تَفْسِيرُ وِلايَةِ الفَقِيهِ | الدَلِيلُ عَلى وِلايَةِ الفَقِيهِ | الحُكْمُ ضَرُوْرَةٌ مِنْ ضَرُوراتِ المُجْتَمَعِ | الوَلِيُّ الفَقِيهُ يَحْكُمُ بِحُكْمِ اللهِ لا حُكْمَ نَفْسِهِ | شَرائِطُ الوَلِيِّ الفَقِيه | الأسالِيْبُ الَتِي يُمْكِنُ الإسْتِدْلالُ بِها  
 
 
 

محاضرة سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) بمناسبة ذكرى شهادة الإمام علي الهادي (عليه السلام)
وذلك في يوم الأربعاء المصادف 3 رجب 1415 هـ الموافق 7 / 12 / 1994م


ولاية الفقيه وبيان أصلها في الفقه الجعفري


بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين؛ أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

والسلام على سيدنا ومولانا أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي النقي، والسلام على سيدنا ومولانا بقية الله في أرضه؛ الحجة بن الحسن، (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

والسلام على شهداء الإسلام في كل مكان، منذ الصدر الأول للإسلام، وحتى شهداء هذا العصر، والسلام على سادتي العلماء وإخواني وأعزائي المؤمنين الكرام ورحمة الله وبركاته.

في البداية أتقدم بالتعزية لكل السادة الأفاضل والإخوة الأعزاء، بمناسبة شهادة سيدنا ومولانا أبي الحسن علي بن محمد الهادي (عليهما السلام) حيث يمثل هذا الإمام العظيم أحد مصاديق الظاهرة الغيبية في إمامة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) حيث تَسلّم الإمام الهادي (عليه السلام) الإمامة وكان عمره الشريف في ذلك الوقت ست سنوات وخمسة أشهر، على ما يُذكر في أكثر الروايات.

وهذه ظاهرة من الظواهر الغيبية ؛ حيث يتصدى هذا الإمام للإمامة في ظروف كانت القاعدة التي تؤمن بإمامته قاعدة واسعة قد توسعت بشكل كبير، وكان أيضا أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يعيشون في الوسط الرسمي العام للمسلمين وبالتالي فكل الأضواء والعيون كانت مسلطة على أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

وبالرغم من تسلمه للإمامة في هذا العمر المحدود الصغير نجد الإمام الهادي (عليه السلام) قد تمكن من أن يفرض نفسه على المجتمع الإسلامي، كل المجتمع الإسلامي حتى في العاصمة التي كان يسكنها الخليفة العباسي في ذلك الوقت وهي سامراء، حيث كان قد انتقل من بغداد إلى المعسكر المتمثل بسامراء في ذلك الوقت، وتذكر الروايات - كما سمعتم - المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) وطرق شيعتهم أو المروية عن العامة من الجمهور، تؤكد هذه الروايات على هذا الوضع الاجتماعي والروحي الذي كان قد تمكن الإمام الهادي (عليه السلام) أن يفرضه على المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت، وانتشار الروايات - كما أشير - في أوساط الجمهور أيضاً سببه واضح حيث إن الإمام الهادي (عليه السلام) كما قلت كان يعيش في العاصمة وعاش لمدة عشرين سنة في العاصمة.

وبالتالي كان يحتكّ في كل الأوساط العلمية والثقافية والعسكرية والسياسية التي كان يعيشها المسلمون في ذلك العصر، ويبدو أن التنافس كان شديدا في داخل الأوضاع العباسية - أوضاع الحكم العباسي - والصراعات كانت شديدة؛ ولذلك في هذه الفترة القصيرة من حياة الأئمة (عليهم السلام) قتل عدة خلفاء من العباسيين، وكانت هناك مؤامرة تلو المؤامرة، وأحياناً تنتهي بالقتل؛ بقتل الخليفة، وأحياناً تنتهي بإزاحة الخليفة عن موقع الخلافة، بالإضافة إلى التنافس الموجود في أوساط الدوائر المحيطة بالخلافة العباسية.

ومع الأسف أن هذه الظاهرة كانت من الظواهر الملفتة للنظر في زمن الإمام الهادي (عليه السلام) حتى أن عمه زيد بن موسى - في بعض الروايات - كان قد جاء إلى المتوكل العباسي وعاتبه لأنه احترم الإمامَ الهادي أكثر من احترامه لزيد مع وجوده، باعتبار أن زيداً أكبرُ سناً من الإمام الهادي (عليه السلام) وأيضاً هو أعلى طبقة باعتبار أنه عمّ الإمام الهادي (عليه السلام) من حيث الطبقة النسبية مع أنه أولى بهذا الاحترام، وأولى بهذا الإكرام.

وكانت هناك أيضاً منافسات أخرى في أوساط الطالبّيين والجعفريين والعباسيين بالنسبة إلى الإمام الهادي (عليه السلام) باعتبار أن الإمام الهادي (عليه السلام) قد فرض شخصيته على المتوكل العباسي وهذا شيء ملفت للنظر، لأن المتوكل العباسي كان يحقد بدرجة عالية على الإمام الهادي (عليه السلام) وكان يتربص به الدوائر، وكان أيضا يحاول بعض الأحيان يقوم بعمليات إذلال للإمام الهادي (عليه السلام) من قبيل إنزاله في (خان الصعاليك) أو في بعض الروايات التي أمر فيها المتوكل العباسي أن يترجل كل الناس حتى الإمام الهادي (عليه السلام) ويبقى هو على ظهر الفرس مع وزيره الفتح بن خاقان، وهذا الأمر كان بشكل قد أجهد الإمام الهادي (عليه السلام) من شدة الزحام وشدة الحر الذي كان في ذلك الوقت حتى أنه روي أن الإمام الهادي (عليه السلام) كان يقول (أنا لست بأقل من ناقة صالح).

ولم تمر ثلاثة أيام على هذه الحادثة إلا وتآمر الجندُ على المتوكل العباسي وقتلوه، ومن هنا نلاحظ أن خصوصيةً في الإمام الهادي (عليه السلام) كانت واضحة وهي التأكيد على موضوع الإخلاص لله سبحانه وتعالى والتجرد عن الدنيا ومظاهرها والتوكل على الله تعالى بشكل مطلق وفي جميع الحالات، وهناك الكثير من النصوص والروايات التي تُبرز هذه الظاهرة، وهذا ما يتناسب مع طبيعة الظروف التي كان يعيشها الإمام الهادي (عليه السلام) وهي ظروف التنافس على الدنيا والمناصب والمواقع، والإمام الهادي (عليه السلام) كان يريد أن يضرب المثل الواضح في مجال الابتعاد عن الدنيا والاعتماد على الله تعالى وأنه من خلال الاتّكال على الله والاعتماد عليه، وأن عدم الدخول في هذه المنافسة والمسابقة يؤدي بطبيعة الحال إلى أن يكون الإنسان عزيزاً بالله تعالى ويفرض أيضاً عزته على الناس من خلال الاعتزاز به سبحانه.

وهذه الحقيقة أيضاً واضحة - كما ذكرتُ - في شخص الإمام الهادي (عليه السلام) فإن تجرد الإمام الهادي (عليه السلام) عن كل هذه المظاهر جعله إنساناً يفرض نفسه على كل هذه الأوضاع السياسية، بحيث يحترمه الجميع ويخضع له، فالقصص والحوادث التي يرويها المؤرخون كثيرة أيضا في هذا المجال. نسال الله تعالى أن يجعلنا من المقتدين والمهتدين بهذا الإمام الهمام.

أما فيما يتعلق بالسؤال فيوجد جانبان من البحث:


تَفْسِيرُ وِلايَةِ الفَقِيهِ

الجانب الأول:

هو تفسير ولاية الفقيه، نحن في بعض الأحاديث قلنا بأن المسؤوليات التي يتحملها الأنبياء والرسل والأئمة والأوصياء، ثلاث مسؤوليات رئيسة:

المسؤولية الأولى: هي مسؤولية بيان الأحكام الشرعية وإبلاغ هذه الأحكام الشرعية.

