محاضرة سماحة السيد الحكيم (قدس سره) في صلاة الوحدة المُقامة في مؤسسة الشهيد الصدر (قدس سره)
وذلك في يوم الخميس المصادف 6 / 1 / 1404 هـ ق، الموافق 13 / 10 / 1983 م
جَوانب القُدوة الحَسَنة في ثورة الإمامِ الحسين (عليه السلام)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيِّبين الطاهرين.
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}(1).
وقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ * فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}(2).
الدروس المُستَوْحَاةُ من مأساة كربلاء
أيُّها الأُخوة:
في هذه الأيام نعيش ذكرى مأساة كربلاء، موقف الإمام الحسين (عليه السلام) في عاشوراء، وفي هذه المأساة دروس كثيرة لابُدَّ أن نستفيد منها.
ولعلَّ من أهمِّ هذه الدروس التي يمكن أن نتعرَّف عليها من خلال مأساة كربلاء هو الدرس الذي أراد (عليه السلام) أن يعلِّمه شيعتَه ومواليه ومن أراد التأسِّي به، وهو درس القُدوة الحسنة الصالحة التي قدَّمها (عليه السلام) في ساحة كربلاء، ونحن نعرف أن الإمام الحسين (عليه السلام) إنما قدَّم هذه التضحية الكبيرة من أجل أهداف مشخَّصَة، وهي إقامة العدل وتحقيق حكم الإسلام.
كما أن هناك شيئاً آخر يمكن أن نفهمَه، والذي أراد الإمام الحسين (عليه السلام) تجسيده بشكل عملي، والذي يجب على المسلم أن يتخذه في مواجهة الطغاة والمستكبرين، ولذا كان موقف الإمام الحسين (عليه السلام) ليس مجسِّداً لموقف الإسلام في تلك الفترة من حيث المضمون، وإنما كان يمثِّل في أبعاده المختلفة موقف كل الأنبياء (عليهم السلام) الذين سبقوه شكلاً ومضموناً، بحيث لا يبقى هناك أي احتمال آخر يمكن احتماله في مواجهة الطغاة والمستكبرين.
فالإمام الحسين (عليه السلام) من خلال التضحية التي قدَّمها في كربلاء، ومن خلال تعامله (عليه السلام) مع أعدائه، وأصحابه وأهل بيته (عليهم السلام) ومن كان معه، أوضحَ حُجَّة هذه التضحية شكلاً ومضموناً، باعتباره كان يمثِّل الحصيلة الكلِّيَّة لكلِّ ألوان المقاومة التي يتخذها الإنسان في مواجهة الطغاة.
الإمام الحسين (عليه السلام) قدوة لكلِّ السِّائرين في طريق الإسلام
ومن هنا يمكن القول إنَّ هذا الموقف كان قدوة لكلِّ السائرين في هذا الطريق، فالحسين (عليه السلام) ضَحَّى بنفسه ليكون قدوة للإنسان الذي يفرض عليه الموقف أن يضحِّي بنفسه، وضحَّى بأهل بيته وأطفاله ونسائه ليكونَ قدوة كذلك لمن يَفرضُ عليه الموقف التضحية بالخيرة الصالحة.
وفعلاً، لقد كانت النُّخبة التي ضحَّى بها الإمام الحسين (عليه السلام) النُّخبة الصالحة ممَّن على الأرض كلها، لأننا لو فتَّشناها في ذلك الوقت فلا نجد غير الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه (سلام الله عليهم أجمعين) نخبة صالحة.
وهكذا الحال في كل جانب من جوانب مأساة كربلاء، فلا نجدُ جانباً فيها إلاَّ وهو يجسِّد مواقف الأنبياء (عليهم السلام) من الطغاة، ولذا لو أردنا أن نفتِّش في مواقف الأنبياء (عليهم السلام) المختلفة على مرِّ التأريخ فلا نجد شاهداً عليها غير قضية الإمام الحسين (عليه السلام).
فالشيخ الصالح يستشهد فيها، والطفل الرضيع يستشهد كذلك مع الإمام الحسين (عليه السلام)، فيها المرأة تستشهد، والشاب يستشهد، فيها الحرُّ والعبد، سيِّد العشيرة وقائد الجند يستشهدون، فيها كلُّ ألوان التضحيات، ومن هنا يصحُّ أن نقول: إنَّ تضحية الإمام الحسين (عليه السلام) كانت قدوة صالحة لكلِّ إنسان وفي كل عصر إذا أراد أن يضحِّي في مواجهة الطغاة.
من أهمِّ جوانب القدوة الحَسَنة في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)
وفي إطار الحديث عن القدوة الصالحة يحسُنُ بنا الإشارة إلى جوانب هذه القدوة، لكي نتمثَّلَها بشكل كامل، وإن كنَّا لا نتمكن في استيعاب هذه الجوانب المتمثِّلة في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في هذا الوقت القصير، ولكن نوَدُّ الإشارة إلى بعضها على شكل إشارات، من أجل أن نَسْتَلهم من قضية الإمام الحسين (عليه السلام) الدروس والعبر:
الجانب الأول:
حصيلة جهود الأنبياء (عليهم السلام) مضموناً وشكلاً
فمثلاً لو أردنا أن نأتي إلى مضمون هذه القدوة الصالحة لوجدنا أن هذه التضحية - كما قلت: من حيث المضمون - كانت حصيلة جهاد الأنبياء (عليهم السلام)، فقد ضحَّى (عليه السلام) من أجل أن يكون هذا الإنسان مرتباطاً بالله سبحانه، ولكن يجسِّد الإنسان في وجوده المعنى الحقيقي الذي أراده الله تعالى للإنسانية.
كان يجسِّد كذلك كرامة الإنسان وعزَّته وحرِّيته التي أرادها الله تعالى للإنسانية، كما يجسد كذلك كرامة الإنسان وعزَّته وحريِّته التي أرادها الله تعالى للإنسان أن تتحقق على يد الأنبياء (عليهم السلام): {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ}(3).
كما أراد تعالى للإنسان أن يعيشَ حياة الأمن والاستقرار والرفاه، ومن أجل هذه الأهداف قام الأنبياء (عليهم السلام) وواجهوا الطغاة والظالمين، فحاربوا الظلم والجور لكي يتمثل العدل في حياتهم.
وبهذا المضمون نجد كلمتين للإمام لحسين (عليه السلام)، الأُولى قد سمعتموها مراراً وهي:
(وَاللهِ مَا أَرَى المَوْتَ إِلاَّ سَعَادَةً وَالْحَيَاةَ مَعَ الْظَّالِمِينَ إِلاَّ بَرَماً).
فهو (عليه السلام) يعطينا بهذه الكلمة المعنى الحقيقي لحياة الإنسان، لأنَّ حياة الإنسان بدون عدل واستقامة فإنَّ الموت أفضل منها، وهذا هو المضمون الحقيقي لحركة الإمام الحسين (عليه السلام) في أحد جانبيها.
الجانب الثاني:
تحقيق العزَّة والكرامة للإنسان
والجانب الآخر هو مسألة العزَّة والكرامة، فقد تمثَّل (عليه السلام) في كلمته الثانية المعروفة:
(وَاللهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ الذَّلِيْلِ وَلاَ أُقِرُّ إِقْرَارَ الْعَبِيدِ)، وفي رواية: (وَلاَ أَفِرُّ فِرَارَ الْعَبِيدِ).
فهي كذلك تمثل المعنى الحقيقي لِعزَّة الإنسان وكرامته، والتي جَسَّدته حركة الأنبياء (عليهم السلام) في كلِّ عَصر من أجل أن يحقِّقوا هدف الارتباط بالله تعالى، ويحقِّقوا للإنسان بشكل خاص العزة والكرامة، والعدل والرفاه والاستقرار.
ومن يقرأ آيات القرآن الكريم يجد هذا المضمون قد جسَّده الأنبياء (عليهم السلام) كما جسَّده الإمام الحسين (عليه السلام)، ففي لقائه مع الحرِّ الرياحي (رضوان الله عليه) - وهو أوَّلُ لقاء له مع أعدائه - خطب فيهم خطبته المعروفة والتي قال (عليه السلام) فيها:
(أيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) قال: مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً، مُسْتَحِلاًّ لِحَرَامِ اللهِ، نَاكِثاً عَهْدَهُ، مُخَالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللهِ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَلَمْ يُغَيِّرُ عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلاَ قَوْلٍ كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مُدْخَلَهُ).
وهذا الموقف في الحقيقة يجسِّد تحرُّك الإمام الحسين (عليه السلام) من موضع المسؤولية الشرعية التي تحدَّث عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وألقاها على عاتق كلِّ إنسان، ومن هنا كان الإمام الحسين (عليه السلام) قُوَّة في هذا المضمون وفي هذه المسؤولية الشرعية.
الجانب الثالث:
الصَّبر والثَّبات على المَبدأ
والجانب الآخر الذي نجده في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) هو أنَّنا نراه كان صابراً ثابتاً على مبدأه، ولم يتزعزع في أيَّ لحظة من اللَّحظات، وأنتم تسمعون من الخطباء الشيء الكثير في هذا ا لمجال.
فلقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) منذ اليوم الأول الذي صمَّم فيه على التحرُّك صابراً ثابتاً، رغم تَعرُّضه لمختلف العَقَبات والمشاكل التي واجهها في طريقه، بل لقد كان بعضها تأثير الناس المخلصين والمحبّين له على مختلف الآراء ووجهات النظر، بما فيهم أخوه محمد بن الحنفية (رضوان الله عليه)، الذي نصحه بعدم الذهاب إلى الكوفة.
وكذلك واجه مثل هذه المشكلات عندما وصل (عليه السلام) مكة المكرَّمة، فقد حاول البعض منعه من السير إلى كربلاء حتى التقى بالحرِّ الرياحي (رضوان الله عليه).
وراحت المشاكل تتوالى عليه (عليه السلام) حتى يوم العاشر من المحرم، حيث قُتل أهل بيته وأصحابه (سلام الله عليهم) واحداً بعد الآخر، وبقي (عليه السلام) لوحده وهو بنفس المستوى من الصَّبر والثَّبات والصُّمود، دون أن يتزَعْزَع حتى اللحظة الأخيرة، حتى سقط فيها على الأرض وصار في حالة احتضار، متوجهاً إلى الله تعالى بقوله (عليه السلام):
(اللَّهُمَّ إِنْ حَجَبْتَ عَنَّا النَّصْرَ في العَاجِلِ فَاجْعَلْهُ ذَخِيرَةً لَنَا فِي الآجِلِ).
وبهذا فقد ضرب (عليه السلام) مثلاً للقدوة الصالحة في التحرُّك من أجل المبدأ، فعلى المتحرِّك أن يكون ثابتاً في تحرُّكه مهما اختلفت الظروف والأحوال، حتى يسقط على الأرض صريعاً.
نعم قد يكون الإنسان مستعدّاً للتضحية بنفسه، ولكنه قد يتردَّد في التضحية بأهل بيته وأطفاله ونسائه، وقد يتردَّدُ الإنسان عندما يأتيه محبٌّ له وناصح فيشير عليه برأي مخالف لرأيه، ولكن الإمام الحسين (عليه السلام) نراه - مع ذلك - كان ثابتاً، لم تؤثِّر عليه مثل هذه القضايا في عزيمته، وإنما بقي مستمرّاً على تحرُّكه (عليه السلام).
الجانب الرابع:
الإخلاص في العمل
والجانب الآخر في قضية الإمام الحسين (عليه السلام) هو مسألة الإخلاص في العمل في كلِّ خطوة ومرحلة من مراحل التحرُّك، ولذا كان (عليه السلام) يؤكِّد دائماً أن قضيَّته قضية إلهية ربَّانية مرتبطة بالله تعالى، لا يَبْغي من ورائها جاهاً ولا سلطاناً وإنما يريد صلاح الناس.
ولذا فقد جسَّد (عليه السلام) هذه الحقيقة في حديثه مع الناس بقوله:
(أَنَا الحُسَينُ بْنُ عَليٍّ وَابْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، وَنَفْسِي مَعَ أَنْفُسِكُمْ، وَأَهْلِي مَعَ أَهْلِيْكُمْ وَلَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).
فهنا يؤكد (عليه السلام) على قضية الأُسوة الحسنة، وأنَّه يمثِّل قضية الإخلاص والفناء في ذات الله سبحانه، وهنا لا أريد الحديث في هذا المجال لأنه مجال عظيم لا يمكن تصويره بشكل كامل.
ولكن لو تقرأون ما حصل له (عليه السلام) في لحظات مصرعه لوجدتُم حالة الفَناء في ذات الله، ولو تقرأون دعاءه (عليه السلام) في لحظات مصرعه لوجدتُم الفَناء كذلك، مجسِّداً بذلك قضية الإخلاص لله تعالى بأروع صورها.
وقد استشهد (عليه السلام) في بعض المقاطع من دعائه ببعض الآيات الكريمة التي تلوتُها عليكم في صدر الحديث، والتي تحدَّثت على لسان نوح (عليه السلام) وتَمثَّلها الإمام الحسين (عليه السلام):
(يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً..).
بمعنى أنكم مهما اجتمعتم عليَّ فأنا لا أتزحزح عن موقفي، وفي هذا منتهى الإخلاص لله تعالى لأني لا أعمل من أجل سُلطانٍ أو جَاهٍ أو أجْرٍ حتى أتردَّد، وإنما القضية قضية فَناء في الله تعالى وقضية كسب الأجر منه سبحانه، وليس هناك أيَّ مَطمَعٍ آخر.
ولذا تجدون هذا الصمود والثبات:
(.. فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
وهكذا بقي (عليه السلام) حتى اللَّحظات الأخيرة يعبِّرُ عن هذا التسليم والإخلاص.
الجانب الخامس:
التضحية والفِداء في سبيل الإسلام
والجانب الآخر في قضية الإمام الحسين (عليه السلام) هو جانب حجم التضحية والفداء الذي قدَّمه الإمام (عليه السلام) في كربلاء، والذي لا يمكن أن نصفَه أو نقف على حدوده.
وتأمَّلوا في قضية الاختيار لهذا والتضحية، وقد كان هناك خيار آخر طُرح على أبي عبد الله (عليه السلام) يَسلَمُ فيه بنفسه وأولاده وأهل بيته ونسائه (عليهم سلام الله) ولعلَّه يرجع إلى موطنه معزَّزاً مكرَّماً بالمعنى الدنيوي للعزَّة والكرامة، والذي يركض وراءه الكثير من الناس ويغفلون عن المعنى الحقيقي للعزَّة والكرامة، وهو خيار التسليم.
ولكن مع وجود هذا النوع من التصميم على البذل بهذه السِّعة، وهو يرى الأُمور أمامه وكأنَّها تُخبر واقعاً بأن أهله سيُقتلون، إذ لم تكن تلك الأحداث تدريجيَّة بالنسبة له (عليه السلام)، وإنما كانت الصورة أمامه واضحة جليَّة، ومع ذلك فقد قدَّم كلَّ هذه التضحية والفداء ليعطيَنا القدوة الصالحة في مواجهة الطغاة، وأنه كيف يجب على الإنسان أن يقف موقف التضحية والفداء في سبيل المبدأ.
الجانب السادس:
التخطيط في العمل
وهناك جانب آخر في قضية الإمام الحسين (عليه السلام) يجب أن لا نغفل عنه، وهو قضية التخطيط، فبالرغم من أنه (عليه السلام) كان من الناحية العاطفية متفاعلاً مع الثَّورة بحيث يضحِّي كل هذه التضحية الكبيرة، ولكنه مع ذلك لم يغفل في كل خطوة من خطواته عن التخطيط، وعن واجباته في عملية التبليغ.
فقد كان (عليه السلام) يعظ أهل الكوفة، ويخطِّط لتوعيتِهم منذ حركته من المدينة المنوَّرة وحتى اللَّحظة الأخيرة عندما قدَّم فيها ولده الرضيع عبد الله (عليه السلام)، لأنَّه كان يأمل ولو أملاً بسيطاً في تغيير بعض الناس منهم.
ولذا فقد شكى (عليه السلام) لهم عَطَش ولده الرضيع، وفي كل ذلك عمل بموجب المسؤولية الشرعية الملقاة على عاتقه، ولم يغفل عن التخطيط، بل ولم يذهله موقف الناس منه وينسيه واجباته كمبلِّغ ومرشد وهادٍ، ولذا كان يخطط لهذه الواجبات حتى كان يحقق قدوة حسنة صالحة في هذا الموضوع.
وهذا درس قَدَّمه لنا الإمام الحسين (عليه السلام) عندما نكون ثُوَّاراً، فعلينا أن لا نغفل عن عنصر التخطيط في حياتنا مهما كانت الظروف والنتائج المترتِّبة على العمل الذي نقوم به، لأنَّ التخطيط مسؤولية شرعية ملقاة على عاتقنا.
الجانب السابع:
الأخلاقية الإسلامية في التعامل
ثم بعد ذلك نجد الإمام الحسين (عليه السلام) في هذه القدوة الصالحة الحسنة يمثِّل منتهى الأخلاقية في التعامل، فقد كان يتعامل مع أشرِّ الناس في ذلك العصر بل في كل العصور، فهم مع استعدادهم لقتل ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل لقتل حتى طفله الرضيع (عليه السلام)، وتقطيع أوصال جسده الشريف، ونهب خدره ورضِّ صدره (عليه السلام) بأرجل الخيل، ولكن مع ذلك نراه يتعامل معهم بأخلاقية عظيمة.
وهناك قصص ومواقف كثيرة في هذا المجال، ولكن أشير إلى بعضها من أجل أن تفهموا أنَّ مسألة الأخلاق هي من الأُسس العظيمة التي ينبغي للإنسان أن يحتفظ بها في كل الظروف مهما كانت قاسية، ومهما كان تعامل الأعداء شريراً:
الموقف الأول:
الإمام الحسين (عليه السلام) يَسقي جيش عدوَّه الماء
فالإمام الحسين (عليه السلام) عندما التقى بالحرِّ الرياحي (رضوان الله عليه) وأصحابه، وكانوا أعداءه الذين يأخذون عليه الطريق ويقيِّدون حركته، بل ويريدون قتله، ولكن مع ذلك عندما وجدهم (عليه السلام) عطشى سقاهم الماء رغم قِلَّته، ولم يكتفِ (عليه السلام) بذلك بل سقى حتى خيولهم وهو يعلم أنهم سيحرمونه حتى من قطرة الماء، وأنه سيموتُ عطشاً بسبب هذا الصنع.
الموقف الثاني:
ميثاقه (عليه السلام) مع أهل الكوفة
والموقف الأخلاقي الآخر عندما أتاه الطرماح وحدَّثه بما جرى في الكوفة، وأنه خرج من الكوفة والناس مجتمعون عليه، وكأنَّه يريد منعه من مواصلة المسير إلى الكوفة، فكان جواب الإمام الحسين (عليه السلام) الرَّفض، معلِّلاً أن بيني وبين هؤلاء الناس ميثاقاً.
وهذا يمثِّل منتهى الوفاء بالعهد مهما اختلفت الظروف، والطرماح بالنسبة للإمام الحسين (عليه السلام) إنسان موثوق، وقد شهد آخرون بشهادة الطرماح، ومع ذلك بقي الإمام الحسين (عليه السلام) مُصرّاً على مواصلة المسير، ولم يتذرع باحتمال انكفاء أهل الكوفة عن عهدهم، ولكنه (عليه السلام) أراد أن يكون القدوة الصالحة الحسنة في هذا المجال.
كربلاء درسٌ يعلِّمُنا كيف نواجه الطُّغاة
أيُّها الأُخوة:
إنَّ هذه الدروس يجب أن نعرفَها من الحسين (عليه السلام)، لأنَّ هذه القدوة الحسنة لها أثر عظيم في خصوص تأريخ عراقنا الجريح، الذي يمكن أن نعتبرَ شعبه هو شعب الحسين (عليه السلام)، لأنَّه اقتدى بالإمام الحسين (عليه السلام)، وكيف لا يكون كذلك وقد تأثَّر بهذه القدوة الحسنة فحرَّكَه دم الحسين (عليه السلام) ومفاهيمه التي طرحها، ولذلك كان لها دور كبير في هداية هذا الشعب.
وهكذا استطاع الإمام الحسين (عليه السلام) على مرِّ التأريخ أن يصنع أجيالاً مسلمة، وخاصَّة في العراق.
ومن هنا نجد المجرمين العفالقة عندما وجدوا هذا الارتباط الوثيق بين هذا الشعب وقضية الإمام الحسين (عليه السلام) وهو الذي جعله يتحرَّك من هذا المنظور حاولوا قطع أواصِر هذا الارتباط.
وأنتم تعرفون ما يجري في العراق في هذه الأيام من ظلم وإرهاب بُغية تقطيع أواصر هذه العلاقة، ولأنَّ العفالقة يدركون أن هذه القدوة الحسنة لها دورٌ عظيم في هذا الشعب وتحريكه.
وقد بدا تأثير هذه القدوة الحسنة واضحاً في الجمهورية الإسلامية التي بناها إمام الأُمَّة (قدس سره)، والتي يمكن أن نعتبرها ثمرة من ثمرات دم الإمام الحسين (عليه السلام).
ولذا نجد أعداء الله والإسلام وأعداء الإمام الحسين (عليه السلام) يخطِّطون بعكس ما يريده أنصار الله، فهم يخطِّطون من أجل قطع هذه الروابط بُغية الهيمنة على الناس واستغلال ثرواتهم.
ولكن بحمد الله فإن الشعب الإيراني المسلم أثبت بحق أنَّه شعب الإمام الحسين (عليه السلام)،وأنَّه قد اتَّخذه قدوة له، بل وأصرَّ أن تبقى هذه الروابط قوية متينة، وضحَّى من أجلها، وخاصة في زمن الشاه رضا خان، الذي حاول أن يقطع هذه الروابط، ولكن وقوف هذا الشعب المسلم وقفة صامدة في وجه هذه المحاولة أبقى هذه الروابط، رغم الشَّراسة التي استعملها ذلك الشاه، واستعملها من بعده العفالقة المجرمون في العراق.
إصرار الشعب العراقي على ممارسة الشعائر الحسينية رغم قمع زمرة العفالقة
وأنتم تتذكرون في سنة 1969 م كيف عَمَد هؤلاء العفالقة المجرمون إلى منع الشعائر الحسينية في النجف الأشرف، ولكن صمود أبناء الإمام الحسين (عليه السلام) في مختلف المناطق - والذين أخذوا يأتون إلى النجف وخصوصاً في الأيام الأخيرة من عشرة محرم الأُولى، ويجتمعون في النجف وكربلاء حتى وقفوا وقفتهم المعروفة في اليوم التاسع من محرم من تلك السنة - أفشلَ ذلك المُخطَّط الخبيث.
وفي سنة 1979 م تعرفون كيف حدثت الانتفاضة الواسعة لأبناء الشعب العراقي المسلم في صفر، وفي سنتين مُتَتاليَتَين عندما حاول هؤلاء الفعالقة في هاتين السَّنَتَين منع الشعائر الحسينية، فصمد أبناء شعبنا في وجه هذا المنع، وقدَّموا التضحيات الجسيمة، حتى اعتقل أكثر من عشرة آلاف مؤمن، وتعرضوا للتعذيب بسبب مشاركتهم في الشعائر الحسينية وإصرارهم على أدائها، وعلى جعل الإمام الحسين (عليه السلام) قدوة لهم، وبعد ذلك استشهد عدد منهم وسجن عدد آخر.
الشهيد الصدر (قدس سره) جسّد قضيَّة الإمام الحسين (عليه السلام)
ثم نجد كيف أن المرجع الشهيد السيد الصدر (قدس سره) قد أخذ قضية الإمام الحسين (عليه السلام) وجسَّدها في تضحيته الكبيرة عندما ضحَّى بنفسه وبأُخته، وخيرة الموالين الذين اتَّبعوا أثره، وشقَّ لهم طريق الشهادة والتضحية من أجل تجسيد قضية الإمام الحسين (عليه السلام) مرة أُخرى.
وكانت هذه التضحية الكبيرة في الحقيقية في سبيل الإسلام، وهذه حقيقة لابدَّ أن نضعها أمام أعيننا، ونعرف أن الإمام الحسين (عليه السلام) إنَّما ضحَّى ليس من أجل نفسه لِيَبلُغ بتلك التضحية الدرجات العالية في الآخرة، وهذا شيء حصل عليه، وإنما ضحَّى من أجل أن يكون قدوة صالحة حسنة لنا في طريق الثورة:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ}.
نسأل الله تعالى أن يوفِّقنا لأن نكون من المقتدين بالإمام الحسين (عليه السلام) ومن السائرين على منهجه، كما وأسأله تعالى أن يتغمَّد شهداءَنا الأبرار الذين ساروا في طريق الإمام الحسين (عليه السلام) وتمثَّلوه برحمته ورضوانه، وأن يجعل من دمائهم الزَّكية مناراً للمسلمين.
كما وأسأله تعالى أن يحقِّق النصر العاجل لجند الإمام الحسين (عليه السلام) الذين هَمُّهُم أن يصلوا إلى قبر الإمام (عليه السلام)، فيقعون عليه ليجدِّدوا العهد معه في أن ينصرهم على جند يزيد العصر وأعداء الإسلام، كما وأسأله تعالى أن يمنَّ علينا بطول عمر إمام الأُمَّة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
____________
1- الأحزاب: 21 – 23.
2- يونس: 71 – 72.
3- الإسراء: 70.
|