في العراق فسيكون له تأثير كبير على كل العالم الإسلامي، فإن نِسَب التقسيم المذهبي في هذا البلد تكاد لا تكون متقاربة، كما أنه ينطوي على التعددية القومية إضافة إلى التعددية المذهبية، أضف إلى ما سبق تاريخ العراق بما له من عراقة وتأثير على مَشرق العالم الإسلامي، وما كانت له من مركزية في العالم الإسلامي بعد ذلك، حيث كانت بغداد عاصمة المسلمين السياسية، كما كانت الكوفة والبصرة عاصمتي المسلمين الفكرية والثقافية.
ومدرسة الكوفة بشكل خاص وتطورها إلى مدرسة النجف وانتسابها لأهل البيت (عليهم السلام) لها أهميتها الفائقة في تاريخ هذا البلد، ووجود مراقد أئمة آل البيت (عليهم السلام) في العراق، كل ذلك وقضايا أخرى تعطي لأرض الرافدين أهمية خاصة، ومن هنا كان العراق مستهدفاً أكثر من غيره في التآمر الاستعماري والهجوم الاستكباري، وعملية التفريق والتمزيق في العراق أريد منها تصوير حالة التمزق في جميع الأمة، والإنجليز كرسوا اهتمامهم في العراق بعد هيمنتهم عليه لإيجاد الفرقة المذهبية والطائفية بين أبناء الشعب العراقي، تماماً كما فعلوا في شبه القارة الهندية، حيث أسفرت خططهم بين المذاهب والطوائف، بل حتى بين أبناء الطائفة الواحدة في شبه القارة الهندية إلى تمزق فظيع، ولا تزال هذه الحالة قائمة حتى الآن، ويسقط جرّاءها بين آونة وأخرى القتلى والضحايا باستمرار.
نفس الشيء حاولوا تطبيقه في العراق، لكن علماء الإسلام في العراق، وخاصة علماء الشيعة في النجف وقفوا ضد هذا المخطط وأفشلوه على المستوى الشعبي، ويمكن القول الآن إن العلاقات بين فصائل الأمة شعبياً في العراق علاقات مودّة وأخوّة، حتى لم يعد الإنسان يشعر بوجود اختلافات طائفية بين أبناء الشعب، أهل السنة يتزوجون من أبناء الشيعة، والشيعة يتزوجون من بنات أهل السنة، بل إن بعض العشائر العراقية تجد أبناء عشيرة واحدة نصفها من أهل السنة ونصف آخر ينتمي إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
والمدن فيها اختلاط بين أبناء المذاهب وكثير من المؤسسات الثقافية والمشاريع التجارية يشترك فيها أهل السنة وأهل الشيعة، وهكذا في مختلف المجالات نجد هذا الاشتراك موجوداً وهذا التداخل قائماً، ولا يكاد الإنسان يشعر بوجود اختلاف.
أما على مستوى الحكومة: فالأمر مختلف تماماً - مع الأسف - فالسياسات الحاكمة تقوم على أساس التفرقة المذهبية والطائفية، وتتطرق هذه السياسات أحياناً إلى حدّ رفع شعار (لا شيعة بعد اليوم)!! كما فعل النظام الحاكم في العراق - مؤخراً - بالرغم من أن أكثرية أهل العراق هم من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) الشيعة المعروفين بـ(الإمامية الاثني عشرية) فقد حاول هذا النظام أن يقضي على كل معالم أهل البيت (عليهم السلام) في العراق فقتل العلماء، وألغى المؤسسات الدينية، ومنع طباعة الكتب الدينية والثقافية ونشرها، وأصدر قائمة في الكتب المحظورة تزيد على الألف كتاب!، بينها كتب يعود تأليفها إلى أحد عشر قرناً خلت مثل: مؤلفات الشيخ الطوسي، ومؤلفات الشيخ الصدوق.
وتدخّل النظام في تفاصيل حياة الناس لإحداث الفجوة بين أبناء الشعب، وليثبت وجوده من خلال عملية التمزيق هذه. فلقد حاولوا أخيراً أن يستثيروا أبناء السنة في العراق، بل أبناء السنة في العالم الإسلامي ضدّ شيعة العراق بأساليب مختلفة، من أجل أن يعطوا الصراع فيه طابعا مذهبيا طائفيا وكأنه صراع بين أهل السنة والشيعة بعد أن فشل النظام في سياسته العلمانية الموجهة ضد الإسلام، وكل ما هو إسلامي، وكل علماء الإسلام، ولكل التراث الإسلامي، حاول أن يعطي لحربه الظالمة ضد الإسلام والصحوة الإسلامية والتراث الإسلامي طابعا مذهبياً.
لقد بذلنا جهوداً كبيرة من أجل فضح هذا المخطط، وأسفر - والحمد لله - عن افتضاح النظام، وأصبح الموقف الشعبي داخل العراق موحداً ضد النظام، فقد تبين أنه ليس سنياً، بل ولا هو عراقي أصلاً، اتضح أنه يعادي الجميع، ويبطش بالجميع، لا يفرق بين سني وشيعي، بل إنه مستعد لأن يبطش بأعضاء الحزب. وإنّ الحاكم الطاغي يبطش حتى بأولاده وأصهاره وأقرب الناس إليه؛ من أجل أن يبقى على الحكم، وجهودنا في هذا المجال امتدت إلى العالم الإسلامي لتوضيح هذه الحقائق.
لقد احترقت ورقته الطائفية بعد أن حاول أن يلعب بها زمنا، كما حاول أن يلعب بالورقة القومية في حربه ضد الجمهورية الإسلامية بأن يعطي الحرب حالة صراع بين العرب والفرس. لقد انكشفت كل الأوراق والحمد لله رب العالمين، وأصبحت طبيعة النظام واضحة في الداخل والخارج، ولا نزال نبذل الجهود في هذا المجال.
رسالة التقريب: نشكركم على هذه الفرصة التي وفرتموها لمجلة رسالة التقريب، لقد اطّلعنا في هذه المقابلة على حقائق جديدة بشأن أفكاركم وتصوراتكم ونشاطاتكم بشأن التقريب، ونأمل أن تكون لنا معكم في المستقبل جولات فكرية ممتعة أخرى، ونسأل الله سبحانه أن يوفقكم في مساعيكم الرسالية الهادفة.
السيد الحكيم: وأنا أيضاً أشكركم وأسأل الله أن يوفقكم لخدمة مشروع التقريب عبر مجلتكم الرائدة.
____________
1- روى الترمذي بسنده عن جابر بن عبد الله قال رأيت رسول الله (ص) في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: ((يا أيها الناس إني تركت فيكم ما أن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) سنن الترمذي 5: 662/3786.