الأسالِيْبُ الَتِي يُمْكِنُ الإسْتِدْلالُ بِها
الأسلوب الأول:
الذي استخدمه إمام الأمة(7) (رضوان الله عليه) في كتابه (الحكومة الإسلامية) وهو أسلوب الاستفادة من الجامع المشترك بين هذه النصوص، وبإضافة مقدمة لهذا الجامع المشترك، أما الجامع المشترك فهو أن يُفهم من كل هذه النصوص أن للعلماء شأناً وميزةً وخصوصيةً على بقية الناس. يمكن أن نعبر عن الجامع المشترك في هذه النصوص - بالتعبيرات الأصولية - بالأمر المتواتر، يعني الذي تشترك فيها النصوص، وخاصة إذا أضفنا إلى هذا الجامع المشترك إضافة، وهي ضرورة الحكم الإسلامي وأن الحكم الإسلامي ضرورة من الضرورات ولا يمكن أن تُتجاوز هذه الضرورة في شؤون الناس، ويمكن أن نفهم ذلك من خلال آياتٍ كثيرةٍ.
عندئذٍ - بالجمع بين هذين الأمريين - نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الحاكم لابد أن يكون هو العالم، لأنه مادام أن هنا يجب أن يكون هناك حاكم وهذه النصوص دلت على وجود ميزة وخصوصية للعلماء في شأن الحكم فلا بد أن يكون العلماء هم الحكام. وهذا الأسلوب قد استخدمه الإمام (رضوان الله عليه) ونحن أشرنا إليه بشكل مختصر في كتابنا (الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق).
الأسلوب الثاني:
هو أن يقال بأنه إذا عرفنا بأن النظرية الإسلامية تناولت موضوع الحكم ولم تهمله فما هي نظرية الإسلام في الحكم؟
هنا يوجد اتجاهان، اتجاه يقول بأن النظرية الإسلامية في الحكم، الشورى، عندئذ تتم مناقشة هذا الأسلوب أي نظرية الشورى ونحن ناقشنا نظرية الشورى، فإن النصوص الدالة على الشورى لا يمكن أن يستفاد منها نظرية كاملة للإسلام في الحكم، وعلى هذا يتعين أن نختار النظرية الثانية، وهي أن تكون النظرية الإسلامية في الحكم، هي حكم الفقيه وولاية الفقيه، إذ بدون أن نلتزم بذلك لايبقى عندنا طريق آخر أو منهج آخر، يفهم الإسلام في موضوع الحكم أي أن منهج الإسلام في الحكم مردد بين هذين المنهجين إما الشورى وإما ولاية الفقيه.
أما مبدأ الشورى فقد ناقشناه ولم يتم هذا المبدأ، إذن ينحصر الأمر بمنهج ولاية الفقيه، وإذا افترضنا عدم الالتزام بهذا المنهج، فإن ذلك يؤدي إلى افتراض أن الإسلام لا يوجد له منهج في الحكم، وهذا على خلاف الفرضية المسلّمة بأن الإسلام يتعرض إلى جميع مناحي الحياة.
الأسلوب الثالث:
أن الفقيه له درجة من الولاية ولو لم تكن بتلك الدرجة العالية الكاملة، فإذا دلت هذه النصوص على أن الفقيه له درجة من الولاية وأصبح الفقيه هو ولي الأمر ولو بدرجة ما كأن نتمسك مثلا بإطلاق قوله تعالى {أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} فبالتمسك بإطلاق هذه الآية الشريفة، يمكن أن نعمم ولاية الفقيه ونجعلها في الدرجة العالية من ناحية إطلاق هذه الآية.
الأسلوب الرابع:
وهو الأسلوب الأهم والعمدة في الاستدلال، وهو متابعة هذه النصوص واحدة بعد الأخرى من أجل الاستدلال بها على الولاية العامة للفقيه، وبعض هذه النصوص لا يبعد استفادة هذه الدلالة منها، من قبيل الصحيحة المروية عن زرارة التي تقول - بعد أن تعدّد أركان الإسلام - (والولاية مفتاحهن) أي مفتاح هذه الأركان «والوالي هو العارف بهن» أي العارف بهذه الأركان.
فهذه الصحيحة تقول إن الولي هو ذلك الإنسان الذي يكون عارفاً بالأحكام، وهذه بحسب مفادها وإطلاقها تدل على هذا الأمر، أو من قبيل الرواية الأخرى التي يمكن تصحيح سندها وهي الرواية التي يقول فيها النبي (صلى الله عليه وآله): «اللهم ارحم خلفائي» فيُسأل النبي (صلى الله عليه وآله): من هم خلفاؤك يا رسول الله؟ يقول «خلفائي هم الذين يروون سنتي» فهنا يروون سنتي إذا افترضنا بان المراد منه -كما هو ظاهره - هو تعريف هؤلاء الخلفاء، من قبيل ما ورد في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عندما قال عنه النبي (صلى الله عليه وآله) «خليفتي خاصف النعل»، وهنا لا يراد منه أن الخليفة هو من يخصف النعل، وإنما يراد منه التعريف بهذا الشخص من خلال عمله الخارجي الذي يمارسه.
فالنبي (صلى الله عليه وآله) يفترض بأنه عرّف الخلفاء الذين يخلفونه بالأمر، لأنهم هم الذين يروون سنته (صلى الله عليه وآله) أو من قبيل التوقيع الشريف الذي ورد عن الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) والذي يقول «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» حيث تجاه الأحداث بقرينة التنظير بين حجة هؤلاء الرواة وبين حجيته صلوات الله وسلامه عليه حيث أن حجيته صلوات الله وسلامه عليه الحجية المطلقة حيث قال «فأنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله » فهنا جُعلت حجية هؤلاء الرواة على الناس مقرونة بحجيته من قبل الله سبحانه وتعالى، ولاشك بأن حجية الإمام من الله تعالى ليست حجية مختصة بخصوص بيان الأحكام الشرعية، وإنما هي حجية مطلقة وعامة سواء كان لبيان الأحكام الشرعية أو القضاء أو الولاية، فهي حجية عامة، وكما أن حجيته عامة تكون حجية هؤلاء الفقهاء المقرونة بحجيته أيضاً عامة.
وعلى أي حال فهذا بحث فقهي استدلالي يحتاج إلى متابعة، ولكن هذا الأسلوب - الرابع - يتبعه الفقهاء للاستدلال على ولاية الفقيه. إذن فهناك مجموعة من الأدلة يمكن الاستدلال بها على ولاية الفقيه، سواء كان من الكتاب الكريم أو السنوية النبوية.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من التابعين لهم والمتمسكين بولايتهم وبآثارهم. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
____________
1- المائدة 44.