المسؤولية الثانية: هي مسؤولية فصل الخصومات والنزاعات التي تحدث بين الناس، حيث إن الناس من خلال تضارب المصالح أو من خلال الاشتباه في بعض الموضوعات، قد يحصل بينهم النزاع والخلاف، أما الأنبياء (عليهم السلام) فإن الله سبحانه وتعالى بعثهم من أجل أن يحكموا بين الناس بالحق فيما اختلفوا فيه في موارد الاختلاف والنزاع بين هؤلاء الناس.

المسؤولية الثالثة: هي مسؤولية الحكم وإدارة شؤون هؤلاء الناس وتنظيم أمورهم وتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والحكمة والسير بهؤلاء الناس نحو التكامل والتقرب إلى الله تعالى وتعيين أحكامهم ومواقفهم وترتيب شؤونهم وأمورهم بشكل تفصيلي.

هذه هي المسؤولية التي يمكن أن نعبر عنها بمسؤولية الولاية أو تولي أمور المصالح والمنافع العامة لهؤلاء الناس والعمل على دفع المفاسد والمضار عنهم، وهذه المسؤولية على ما يبدو من القرآن الكريم - على ما يستفاد من بعض الآيات - والله العالم - وعلى ما يبدو أيضاً من الأحاديث الشريفة التي وردت عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن أهل البيت (عليهم السلام) أنها مسؤولية موكولة إلى الأنبياء أولاً ثم الربانيين ثانياً، والتي تفسّر في بعض الروايات بالأئمة (عليهم السلام) وبالأوصياء لهؤلاء الأنبياء، وبالأحبار والعلماء ثالثاً، فهذه المسؤولية موكولة لهذه الأصناف الثلاثة كما ورد في سورة المائدة التي تتحدث عن مسألة الحكم وتشير إلى موضوعه في التوراة والإنجيل والقرآن، يعني تشير إلى هذه الأدوار الثلاثة التي مرت بالبشرية.

يقول القرآن الكريم {إِنّا أَنْزَلْنَا التّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النّبِيّونَ الّذِينَ أَسْلَمُوا لِلّذِينَ هَادُوا وَالرّبّانِيّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}(1).

هنا يبين القرآن الكريم مسألة الحكم ويطرحها ثم يقول {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنّ النّفْسَ بِالنّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسّنّ بِالسّنّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ}(2).

ثم بعد أن يتحدث عن التوراة يشير إلى الإنجيل {وَقَفّيْنَا عَلَى‏ آثَارِهِم - على آثار هذه الأصناف الثلاثة - بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتّقِينَ}(3).

أيضاً في هذه الآية الكريمة يذكر القرآن الكريم أن الإنجيل جاء مصدقاً للتوراة؛ وعلى مسيرة التوراة وبالتالي فهو يؤكد نفس المفاهيم التي جاءت في التوراة {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُوْلئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(4) ثم بعد ذلك يتحدث القران عن القران {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}(5).

يعني مصدقاً للإنجيل ومصدقا للتوراة وبالتالي فهذا الحكم هو حكم مستمر في الرسالة الإسلامية في القران الكريم ومهيمنه عليه {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمّا جَاءَكَ مِنَ الحَقّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ}(6).

هذه الآيات الكريمة التي قرأتها عليكم، كلها تتحدث عن الحكم، وبالتالي تتحدث عن مسألة الولاية، ومن الواضح أنها تذكر أصنافاً ثلاثة؛ الأنبياء والربانيون والأحبار، ولا شك أن مفهوم الأحبار - بحسب الفهم اللغوي - هم العلماء الذين يعرفون الأحكام الشرعية.


الدَلِيلُ عَلى وِلايَةِ الفَقِيهِ

الجانب الثاني:

الاستدلال على ولاية الفقيه ويوجد منهجان للاستدلال:

المنهج الأول: هو ما أسميناه في كتابنا (الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق) منهج طبيعة الأشياء الذي يعتمد على بيان مقدمات ثلاث، ومن خلالها يمكن أن نصل إلى هذه النتيجة:


الحُكْمُ ضَرُوْرَةٌ مِنْ ضَرُوراتِ المُجْتَمَعِ

المقدمة الأولى:

هو أن الحكم ضرورة من ضرورات الإسلام والمجتمع، فمن غير المعقول أن لا يكون الإسلام - الذي هو دين كامل جاء لكل البشرية وتعرض إلى جميع نواحي الحياة - قد تعرض لهذا الجانب المهم من حياة الإنسان وهو الحكم.

