في اجتماع ضمّ عدداً من فضلاء طلبة العلوم الدينية بمدينة قم المقدسة عام 1419هـ، طرح عدد من الحاضرين أسئلة متعددة منها (المرجعية السياسية والمرجعية الدينية) على سماحة آية الله الشهيد السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره)، وقد أجاب عليها سماحته من خلال البحث والمناقشة العميقة لها
المرجعية السياسية والمرجعية الدينية
بسم الله الرحمن الرحيم
س1: طرحتم في أحاديثكم وخطابكم الثقافي مفهوم المرجعية الدينية السياسية، فما هو المقصود منها وما هو الفرق بين المرجعية الدينية في الفتيا والمرجعية السياسية قبل قيام الدولة؟
المرجعية الدينية في الفتيا تمثل إحدى مسؤوليات المرجعية الدينية الثلاث عند الإمامية الاثني عشرية وهي الفتيا، والولاية، والقضاء، والمرجعية في الفتيا وهي رجوع الأفراد الذين لا يمكنهم معرفة الحكم الشرعي بصورة مباشرة إلى أهل العلم والخبرة وهم (المجتهدون العدول) بأن يقلّدوهم في معرفة الحكم الشرعي، فهي بالأساس عملية محاولة معرفة واستكشاف الحكم الشرعي الإلهي من المكلف ولكن بواسطة الرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط؛ لأنّ من الواجب على كل فرد أن يطبّق سلوكه على الأحكام الشرعية التي وضعها الله تعالى للناس؛ لأنّ الله تعالى وضع لكل سلوك وحادثة حكماً شرعياً.
ولمّا كان الفرد المكلف لا يتمكن ـ على الفرض ـ من معرفة الحكم الشرعي بصورة مباشرة عن طريق الاجتهاد أو لا يمكنه إحرازه عن طريق الاحتياط أو لا يريد ذلك، فلابد له من الرجوع إلى المجتهد لمعرفة ذلك. ويسمى هذا الرجوع بـ (التقليد). وقد دلّت الأدلة الشرعية على جوازه.
ومن هذه الأدلة، السيرة العقلائية التي أمضاها الشارع المقدس بالرجوع إلى أهل الخبرة والعلم في معرفة ما يجهله الإنسان كما في رجوع المريض إلى الطبيب وصاحب البناء إلى المهندس. ويدل على ذلك قوله تعالى {فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.
وأما المرجعية (السياسية) فهي وجود المجتهد الجامع للشرائط الذي يرجع إليه المؤمنون في تشخيص المواقف العملية والمصالح السياسية والاجتماعية، والأهم والمهم منها، ومعرفة القدرة على إنجاز هذه الأعمال من عدمها كما في الجهاد والدفاع، ومدى تأثير هذه المواقف على تغيير (المنكر) أو المحافظة على (المعروف) في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعرفة الأولويات الشرعية عند تزاحمها في مجال التطبيق والحركة.
فالمرجعية السياسية هي عبارة عن قيادة (مرجعية) سياسية دينية للحركة الاجتماعية السياسية الدينية التغييرية وتشخيص المصالح والمواقف فيها، للقيام بواجب المحافظة على الإسلام والدفاع عنه والدعوة إليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن الله ومجاهدة أعداء الله تعالى، كل ذلك في حدود الأحكام الشرعية الإلهية.
ولتقريب الفكرة يمكن أن نقول بأنّ المرجعية الدينية في الفتيا تكون من قبيل (السلطة التشريعية)، والمرجعية الدينية السياسية تكون من قبيل (السلطة التنفيذية) مضافاً إلى مهمة القضاء التي يتحمّلها المجتهد الجامع للشرائط في إطار المرجعية الدينية العامة.
س2: هل المرجعية الدينية في الفتيا والمرجعية الدينية السياسية متحدة من حيث الشخص أو أنّها متعددة؟
المرجعية الدينية في الفتيا والمرجعية الدينية في العمل السياسي مسؤوليتان تتميـّز إحداهما عن الأخرى بطبيعتهما وكل منها يحتاج إلى الاجتهاد والعلم بالحكم الشرعي، ويمكن أن يقوم بهما معاً شخص واحد، وقد كان هذا شأن مراجعنا العظام في الأدوار المختلفة من التاريخ الإسلامي والاتحاد فيها أفضل وأقوى في التأثير بلا إشكال.
