دَورُ أئمَةِ أهْلِ البَيتِ (عليهم السلام) في بِناءِ الجَماعَةِ الصالِحَةِ
الأمر الثالث الذي قام به أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لحل هذا الإشكال هو بناء الجماعة الصالحة، وإذا أردنا أن نرجع إلي التاريخ نجد أن الإمام الهادي (عليه السلام) قام بعمل منظم أكثر من العمل الذي قام به الأئمة السابقون، فالأئمة السابقون كان لهم دور في تعبئة الحالة العامة في الوسط الشيعي وفي إرساء المفاهيم والأسس العقائدية والفكرية والتنظيمية وإكمال صورة النظرية، حيث كان للإمام الكاظم (عليه السلام) دور عظيم في هذا المجال، فقد طرح قضية الخمس بقوة ونظّم شؤون الخمس وإدارته العملية وتنظيم الوكلاء، ولكن الإمام الهادي (عليه السلام) بدأ يبني هذه الجماعة بناء قوياً ومحكماً بحيث أصبحت هذه الجماعة مؤهلة لأن تقوم بهذه المهمة في غيبة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) لأن أحد الإشكالات التي تواجه الغيبة هو وجود الفراغ؛ لأن الغيبة علي كل حال تشكل نسبة من الفراغ.
صحيح إن الإمام (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) حي ويتابع وهو موجود من وراء السحاب كما ورد التعبير بذلك في الرواية ولكن عدم المشاهدة يمثل فراغاً، فمن يملأ هذا الفراغ؟
تملأه الجماعة بعلمائها ومحدثيها؛ لأن هذه الجماعة هُيئت في زمن الهادي تهيئة كاملة فالإمام الهادي (عليه السلام) كان له دور عظيم جداً في تنظيم هذه الجماعة بحيث أصبحت قادرة علي أن تتحمل مسؤولية سد هذا الفراغ الذي يحدث بسبب غيبة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف). وعندما تكون هذه الجماعة قادرة علي تحمل هذه المسؤولية، فعندئذ يمكن أن تؤدي مسؤولية الإقناع وإيصال هذه المفاهيم ذات العلاقة بالإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) وعندئذٍ تكون هذه الجماعة مؤهلة للقيام بهذا الأمر، وقد قامت به وجعلته من الحقائق الواقعية في التأريخ الإسلامي.
وأحد المؤشرات المهمة علي موضوع الجماعة الصالحة هو ما نلاحظه بعد الغيبة، حيث نلاحظ أن هناك بروزاً واضحاً وكبيراً لم تشهده هذه الجماعة حتي في زمن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث كان هناك بروز علي المسرح الاجتماعي والعلمي فظهرت شخصية الشيخ المفيد والسيد المرتضي وأخيه السيد الرضي ثم شخصية الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) ومن بعده، بحيث أصبحت هذه الجماعة تتحرك بصورة يقبلها الوسط الإسلامي كحقيقة من الحقائق لا بمعني أن ينسجم معها، فقد كانت هناك صراعات ولكن يقبلها كحقيقة من الحقائق بحيث إن كبار علماء السنة كانوا يدرسون عند الشيخ المفيد.
وعندما توفي الشيخ المفيد اشترك في تشييعه كل أجهزة الدولة والشخصيات العلمية والإدبية المعروفة في ذلك الوقت، وهكذا بالنسبة للسيد المرتضي فقد كان له دور خاص أيضا، وكذا الشيخ الطوسي له موقعه في بغداد.
ونلاحظ أن هذه الجماعة برزت بعد الغيبة الصغري علي المسرح ومنذ ذلك الوقت وحتي الآن كان لهذه الجماعة هذه الشخصية والقدرة في مختلف الأوساط، وبدأت تبرز في مناطق أخري من العالم الإسلامي.
وهذا أحد المؤشرات علي ذلك العمل العظيم الذي قام به الإمام الهادي (عليه السلام)، وكان للغيبة الصغري دور عظيم جداً في إكمال هذا البناء حتي أصبحت الجماعة مؤهلة للقيام بهذه المهمة.
وإحدي القضايا المهمة جداً في هذا المجال هي ظاهرة العلماء الكبار الذين خضعوا للنواب الأربعة، الأمر الذي قد يؤشر الي أن الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) كان يلتقي ببعض هؤلاء، حيث توجد عندنا بعض النصوص التي تشير الي أن بعض الناس شاهدوا الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) في زمن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وبعضهم شاهدوه في الغيبة الصغري وبعضهم كان يتلقي منه تواقيع وكتباً.
وفي النصوص يوجد تأكيد كبير علي مثل هذه المعالم، ومجموع هذه النصوص التي تحدثت عن هذا الموضوع تكاد تصل إلي حد القطع واليقين، نعم قد يكون هذا النص وحده أو ذاك لا يصل إلي حد القطع، ولكن مجموع هذه النصوص الموجودة توصل الإنسان الي حد القطع واليقين وأن الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) كان يلتقي ببعض هؤلاء الناس.
نعم هذه اللقاءات الله أعلم بها ولكن أصل هذه اللقاءات كانت قائمة.
وهنا مؤشران:
الأول: تسليم هذه الطبقة العلمية المتميزة كالشيخ الكليني الذي كان يعيش في فترة الغيبة الصغري، والذي يكاد أن لا نجد له نظيراً في تلك الفترة، فقد كتب كتاب الكافي الذي يعتبر من الموسوعات المزيدة العظيمة التي كتبها يعتبر شخصية علمية كبيرة ومع ذلك كان يسلم لهؤلاء النواب الأربعة الذين هم بحسب نظر الناس دونه في المستوي الاجتماعي والعلمي.
طبعاً في البحث التاريخي توجد شخصيات ليست بمستوي الشيخ الكليني لكن كان يُعترف لهم من حيث الوضع الاجتماعي أنهم أفضل من النواب الأربعة بحيث إن بعض الناس كان ينتظر أن تنتقل النيابة لهم كما هو الحال بالنسبة للسمري (رضوان الله عليه) حيث كان هناك توقع بانتقال النيابة إلي شخص آخر بعد الحسين بن روح و لكن باعتبار أن ذاك الشخص كان معروفاً بالعلم والفضل و التقرب من حسين بن روح (رضوان الله عليه) فهذا مؤثر.
فوجود هذا التسليم في الوسط العلمي لقضية الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) ولنوابه هو أحد الأدلة المهمة التي كان يستند إليها أبناء الجماعة الصالحة عندما يفتشون عن الحقيقة ويريدون أن يعرفوها، ولازالت هذه القضية من القضايا المهمة كما أشرت إليها في موضوع المرجعية الصالحة، حيث قلت:
إن من المؤشرات المهمة التي يمكن أن نميز بها الحق عن غيره هو هذا المؤشر، وهو عندما تصبح الحوزة العلمية تسلم لعالم من العلماء وتقبل باجتهاده المطلق أو تجد الحوزة العلمية ترفض بصورة عامة اجتهاد شخص من الأشخاص، فهذا يكون له مدلول من الناحية العلمية في فهم الحقيقة.
ولذلك عندما يسلم علماء الجهاد للإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) ونوابه الأربعة فهذا يكون مؤشراً علي هذه الحقيقة لأنه لماذا يسلم هذا العالم مع أنه أكثر علماً ومعرفة، وهو رجل رُبّي علي الورع والتقوي وعلي تتبع الحق بالطرق العلمية، فلماذا يترك كل هذه الشؤون الدينية والاجتماعية ويتنازل لشخص آخر لم تكن له حقيقة من الحقائق القائمة التي تؤشر علي هذا الواقع وهو واقع وجود الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)؟
والثاني: وهو دليل مهم جداً لمن يتابع التاريخ، ويمكن أن يقف أمام كثير من الشبهات التي أثيرت في الأيام الأخيرة علي لسان أحمد الكاتب وأمثاله، وهي شبهات سخيفة في الواقع؛ لأنها كلها شبهات أثيرت في تلك الأيام، يعني لا توجد شبهة جديدة أثارها أحمد الكاتب وإنما كلها شبهات أثارتها الزيدية في زمن الأئمة (عليهم السلام) وبعضها أثيرت من بعض المشككين في قضية الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) بعد الغيبة الصغري أما في كتاب النعماني أو في كتاب غيبة الشيخ الطوسي أو موجودة في الكتب الأخري، فلم يأت بشيء جديد.
وقد أجاب عنها علماؤنا الأبرار في ذلك الوقت، غاية الأمر أنه حاول أن يستخدم أساليب تمويهية وتضليلية جديدة بأخذ بعض النصوص من هذا الكتاب أو ذاك أو وسائل من هذا القبيل بحيث إن بعض الناس قد يقع في حالة التضليل.
هذا والنقطة المهمة أنه بعد غيبة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) كانت هناك مشكلة وكان يترد هذا السؤال وهو:
لماذا غاب الإمام؟ وهل هو موجود؟
وكانت تثار شبهات هناك، ونلاحظ أنه بعد الغيبة الصغري انتهت تماماً هذه الشبهات، يعني لا توجد الآن فرقة بين المسلمين تؤمن بأحد عشر إماماً ولا تؤمن بالإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) إلاّ أن نسمي أحمد الكاتب فرقة.
وقد تمكن الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) ونوابه والعلماء الذين كانوا معهم، أن يقفوا أمام كل هذه الشبهات ويبطلوها، ولم يبق هناك أي أثر من الناحية الواقعية لهذه الشبهات، نعم قد يبقي أثر علي مستوي الكتابة في هذا الكتاب أو ذاك.
وحتي العلويين يؤمنون بالأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) ولكنهم لا يلتزمون بما نلتزم به في موضوع النواب الأربعة؛ لأنهم يشككون في النواب الأربعة لا في الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) وهكذا بعض جماعات الشيعة التي تؤمن بالأئمة بالاثني عشر (عليهم السلام) والأمر الذي يعني أن الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) والنواب الأربعة والعلماء الذين كانوا في ذلك العصر تمكنوا من التغلب علي هذه المشكلة بحيث أصبحت من القضايا الواضحة والبينة لدي أهل البيت (عليهم السلام).
نسأله تعالى أن يجعلنا من أبناء هذه الطريقة ومن جنودها.