خطاب سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) في مؤسسة الشهيد الصدر (قدّس سرّه) في طهران بعد صلاة الوحدة
وذلك يوم الخميس المصادف 13 / 8 / 1403 هـ ق، الموافق 26 / 5 / 1983 م
مَهمَّة التبليغ في حَرَكة الأنبياء (عليهم السلام)
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
السلام عليكم أيها الإخوة ورحمة الله وبركاته.
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
{وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}(1).
البلاغ: مهمَّة رئيسة للنبي (صلى الله عليه وآله)
تحدثنا فيما سبق عن تفسير قوله تعالى:
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(2).
وقد انتهينا في حديثنا إلى المهمَّات الثلاث الرئيسة التي يتحملها الرُّسُل بصورة عامة، ومنهم الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) في رسالته ودعوته إلى الله.
المهمَّة الأولى:
ما أُشيرَ إليه في قوله تعالى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ}، هذه المهمَّة تعتبر من المهمَّات الرئيسة التي يتحملها الرسول عندما يأتي إلى القوم، أيِّ قومٍ كانوا.
وقد عُبِّر عن هذه المهمَّة بتعبيرات مختلفة في القرآن الكريم، منها تلاوة الآيات: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ}، كما وردت تعبيرات أُخرى عن هذه المَهمَّة، كالبلاغ والبشارة والإنذار، وغيرها من التعبيرات.
فنلاحظ أنه ورد في القرآن الكريم:
{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ}(3).
وقوله تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(4).
كما ورد في وصف الرُّسل الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى بعد ذكر قصصهم:
{رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}(5).
فالقرآن الكريم يذكر في موارد متعددة - كما أشرت - أنَّ هناك مهمَّة رئيسة يتحمَّلها الرسول، وهي البلاغ للناس، وتلاوة الآيات عليهم، والبشارة والإنذار لهم، وغير ذلك مما يرتبط بحال الإبلاغ لهذه الرسالة.
وكما أُشير في القرآن الكريم فإنَّ هذه الرسالة التي حُمِّلها الرسولُ تجاه قومه يُراد منها إقامة الحجة من قبل الله سبحانه وتعالى على عباده، لأنه تعالى بعد أن حَمَّل الناس مسؤوليات معيَّنة تجاهه، وتجاه بعضهم البعض، لابُدَّ له عزَّ وجلَّ - من لطفه وكرمه وفضله على الناس - أن يقيمَ الحجة عليهم في كل هذه الأمور.
ولذلك نجد أنَّ الله سبحانه وتعالى يرسل الأنبياء (عليهم السلام) من أجل الإبلاغ وإقامة الحُجَّة، لأنَّ الإنسان عندما يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى في يوم القيامة، ويُسأل عن أعماله وتصرفاته وسلوكه، حينئذٍ لا يتمكن أن يجيب بغير الحق، فلا يقول: إني لم أكن مطَّلعاً على هذه الحقائق، لأن الله سبحانه وتعالى أرسل الرُسل من أجل أن يقيموا الحُجَّة.
ثلاث جوانب في البلاغ
ولابُدَّ لنا أن نتأمَّلَ أنَّ الرُسُلَ - ومنهم رسولنا (صلى الله عليه وآله) - ماذا يتحمَّلون من مسؤولية تجاه مَهمَّة البلاغ والإنذار والبشارة؟.
هنا ثلاث قضايا في هذه المهمَّة التي يتحمَّلها الرسول، فلابُدَّ أن نعرف ما هي مسؤولية الرسول تجاه هذه القضايا الثلاث؟
القضية الأولى:
لدينا مسألة ترتبط بالبلاغ، وهي مُحتَوَى الرسالة، فنحن نعرف أنَّ الرسالة تمثِّل مجموعة من الأحكام والتشريعات، والمفاهيم والمبادئ والقيم.
ثم بعد ذلك تمثل مجموعة من المواقف السياسية والاجتماعية التي يستخدمها الرسول انسجاماً مع هذه الأحكام الشرعية، ومع هذه المبادئ والقيم.
هذه الرسالة لها محتوى، فما هي مسؤولية الرسول تجاه محتوى الرسالة؟.
هل يتحمَّل مسؤولية معينة تجاه هذا المحتوى، أي تجاه هذه الأحكام الشرعية مثلاً، أو تجاه هذه المفاهيم الأخلاقية، أو المواقف السياسية والاجتماعية التي تتشعب عن هذه الأحكام والمفاهيم؟
هل يتحمَّل الرسول مسؤولية معينة بحيث يكون له الحق في أن يغيِّر هذه الأحكام أو يبدلها مثلاً، أو يغيِّر هذه المفاهيم أو هذه المواقف السياسية أو يبدلها؟
هل يتحمَّل الرسول مسؤولية تجاه هذا الموضوع أو لا؟
القضية الثانية:
إنّ الرسول عندما يأتي للبلاغ، فبعضُ الناس يستجيب لهذا البلاغ ولتلاوة الآيات والإنذار، وبعضهم لا يستجيب، فهل يتحمَّل الرسولُ مسؤولية تجاه الاستجابة وعدمها؟، بحيث إذا استجاب الناس خرج عن مسؤوليته وسقط عنه التكليف الشرعي، وإذا لم يستجيبوا يبقى متحمِّلاً للمسؤولية، ويحاسب عند الله سبحانه وتعالى؟
وبعبارة أخرى، هل أنَّ الرسول يتحمَّل مسؤولية مُعَيَّنة تجاه استجابة الناس أو لا؟، هذه مسألة لابُدَّ أن نعرفها في البلاغ.
القضية الثالثة:
إنّ الرسول مكلَّف بالبلاغ، فما هي مسؤوليته في الاستمرار بعميلة البلاغ؟، هذا البلاغ له بداية، ثم يستمر ويحصل تفاعل بين الرسول وبين الناس في مقام إعطاء الأحكام الشرعية أو إعطاء المواقف السياسية والاجتماعية، أو المفاهيم والمبادئ لهؤلاء الناس من أجل أن يسيروا عليها؟
فهل يتحمَّل الرسول مسؤولية معينة تجاه مسألة البلاغ؟، بحيث عليه أن يبلِّغ من اليوم الأول ثم يسكت أو لا، عليه أن يتحمل مسؤولية الاستمرار في البلاغ؟
وإلى أي حدٍّ يتحمل الرسول مسؤولية الاستمرار في البلاغ، ومواصلة الطريق الذي كُلِّف به من إنذار أو بشارة، أو غير ذلك مما يتضمَّنه البلاغ؟
الرسول لا يُغيِّر مَضمون الرسالة
أما عن النقطة الأولى، فالقرآن الكريم يحدِّد الموقف بشكل واضح ويقول: إن الرسولَ لا يتحمَّل أي مسؤولية تجاه مضمون الرسالة، فهي تأتي إلى الرسول كاملة بكل خصوصياتها ومفاهيمها وتفرعاتها وأحكامها، ثم تأتي المواقف المتفرعة على هذه الرسالة، فهي محددة للرسول، ولا يتحمل أي مسؤولية في هذا الموضوع.
ومن الطبيعي أن الرسول من خلال إبلاغه لهذه الرسالة وإعطائه الأحكام الشرعية قد يواجه حالةً مَّا، فيفترض بأن الناس قد لا يتقبلون هذا الحكم الشرعي، وقد لا يقبلونه في هذه المرحلة، أو أن هذا الموقف السياسي المعين قد لا يقبله الناس مثلاً.
وكما تعرفون في التأريخ أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما كُلِّفَ بتنصيب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) خليفة على المسلمين بعده، تردَّد في هذا الموضوع - على ما يحدِّثنا التأريخ - باعتبار أنه كان يتصور أنَّ الناس قد لا يقبلون هذا الموقف منه.
وهنا ينبه القرآن الكريم على أن هذا تكليف، والرسول لا يملك من أمره شيئاً فيما يتعلق بهذا الموضوع، فلا يملك الحرِّية، ولا يتحمل أي مسؤولية، إنما عليه أن يبلغ هذه الرسالة كاملةً، وليس له قدرة في تغييرها أو تبديل أي حكم شرعي.
وهذا ما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}(6).
أي إنك مسؤول عن التبليغ، أما أن هذا البلاغ وهذا الموقف أو الحكم الشرعي وهذه الخصوصية تنسجم مع هؤلاء الناس أو لا فهذه ليست من مسؤوليتك، إنما هذه الأمور تعود إلى الله سبحانه وتعالى.
لاحظوا القرآن الكريم، فقد ورد التأكيد على هذا الموضوع في عِدَّة موارد، منها قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ}.
وهنا أيضاً استعمل القرآن كلمة التلاوة التي هي بمعنى البلاغ:
{قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ}(7).
أي: إنَّ هؤلاء لا يريدون هذا المضمون وهذا الحكم، إنما يريدون حكماً آخر يستجيبون له، هم على استعداد لأن يستجيبوا لأصل الرسالة، لكنَّهم ليسوا على استعداد لأن يستجيبوا لهذا الموقف أو ذاك الحكم المعيَّن، فيقولون له: بدِّل هذا القرآن:
{ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ}.
فالقرآن الكريم يحدِّد مسؤولية الرسول ويقول: هذا ليس من مسؤوليتك:
{قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}(8).
وفي مورد آخر يُبيِّن القرآن الكريم أنَّ الرسول في موضع التهديد والغضب الإلهي إذا حاول أن يبدِّل شيئاً من هذه الرسالة، إذن فهو ليس بقادر على أن يصنع شيئاً، ولا يملك الحرية إزاء هذا الموضوع، وإنما مسؤولية مضمون الرسالة ومحتواها، وخصوصياتها وخصوصيات الأحكام الشرعية، هذه كلها مرتبطة بالله سبحانه وتعالى وليست مرتبطة بالرسول.
يقول تعالى:
{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}(9).
ليس الرسولُ مسؤولاً عن هِداية الناس
وأما عن النقطة الثانية، فإن الرسول من خلال حرصه على الرسالة من ناحية، وحرصه على الناس من ناحية أخرى، يقع في حالة نفسية معيَّنة يكون مُحبّاً ومُصرّاً على أن يستجيب الناس للرسالة، باعتباره يَحْمِل مسؤولية ورسالة يريد أن يبلِّغها للناس ويريد أن يستجيبوا لها أولاً.
وثانياً: باعتبار أنه يعرف أن هذه الرسالة فيها صلاح الناس وخيرهم، واستقرارهم وتحقيق الأمن والطمأنينة لهم، وفيها إنزال البركات من السماء وخروج البركات من الأرض بالنسبة لهم عندما يستجيبون لها، والرسول من هؤلاء الناس، يحبهم ويريد لهم الخير والصلاح.
وبالتالي فهو يودُّ من صَميم قلبه أن يستجيبوا لها، ليس فقط من أجل أن يكون قد أدَّى المهمَّة بشكل أوفى وأكمل، وإنما باعتباره يحب هؤلاء الناس ويريد لهم الخير، فهو يريد لهم أن يستجيبوا فيتحقق لهم الخير.
بالإضافة إلى أن الإنسان إذا لم يستجب لهذه الرسالة ليس فقط يُحرم الخير في الدنيا ويُحرم البركات والاستقرار، والأمن والطمأنينة، وإنما سوف يحرم خير الآخرة، ويتعرَّض للعذاب الشديد فيها.
وهذا ما يتألَّم منه الرسول، ويواجهه في رسالته ودعوته للناس وإبلاغه الرسالة لهم، فما هي مسؤولية الرسول تجاه هذا الموضوع؟، هل إنَّ الرسول يتحمَّل مسؤولية تجاه هذا الموضوع أو لا يتحمَّل؟.
القرآن الكريم أيضاً يحدِّد بشكل واضح مسؤولية الرسول في هذا الموضوع، يقول: إن الرسول ليس مسؤولاً عن هذا الموضوع، سواء اهتدى الناس أم لا، وليس مسؤولاً على أن يقتل نفسه أو يعذبها لمجرد أن الناس لم يهتدوا.
نعم، هو مسؤول - كما سوف نشير - أن يستمرَّ في طريقه، ولكن مسألة أن يتعذب ويتألم لأنَّ الناس لم يهتدوا فهذا ليس مطلوباً منه.
هنا يشير القرآن الكريم إلى هذا الموضوع في عدة آيات، يقول تعالى:
{إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء}(10).
أي إنك في الحقيقة لا تتحمل مسؤولية من ناحية هداية الناس وعدم هدايتهم، واستجابتهم وعدمها، إنما عليك أن تبلغ، أما أن يهتدي الإنسان، فهذا ما ليس باختيارك وليس تحت إرادتك لأنك لا تقدر على أن تهدي الناس.
لاحظوا التعبير القرآني الجميل في هذا الموضوع: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}.
أي إنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله) يحبُّ هداية كل هؤلاء الناس، وكلهم محبوبون بالنسبة له، وكلهم أصدقاء وأحباء له وهو يريد هدايتهم: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}.
أي إنَّ هذه المسألة ليست تحت اختيارك وقدرتك، وإنما لها قوانينها وفلسفتها وظروفها الخاصة، وما أنت إلاَّ طرف في هذه القضية والقوانين، والباقي على الله سبحانه وتعالى: {وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء}.
وفي مجال آخر يقول تعالى:
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}(11).
أي: أنت تعمل وتدعو إلى الله سبحانه وتعالى وتبلغ رسالته، وتجعل نفسك في موضع الاضطهاد والأذى، لأنَّ هؤلاء لم يؤمنوا بك، فالقرآن الكريم ينهاه عن ذلك بقوله:
{طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى}(12).
أي: إنَّ إنزال القرآن تكليف لك بهذه الرسالة، لا من أجل أن تشقى وتتعذب وتتألم، وإنما هناك مسؤولية هي أن تذكِّر هؤلاء: {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى}، أما من لا يخشى فأنت لا تتحمل مسؤولية تجاهه.
وفي مكان آخر أيضاً يشير القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله:
{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ}(13).
وقوله تعالى:
{وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ}(14).
لاحظوا المسلم عندما تُتلى عليه الآيات يؤمن بها، باعتبار أنه كان لديه من قبل ذلك الاستعداد النفسي الذي يجعله مؤهلاً لتقبُّل الرسالة والالتزام بأحكامها ومواقفها، وأما الرسول فليس له دور إلاَّ تلاوة الآيات وإبلاغها، فمن هذه الناحية أيضاً نجد أن الرسول لا يتحمل أي مسؤولية فيما يتعلق بهداية الناس وعدم هدايتهم.
والخلاصة أن النبي (صلى الله عليه وآله) يبلِّغ الرسالة ويفهِّمها ويوضحها للناس، أما أن الناس يهتدون أو لا فهذه ليست من مسؤوليته.
لابُدَّ أن يستمرَّ النبي (صلى الله عليه وآله) بالبلاغ
وحينئذ يأتي هذا السؤال: ما هو المدى الذي يتحمَّله الرسول من هذه المسؤولية؟، هل عليه أن يبلِّغ الرسالة، ثم إذا وجد قومه لم يأخذوا بها ينصرف عنهم؟، كما يروى عن يونس (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى:
{وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}(15).
من أنَّ يونس (عليه السلام) دعا قومه إلى الله سبحانه وتعالى وبلَّغهم رسالته ثم تمرَّدوا عليه ولم يستجيبوا له، فذهب وهو آيسٌ منهم، فأدَّبه الله بهذا الأدب المشار إليه في القرآن الكريم.
فهل إنَّ الرسول يبلِّغ الرسالة وعندما يجد أن قومه لم يستجيبوا ينصرف عنهم؟، أو لا، عليه أن يواصل الرسالة ويستمر فيها إلى النفس الأخير؟، باعتبار أنه متحمِّل لهذه المسؤولية، ومسألة هداية الناس وعدم هدايتهم مسألة مرتبطة بالله سبحانه وتعالى؟.
القرآن الكريم يؤكد على أنَّ الرسول يتحمل هذه المسؤولية حتى النفس الأخير، ولا ينبغي أن يقصر في مسألة البلاغ، وعليه أن يبلغ وأن يوضح وأن يستعمل أفضلَ الأساليب، ويتَّبع سبيل الحكمة في هذا البلاغ والتعامل مع الناس.
ويستمر في هذا الطريق حتى لو واجه من النَّاس الرفض والتمرُّد والإباء عن الاستجابة، ذلك لأن الرسول لا يمثِّل في عملية الهداية إلى الله سبحانه وتعالى وعملية التغيير الاجتماعي إلاَّ طرفاً واحداً من أطراف العملية.
وهناك أطراف أخرى تتدخل في العملية، هي الله سبحانه وتعالى والعوامل الأخرى التي يمرُّ بها المجتمع.
وحينئذ فالرسول عليه أن يستمرَّ في هذه المسؤولية وهذا الدَّور حتى النهاية، إذ لعلَّه في مقطع معيَّن من التأريخ أو في لحظة من اللَّحظات تتوفر العوامل الأخرى فتحصل عملية التغيير.
أما إذا انقطع الرسول في لحظة من اللَّحظات وفي مقطع من المقاطع وتوفَّرت العوامل الأخرى فهنا لا تتم عملية التغيير، لأن الرسول طرف في هذه العملية، فعليه أن يستمرَّ.
ولذلك يشير القرآن الكريم إلى هذه الناحية، ويؤكد أنَّ النَّصر والتغيير قد يحصلان في حالات يبدو أن الرسول يأس من حصولهما، لكن مع ذلك ينبغي له أن يستمرَّ لأنه في تلك اللحظة التي قد يحصل عنده فيها اليأس يحصل التغيير، فإذا ترك الأمر في تلك اللحظة كان ذلك عاملاً معرقلاً لعملية التغيير، فلابُدَّ له أن يستمرَّ حتى يمكن أن يحقق هذه النتيجة من ناحية البلاغ.
وكما ورد في سورة يوسف (عليه السلام):
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ}(16).
هنا يدعونا القرآن دائماً إلى التفكُّر والنظر في التأريخ وفي ما جرى على الأُمَم والأقوام، وفي القوانين الطبيعية التأريخية التي تتحكم في مسيرة هؤلاء الأقوام وفي تغييرهم:
{فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا}(17).
في لحظة اليأس يظنُّ الرسولُ أنَّ ما وعد من النصر كأنه شيء غير واقعي وغير حقيقي: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا} ففي مثل هذه اللحظة قد يأتي النصر.
وهناك آياتٌ أخرى تتعرَّض لهذا المضمون ولها حديث فلسفي طويل، وإنما أردت في هذا المجال أن أشير إلى هذه النقطة، وهي: أنَّ الإنسان الذي يتحمَّل مسؤولية الإبلاغ، ومسؤولية الرسالة، لابُدَّ له أن يستمرَّ في تحمُّل هذه المسؤولية حتى النفس الأخير، ولا يقف في وسط الطريق مهما بَدَتْ معالم النتائج مظلمة أو سلبية في نظره، لأنه بهذا الاستمرار في الطريق يمكن أن يحقق التغيير، لأنه لا يعرف كل العوامل المؤثرة في عملية التغيير وفي عملية هداية الناس، وإنما للرسول دور واحد وهو دور الإبلاغ.
أما بقية الأسباب فهي مرهونة بالله سبحانه وتعالى، وبالظروف وبتطورات النفس الإنسانية، فالرسول عليه أن يحقق هذا السبب، ويستمر في هذا الموضوع، حتى يأذنَ اللهُ سبحانه وتعالى بحصول التغيير.
ولابُدَّ لنا أن نستوعب هذه النقطة، عندئذ يأتي الأمر الذي أشرت إليه في الآية الكريمة في بداية الحديث، وهو مسألة المحصلة الكلية لعمل الأنبياء (عليهم السلام).
فقد قلنا: إن الأنبياء (عليهم السلام) لا يتحمَّلون مسؤولية تجاه مضمون الرسالة - أي تجاه المضمون الذي تأتي به الرسالة -، ولا يتحمَّلون مسؤولية تجاه هداية الناس بهذا المعنى، أي: اهتدى الناس أم لم يهتدوا.
فالله سبحانه وتعالى لا يحاسبهم ولا يعاقبهم، وإنما يتحمَّلون المسؤولية في عملية الإبلاغ المستمرِّ، وعدمِ التردُّد في هذا العمل، والاستمرار فيه حتى النفس الأخير، هذا الشيء الذي يتحمله الرسول.
صورتان للتغيير في حركة الأنبياء (عليهم السلام)
إذن ما هي المحصلة التي يمكن أن يحصل عليها الأنبياء (عليهم السلام) في مسيرتهم هذه؟، القرآن الكريم يشير إلى هذه المحصلة ويقول: إن المحصلة التي سوف يحصل عليها الأنبياء (عليهم السلام) في هذه المسيرة وفي عملية التبليغ هي حصول التغيير حتماً، غاية الأمر أنَّ هذا التغيير الذي يحصل في مسيرة التأريخ - كما يشير القرآن الكريم - يكون على نحوين:
النحو الأول: ما قبل ظهور الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَه)
وهو تغيير مَرحَلِيٌّ في مقاطع ومراحل معينة من التغيير، وهو التغيير الذي يؤدِّي إلى أن رجالَ الله من أنبياء وأئمة وأولياء وصالحين تكون لهم حالة الاستخلاف، وحالة الحكومة، وإدارة الأمور، وتطبيق الأحكام الشرعية.
وهذا يحصل في مراتب مختلفة من التأريخ، وحسب قوانين طبيعية وضعها الله سبحانه وتعالى لهذا التأريخ، ويكون للإبلاغ دور في هذه القوانين كما أشرت، والآية الكريمة هنا تشير إلى هذه القضية، يقول تعالى:
{وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}(18).
أي إنَّ هذه المسألة تحصل بشكل طبيعي وفي مقاطع ومراحل مختلفة من التأريخ، كما حصلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله).
وتحقَّق هذا الوعد من قبل الله سبحانه وتعالى بالنسبة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث أصبح هناك استخلاف لرجال الله على الأرض، وهناك هيمنة وقدرة إلهية على هذه الأرض، هذه عملية الاستخلاف لرجال الله.
أما بالنسبة لأولياء الله والصالحين من عباده، فيقول تعالى:
{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}(19).
هذه مسألة مكتوبة ومسجَّلة، ومدونة في هذه الكتب الإلهية، وهي أنَّ هناك محصلة لهذه الأعمال لابُدَّ أن تحصل، وهي الوراثة والاستخلاف بشكل مرحلي، وعلى مقاطع من التأريخ.
النحو الثاني: مرحلة ظهور الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَه)
وهو الذي يحصل في آخر الزمان، ويتحقَّق في نهاية هذه المسيرة على يدَي إمامِ العصر الحجة بن الحسن (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَه)، وهذا الاستخلاف الذي يحصل في زمان الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَه) يختلف بحسب مضمونه عن الاستخلاف الذي يحصل في تلك المقاطع التأريخية، ففي تلك المقاطع يكون الاستخلاف لرجال الله.
أما هنا فيكون الاستخلاف للرسالة، أي إن هذا المضمون الذي جاء به الرسول وهذه الشريعة والمفاهيم والأخلاق التي جاء بها الرسول.
بل ومحتوى الشريعة والرسالة في آخر الزمان يحصل لها استخلاف، أي إن هذه الرسالة تُطبَّق تطبيقاً كاملاً على كل جزء من الأرض، وعلى كل إنسان، سواء في سلوكه الخارجي أم محتواه الداخلي، لا أنَّ رجالَ الله يحكمون فحسب.
ففي زمن النبي (صلى الله عليه وآله)` كان رجال الله يحكمون، ولكن كان هناك بعض أنحاء الظلم تصدر من الناس، فكان هناك إنسان يُذنب، أو يصدر من شخص ما في أجهزة الدولة ظُلم، مع أن هناك حكومة إسلامية إلهية من قبل الله سبحانه وتعالى، وهي شرعية قائمة وصحيحة وتعبِّر عن هذا الاستخلاف.
أما استخلاف مضمون الرسالة، بمعنى أنه لا يبقى هناك من يُذنب، أو يكذب، أو يرتكب الزنا، أو يشربَ الخمر، أو يستغيبَ، أو يقوم بعمل فيه مخالفة لأي حكم من أحكام الشريعة، فهذا الوضع لا يكون إلاَّ في آخر الزمان، وذلك العصر الذي يكون نهاية هذه المسيرة الطويلة للأنبياء (عليهم السلام).
ولذلك ورد في الحديث الشريف عن ذلك العصر أن إمام العصر (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَه): (يَمْلأُ الأرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً)، يملأها أي: لا تبقى زاوية أو نقطة إلاَّ ويكون فيها القسط والعدل.
وأنتم أيها الإخوة في هذا الزمان تشاهدون ألوان الظلم المختلفة التي تُمارس ضدَّ بني الإنسان من قوى الاستكبار العالمي إلى الأنظمة العميلة لهذه القوى، فيمكن أن تعرفوا - من خلال مطالعة هذه الألوان المختلفة للظلم في هذا العالم، والتي امتلأ فيها العالم - التغييرَ العظيم الذي يمكن أن يحققه صاحب الأمر (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَه) بحيث يملأ الأرضَ قسطاً وعدلا ويمحو كل هذا الظلم.
نماذج من ظُلم النِّظام العفلقي
نحن الآن في هذا العصر نواجه ألواناً مختلفة من الظلم، ومن الواضح أن أقبح ألوان الظلم - من أجل أن أذكِّر نفسي وأذكِّر إخواني - هو ظلم النفس.
فهناك مَن يظلم إنساناً آخر، وهناك من يتمرد على الله سبحانه وتعالى ويخالف الحكم الشرعي، فيعبر عنه القرآن الكريم بقوله:
{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(20).
أي: إن ظلم النفس أقبح وأشد ألوان الظلم، لأن الإنسان أكثر ما يحبُّ ذاتَه، وعندما يظلم ذاته فبطبيعة الحال يكون قد ارتكب أقبح شيء، أي: أشدَّ ألوان الظلم، لأنه ارتكب الظلم تجاه من يحبُّه أشدَّ الحبِّ وهو ذاته، وهذا أقبح ألوان الظلم.
ولكن هناك ألوان من الظلم يرتعد أمامَها الإنسان لِهَوْلِها وقَسْوتها، من قبيل الظلم الذي يمارسه الآن النظام المجرم القائم في بغداد تجاه أبناء الشعب العراقي المسلم، وتجاه الشعب الإيراني المسلم.
من هذه الألوان التي ترتعد لها الفرائص ولا يتمكن حتى مَن هو بعيد عن الله سبحانه وتعالى أن يتحمَّلها ويتعقلها، هذه الألوان الوحشية والهائلة التي قد تحتجُّ الوحوشُ على وصفها بالوحشية من شدَّة قسوتها وبعدها عن الله سبحانه وتعالى، ودلالتها على تردِّي وانحطاط نفوس أولئك المجرمين الذين يقومون بمثل هذه الأعمال، وهي قصف المدن الآمنة والآهلة بالسكان، كما صنعوا في (دَزْفُول)، و(پُل دُخْتَرْ) و(أَنْدِيمَشْك) و(الأهواز).
وما صنعوه بالأمس في مدينة (بانه) من ارتكاب هذه الأعمال الوحشية، فيقف شخص خلف زرِّ جهاز أو آلة مَّا ويضغط عليه وإذا به يقتل مئات الناس، ويدمر عشرات المساكن، ما هذه الجرائم الوحشية التي يرتكبها هذا المجرم؟!
وإذا أردنا أن نذهب إلى داخل العراق نجد ألواناً أخرى مختلفة من الظلم، فبالأمس وردتني بعض الأبناء تقول: إن حوالي خمسة وستين من خيرة أبناء العراق استشهدوا بعد العمليات البطولية الجهادية، التي قام بها أبناء مدينة العمارة في أيام عمليات (والفجر)، حيث كانت هناك عمليات جهادية واسعة لأبناء مدينة العمارة في هذا الوقت.
فهؤلاء أُناس يريدون أن يتخلَّصوا من الظُّلم والذُّل، وأن يحرِّروا أنفسهم من العبودية التي يفرضها صدَّام وأسياده عليهم، وعلى أثر هذه الأعمال الجهادية قام النظام الوحشي بممارسة مثل هذه الأعمال الوحشية تجاه أبناء هذا الشعب، فقتل ما يزيد على خمسة وستين مجاهداً من إخواننا المؤمنين في مدينة العمارة.
والنبأ الآخر المؤلم أيضاً، هو اعتقال ما يزيد على أربعمائة وخمسين شخصاً من إخواننا في مدينة البصرة، بعد العمليات الجهادية الأخيرة الواسعة التي وقعت في هذه المدينة ضدَّ النظام المجرم.
وأنتم تعرفون العمل الوحشي الذي أقدَمَ عليه النظام من اعتقال عدد كبير من علماء الإسلام في مدينة النجف الأشرف.
هذا النظام الذي لا يأبى أن يرتكب أعمالاً وحشية ضدَّ أبناء الشعب الذي يَدَّعي تمثيله، فكيف به مع أبناء الشعوب الأخرى؟.
النظام الذي تتجسَّد فيه القسوة والظلم والوحشية، ويرتكب ضد أبناء شعبه هذه الجرائم، من الطبيعي أن يرتكب هذه الجرائم الوحشية ضد أبناء الشعوب الأخرى في المنطقة، حتى من أبناء شعب الخليج الذين ساعدوه بالأموال يرتكب تجاههم الأعمال الوحشية، ويريدُ أن يُسَمِّمَ مِياهَهُم من أجل أن يحقِّق أغراضه الدنيئة الخبيثة من الهيمنة وا(21)لسيطرة، وخدمة الإمبريالية والاستعمار.
والأبشع من ذلك أن هذا النظام المجرم يحاول أن يتَّهم الجمهورية الإسلامية بأنها تضرب المدن الآمنة بالسكان، لاحظوا السوء وقُبح النَّفس في مثل هذا النظام وفي رأسه، بحيث لا يقتصر على ارتكاب العمل الوحشي، بل يحاول أن ينسبه إلى غيره ظلماً وعدواناً ويتهم غيره به.
ونحن نعرف وأبناء شعبنا في العراق يعرفون أن هذا النظام هو الذي يرتكب هذه الأعمال تجاه أبناء الشعب العراقي، فكيف بأبناء الشعوب الأخرى؟!.
والجمهورية الإسلامية من خلال مسيرتها في هذه الحرب دلَّلَت بشكل قاطع على أن لديها القدرة على أن تقوم بمثل هذا العمل، ولكن لديها الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ولديها المبادئ والمثل والشرعية التي تمنعها عن القيام بمثل هذه الأعمال.
فهي تعتقد بهذه المبادئ والمثل، وتؤمن بهذه الأحكام، وبالتالي لا يمكن لها إلاَّ أن تنسجم مع هذه الأحكام، وهذا الموقف من النظام.
وهذا الظلم الهائل الذي يُمارس في هذه الأيام يذكِّرنا بظهور ذلك النور الذي سوف يَسطع على الأرض، ويغيِّر كل هذه الظلمة ويبدِّدها ويبدلها بالنور، ويغيِّر كل هذا الظلم ويبدله بالعدل والاستقرار والقسط.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعجِّل فرجه الشريف، وأن يجعلنا ممن يمهِّد لظهوره من خلال الممارسة الجهادية الحقيقية.
كما أسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممَّن يقف إلى جانب الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَه)، وكما تعرفون فإن له موقفاً في هذا الزمان، أي إن الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَه) لابُدَّ وأن يكون قد استنكر هذا الظلم، ولابُدَّ أن يكون موقفه إلى جانب الإسلام في مقابل الكفر.
نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلَنا ممن يقف إلى جانبه، ولا يقف في وجهه وفي مواجهته، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يتغمد شهداءنا الأبرار (رضوان الله عليهم) برحمته ورضوانه، خصوصاً سيدنا وشهيدنا الصدر (قدّس سرّه).
ونسأله تعالى أن يفرج عن إخواننا المجاهدين في العراق من العلماء الأعلام ومن غيرهم، ممَّن أدَّى واجبة في سبيل تحكيم رسالة الإسلام.
كما أسأله سبحانه وتعالى أن يحقِّق النَّصر العاجل لجنود الإسلام على أعدائهم، وأن يطيل لنا عُمْر إمام الأمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
____________
1- النور: 55.
2- الجمعة: 2 - 3.
3- النور: 54.
4- سبأ: 28.
5- النساء: 165.
6- المائدة: 67.
7- يونس: 15.
8- يونس: 15.
9- الحاقة: 44 - 46.
10- القصص: 56.
11- الشعراء: 3.
12- طه: 1 - 3.
13- الشورى: 48.
14- القصص: 53.
15- الأنبياء: 87.
16- يوسف: 109.
17- يوسف: 109 - 110.
18- النور: 55.
19- الأنبياء: 105.
20- النحل: 118.
21- لم تتّضح وحشية النظام الصدامي تجاه شعب الخليج بشكلها السافر إلاَّ عام 1990 م، عندما غزا الكويت وعامل أبناءها بقسوة ووحشية لم يكونوا يتوقعونها، كما هدَّد المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج، ولم يكن أحد يصدِّق في تلك الأيام أنَّ (حارس البوابة الشرقية!!) سينقضُّ على جيرانه وإخوته العرب بهذا الشكل المروِّع، فيمحو بعض دولهم من الخريطة، وقد حذَّر سماحة السيد الحكيم (قدس سره) دول الخليج مراراً من التمادي في مساعدة صدام، والانسياق وراء شعاراته الجوفاء، لكنَّها - وللأسف - لم تعِ ذلك إلاَّ بعد فوات الأوان.
|