ولكن يوجد سؤالان بهذا الصدد:
الأول:
هل يصح الفصل بينهما والتخصّص فيهما من الناحية الشرعية والواقعية بحيث يكون المرجع في الأمور السياسية غير المرجع في الفتيا والأمور الدينية؟ والظاهر صحة ذلك، وقد تناول هذا الموضوع سماحة السيّد الحائري في كتابه (ولاية الأمر في عصر الغيبة) بصدد الفصل بين ولاية الأمر والمرجعية الدينية وبيان صحة هذا الفصل شرعاً وسياسة وهو بيان صحيح بصورته الإجمالية، كما أنّ القانون الأساسي في الجمهورية الإسلامية قد اعتمد هذا الفصل أيضاً.
وفي مجال موضوعنا ـ وهو الفصل بينهما في الساحة التي لم يتم فيها قيام الدولة الإسلامية ـ يظهر صحة هذا الموضوع بصورة أوضح؛ لوجود المرونة في العمل السياسي قبل قيام الدولة بصورة أكبر منه في الدولة التي لا تتحمّل التعدد في القرار والموقف، بخلاف العمل السياسي قبل الدولة فيمكن فيه التعدد، ولا يزيد التعدد فيه مشكلة أكثر من التعدد في أصل المرجعية الرئيسية نفسها.
كما يمكن التكامل بينهما والتفاهم والتنسيق من خلال تشخيص مساحة العمل والواجبات والحقوق.
الثاني:
إذا صح الفصل فما هو مدى أهمّيته وضرورته في هذا العصر والمرحلة. وهنا يمكن أن نذكر عدة أسباب رئيسية تبرّر هذا الفصل من الناحية الواقعية.
ولعل هذه الأسباب هي التي أدّت إلى التغييرات الدستورية في القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية بعد أن كان القانون يتبنّـى وحدة المرجعية الدينية في الفتيا وفي الولاية.
أولاً:
إنّ التطورات المدنية الحديثة وثورة الاتصالات وتحول العالم إلى مدينة واحدة وانتشار جماعة أهل البيت (ع) في جميع الآفاق ووجود آفاق جديدة في القضايا والمسائل المستحدثة الجديدة الكثيرة والتي تحتاج إلى تفرغ كبير واهتمام واسع من قِبل الحوزات العلمية والمراجع العظام، وكذلك شؤون ومتابعة القضايا الفكرية والعقائدية. مضافاً إلى أعمال التبليغ والتثقيف والتدريس والتحقيق كلّها آفاق كثيرة وواسعة ومهمة تحتاج إلى مثل هذا التفرغ الواسع الذي لابدّ للمرجعية الدينية في الفتيا أن تمارسه بصورة صحيحة.
بل قد يقال بأنّ حركة الاجتهاد لابدّ لها ـ بسبب هذا التطور الكبير ـ أن تأخذ منهج التخصّص في القضايا الفكرية والفقهية ليمكنها أن تفي بجميع الحاجات الفكرية والثقافية والشرعية التي انفتحت عليها الأمة الإسلامية ولاسيما بعد قيام الدولة الإسلامية والتطلّع إلى معالجة مختلف القضايا من خلال الرسالة العملية.
ونظرة سريعة إلى قائمة الموضوعات التي يبحث مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي تعطينا صورة مصغّرة عن طبيعة هذه الحاجات التي لابدّ للحوزة العلمية أن تتناولها بعمق.
وهذا التفرغ يقتضي بطبيعة الحال الفصل واقعياً في المرجعية بين الجانب الفكري والثقافي والشرعي (الفتيا) والجانب السياسي العلمي والحركي.
ثانياً:
إنّ الوضع السياسي بعد هذا التطور المدني الواسع الذي أشرنا إليه يفرض تفرغاً وتخصصاً في الجانب السياسي أيضاً، حيث إنّ تعقيد المداخلات السياسية وحركة الأمة الإسلامية والجماعة الصالحة في نهوضها وتطلعها إلى الخلاص من الظلم والجور والحرية والعدالة والتطور وملاحقة الأحداث واتخاذ المواقف تجاهها والمساهمة الفعالة فيها من ناحية، وحركة الأعداء المحليين والدوليين ومواجهة مخططاتها ومعرفة مواقفهم، وتشخيص المصالح والمفاسد العامة وعواقبها، وتعيين الأهم والمهم منها، واتخاذ المواقف الصائبة تجاهها من ناحية أخرى يحتاج إلى تفرغ واسع ومتابعة يومية وإدارة لأجهزة وتشكيلات مناسبة لهذا العمل، وبعد ذلك إلى مصادر للمعلومات وتخصص لها واتخاذ القرار على أساسها.
