تهنئة وتبريك | المقدمة | الحديث حول الانتفاضة الشعبانية | أصْلُ النَظَريّة المَهْدَويّة | إشْكالٌ حَوْلَ الغَيْبَةِ | مَنْهَجُ أهْلِ البَيْتِ (عليهم السلام) فِي حَلِّ الإشْكالِ حَولَ الغَيْبَةِ | دَورُ الإمامِين الهادِي والعَسْكَرِي (عليهما السلام) في حَلِّ الإشْكالِ | دَورُ أئمَةِ أهْلِ البَيتِ (عليهم السلام) في بِناءِ الجَماعَةِ الصالِحَةِ  
 
 
 

محاضرة ألقاها سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) في مكتبه بمدينة قم المقدسة
بتاريخ 15 / شعبان /1420هـ. ق الموافق 24 / 11 / 1999 م


مَنْهَجُ أهْلِ البَيتِ (عليهم السلام) في بيانِ الغَيبَةِ


بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله (سبحانه وتعالى) في محكم كتابه الكريم:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}


تهنئة وتبريك

في البداية أتقدم بالتبريكات والتهاني الحارة بهذه المناسبة السعيدة مناسبة ولادة سيدنا ومولانا الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) وأسأل الله تعالى أن يجعلنا من جنوده وأعوانه والممهِّدين لظهوره،كما نسأله تعالى أن يتقبل من جميع إخواننا المؤمنين (أعزهم الله) إقامتهم لهذه الشعائر الدينية الإسلامية في مثل هذه الأيام الشريفة ولا سيما من شاركونا في هذا المجلس الشريف.


المقدمة

الحديث حول هذه المناسبة حديث واسع، ولا سيما بعد الأجواء التي وضعنا فيها الإخوة الأعزاء، وكنت أحاول في هذه الدقائق التي مرت علينا أن أستوحي حديثي من هذا المجلس الشريف، ومما أًلقي فيه من شعر ونثر، وكله جيد لا سيما في مضمونه وأدائه، حيث وجدت أن هناك آفاقاً وذكريات كثيرة، وكذلك أثارتني القضايا التي طرحها الإخوة الأعزاء، مثل قضية الآلام والمحن التي نواجهها، ونتوجه للشكوي فيها للمهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، والاستغاثة والاستنجاد به في محنتنا وآلامنا، حيث أتذكر محنته وآلامه التي هي أشد من محنتنا وآلامنا أضعافاً مضاعفة.

ولكن الله تعالى وهبه ما لم يهبنا من قدرة الصبر والتحمل والثبات في ميدان العمل والمحنة وحاشاه (صلوات الله وسلامه عليه) أن يكون مطمئناً أو يشعر بالأمن والاستقرار والهدوء والراحة، وهو يري ما جري علي شيعة أهل البيت (عليه السلام) وما جري علي أهله أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما جري على أمه الزهراء (سلام الله عليها) وما جري علي أبيه علي والحسين (عليهما السلام) وجده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد قال الشاعر علي لسانه: أتراني اتخذت لا والاها بعد بيت الأحزان بيت سرور.

والحديث في هذا الموضوع حديث واسع، وهناك حديث آخر وهو حديث زيارتنا لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في مثل هذه الأيام الشريفة، حيث إن لزيارة النصف من شعبان ميزة خاصة سواء علي مستوي ما ورد فيها من روايات معتمدة وموثقة في شأنها وفضلها، أم ما كان يتعامل معها العلماء من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) حيث كانوا يميزونها هي أو عرفة علي بقية الزيارات في الاهتمام والقصد الي الإمام الحسين (عليه السلام) في مثل هذه الأيام.

وأنا أتذكر أني منذ أن فتحت عيني علي الأمور والقضايا وأدركتها، وحتي خرجت من العراق،لم أترك زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في النصف من شعبان، باستثناء السنة التي قضيتها في السجن، وكل السنوات التي أمضيتها كنت ملتزماً بهذه الزيارة الشريفة، حيث إن الإمام الحكيم (قدّس سرّه) كان يلتزم بهذه الزيارة وزيارة عرفة، وكان من توفيقات الله تعالى عليّ أن الإمام الحكيم كان يأخذني معه في هذه الزيارة ومنذ صغري، من أجل أن يخفف عن والدتي (رحمها الله) ثقلي، لأني كنت كثير الحركة منذ الصغر ومعروف بذلك، ومنذ ذلك الوقت كنت ملتزماً بهذه الزيارة حتي خرجت من العراق وحرمت من زيارته (عليه السلام).