والإنسان بحاجة إلى الحكم؛ إذ لا يمكن - كما يشير القرآن الكريم - في آيات كثيرة أن يترك الإنسان بدون وجود نظام ينظم حياته وأوضاعه وشؤونه.


الوَلِيُّ الفَقِيهُ يَحْكُمُ بِحُكْمِ اللهِ لا حُكْمَ نَفْسِهِ

المقدمة الثانية:

أذكر هذه الأمور بشكل مختصر وهي تحتاج إلى شرح وهي أن الحكم الذي ينظم حياة الناس، لابد أن يكون حكم الله تعالى، لا حكم الإنسان. والولي الذي يتولى إدارة شؤون الناس لابد أن يحكم بحكم الله، لا أن يحكم بحكم نفسه، وهذا على خلاف النظريات الوضعية، من قبيل النظرية الديمقراطية، أو النظرية الاشتراكية؛ التي ترى بأن الحكم مرجعه إلى الناس، أو النظرية الديكتاتورية والنظرية الفاشية - حسب الاصطلاح -، فهذه النظريات تُرجع النظريات الحكم إلى الإنسان، إما إلى حكم الأكثرية على الأقلية الفاشية التي ترى أن حكم الديكتاتور هو الذي ينظم شؤون الناس، باعتبار أنه الشخص الأمثل بين الناس، أو الاشتراكية التي ترى بأن المجتمع هو الأصل في كل العملية وبالتالي فمصالح المجتمع هي المقدَّمة وهي التي تحكم المصالح، فكل هذه ترجع الحكم إلى الإنسان لا إلى حكم الله تعالى.

أما النظرية الإسلامية فإنها ترى أن الحكم لله تعالى، ودور الولي هو أنه يمثل هذا الحكم الإلهي، يعني دوره أن يحكم بهذا الحكم الإلهي لا أنه يحكم من عند نفسه، وبذلك تختلف نظرية ولاية الفقيه عن النظرية الديكتاتورية، صحيح إنه فقيه وهو الحاكم الأول والمطلق، ولكنه يحكم بحكم الله تعالى لا برأيه وهواه وميوله ورغباته، أو بادراكاته واجتهاداته للمصالح، وإنما هو مقيد بالمصالح التي ترتبط بمن يتولى شؤونهم وأمورهم.


شَرائِطُ الوَلِيِّ الفَقِيه

المقدمة الثالثة:

هو أنه إذا جمعنا بين المقدمة الأولى والمقدمة الثانية، سوف نشترط في الولي عدة شروط:

الشرط الأول: أن يكون إنساناً عارفاً بحكم الله تعالى؛ لأنه لابد أن يحكم بحكم الله، فإن لم يعرف حكمَ الله تعالى فلا يمكن له أن يحكم بحكم نفسه، ومن هنا لابد أن يكون عالماً بالحكم الشرعي.

الشرط الثاني: أن يكون إنساناً متّقياً ملتزماً بحكم الله تعالى، إذ لولم يكن عادلاً وعلى درجة عالية من التقوى، فقد لا يلتزم بحكم الله تعالى.

الشرط الثالث: أن يكون خبيراً بالمصالح والمفاسد وقادراً على تمييزها؛ لأن هذا الإنسان لابد له من أن يشخّص الحكم على طبق المصالح والمفاسد للأمة التي يدير شؤونها ويتولى أمورها، كما أن وليَّ اليتيم مثلاً أو ولي الوقف أو ولي القاصر، عليهم أن يعملوا بما تقتضيه مصلحة القاصر ومصلحة اليتيم ومصلحة الوقف. وبالتالي فلا بد أن يكون قادراً على تشخيص هذه المصالح حتى يعمل بها، كذلك هذا الولي لابد أن يكون إنساناً خبيراً بشؤون الناس؛ حتى يكون قادراً على تشخيص هذه المصالح وأن يرتّب الأحكام على الموضوعات بالشكل الذي يتناسب مع هذه المصالح المرتبطة بشؤون الناس.

وعلى هذا نصل - بهذه الشروط الثلاثة - إلى هذه النتيجة:

أن يكون هذا الولي ولياً عالماً بالحكم الشرعي.

وأن يكون متقياً.

وأن يكون خبيراً.

هذه هي الشروط الثلاث الأساسية التي تشترط في الولي الفقيه.

المنهج الثاني: الذي يستخدمه الفقهاء في الاستدلال على ولاية الفقيه، هو النصوص الواردة في مجال الولاية، من قبيل الآيات الكريمة التي تلوتها عليكم، أو من قبيل ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) من نصوص عديدة تصل أحياناً إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر نصاً فيما يتعلق بهذا الموضوع من قبيل «العلماء ورثة الأنبياء» أو «الفقهاء أمناء الرسل» أو «حصون الإسلام» أو «العلماء حكام على الناس» أو «مجاري الأمور بيد العلماء بالله» أو غير ذلك من النصوص التي وردت. أو من قبيل ما ورد في التوقيع الشريف «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله». فهناك نصوص عديدة واردة فيما يتعلق بهذا الموضوع وتوجد عدة اساليب في كيفية الاستدلال بهذه النصوص:


الأسالِيْبُ الَتِي يُمْكِنُ الإسْتِدْلالُ بِها

الأسلوب الأول:

الذي استخدمه إمام الأمة(7) (رضوان الله عليه) في كتابه (الحكومة الإسلامية) وهو أسلوب الاستفادة من الجامع المشترك بين هذه النصوص، وبإضافة مقدمة لهذا الجامع المشترك، أما الجامع المشترك فهو أن يُفهم من كل هذه النصوص أن للعلماء شأناً وميزةً وخصوصيةً على بقية الناس. يمكن أن نعبر عن الجامع المشترك في هذه النصوص - بالتعبيرات الأصولية - بالأمر المتواتر، يعني الذي تشترك فيها النصوص، وخاصة إذا أضفنا إلى هذا الجامع المشترك إضافة، وهي ضرورة الحكم الإسلامي وأن الحكم الإسلامي ضرورة من الضرورات ولا يمكن أن تُتجاوز هذه الضرورة في شؤون الناس، ويمكن أن نفهم ذلك من خلال آياتٍ كثيرةٍ.

عندئذٍ - بالجمع بين هذين الأمريين - نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الحاكم لابد أن يكون هو العالم، لأنه مادام أن هنا يجب أن يكون هناك حاكم وهذه النصوص دلت على وجود ميزة وخصوصية للعلماء في شأن الحكم فلا بد أن يكون العلماء هم الحكام. وهذا الأسلوب قد استخدمه الإمام (رضوان الله عليه) ونحن أشرنا إليه بشكل مختصر في كتابنا (الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق).


الأسلوب الثاني:

هو أن يقال بأنه إذا عرفنا بأن النظرية الإسلامية تناولت موضوع الحكم ولم تهمله فما هي نظرية الإسلام في الحكم؟

هنا يوجد اتجاهان، اتجاه يقول بأن النظرية الإسلامية في الحكم، الشورى، عندئذ تتم مناقشة هذا الأسلوب أي نظرية الشورى ونحن ناقشنا نظرية الشورى، فإن النصوص الدالة على الشورى لا يمكن أن يستفاد منها نظرية كاملة للإسلام في الحكم، وعلى هذا يتعين أن نختار النظرية الثانية، وهي أن تكون النظرية الإسلامية في الحكم، هي حكم الفقيه وولاية الفقيه، إذ بدون أن نلتزم بذلك لايبقى عندنا طريق آخر أو منهج آخر، يفهم الإسلام في موضوع الحكم أي أن منهج الإسلام في الحكم مردد بين هذين المنهجين إما الشورى وإما ولاية الفقيه.

أما مبدأ الشورى فقد ناقشناه ولم يتم هذا المبدأ، إذن ينحصر الأمر بمنهج ولاية الفقيه، وإذا افترضنا عدم الالتزام بهذا المنهج، فإن ذلك يؤدي إلى افتراض أن الإسلام لا يوجد له منهج في الحكم، وهذا على خلاف الفرضية المسلّمة بأن الإسلام يتعرض إلى جميع مناحي الحياة.


الأسلوب الثالث:

أن الفقيه له درجة من الولاية ولو لم تكن بتلك الدرجة العالية الكاملة، فإذا دلت هذه النصوص على أن الفقيه له درجة من الولاية وأصبح الفقيه هو ولي الأمر ولو بدرجة ما كأن نتمسك مثلا بإطلاق قوله تعالى {أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} فبالتمسك بإطلاق هذه الآية الشريفة، يمكن أن نعمم ولاية الفقيه ونجعلها في الدرجة العالية من ناحية إطلاق هذه الآية.


الأسلوب الرابع:

وهو الأسلوب الأهم والعمدة في الاستدلال، وهو متابعة هذه النصوص واحدة بعد الأخرى من أجل الاستدلال بها على الولاية العامة للفقيه، وبعض هذه النصوص لا يبعد استفادة هذه الدلالة منها، من قبيل الصحيحة المروية عن زرارة التي تقول - بعد أن تعدّد أركان الإسلام - (والولاية مفتاحهن) أي مفتاح هذه الأركان «والوالي هو العارف بهن» أي العارف بهذه الأركان.

فهذه الصحيحة تقول إن الولي هو ذلك الإنسان الذي يكون عارفاً بالأحكام، وهذه بحسب مفادها وإطلاقها تدل على هذا الأمر، أو من قبيل الرواية الأخرى التي يمكن تصحيح سندها وهي الرواية التي يقول فيها النبي (صلى الله عليه وآله): «اللهم ارحم خلفائي» فيُسأل النبي (صلى الله عليه وآله): من هم خلفاؤك يا رسول الله؟ يقول «خلفائي هم الذين يروون سنتي» فهنا يروون سنتي إذا افترضنا بان المراد منه -كما هو ظاهره - هو تعريف هؤلاء الخلفاء، من قبيل ما ورد في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عندما قال عنه النبي (صلى الله عليه وآله) «خليفتي خاصف النعل»، وهنا لا يراد منه أن الخليفة هو من يخصف النعل، وإنما يراد منه التعريف بهذا الشخص من خلال عمله الخارجي الذي يمارسه.

فالنبي (صلى الله عليه وآله) يفترض بأنه عرّف الخلفاء الذين يخلفونه بالأمر، لأنهم هم الذين يروون سنته (صلى الله عليه وآله) أو من قبيل التوقيع الشريف الذي ورد عن الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) والذي يقول «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» حيث تجاه الأحداث بقرينة التنظير بين حجة هؤلاء الرواة وبين حجيته صلوات الله وسلامه عليه حيث أن حجيته صلوات الله وسلامه عليه الحجية المطلقة حيث قال «فأنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله » فهنا جُعلت حجية هؤلاء الرواة على الناس مقرونة بحجيته من قبل الله سبحانه وتعالى، ولاشك بأن حجية الإمام من الله تعالى ليست حجية مختصة بخصوص بيان الأحكام الشرعية، وإنما هي حجية مطلقة وعامة سواء كان لبيان الأحكام الشرعية أو القضاء أو الولاية، فهي حجية عامة، وكما أن حجيته عامة تكون حجية هؤلاء الفقهاء المقرونة بحجيته أيضاً عامة.

وعلى أي حال فهذا بحث فقهي استدلالي يحتاج إلى متابعة، ولكن هذا الأسلوب - الرابع - يتبعه الفقهاء للاستدلال على ولاية الفقيه. إذن فهناك مجموعة من الأدلة يمكن الاستدلال بها على ولاية الفقيه، سواء كان من الكتاب الكريم أو السنوية النبوية.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من التابعين لهم والمتمسكين بولايتهم وبآثارهم. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

____________

1- المائدة 44.

2- المائدة 45.

3- المائدة 46.

4- المائدة 47.

5- المائدة 48.

6- المائدة 48.

7- آية الله العظمى السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره).


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية