طريقة الانتخاب لولي الفقيه
نجد هذا الفقيه هو من الذين يتعين في مقابل الفقهاء الآخرين، وهذا التعيين منشأه الانتخاب والاختيار من قبل هؤلاء الناس، بالرجوع إليه في مسائل الإسلام والدين.
دستور الجمهورية الإسلامية يتجه أيضا هذا الاتجاه، فيفترض أن الزعيم أو القائد أو الإمام، الذي يكون له الولاية في الأمة والذي يكون فقيه في الأمة، هو الشخص الذي ترجع الأمة إليه رجوعاً عاماً، ويفترض ان هذا الشيء متعين بإمام الأمة (حفظه الله تعالى) وهذه القضية مسلمة.
أما أن لا يكون هناك شخص بهذه الدرجة في المستقبل، حينئذ يكون هناك مجلس الخبراء الذي ينتخب إما شخصاً بعينه من هؤلاء، أو أشخاصاً أي مجموعة من الفقهاء الذين يكون لهم دور (شورى الولاية) في تشخيص الولي لا في إعطاء الولاية، طبعاً هذا الشخص له الولاية لكن تشخيص الولي يكون من بين الفقهاء الآخرين، وأيضا تعطي دورا للشورى في هذا المجال. هذا ما يتعلق بأصل الولاية.
تبقى هناك قضية ذات أهمية خاصة ويمكن أن تفسر هذه الآية الكريمة التي قرأتها عليكم والآية التي وردت في حق النبي (صلى الله عليه وآله):
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتَوَكّلِينَ}(3) هذه آية أخرى، وهذا الشيء الآخر هو أننا إن عرفنا الولي وشخصناه فهل هناك منهجٌ وضِعَ للولي ليتعامل على أساسه مع الأمة؟
هذا في الواقع لا يختلف فيه الحال بين عصر الغيبة وعصر الحضور، وإن كانت هناك حاجة لهذا المنهج في عصر الغيبة أكبر منها في عصر الحضور، لأن المفترض أن الإمام معصوم ولا يمكن أن يقع في الخطأ والاشتباه، وبالتالي هذه العصمة تؤمّن لهذا الإمام اتخاذ القرارات الصحيحة المناسبة، وكذا كل الخصائص التي نحتاجها في الولي وفي الحاكم.
لكن في عصر الغيبة باعتبار أن العلماء مهما سموا في مراتبهم العلمية أو في تقواهم أو في ورعهم فهم معرّضون للاشتباه والخطأ، فلا يوجد من يقول بأن هؤلاء العلماء معصومون بذلك المعنى من عصمة الأئمة (عليهم السلام)، ولا يوجد من يقول إن علم هؤلاء العلماء يمكن أن يساوي علم الأئمة (عليهم السلام) في سعة دائرته وإحاطته في القضايا والأمور على جلالتهم وعظمتهم.
إذن، هل الإسلام وضع منهجاً لهذه الولاية بعد تعينها في ولاية الفقيه، أي إننا لو افترضنا أنها متعينة في الولي الفقيه فكيف يتعامل مع الأمة؟ هل يتعامل كما في زمن الإمام مع الأمة؟ هذا الشيء يطرح نفسه، هل يتعامل ولي الفقيه مع الأمة تعامل فردي دائما في كل القضايا؟ كأن يتخذ القرار بشكل فردي، أو هناك منهج وضع من قبل الإسلام، لإجراء هذه الولاية ولتنفيذ هذا الحكم.
هنا يمكن أن يقال إن هناك منهج الشورى، ولعل هذه الآيات الكريمة التي قرأتها عليكم أيضا ترتبط بهذا المنهج كما يقول {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} أن يشار إلى منهج، وعندما يقول لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي هو أفضل إنسان خلق على وجه الأرض منذ الأول وإلى آخر الزمان، هذا الإنسان أيضاً يقول له وشاورهم في الأمر يطلب منهم شورى.
هناك منهج معين وضع من قبل الإسلام فيه تفاصيل كثيرة موجودة في أخبار أهل البيت (عليهم السلام) أو في أخبار العامة، يمكن أن نفهم منها مجموعة من القضايا.
فهناك أخبار تؤكد على أهمية ودور الشورى، وأنها ضرورة من الضرورات، وهناك أخبار أخرى تتحدث عن صفات المستشار، أي أن الشخص الذي ينتخب يكون له دور المستشار والمشير، إذن فما هي صفاته؟
بعض الروايات تتحدث عن مجموعة من الصفات، من قبيل أن يكون عاقلاً متديناً أي يخشى من الله (سبحانه وتعالى) وأن يكون مخلصاً، وهناك روايات تؤكد على أن يكون كفوءا فيه صفة الاستكمال والمحافظة، وأن يكون له ثقة بالناس، أي لا يسيء الظن بالناس. وهذه الصفات اشترطت في المستشار لأجل أن يتمكن من التعامل مع كل الناس وينظر إلى الناس نظرة موضوعية، وهناك أحاديث تشير إلى هذا الموضوع لا يسع التعرض لها.
نكتفي بهذا المقدار ونسأل الله (سبحانه وتعالى) أن يرحمنا برحمته الواسعة وأن يوفقكم لمراضيه وأن يمنّ علينا ببقاء هذا الحكم الإسلامي الذي يقوم على أساس النظرية الفقهية في الإسلام.
كما أسأله (سبحانه وتعالى) أن يتغمد شهداءنا الأبرار برحمته ورضوانه.
والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
____________
1- الشورى/الآية 36-43.