وبالأمس عندما ذهبت الي السطح في ليلة النصف من شعبان من أجل أن أخاطب الإمام الحسين (عليه السلام) وأتطلع في السماء،كنت أتذكر تلك الليالي التي كنا نزور فيها الإمام الحسين (عليه السلام) عن قرب، واستغثت بالله تعالى وتشفعت بأهل البيت وبالإمام الحسين في أن يسهل لنا أمر زيارة سيدنا ومولانا أبي عبد الله (عليه السلام)، في مثل هذه المناسبات أسأل الله تعالى أن يجعل هذا الحرمان من أجل القربي له، ويعوضنا عن ذلك بمزيد من الأجر والثواب فالله (سبحانه وتعالى) واسع العطاء والمغفرة.


الحَدِيْثُ حَوْلَ الانتفاضةِ الشَعْبانيّةِ

وهناك أُفق آخر من الحديث، و هو الحديث حول الانتفاضة الشعبانية، وما جري فيها في العراق، وقد قلت في حديثي عن الشهداء أسرة الإمام الحكيم (قدّس سرّه) إن أفراح أهل البيت (عليهم السلام) في شعبان تحولت - بالنسبة لنا - إلي أحزان، فكانت الانتفاضة الشعبانية تمثل هذا البعد من أبعاد الأحزان المجيدة الشريفة، أحزان العزة والكرامة والشهادة، فحزننا علي الإمام الحسين (عليه السلام)،كله عزّ وكرامة وفخر وتكامل في طريق الوصول إلي الله تعالى.

وهذا خلاصة ما يذكره الإمام زين العابدين (عليه السلام)، إن أعيادنا مآتمنا. ويقول أيضاً،كان من كرامتنا علي الله الشهادة، وأن يكون عزنا هو هذا العز، ولكن الشهادة والاستشهاد في انتفاضة شعبان لا أعرف لها نظيراً في تأريخنا الإسلامي، حيث كان عدد الشهداء بهذا القدر الكبير وبهذه النوعية، ومع قطع النظر عن نوعية شهادات أهل البيت (عليهم السلام) التي لا يمكن أن تباريها أي كيفية ونوعية أُخري، فلا يمكن أن نجد هذا القدر من العلماء والأفاضل والأبرار والشخصيات التي نعرفها في العراق، استشهدت في حادثة واحدة وفي مدة قصيرة كما حدث في الانتفاضة الشعبانية، وهذا من امتيازات الانتفاضة الشعبانية.

وهناك تقديرات بمئات الألوف ممن استشهدوا في هذه الحادثة وفي فترة زمنية محدودة، ولكنها شهادة فخر وعز أراد فيها هذا الشعب أن يعبر عن حقيقة ولائه وارتباطه بأهل البيت (عليهم السلام) من ناحية وارتباطه بالإسلام من ناحية أخري.

وهناك حديث واسع حول الانتفاضة وما جري فيها، وآثارها العميقة في مجري تأريخنا السياسي والاجتماعي، ولعل المستقبل يكشف جوانب أخري لا يمكن أن نراها؛ لأن رؤيتنا للمستقبل تبقي رؤية محدودة، ولكن قد تكشف الأجيال التي تأتي بعدنا أو جيلنا عن عظمة هذه الانتفاضة، والدور العظيم الذي قامت به في تأريخ الشعب العراقي.

ولذلك يجب أن تبقي الانتفاضة سواء علي مستوي مجري الأحداث أم علي مستوي المشاعر والعواطف والجانب الروحي والمعنوي في أعماق أبناء الشعب العراقي، وهذه مسؤولية كبيرة يتحملها هذا الجيل من أبناء الشعب العراقي، ولابد أن ينقلها الي الأجيال الأخري باعتبار ما أشرت إليه من الامتيازات التي امتازت بها هذه الاتنفاضة ولا سيما في بُعد التضحية والفداء والجهاد في سبيل الله.

وأحد الأمور المهمة في هذه الانتفاضة هو حضور العلماء فيها وحضور أكبر شخصية علمية وأكبر مقام علمي في عالم التشيع وهو الإمام الخوئي (قدّس سرّه) حيث كان له حضور فعلي وواقعي في الانتفاضة، وكان يسانده في هذا الأمر المرجع الكبير آية الله العظمي السيد السبزواري (قدّس سرّه) مضافاً إلي العدد الكبير من المجتهدين الذين فُقدوا في الانتفاضة، حيث قام النظام باعتقالهم وتضييعهم والله تعالى أعلم بمصيرهم.


أصْلُ النَظَريّة المَهْدَويّة

وهناك أُفق آخر من الحديث - ولا أريد أن أطيل عليكم - هو أفق يرتبط بالإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) وكان بودي أن أتناول هذا الموضوع بصورة أكثر تفصيلاً، سواء فيما يتعلق بأصل النظرية المهدوية وارتباطها بحركة الأنبياء بصورة عامة وبالرسالة الإسلامية الخاتمة وبأهل البيت (عليهم السلام) بصورة خاصة، أم فيما يتعلق بالجانب الآخر لقضية الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، وهو جانب يرتبط بهذه المشكلة المعقدة والصعبة التي واجهها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في إرساء هذه الفكرة ووجودها في المجتمع الإسلامي، ولا سيما بين أبناء الجماعة الصالحة جماعة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) بحيث تحولت هذه الفكرة من نظرية الي واقع تتعايش معه هذه الجماعة في مختلف أدوارها سواء الأدوار التاريخية والأزمنة المختلفة التي مرت علي هذه الحادثة حيث مرّ عليها أكثر من اثني عشر قرناً، أم علي مستوي التفاعل الوجداني والعاطفي والمعنوي، أم علي مستوي التفاعل والحركة السياسية والاجتماعية، بحيث تحولت هذه الجماعة إلي جماعة ممهدة لظهور الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) ومن ثم يكون لها دور المقدمة لحصول تلك النتيجة التي تنتظرها البشرية منذ بداية وجودها وحتي يومنا الحاضر وحتي يظهر (صلوات الله وسلامه عليه).

وهذه أبعاد مهمة جداً في قضية الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) وقد كانت تشكل مشكلة معقدة وصعبة بالنسبة لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) لأنها كنظرية موجودة في الرسالات الإلهية كلها وبدون استثناء علي ما يبدو من النصوص التي وصلت إلينا من هذه الرسالات وبصورة أوضح كنظرية موجودة في الرسالة الإسلامية.

هناك إجماع لدي المسلمين علي فكرة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) ولا تختلف فيها جماعة من جماعات المسلمين عن جماعة أخري علي مستوي أصل النظرية ووجود مثل هذا الإمام في آخر الزمان، حيث يقوم بمهمة القضاء علي الظلم والفساد والجور والطغيان ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً. فهذه النظرية لا شك فيها، ولكن المشكلة هي أن هذا الإمام هل هو إمام موجود وحي ويتحرك بين الناس ويبقي علي قيد الحياة حتي يأذن الله تعالى له بالخروج والقيام بهذه المهمة أم لا؟ وهذا الجانب من القضية هو الموضوع الصعب والمعقد الذي كان يواجههه أهل البيت (عليهم السلام) في تحقيقه كواقع قائم بين المسلمين سواء علي مستوي الجماعة أم مع من يتعاطف معها.


إشْكالٌ حَوْلَ الغَيْبَةِ

و هذا الإشكال ينشأ من عدة قضايا أساسية:

أولاً: ينشأ من إشكال الحالة الغيبية في قضية الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) فكيف يتحمل إنسان بهذا العمر الصغير هذه المسؤولية الكبيرة، ثم بعد ذلك يطول به العمر هذه المدة الطويلة، ومن ثم فهي قضية غريبة في حياة الناس وتعتبر قضية غيبية، ودائماً تشكل القضايا الغيبية مشكلة بالنسبة للإنسان. فالإنسان وإن كان يؤمن بالغيب بصورة أساسية وكفكرة عامة قائمة في حياته ولا يمكن أن يتخلي عنها، ولكن هذا شيء، والإيمان به كقضية مشخصة في معالمها شيء آخر.

ولذلك نلاحظ في الرسالات الإلهية أن كل نبي عندما يأتي ويدّعي الانتساب إلي الله تعالى فلا يكتفي منه الناس بمجرد إيمانهم بالغيب ووجود الجماعات والأقوام وأتباع الرسل السابقين الذين يؤمنون بالغيب، وإنما يحتاج الي إقامة الشواهد والأدلة والمعاجز علي انتسابه الخاص لله تعالى.

فقضية الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) وإن كانت قضية غيبية، ولكنها بهذه المواصفات والخصوصيات كانت تمثل مشكلة من المشاكل المعقدة بالنسبة لأهل البيت (عليهم السلام)، وكان علي أهل البيت (عليهم السلام) أن يحلّوا هذه الإشكال حتي تصبح هذه القضية كواقع قائم بين المسلمين وفي أوساط هذه الجماعة.

وهناك جانب آخر من الإشكال له أهمية خاصة في جماعة أهل البيت (عليهم السلام)، فهذه الجماعة تختلف عن الجماعات الأخري من المسلمين في نقطة أساسية ومهمة، وهي أن أهل البيت (عليهم السلام) ربّوا هذه الجماعة علي العلم والمعرفة والتقوي والورع في الالتزام بالعقائد والمواثيق والعهود، ولم يسطحوا الحالة العقلية والفكرية في هذه الجماعة بحيث تقبل هذه الجماعة أي دعوي، وإنما تربي هؤلاء الجماعة علي أن يتأكدوا من كل دعوي وقضية عن طريق البحث العلمي والضوابط العلمية والرجوع إلي اليقين والمعرفة في إدراك الحقائق؛ ولذلك تمكنت هذه الجماعة أن تقف في فهمها للأحداث التاريخية أمام التيار العالمي الذي كان يتحرك في التاريخ والذي كان يعتمد علي الظنون والأوهام والادعاءات، أو علي الظواهر الخارجية دون التحقيق في معرفة التاريخ.


مَنْهَجُ أهْلِ البَيْتِ (عَلَيهُمُ السَلام) فِي حَلِّ الإشْكالِ حَولَ الغَيْبَةِ

وهناك جانب ثالث من الإشكال واجهه أهل البيت (عليهم السلام) في قضية الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) وهو أن أهل البيت (عليهم السلام) من أجل أن يحلوا مشكلة الإمام الآخر الموصي به الإمام بعد الإمام، وضعوا منهجاً أكدوا عليه كثيراً من أجل أن يصل هذا الشيعي المطارد والمحاصر للحقيقة، وهو أن أحد الأساليب لمعرفة هذا الإمام هو أن يكون هو الإمام الموصي له من قبل الإمام السابق بالأمور العامة أي فيما يعبر عنه بإدارة الشؤون ما بعد وفاته، وفي تنفيذ وصاياه في أمواله وديونه وعهوده ومواثيقه وإلي غير ذلك من الشؤون العامة.

فأحد الأساليب المهمة التي اتبعها الأئمة (عليهم السلام)، هو التعريف عن هذا الطريق، والإمام المهدي (عليه السلام) لم يكن بوضعه الخاص مؤهلاً للقيام بمثل هذه العملية باعتبار ظروف الحصار والمطاردة والغيبة التي غابها (عليه السلام).

والأمر الآخر الذي كان أتباع أهل البيت (عليهم السلام) يتبعونه لكي يعرفوا به الإمام الآخر الذي بعد الإمام، هو الوصول إلي هذا الإمام وأخذ المعلومات الخاصة منه، حيث يؤتي إليه فيسأل الأسئلة المختلفة والمعقدة والإمام يجيب عليها، فمن كان قادراً علي حل كل مشكلة والإجابة عن الأسئلة التي تطرح عليه فهو الإمام. وعندما كان شيعة أهل البيت (عليهم السلام) يواجهون مشكلة فإنهم يأتون للإمام فيجدونه مملوءاً بالعلم.

وأما الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) فباعتبار أنه فرضت عليه الغيبة فلم يكن من الميسور للشيعة الوصول إليه ومعرفة الحقيقة من خلال التماس والارتباط المباشر به والتعرف علي هذه الحقيقة، فكان هناك إشكال معقّد من هذا الجانب في تعريف الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) لشيعته بحيث يتمكنون من معرفة إمامته.

وهنا نجد أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تمكنوا من حل هذه الإشكالات من خلال مجموعة من الإجراءات التي اتخذوها وبالعناية الإلهية والفيض الرباني، فهذه الإجراءات مرتبطة بالله تعالى باعتبار أن إمامتهم من الله تعالى وهو الذي يفيض رحمته عليهم فيهيئ لهم هذه القضايا ويحمل هذه الإشكالات.

وأحد الأمور الهامة في هذا الجانب هو قضية الإمام الجواد (عليه السلام) حيث نجد أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد تمكنوا أن يجسدوا ذلك خارجياً أمام كل المسلمين وليس شيعة أهل البيت (عليهم السلام) فقط، فقد كان شيعة أهل البيت (عليهم السلام) يرون هذه الحقيقة أي يرون القضية الغيبية في إمام قريب العهد من الإمام المهدي وهو الإمام الجواد، حيث كانت إمامته في عمر سبع سنوات، وقد دامت هذه الإمامة حوالي (18سنة) وفي مركز العالم الإسلامي وفي بغداد، حيث كان يمارس هذا الدور بصورة علنية وهو صغير السن، وتمكن أن يقوم بهذه المهمة خير قيام وبتجسيد واضح.

ثم تكرر هذا التجسيد بشكل واضح في الإمام الهادي ابن الإمام الجواد (عليهما السلام) لأنه كان استمراراً لقضية الإمام الجواد (عليه السلام) حيث تسلم الإمام الهادي (عليه السلام) الخلافة وعمره حوالي ثماني سنوات، وكان من الأئمة الذين تسلموا الإمامة لمدة طويلة كالإمام زين العابدين (عليه السلام)، حيث كانت مدة إمامته أربعة وثلاثين عاماً، وكذلك الإمام الصادق والكاظم (عليهما السلام) فقد استمرت إمامة الإمام الهادي (عليه السلام) مدة أربعة وثلاثين عاماً، وقد يزيد بعضهم أياماً أو أشهر.

لقد قام الإمام الهادي (عليه السلام) بهذه الممارسة في هذه المنطقة بالرغم من الحصار الذي مارسه العباسيون، وقد تمكن أن يدخل إلي قلوب الناس وإلي قلوب الجهاز الحاكم، لدرجة أن الجهاز الحاكم كان يشعر بالخوف من سقوط الخليفة علي يد شيعة الإمام الهادي (عليه السلام) الذين هم داخل الجهاز والذين لهم علاقة بمركزه، وكان هذا الجهاز يتعامل معه (عليه السلام) تعامل التقديس وكان أفراد هذا الجهاز يرون له هذا الموقع الخاص.

وقد ذكرت بعض الروايات أن الإمام الهادي (عليه السلام) عندما كان يأتي في يوم الاستقبال الذي يستقبل فيه الخليفة الناس في الأعياد، كان الإمام (عليه السلام) يمر - وهو في ذلك الحصار - والناس كانوا يصابون بحالة من السكوت والوجوم المطلق، فكان ينفرج له الطريق فيخرج علي سماطين حتي يصل إلي مركز الخليفة.

فهيبة الإمام الهادي (عليه السلام) وعمق تأثيرة في نفوس الناس كان بهذه الصورة حتي في نفس الجهاز الحاكم. وهذا كان له تأثير في التمهيد للحالة الغيبية أن يكون إمام بهذا العمر، ويتمكن أن يقوم بهذا الدور دون أن يكون هناك أي إشكالٍ في إمامته، وكان (عليه السلام) يمثل تجسيداً لحالة عيسي (عليه السلام) التي يذكرها القرآن الكريم، لكن عندما تجسد هذه الحالة بين الناس كحالة قائمة وفي هذا السن الصغير - حيث تمكن (عليه السلام) أن يقوم بهذا الدور العظيم والناس يشاهدونه ليل نهار - فهذه القضية تزيل ذلك الجانب الغيبي الذي نعبر عنه بأنه مشكلة.


دَورُ الإمامِين الهادِي والعَسْكَرِي (عليهما السلام) في حَلِّ الإشْكالِ

الأمر الثاني الذي قام به أهل البيت (عليهم السلام) وكان فيه دور عظيم للإمامين الهادي والحسن العسكري (عليهما السلام) هو أنهما (عليهما السلام) عَرَفا أشخاصاً وطرحوهم كثقات مطلقين، ثم شاء الله تعالى أن يكون هؤلاء الأشخاص نواباً للإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، وكان من جملة هؤلاء: عثمان بن سعيد العمري وولده محمد بن عثمان المعروف بالخلاني وهو النائب الثاني للإمام وقال عنهما: «العمري وابنه ثقتان ما أديا فعني يؤديان» وغير ذلك من الروايات التي وردت، بحيث أصبح تعريف هذين الشخصين حقيقة من الحقائق المطلقة في أوساط شيعة أهل البيت (عليهم السلام) لأن الإمام الهادي (عليه السلام) قام بهذا التعريف بصورة مستمرة، ثم قام به بعده الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).

فالأئمة (عليهم السلام) مهدوا لهذا الأمر من خلال تعريف النائبين الأولين اللذين يتحملان بصورة أساسية الدفاع عن هذه الفكرة وتوضيحها، وهذه إحدي الطرق التي اتبعها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لحل هذه المشكلة، حيث عرّفوا شخصين لهما هذا الدور الخاص وهذان الشخصان قاما بدور النيابة عن الإمام الهادي (عليه السلام).


دَورُ أئمَةِ أهْلِ البَيتِ (عليهم السلام) في بِناءِ الجَماعَةِ الصالِحَةِ

الأمر الثالث الذي قام به أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لحل هذا الإشكال هو بناء الجماعة الصالحة، وإذا أردنا أن نرجع إلي التاريخ نجد أن الإمام الهادي (عليه السلام) قام بعمل منظم أكثر من العمل الذي قام به الأئمة السابقون، فالأئمة السابقون كان لهم دور في تعبئة الحالة العامة في الوسط الشيعي وفي إرساء المفاهيم والأسس العقائدية والفكرية والتنظيمية وإكمال صورة النظرية، حيث كان للإمام الكاظم (عليه السلام) دور عظيم في هذا المجال، فقد طرح قضية الخمس بقوة ونظّم شؤون الخمس وإدارته العملية وتنظيم الوكلاء، ولكن الإمام الهادي (عليه السلام) بدأ يبني هذه الجماعة بناء قوياً ومحكماً بحيث أصبحت هذه الجماعة مؤهلة لأن تقوم بهذه المهمة في غيبة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) لأن أحد الإشكالات التي تواجه الغيبة هو وجود الفراغ؛ لأن الغيبة علي كل حال تشكل نسبة من الفراغ.

صحيح إن الإمام (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) حي ويتابع وهو موجود من وراء السحاب كما ورد التعبير بذلك في الرواية ولكن عدم المشاهدة يمثل فراغاً، فمن يملأ هذا الفراغ؟

تملأه الجماعة بعلمائها ومحدثيها؛ لأن هذه الجماعة هُيئت في زمن الهادي تهيئة كاملة فالإمام الهادي (عليه السلام) كان له دور عظيم جداً في تنظيم هذه الجماعة بحيث أصبحت قادرة علي أن تتحمل مسؤولية سد هذا الفراغ الذي يحدث بسبب غيبة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف). وعندما تكون هذه الجماعة قادرة علي تحمل هذه المسؤولية، فعندئذ يمكن أن تؤدي مسؤولية الإقناع وإيصال هذه المفاهيم ذات العلاقة بالإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) وعندئذٍ تكون هذه الجماعة مؤهلة للقيام بهذا الأمر، وقد قامت به وجعلته من الحقائق الواقعية في التأريخ الإسلامي.

وأحد المؤشرات المهمة علي موضوع الجماعة الصالحة هو ما نلاحظه بعد الغيبة، حيث نلاحظ أن هناك بروزاً واضحاً وكبيراً لم تشهده هذه الجماعة حتي في زمن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث كان هناك بروز علي المسرح الاجتماعي والعلمي فظهرت شخصية الشيخ المفيد والسيد المرتضي وأخيه السيد الرضي ثم شخصية الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) ومن بعده، بحيث أصبحت هذه الجماعة تتحرك بصورة يقبلها الوسط الإسلامي كحقيقة من الحقائق لا بمعني أن ينسجم معها، فقد كانت هناك صراعات ولكن يقبلها كحقيقة من الحقائق بحيث إن كبار علماء السنة كانوا يدرسون عند الشيخ المفيد.

وعندما توفي الشيخ المفيد اشترك في تشييعه كل أجهزة الدولة والشخصيات العلمية والإدبية المعروفة في ذلك الوقت، وهكذا بالنسبة للسيد المرتضي فقد كان له دور خاص أيضا، وكذا الشيخ الطوسي له موقعه في بغداد.

ونلاحظ أن هذه الجماعة برزت بعد الغيبة الصغري علي المسرح ومنذ ذلك الوقت وحتي الآن كان لهذه الجماعة هذه الشخصية والقدرة في مختلف الأوساط، وبدأت تبرز في مناطق أخري من العالم الإسلامي.

وهذا أحد المؤشرات علي ذلك العمل العظيم الذي قام به الإمام الهادي (عليه السلام)، وكان للغيبة الصغري دور عظيم جداً في إكمال هذا البناء حتي أصبحت الجماعة مؤهلة للقيام بهذه المهمة.

وإحدي القضايا المهمة جداً في هذا المجال هي ظاهرة العلماء الكبار الذين خضعوا للنواب الأربعة، الأمر الذي قد يؤشر الي أن الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) كان يلتقي ببعض هؤلاء، حيث توجد عندنا بعض النصوص التي تشير الي أن بعض الناس شاهدوا الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) في زمن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وبعضهم شاهدوه في الغيبة الصغري وبعضهم كان يتلقي منه تواقيع وكتباً.

وفي النصوص يوجد تأكيد كبير علي مثل هذه المعالم، ومجموع هذه النصوص التي تحدثت عن هذا الموضوع تكاد تصل إلي حد القطع واليقين، نعم قد يكون هذا النص وحده أو ذاك لا يصل إلي حد القطع، ولكن مجموع هذه النصوص الموجودة توصل الإنسان الي حد القطع واليقين وأن الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) كان يلتقي ببعض هؤلاء الناس.

نعم هذه اللقاءات الله أعلم بها ولكن أصل هذه اللقاءات كانت قائمة.

وهنا مؤشران:

الأول: تسليم هذه الطبقة العلمية المتميزة كالشيخ الكليني الذي كان يعيش في فترة الغيبة الصغري، والذي يكاد أن لا نجد له نظيراً في تلك الفترة، فقد كتب كتاب الكافي الذي يعتبر من الموسوعات المزيدة العظيمة التي كتبها يعتبر شخصية علمية كبيرة ومع ذلك كان يسلم لهؤلاء النواب الأربعة الذين هم بحسب نظر الناس دونه في المستوي الاجتماعي والعلمي.

طبعاً في البحث التاريخي توجد شخصيات ليست بمستوي الشيخ الكليني لكن كان يُعترف لهم من حيث الوضع الاجتماعي أنهم أفضل من النواب الأربعة بحيث إن بعض الناس كان ينتظر أن تنتقل النيابة لهم كما هو الحال بالنسبة للسمري (رضوان الله عليه) حيث كان هناك توقع بانتقال النيابة إلي شخص آخر بعد الحسين بن روح و لكن باعتبار أن ذاك الشخص كان معروفاً بالعلم والفضل و التقرب من حسين بن روح (رضوان الله عليه) فهذا مؤثر.

فوجود هذا التسليم في الوسط العلمي لقضية الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) ولنوابه هو أحد الأدلة المهمة التي كان يستند إليها أبناء الجماعة الصالحة عندما يفتشون عن الحقيقة ويريدون أن يعرفوها، ولازالت هذه القضية من القضايا المهمة كما أشرت إليها في موضوع المرجعية الصالحة، حيث قلت:

إن من المؤشرات المهمة التي يمكن أن نميز بها الحق عن غيره هو هذا المؤشر، وهو عندما تصبح الحوزة العلمية تسلم لعالم من العلماء وتقبل باجتهاده المطلق أو تجد الحوزة العلمية ترفض بصورة عامة اجتهاد شخص من الأشخاص، فهذا يكون له مدلول من الناحية العلمية في فهم الحقيقة.

ولذلك عندما يسلم علماء الجهاد للإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) ونوابه الأربعة فهذا يكون مؤشراً علي هذه الحقيقة لأنه لماذا يسلم هذا العالم مع أنه أكثر علماً ومعرفة، وهو رجل رُبّي علي الورع والتقوي وعلي تتبع الحق بالطرق العلمية، فلماذا يترك كل هذه الشؤون الدينية والاجتماعية ويتنازل لشخص آخر لم تكن له حقيقة من الحقائق القائمة التي تؤشر علي هذا الواقع وهو واقع وجود الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)؟

والثاني: وهو دليل مهم جداً لمن يتابع التاريخ، ويمكن أن يقف أمام كثير من الشبهات التي أثيرت في الأيام الأخيرة علي لسان أحمد الكاتب وأمثاله، وهي شبهات سخيفة في الواقع؛ لأنها كلها شبهات أثيرت في تلك الأيام، يعني لا توجد شبهة جديدة أثارها أحمد الكاتب وإنما كلها شبهات أثارتها الزيدية في زمن الأئمة (عليهم السلام) وبعضها أثيرت من بعض المشككين في قضية الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) بعد الغيبة الصغري أما في كتاب النعماني أو في كتاب غيبة الشيخ الطوسي أو موجودة في الكتب الأخري، فلم يأت بشيء جديد.

وقد أجاب عنها علماؤنا الأبرار في ذلك الوقت، غاية الأمر أنه حاول أن يستخدم أساليب تمويهية وتضليلية جديدة بأخذ بعض النصوص من هذا الكتاب أو ذاك أو وسائل من هذا القبيل بحيث إن بعض الناس قد يقع في حالة التضليل.

هذا والنقطة المهمة أنه بعد غيبة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) كانت هناك مشكلة وكان يترد هذا السؤال وهو:

لماذا غاب الإمام؟ وهل هو موجود؟

وكانت تثار شبهات هناك، ونلاحظ أنه بعد الغيبة الصغري انتهت تماماً هذه الشبهات، يعني لا توجد الآن فرقة بين المسلمين تؤمن بأحد عشر إماماً ولا تؤمن بالإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) إلاّ أن نسمي أحمد الكاتب فرقة.

وقد تمكن الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) ونوابه والعلماء الذين كانوا معهم، أن يقفوا أمام كل هذه الشبهات ويبطلوها، ولم يبق هناك أي أثر من الناحية الواقعية لهذه الشبهات، نعم قد يبقي أثر علي مستوي الكتابة في هذا الكتاب أو ذاك.

وحتي العلويين يؤمنون بالأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) ولكنهم لا يلتزمون بما نلتزم به في موضوع النواب الأربعة؛ لأنهم يشككون في النواب الأربعة لا في الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) وهكذا بعض جماعات الشيعة التي تؤمن بالأئمة بالاثني عشر (عليهم السلام) والأمر الذي يعني أن الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) والنواب الأربعة والعلماء الذين كانوا في ذلك العصر تمكنوا من التغلب علي هذه المشكلة بحيث أصبحت من القضايا الواضحة والبينة لدي أهل البيت (عليهم السلام).

نسأله تعالى أن يجعلنا من أبناء هذه الطريقة ومن جنودها.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية