تهنئة وتبريك | عهد الإمام الرضا (عليه السلام) | الظروف السياسية والاجتماعية في عهد الإمام الرضا (عليه السلام) | حركة زيد النار | موقف الأئمة (عليهم السلام) من الحركات الثورية | موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) من الخلافة | شروط القيادة السياسية الإسلامية  
 
 
 

محاضرة سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) في موقف الأئمة (عليهم السلام) من الحركات الثورية
وذلك في يوم الأربعاء المصادف 16 ذي القعدة 1417 هـ ق الموافق 26 / 3 / 1997 م


موقف الأئمة (عليهم السلام) من الحركات الثورية


بسم الله الرحمن الرحيم

في بداية المحاضرة طُرح على سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) السؤال التالي:

انطلاقاً من مقولة: (إنَّ عدوَّ عدوِّي صديقي)، فإن الإمام الرضا (عليه السلام) قد سكت عن بعض الثورات المناهضة للمأمون في زمانه، وأعلن في بعض الأحيان عدم رضاه بها، معلِّلاً (عليه السلام) أنها كانت لغير الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله).

فهل إن ذلك يعني عدم واقعية تلك المقولة؟، أم أنه يعبِّر عن شيء آخر؟.

فأجاب سماحته:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبيِّنا سيد الأنبياء والمرسلين، حبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا المرتضى (عليه السلام)، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا بقية الله في أرضه الحجة بن الحسن (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

والسلام على شهداء الإسلام في كل مكان منذ الصدر الأول للإسلام، وحتى شهداء هذا العصر.

والسلام على سادتي العلماء، وإخواني وأعزائي المؤمنين الكرام، ورحمة الله وبركاته.

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:

{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}(1).


تهنئة وتبريك

في مثل هذه الأيام الشريفة نعيش ذكرى ولادة سيدنا ومولانا أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، ولذا أتقدم بالتهنئة والتبريك لكل السادة الأفاضل والإخوة الأعزاء، ولجميع المسلمين والمؤمنين - خصوصاً ولي أمر المسلمين - بهذه المناسبة.

كما مَرَّت علينا أيضاً هذه الأيام ذكرى رأس السنة الهجرية الشمسية التي تتخذها هذه البلاد المباركة الشريفة سنَتَها الدورية العملية، نسأل الله تعالى أن يجعلها سنة مباركة ميمونة للمسلمين جميعاً، وأن يحقِّق لهم أمانيهم وآمالهم فيها بالنصر العاجل والفَرَج إن شاء الله.


عهد الإمام الرضا (عليه السلام)

إن الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) حديث طويل جداً، قد تناولْتُ بعض جوانبه في أحاديث سابقة، وفيما يتعلق بالجواب عن السؤال المطروح يحسن أن أشير إلى نقطة مهمة في هذا الموضوع، وهي:

إنّ الإمام الرضا (عليه السلام) على ما يبدو من حياته وحياة الأئمة من بعده كالإمام أبي جعفر محمد بن علي الجواد (عليهما السلام)، وأبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي (عليهما السلام)، ومن بعده ولده أبي محمد الحسن ابن علي العسكري الزكي (عليهما السلام)، هؤلاء الأئمة جميعا كانوا يمثِّلون مرحلة جديدة من مراحل حركة أهل البيت (عليهم السلام) وإمامتهم، وهذه المرحلة فيها الكثير من المعالم:


الظروف السياسية والاجتماعية في عهد الإمام الرضا (عليه السلام)

أحد هذه المعالم هي الظروف السياسية والاجتماعية وتطور الأوضاع الدينية والعقائدية، فقد فرض كل ذلك على الأئمة (عليهم السلام) أن يعيشوا ضمن البلاط العباسي، ويكون لهم موقع معيَّن فيه، ومن الواضح أن هذا التعايش لم يكن باختيار الأئمة (عليهم السلام)، وإنما كانت هناك ظروف قاهرة فَرضَتْ عليهم أحياناً العيش بهذا الشكل، فكان وجودهم (عليهم السلام) في البلاط شبيهاً بوجودهم في السجن.

إنّ الإمام الرضا (عليه السلام) طُلب منه أن يتصدَّى للخلافة بشكل مباشر فلم يقبل ذلك، ثم طُلب منه (عليه السلام) أن يتصدَّى لولاية العهد فلم يقبل أيضاً، حتى فُرضت عليه بعد ذلك بالقهر أن يتحمَّلها ولو شكلاً وعنواناً، فاشترط (عليه السلام) أن لا يتحمَّل أي مسؤولية من المسؤوليات الاجتماعية والسياسية فيها.

وبعده الإمام الجواد (عليه السلام) الذي زوَّجه المأمون ابنته، أخذ يتردَّد على البلاط العباسي بشكل أو بآخر، فكان يجتمع بالعلماء والفقهاء والمتكلمين والمتحدثين، ويدخل (عليه السلام) معهم في مناقشات هناك. وهكذا الحال بالنسبة إلى الإمام الهادي والإمام الحسن العسكري (عليهما السلام) اللذَين كانا يتردَّدان على البلاط العباسي في سامراء عندما انتقل مركز الخلافة إلى هناك.

فهذه الصفة من الصفات التي اتَّسمَتْ بها هذه المرحلة ولم تكن موجودة في عصر الأئمة الذين سبقوا الإمام الرضا (عليه السلام). فظروف هذه المرحلة كانت لها تداعيات وآثار، ونتائج ومواقف كثيرة جداً تحتاج إلى دراسة مستوعبة ورؤية صحيحة لمواقفهم (عليهم السلام).


حركة زيد النار

ولكن إذا تناولنا السؤال المطروح يمكن أن نعرف بأن جوابه يرتبط بالبحث السابق في حديثنا عن الإمام الصادق (عليه السلام) وسياسته التي اتَّبَعها تجاه الحركات الثورية التي نشطت في زمانه. وينقلنا هذا السؤال إلى سؤال أوسع من أطار الصديق والعدو، وهو:


ما هو الموقف الشرعي العام من هذه الحركات؟

فإذا شخَّصنا الموقف الشرعي يمكن أن نطبِّقه على موقف الإمام الرضا (عليه السلام) في سكوته عن هذه الحركات وإدانتها أحياناً، والوقوف موقفا سلبياً منها، كما الحال بالنسبة إلى حركة أخيه زيد بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، المعروف بـ(زيد النار)، الذي قتل في منطقة (ساوة) حسب الظاهر، إذ كان من جملة الوفد الذي قصد هذا المكان وتعرَّض إلى اعتداء فقتل زيد جرائه. وكانت السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) صاحبة القبر الشريف في هذا البلد الكريم من ضمن هذا الوفد، وعلى أثر هذه الحادثة أصابها المرض وتوفيت.

فزيد النار قام بانتفاضة في مقابل العباسيين مستغلاًّ ضعف الدولة وتخلخلها إثر الصراع الذي حدث بين الأمين والمأمون، وتَمكَّن زيد النار من الاستيلاء على منطقة الجنوب الشرقي لإيران اليوم (خوزستان)، وكذلك منطقة البصرة التي تشترك معها من الناحية الجغرافية وبأوضاعها وظروفها. ومن جملة ما قام به من أعمال أنه أحرق عددا كبيرا من منازل أفراد السلطة وأعوانهم، وربما امتدَّ الحريق إلى أكثر من ذلك، ولذا سُمِّي بـ(زيد النار).

والقصة معروفة كما يرويها الشيخ الصدوق في (عيون أخبار الرضا (عليه السلام))، ويشير إلى أنَّ المأمون في اجتماع له مع الإمام الرضا (عليه السلام) أصدر عفوه عن زيد النار، وقال: أنا لا أصنع به كما صنع الأمويون بزيد بن علي بن الحسين تكريماً لك، مع أنه قام بعمل أشنع ممَّا قام به زيد بن علي بن الحسين، فعلاوة على تهديده للدولة قام بإحراق المساكن والمنازل.

فقال له الإمام الرضا (عليه السلام):

«لاَ تُشَبِّه أخي زَيدا بزيد بن علي بن الحسين؛ لأن زيد بن علي بن الحسين كان عالماً من علماء آل محمد (صلى الله عليه وآله) وَكَان مُخلِصاً لم يدعُ لِنفسه، وإِنَّما دعا إلى الرِّضا مِن آل محمد (صلى الله عليه وآله)، وَلو تمكَّن من الأمر لَوَفى بما دَعا إِليه».

فاعترض المأمون هنا، وقال له: كيف تفرِّق بين هذا وذاك، مع أنَّ رأيكم في الثائرين على الحكم - أي رأي آبائك - أنهم يدعون إلى راية باطل، والحكم فيهم واحد كما في الحديث المعروف:

«كلُّ رايةٍ تُرفَع قبل قِيام القائم فهي رايةُ طَاغُوت يُعْبَد من دون الله».

قال الإمام الرضا (عليه السلام):

«هَذا الحديثُ قُلناهُ فِيمن يدَّعي الإمامة لِنفسه مُقابل الإمامِ الحقِّ، وهَذا ما ينطَبق على زيد النَّار الَّذي دَعَا لنفسه، ولا ينطَبق على زيد بن علي بن الحسينِ الذي لم يَدْعُ لها». فهذا ما يلقي ضوءا على موقف الإمام الرضا (عليه السلام) من هذه الحركات.


موقف الأئمة (عليهم السلام) من الحركات الثورية

ولكن إذا أردنا شرح هذا الموقف بشكل عام فيمكن أن نقول:

إنّ مواقف الأئمة (عليهم السلام) تجاه مثل هذه الحركات الثورية تتأثر بعِدَّة عوامل، وهذه العوامل تبقى في الموقف الشرعي في كل عصر، ولابُدَّ أن تُؤْخَذ بنظر الاعتبار في تقييم أي حركة ثورية وإصدار الحكم بشأنها:


العامل الأول: مبادئ الحركة الثورية

وهي الشعارات التي ترفعها والمبادئ التي تنطلق منها هذه الحركة الثورية، هل هي شعارات ومبادئ حَقَّة أم باطلة.

إنّ الإمام عليا (عليه السلام) بالرغم من أن الخوارج كانوا قد خرجوا عليه وقاتلوه، وكان ينتظر منهم أن يقتلوه حسب علمه بالملاحم والتأريخ، إلا أنه كان يقول في تقييم حركتهم أن هؤلاء شعارهم كلمة حق، غاية الأمر أن هذه الكلمة يُراد بها باطل.

وفي مكان آخر يقول (عليه السلام):

«لاَ تُقاتِلوا الخوارجَ، لأنَّ من طلب الحقَّ فأخطأَ ليس كمن طلب الباطل فأصاب».

فمضمون الشعار أمر مهم في تقييم كل حركة سياسية. وأنا لا أقصد الدخول في بحث لتقييم حركة الخوارج؛ لأن كلمتهم كانت حق يراد بها باطل، معناه أن بعضهم كان يريد الباطل ويقصده، وبعضهم كان غافلاً عن الباطل ويعتقد بأحَقَّانيَّة هذه الكلمة، طلب الحق فأخطأ.

والخوارج على أصناف كما ذكرتُ في بحث عن حركتهم، ولكن أردت من ذلك أن أشير إلى أن المبادئ والمضمون العقائدي للحركة السياسية قضية مهمة جداً في تقييمها وتشخيص الموقف تجاهها.


العامل الثاني: مدى تأثيرها على الخط الإسلامي الأصيل

هو مدى انعكاس آثار هذه الحركة على الخط الإسلامي الصحيح الذي يتحرك في طريق تحقيق الأهداف المقدَّسة التي وضعها الله تعالى أمامه، وهو خط أهل البيت (عليهم السلام) الذي يقوده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والإمام علي والأئمة (عليهم السلام) من بعده، والمفروض أن يبقى ويستمرَّ حتى ظهور الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

فيجب أن يحسب دائماً مدى انعكاس آثار أي حركة على هذا الخط سلباً أو إيجاباً، وهذا ما حسب الأئمة (عليهم السلام) حسابه بشكل دقيق في تقييمهم للحركات السياسية.

ولذلك فعندما نقارن موقف الإمام الحسن مع موقف الإمام الحسين (عليهما السلام) - مع أنهما إمامان قاما أو قعدا كما قال عنهما النبي (صلى الله عليه وآله)، وهما سبطان وسيدا شباب أهل الجنة، وقد عاشا في بيت واحد، وفي بيئة وظروف واحدة، وتربّا تربيةً واحدة - لا يمكن القول بأن شخصية الإمام الحسن (عليه السلام) تختلف عن شخصية الإمام الحسين (عليه السلام)، وجاء تعريف رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهما على نَسَق واحد.

فعندما نراجع الروايات الصحيحة التي يرويها الفريقان بشأنهما نجد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتحدَّث عنهما بحديث واحد، ومع ذلك فموقف الإمام الحسن (عليه السلام) كان يختلف شكلاً عن موقف الإمام الحسين (عليه السلام)؛ وذلك لعدة أسباب أهمها:

ما يشير إليه الإمام الحسن (عليه السلام) في أحاديث كثيرة، وهو انعكاس الموقف على جماعة أهل البيت (عليهم السلام)، فإن الإمام الحسن (عليه السلام) لو أراد أن يتَّخذ موقفاً يتَّسم بالمواجهة المطلقة دون حدود كما في موقف الإمام الحسين (عليه السلام) حين واجه يزيد مواجهة مطلقة مهما كانت النتائج والآثار والمترتبات، وأن يُقتل هو وأهل بيته وأصحابه، وتُسبى عيالاته، لأدّى ذلك إلى استئصال الجماعة الصالحة المتمثلة بجماعة أهل البيت (عليهم السلام).

أما موقف الإمام الحسين (عليه السلام) فلم يكن له مثل هذه الآثار والنتائج؛ لأن الجماعة الصالحة أصبحت منتشرة في الأرض، ولها مراكز وقواعد، ولها قوة وجذر، مما لا يجعل لهذا الموقف انعكاساً على الجماعة أو القضاء على عناصرها. وبقيت فعلاً جماعة أهل البيت (عليهم السلام) بعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) واستمرَّت.

هذا أيضاً أحد الأمور المهمة التي يجب أن تحسب بشكل دقيق في تقييم الحركات الثورية، أو حركات المقاومة، أو الحركات المسلحة التي تواجه الحكومات الظالمة الجائرة التي تحكم بلاد المسلمين.

وقد بدأ هذا بالإمام الصادق (عليه السلام)، ثم الكاظم والرضا (عليهما السلام)، فكانوا يُظهرون عدم رضاهم على بعض الحركات المسلَّحة التي كانت تتحدث بلسانهم، وتنطق من مواقعهم - أي من مواقع أهل البيت (عليهم السلام) -، كحركة محمد ذي النفس الزكية، أو حركة زيد النار، وكأنها تريد أن تتَّخذ مواقعهم في مقابل السلطات الجائرة. ومن هنا كان لهذه الحركات أثر سلبي في موقف السلطة على حركة الخط الإسلامي الأصيل.


العامل الثالث: المصالح العُليا

هي المصالح الإسلامية العُليا، فإن المقولة المعروفة (إنَّ عدوَّ عدوي صديقي) تنطلق واقعاً من مفاهيم السياسة الغربية، التي تفكر بالمصالح الشخصية الذاتية، أي من الجماعة أو الفئة أو الحزب أو أي حركة سياسية عندما تخطط في العمل السياسي، فإنها تفكر بمصالحها الخاصة. فالحزب يفكر في الحصول على المزيد من الأنصار والمواقع، والقدرة والهيمنة، وهكذا الشخصية السياسية مثلاً، يكون تفكيرها بالمصالح الذاتية. أما ما يترتب على الوضع الخارجي، الآخرون يتضررون أو لا، الجماعة تضعف أو لا، فهذه المسألة غير محسوبة في العقلية الغربية.

نعم، ربما ضعف الجماعة يضرُّ بالحزب نفسة ويؤدي لهلاكه، عندئذ يفكر الحزب بنفسه، فإن تفسيرهم للحرية الشخصية التي ينطلقون منها كأساس في فهم النظرية الغربية كما يعبرون عنها بـ(النظرية الديموقراطية)، ينطلق من موازنة المصالح والمنافع الشخصية، وهذا ما يصل بالمجتمع إلى التكامل والرُّشد والتطور والتنمية - حسب فهمهم -.

أما النظرية الإسلامية، ففهمها للمصالح يرتبط بأولويات موضوعة لابُدَّ أن تُؤخَذ بنظر الاعتبار، وأولها حفظ أصل الكيان الإسلامي، نداء (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وهذا ما يعبِّر عنه الفقهاء في مصطلحاتهم الفقهية بـ(بيضة الإسلام).


موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) من الخلافة

وهذا ما يفسر لنا الكثير من مواقف أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، خصوصاً بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، فقد كانت لديه إمكانات هائلة للقيام بحركة سياسية وعسكرية بالمعنى المصطلح، أي حركة سياسية مسلَّحة.

ولا توجد الفرصة الآن لبيان تفاصيل إمكاناته، ولكن إجمالاً كان يستطيع أن يتفق مع قوى مهمة جداً في المجتمع المدني آنذاك، ومن خلال هذه الاتفاقات يمكنه الوصول إلى السلطة.

إن أبا سفيان وهو موقع مهم في ذلك العصر من الناحية السياسية والامكاناتية، جاء وعرض إمكاناته وقدراته على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقال: كيف يأخذ الخلافة تَيْمٌ وَعَدِي دون هَاشِم أو أُمَيَّة.

أما الأنصار فكان الإمام علي (عليه السلام) يستطيع استقطابهم، فقد كانوا يطمعون أن يكون لهم موقع في السلطة وفي الدولة، فإن ضمنه الإمام (عليه السلام) لهم لاصطفُّوا معه وهم يمثلون قدرة وقوة أيضاً.

وهكذا الأعراب الحديثي العهد بالإسلام، والذين قاموا بعد ذلك بحركات على مركز الخلافة بسبب امتناعهم عن أداء الزكاة، فكيف يقبل الأعرابي الذي يبذل جُلَّ أوقاته في تربية هذه الأغنام أو المعز أن يقدِّم للدولة مجموعة منها، فالزكاة بالنسبة إلى الأعراب كانت مشكلة معقدة. فعندئذ يمكن للإمام علي (عليه السلام) أن يقول لهم أنا أسقط عنكم الزكاة عندما تتحدُّوا معي.

وهكذا كان يمكنه إيجاد تحالف لو كانت المسألة مجرد الوصول إلى السلطة، وهكذا كانت أمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كثير من الأمور المفتوحة التي يمكنه التحرك فيها.

وهو من الناحية الشرعية أيضاً ولي الأمر المنصوب من قبل الله تعالى للإمامة، ولديه صلاحيات كثيرة، إذ يمكنه التصرف كيفما يشاء، فكما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإسلام شرع الزكاة للمؤلفة قلوبهم، فهو الآن يسقطها مؤقتاً حتى تستقرَّ الأمور، ثم يدخل في حساب مع ممانعي أدائها. إلى غير ذلك من الأمور التي كان يمكن أن تؤدي إلى تغييرات سياسية مهمة.

لكن الإمام عليا (عليه السلام) لا يحسب حساب المصالح الذاتية الخاصة به، أو بِحِزْبه أو بجماعته، وإنما المصلحة الرئيسية العُليا في حسابه هي المصلحة الإسلامية. وكلمته (عليه السلام) معروفة مع سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) عندما استنهضته - على ما يُذكر في رواية تأريخية - قال (عليه السلام) لها إذا أردتِ أن يبقى هذا الأذان والشهادة لله بالتوحيد، وللرسول بالرسالة، فيجب أن نصبرَ ونتحمَّل، أما إذا إردتِ غير ذلك فيمكننا التحرك والوصول إلى نتائج معينة. فلو كان في تقديره (عليه السلام) أنه عندما يتحرك سيقتل ويبقي الأذان لتحرك، لكنه عرف أنّ تحركه سيؤول إلى نتائج أخرى.

إذن فالمصالح الإسلامية العليا هي من أولويات النظرية الإسلامية، وبعد ذلك تأتي وحدة المسلمين في سُلَّم الأولويات، فهي المعبرة عن قدرتهم وتماسكهم وتمكنهم من الوقوف في مواجهة أعدائهم، إلى غير ذلك من المصالح.


العامل الرابع: موازنة الفُرَص

أي إن خدمة الإسلام - في فرصة ما - عندما تحسب تلك الفرصة بشكل دقيق فهل تكون في النهضة والقيام والمواجهة المسلحة، أو أنها في الملائمة بهذا القدر مع تسجيل مواقف مبدأية للجماعة ضد النظام الجائر؟، فهل أن المصلحة والفائدة الأكبر هي في القيام بالعمل السياسي والإعلامي، أم في القيام بالعمل العسكري؟

هذا الأمر أيضاً لابُدَّ أن يُحسب بشكل دقيق، إذ لا يوجد عندنا منهج واحد يجب أن نلتزمه، وإنما لابُدَّ أن تُحسب الظروف السياسية المحيطة بالجماعة، طبعاً مع عرض الموقف المُنْتَقاة على المبادئ العقائدية الإسلامية. فأهل البيت (عليهم السلام) كانوا يحسبون هذه الخصوصيات في مواقفهم، ولابُدَّ لكل قيادة إسلامية سياسية أن تحسبها في مواقفها.


شروط القيادة السياسية الإسلامية

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يشترط في القيادة السياسية أن تكون:

أولاً: متَّصفة بالعلم.

ثانياً: متَّصفة بالعدالة في أعلى مستوياتها وهذا ما نراه في عصمة أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

ثالثاً: أن تكون لديها خبرة ومعرفة بكل الظروف المحيطة بالعمل السياسي، فهذه هي الصفات المركزية الثلاث، طبعاً وكلٌّ تتشعَّب منها عِدَّة فروع.

ولكنَّ الصفات الرئيسية التي يجب توفرها في القائد السياسي الإسلامي، هي أن يكون له علم بأحكام الشريعة الإسلامية، ومتبنيّاً للمبادئ والمفاهيم والشعارات الإسلامية. وأن يكون على درجة عالية من التقوى حتى لا يدفعه هواه وإحساسه بالأذى الشخصي لاتخاذ مواقف على حساب المصالح العامة، فمسألة الهوى تحتاج إلى درجة عالية جداً من العدالة، لا كما يشترط في أمام الجماعة أن يكون عادلاً حسب الظاهر عندئذٍ نصلي وراءه.

وأن يكون على معرفة كاملة في الظروف السياسية المحيطة به لكي يتمكن من موازنتها واتِّخاذ الموقف الأكثر فائدة. وهذا الشرط إنَّما اشترط فيه لأنه سيواجه ظروفاً مختلفة.

فأهل البيت (عليهم السلام) إنما اتَّخذوا مثل هذه المواقف تجاه هذه الحركات لأن هذه الحركات كانت تفقد أحد هذه الشروط، إما أن يكون فيها نقص في مبادئها وشعاراتها، أو في معرفتها بالأولويات في المصالح، فتقدِّم مصالحَها الذاتية على المصالح الإسلامية العليا، أو في تقدير الأوضاع السياسية، فتأخذها حالة من الاندفاع دون تقدير المصالح.

وكان أهل البيت (عليهم السلام) يسكتون أحياناً لأنهم يرون بأن السكوت أفضل، وأحياناً يدينون عندما يكون هناك نقص في المبادئ والقيم والمثل التي تَدَّعيها هذه الحركات، إلى غير ذلك من المواقف التي وقفها أهل البيت (عليهم السلام).

وهذا الموضوع من الموضوعات الحساسة والمهمة جداً في عصرنا الحاضر، إذ إننا نجد أنَّ مواقف علمائنا الأعلام ومراجعنا العظام الذين نقدِّسهم ونحترمهم تكون مختلفة أحياناً لاختلاف مثل هذه الخصوصيات.

ولذلك نجد - ونحن على أعتاب ذكرى الشهيد الصدر (قدّس سرّه) - أنَّ الشهيد الصدر (قدّس سرّه) إنما قام بهذه المواجهة المفتوحة مع نظام الكفر والإجرام المتمثل بنظام صدام لأنه في تقديره للموقف كان يرى أنَّ السكوت ستكون أضراره أكبر بكثير مما هو عليه في القيام والمواجهة.

وقد ثبت بعد ذلك أن رؤية الشهيد الصدر (قدّس سرّه) هي الصحيحة، وموقفه هو الحق، إذ تبيَّن أن النظام لا يهدِّد المؤمنين فحسب، وإنما يهدِّد كلَّ أبناء الشعب العراقي، ويهدد المنطقة والعالم بطبيعة حركته وممارسته.

وذلك ما شهدناه في موقفه من الإسلام والثورة الإسلامية، فقد كان يهدد أصل الثورة الإسلامية، وعبَّأ لذلك كل قدرات العراق، لكنه فشل والحمد لله، ثم ما شهدناه في تهديده للمنطقة بالدمار.

فهذه الرؤية السياسية هي التي كانت تحكم موقف الشهيد الصدر (قدّس سرّه) في المواجهة، وإلا فالشهيد الصدر (قدّس سرّه) قبل هذه المواجهة كان هو الشهيد الصدر بفكره وعلمه ومعرفته.

ونفس الموقف اتخذه الإمام الخميني (قدّس سرّه) تجاه النظام من خلال رؤية طبيعة النظام، وبعد ذلك انتهى الإمام الخوئي (قدّس سرّه) إلى هذا الموقف في الانتفاضة عندما تحوَّل مكانه وبيته ومركزه إلى ما نعبِّر عنه بالمصطلحات العسكرية بـ(غرفة العمليات)، فمنه يكون التخطيط، وإعطاء السلاح، وإجازة الحركة، وما أشبه ذلك.

نسألُ الله تبارك وتعالى أن يحقِّق آمال المسلمين بالنصر والفرج، وأن يهلك الطاغية صدام في القريب العاجل، وأن يأخذه أخذ عزيزٍ مقتدر.

وأن يكتب النَّصر للمجاهدين في جميع مواقعهم، وللمسلمين في جميع مواقعهم، وأن يخذل الكافرين والمنافقين.

وإلى أرواح شهدائنا الأبرار، ومراجعنا العظام، خصوصاً الإمام الخميني والشهيد الصدر، رحم الله من قرأ الفاتحة قبلها الصلاة على محمد وآل محمد.

____________

1- الأنبياء: 73.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية