محاضرة سماحة آية السيد الحكيم (قدّس سرّه) بمناسبة ذكرى معركة بدر الكبرى حول محاسبة النفس، وذلك في العاصمة طهران في مؤسسة الشهيد الصدر ،بتأريخ 29 رمضان 1401هـ ق الموافق:31/7/1981م
محاسبة النفس وبناء الذات
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
السلام عليكم أيها الإخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته.
التجارة مع الله تعالى
دعانا الله سبحانه وتعالى في شهر رمضان لنكون في طاعته ومرضاته من خلال ممارسة أشياء تعبّدية كثيرة، لاسّيما ونحن نعيش الساعات الأخيرة من اللحظات هذا الشهر المبارك.
في مثل هذه الأجواء عندما يقدم الإنسان على تجارة عظيمة ومربحة مع الله سبحانه وتعالى يحسن به أن يراجع نفسه ويحاسبها، ماذا ربح من هذه التجارة التي تعاقد بها مع الله سبحانه وتعالى، والتي هي من أعظم التجارات وأربحها ؟ وهل فاتته الفرصة التي يمكن من خلالها أن يحصل على أجر وثواب يضاف إلى ما حصل عليه سابقاً ؟
فهنا لابدّ للإنسان أن يحاسب نفسه في مثل هذه الساعات المباركة ويبدأ بالأعمال المعروفة التي قام بها خلال هذه الفترة، وهل أنّه حصل على ثمرة الصلاة ؟ وهل حصل على ثمرة قراءة القرآن ؟ وهل دعا الله بالأدعية المسنونة في هذا الشهر الشريف ؟
نحن عادة ما نحاسب أنفسنا على مثل هذه الأمور، ولكن هناك أعمال أخرى في هذا الشهر المبارك لابدّ أن نتعرف على حقيقتها وواقعها ومدى الربح والخسارة فيها، لابدّ أن تكون تجارتنا مع الله سبحانه وتعالى غير مقتصرة على مسألة الصوم والصلاة وقراءة القرآن وما شابه ذلك من العبادة المعروفة، بل لابدّ أن نحسب حساب الأشياء الأخرى، خصوصاً ونحن نعتبر أنفسنا من المتدينين والملتزمين ومن المتعاقدين والعارفين لمثل هذه الطاعات التّي لابدّ أن نحسب فيها حساب الآخرة.
نعم قد يكون ذلك الإنسان الذي قضى شطراً من عمره بالفسق والفجور مهمته أن يحسن الصلاة وقراءة القرآن وما أشبه ذلك، أمّا الإنسان الذي يعيش في أجواء الصلاة والدعاء والإسلام والدين والآداب يحسن به أن يحسب حساب الجانب الآخر، وإلاّ ما أسهل الصلاة والدعاء على الإنسان المتدين في مثل هذه الأجواء التّي لا يوجد فيها عناء، باعتبار أنّه متفرغ لمثل هذه الأعمال ويعيش في وسط ديني لا ينتقده أحد ولا يؤاخذه على مثل هذه الأعمال، ولا يتحمل بسبب أدائها ألماً نفسياً ولا جسدياً، وهو بحسب وضعه الاجتماعي وتكليفه الشخصي قادر على أن يؤدي هذه العبادات بشكلٍ طبيعي لاسيما من بلغ مسيرة الاتزان فيها والتقيد بأدائها، بحيث يصعب على الشيطان أن يأتيه من خلالها.
فالإنسان المؤمن المصلي يصعب على الشيطان أن يأتيه ويقول له: أترك الصلاة مثلاً أو اترك النافلة أو دعاء الافتتاح الذي اعتاد على قراءته سنين طويلة في كل يوم من شهر رمضان، أو يترك دعاء أبي حمزة الثمالي، أو يترك الصوم أو أي شيء من هذه العبادات التي اعتاد عليها فترة طويلة من الزمن، وإنما يدخل الشيطان من خلال جانبين آخرين أساسيين:
الأول : البعد الأخلاقي
يتمثل في الأخلاق الإسلامية لهذا الإنسان، لأن الإسلام ليس مجرد هذه العبادات وهذه الشعائر التي ما هي إلاّ تجسيد عن ذلك الواقع الذي لابدّ للإنسان من أن يتخلق به، والذي يتمثل بالمحتوى الداخلي له، حيث يمكن أن يُبنى ويُقام في نفس الإنسان ليمثل أخلاقيته تجاه الله والإنسان.
إذن، لابدّ لهذا الإنسان من أن يحسب حساب أخلاقيته الداخلية وواقعه النفسي، ويرى لأي مستوى وصل في واقعه النفسي وفي أي درجة من درجات الكمال بلغ، وهل ترقى فعلاً وتصاعد في هذا الواقع ، أم أنّه بقي على نفس ذلك الواقع النفسي ؟
مثلاً، إن إنساناً كان يغتاب الآخرين وينفر من أخيه ويتهاون في تأييده ونصرته، وأشياء من هذا القبيل التي تمثل الجانب الأخلاقي عند الإنسان، ونحن نعرف أن هناك الكثير من هذه الأمراض والأدواء الأخلاقية التي تعيش في نفوسنا وتتمركز في ذواتنا، ولابدّ لنا من أن نحارب هذه الأمراض، فما أبسط أن يتهم الإنسان أخيه الإنسان وما أبسط أن يكذب الإنسان في موضع يرى فيه أن الكذب ينقذه من الورطة أو الحرج أو من ضغط معين، وما أبسط أن يغتاب أخيه الإنسان فيكشف عورته وسوءته أو سره، وما أكثر ما يقوم الإنسان في كثير من الأحيان بمثل هذه الأعمال التّي تعبر عن المحتوى الداخلي والأخلاقي له، هذا الجانب لابدّ أن نحسب حسابه في مثل هذه الساعات وفي مثل هذه اللحظات.
وأن ننتبه في هذا الشهر المبارك لهذا الأمر، فإذا تمكنا من أن نبني أنفسنا وأن نضاعف تروكنا ونحسّن أخلاقنا ونرفعها، بحيث نكون من حيث المحتوى الذاتي والنفسي بمستوى يتناسب مع مستوى العبادات التي أديناها أو أننا مازلنا على ذلك المستوى الذي كنا عليه من الأخلاقية.
نحن لابدّ لنا في هذا الشهر الشريف أن نتصاعد ونترقى في المستوى الأخلاقي، وإلاّ سوف لن نتربى ونبقى على نفس الحال، والإنسان عندما يحاسب نفسه ويراقبها في كل ساعة أو في كل نصف ساعة، يحاسب على ماذا حصل في هذا الشهر، هذه المحاسبة تعتبر في الحقيقة طريق وإسلوب ووسيلة من أساليب تصعيد الجانب الأخلاقي لدى الإنسان وعملية تصحيح حقيقية لذلك المحتوى الداخلي.
الثاني : البعد العملي في السلوك
يتمثل في الجانب العملي لحركة الإنسان لا في جانب العبادات من صوم وصلاة ودعاء، وإنما في جانب الأعمال الأخرى التي طلبها الله سبحانه وتعالى منّا وحثّنا عليها، والتي لابدّ أن نحسب حسابها - كما أشرت - لأنّ الشيطان لا يأتي للمؤمن المصلي من باب الصلاة التي أصبحت تمثل جزءاً أساسياً من سلوكه، وإنما يأتي إليه ويوسوس له بأن يتهاون في جانب العمل، من أمر بمعروف أو نهي عن منكر، يتهاون في أداء الخدمات الإسلامية التي ينبغي أن يقوم بها وما شابه من الأعمال الأخرى.
لابدّ لكل واحد منّا أن يحسب هذا الحساب، فالشاب لابدّ أن يتساءل أي خدمة قدمتها للإسلام الذي يمر بظروف حرجة ويعيش معركة حاسمة بينه وبين الكفر - بين الحق والباطل - في مثل هذه الحالة كل واحد منّا يسأل نفسه كم إنسان علّم وكم إنسان رشد، ولابدّ للرجل والمرأة من أن يوظفوا قدراتهم في أي مجال كان، فمن يستطيع أن يتكلم في مجال معين فعليه أن يرشد الناس، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويهديهم إلى الحق، والمرأة التي كانت تقدر على عمل معين هل استطاعت أن تؤدي الخدمة أم أنها اكتفت بالصوم والصلاة وقراءة الدعاء ؟
واجبنا تجاه العراقيين في إيران
هناك آلاف العراقيين هجّروا من العراق إلى إيران وأن الأكثرية الساحقة منهم لم يتعرفوا على مضمون الإسلام في العراق؛ لأن هذه الكلمة كانت محرمة وممنوعة في العراق، وأن دخول العراقيين في هذا البلد فرصة لأن نثقفهم على مضمون هذه الكلمة.
نحن بحاجة إلى أشخاص يربون أنفسهم ويعودونها معنوياً وبدنياً ليقوموا بعمليات جهادية من أجل إنقاذ العراق، سواء كان على المستوى السياسي أو الجهادي وبالشكل المناسب لكل من هذين النوعين.
يا ترى هل أننا قمنا بواجبنا في هذا الطريق ؟ لابدّ لنا من أن نحاسب أنفسنا كم قدمنا في هذا السبيل، والحقيقة كما أشرت لكم أنه لابدّ أن نفكر أنَّ الشيطان من أيّ مدخل يدخل علينا حتى نكون حذرين وواعين لسد مداخل الشيطان، لأنَّ الشيطان له مداخل وطرق يدخل من خلالها للإنسان كلما توفرت الفرصة المناسبة له، فقد يدخل للإنسان من خلال الصلاة والصوم والعبادات الأخرى وقد يأتيه من جانب آخر بحيث يجعله مقصراً في واجباته الأخرى، فيكون إنساناً متديناً ويدخل له من جانب أخلاقيته وسلوكه وبالتالي يورده موارد سيئة.
فهذا اليوم المبارك الذي هو آخر يوم من شهر رمضان، وهذه الليلة المقبلة هي ليلة عيد الفطر التي تعتبر من الليالي العظيمة، واليوم التالي هو عيد الفطر المبارك الذي يعتبر أيضاً من الأيام العظيم، وقد ورد في الروايات أنّ ليلة عيد الفطر تساوي ليلة القدر، وإنّ الله تعالى يغفر فيها ما غفر في شهر رمضان كلّه، ولذا علينا أن نحاسب أنفسنا فيما بقي من هذا الشهر الشريف وننتهز الفرصة، لأنَّ الله تعالى جعل الباب مفتوحاً إلى آخر لحظة من هذا الشهر فزاد عليه ليلة الفطر، وكذلك زاد عليه يوم عيد الفطر.
فعلينا أن نبادر لاستثمار ما بقي لنا في هذا الشهر المبارك ونلتفت إلى النقص الموجود في علاقتنا تجاه الله تعالى وأهل البيت (عليهم السلام) والناس، وتجاه عوائلنا ونقوم بعملية عزم وتصحيح وتوبة واستغفار حقيقي نجسده بترك المعاصي والقيام بالواجب والتزام السلوك الصحيح.
ونعوذ بالله سبحانه وتعالى كما ورد في الدعاء: (أَعُوذُ بِجَلالِ وَجْهِكَ الكَرِيمِ أَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّي شَهْرُ رَمَضانَ أَوْ يَطْلُعَ الفَجْرُ مِنْ لَيْلَتِي هذِهِ وَلَكَ قِبَلِي ذَنْبٌ أَوْ تَبِعَةٌ تُعَذِّبُنِي عَلَيْهِ )(1).
نحن إذا لم يُغفر لنا في هذا الشهر ولم يتجاوز الله سبحانه وتعالى عن سيئاتنا فيه، فبأي وقت نحصل على هذه المغفرة، هل نحصل عليها في غير هذا الوقت العظيم ؟! فانتهزوا هذه الفرصة وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم وجنّة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.
والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة على محمّد وآله الطاهرين . ____________
ـ مفاتيح الجنان: أعمال اللّيلة الواحدة والعشرون من شهر رمضان.
|