ثم إدارة الحركة السياسية والاجتماعية والثقافية التي تعني الأمة باتجاه أهدافها وتنظيم حركتها وتوظيف طاقاتها من أجل هذه الأهداف، كل ذلك يعتبر عملاً واسعاً ومعقداً ودقيقاً يحتاج إلى تفرغ وجهد كبيرين.
ولابدّ في كل هذا العمل أن يكون ضمن الإطار الشرعي الذي يحتاج إلى الاجتهاد في الشريعة أيضاً، ولابدّ أن يكون في إطار وضمن المؤسسة الدينية للمرجعية وذلك للمحافظة على وحدة الحركة الدينية فكرياً وثقافياً وسياسياً واجتماعياً.
وهذا يفرض وجود مرجعية سياسية دينية عامة متفرغة تنطلق من عملها من مبادئ وقواعد وأطر المرجعية الدينية، بل قد نقول بضرورة وجود مرجعية سياسية رئيسية عمليه لكل منطقة لاستيعاب الحاجات السياسية للحركة الدينية الإسلامية والوفاء بحاجاتها.
ثالثاً:
إنّ المرجعية السياسية الدينية في الأمة قبل قيام الدولة الإسلامية في أي منطقة تتعرض عادة إلى درجة ما من المطاردة والقمع تختلف باختلاف الأوضاع السياسية لهذه الدولة أو تلك، وعندما تكون المرجعيتان (الشرعية) و(السياسية) متحدة في شخص واحد، فسوف يصبح المرجع دائماً أمام موازنة مصالح الحركة الثقافية ومصالح الحركة السياسية حيث يوازن بينهما في التحرك ويقدم الأهم على المهم فيهما، وغالباً ما تتقدم مصلحة الحركة الثقافية على حساب المصلحة في الحركة السياسية بسبب هذه الضغوط كما هو المشاهد في مسيرة المرجعية، والسبب في ذلك هو أهمية الجانب الثقافي الشرعي الذي يعتبر الأساس والأصل للحركة السياسية، الأمر الذي يؤدي تدريجياً إلى ركود الجانب السياسي في الجماعة.
وقد يكون هذا هو أحد أسباب ظاهرة انكماش وتقلص العمل السياسي في الحوزات العلمية في كثير من الأحيان، مضافاً إلى أسباب أخرى في فهم الإسلام ووجود المشاكل الأخلاقية والاجتماعية في العمل السياسي والتي تكون سبباً في إحجام وتوقف المراجع من الدخول فيه.
وإذا اختار المرجع الجانب السياسي في الترجيح لإدراكه لأهميته ولو في مرحلة ما أو ظرف معين فسوف يتعرض الجانب الثقافي ـ بسبب وحدة المرجعية الدينية ـ إلى القمع والمطاردة أيضاً ويكون في ذلك خسارة كبيرة للمرجعية الدينية.
فهي في ذلك بين خطرين أحدهما الركود في الحركة السياسية، والآخر تعرّض الأسس والقاعدة الثقافية للقمع والمطاردة، هذا في حال وحدة المرجعية.
وأما إذا تعددت المرجعية الدينية في (الفتيا) و (السياسة) فسوف يمكن تجنّب هذين الخطرين لتعدد الأدوار وتكاملها من خلال هذين العملين حيث تقوم المرجعية الشرعية بعملها بعيداً عن القمع نسبياً، وتقوم المرجعية السياسية بعملها بعيداً عن الركود وأخطاره.
رابعاً:
إنّه بدون هذا التعدد سوف نواجه خطراً آخر غير التخلّف عن الوفاء بالحاجات، أو القمع والركود ينتج من الركود والقمع، وهو خطر الانحراف في الحركة السياسية في أوساط الجماعة الصالحة لأتباع أهل البيت عليهم السلام، وذلك لأنّ الجانب السياسي في الأمة والمجتمع جانب حي ومتحرك، ولاسيما في هذا العصر الذي أصبح الفرد العادي يتفاعل يومياً مع الأحداث والتطورات الاجتماعية من خلال التلفزة والراديو والصحافة والنشاطات السياسية للأحزاب والحركات والتيارات...إلخ، بحيث أصبح هذا الجانب قضية يومية إذا تخلّت عنه المرجعية الدينية فسوف يتم ملء الفراغ من جانب القوى السياسية الأخرى.
وهذا الخطر لملء الفراغ يتمثل في صورتين:
الأولى:
أن تقوم القوى السياسية غير الإسلامية بملء هذا الفراغ ـ كما شاهدنا ذلك وعايشناه بصورة واضحة في فترة من الركود السياسي التي عاشتها المرجعية الدينية بين الحرب العالمية الأولى والثانية، حيث نما وجود حركة التيارات الوطنية والقومية واليسارية والليبرالية في وسط الجماعة الصالحة بسبب هذا الركود ـ وهذا من أعظم الأخطار التي تواجهها المرجعية حيث يُفرض عليها الحصار من داخل قاعدتها التي تتحرك فيها بعد فرض الحصار عليها من الخارج.
الثانية:
وجود قوى سياسية ذات طابع إسلامي خارج إطار المرجعية الدينية:
إمّا على شكل أحزاب وحركات مستقلة عن المرجعية أو ترتبط بها ارتباطاً ضعيفاً ترى في المرجعية مرحلة متخلفة أو عاجزة، أو على أفضل الصور واجهة دينية اجتماعية صالحة، أو قوة إسناد ودعم للحركة المنظمة، كما عايشنا ذلك في بعض الأحزاب الإسلامية في العراق وإيـران وانقلبت بعضها بعد ذلك إلى أحزاب تعمل بالضد أو المنافسة وفي مقابل المرجعية الدينية.
وإمّا على شكل شخصيات وأفراد من أبناء الحوزات العلمية والمرجعية، ولكن يفضلون العمل السياسي والاجتماعي خارج إطارها المحاصر أو المطارد، أو الذي تخلى لسبب وآخر عن الحركة السياسية، وتعمق لدى هؤلاء الأشخاص عادة الشعور بالانفصال والاستقلال عن المرجعية وحركتها، وقد شاهدنا نماذج لذلك في العراق وإيـران أمثال السيد الكاشاني، والسيد هبة الدين الشهرستاني، والسيد محمد الصدر (رئيس الوزراء)، والسيد محمد علي بحر العلوم، وغيرهم.
وإمّا على شكل شخصيات تستغل الحركة السياسية في صناعة مرجعية دينية شرعية تحت شعارات التجديد والاهتمام بالشؤون العامة السياسية والاجتماعية والثقافية وتقديم تنازلات فكرية وثقافية وشرعية لصالح الحركة السياسية هذه، كما شاهدنا ذلك في نماذج أخرى.
وفي جميع هذه الأشكال نرى أنّ هذه القوى والنماذج تهاجم المرجعية ـ عادة ـ بالتخلّف والتقصير والعجز لتبرير الخروج عن هذا الإطار(1).
وتبدو الصورة هذه مقبولة ـ عادة ـ لدى الأوساط الشابة والمثقفة التي تتفاعل عادة مع الأحداث السياسية والاجتماعية.
وهذا كله يسبّب ـ أيضاً ـ انقساماً في وسط الجماعة الصالحة.
ويمكن أن نتفادى جميع هذه الأخطار نظرياً وعملياً من خلال وجود المرجعية السياسية الدينية التي تنطلق من إطار نظرية المرجعية الدينية وثوابتها وتتكامل معها في حركتها.
س3: عند التمييز وفرض الاختصاص في المرجعية، ما هي حدود المساحات التي تختص بها المرجعية الدينية الفقهية والمرجعية الدينية السياسية، وما هي الحقوق والواجبات لكلّ منهما؟
يمكن أن نتصور الواجبات العامة التي تتحملها المرجعية الدينية الفقهية في الخطوط التالية:
أ ـ تقديم التصور الإسلامي والفقه الديني في القضايا العقائدية والفكرية والثقافية ذات العلاقة بتوضيح النظرية الإسلامية.
ب ـ تقديم الحكم الشرعي الإلهي في أعمال وسلوك الأفراد والجماعات والعلاقات.
ج ـ القيام بمهمة التعليم الديني والتثقيف العام للمؤمنين ووضع المناهج العامة لذلك.
د ـ إدارة الحوزات العلمية والمؤسسات الثقافية التابعة لها.
وأما الواجبات العامة التي تتحمّلها المرجعية الدينية السياسية فيمكن افتراضها ضمن الخطوط التالية:
أ ـ تقديم التصور الإسلامي عن الرؤى والتحليلات السياسية والاجتماعية للأحداث والمواقف، الأعداء والأصدقاء.
ب ـ التعبئة الروحية والمعنوية والسياسية في الحركة السياسية وفي المواجهة مع الأعداء.
ج ـ تشخيص المصالح السياسية العامة للأمة وضمن الساحة التي تتحرك فيها المرجعية السياسية وأولويات هذه المصالح والأهم والمهم منها، وتحديد الخطوط العامة لحركة الجماعة الصالحة على ضوئها، وكذلك تشخيص الأهداف المرحلية والبعيدة.
د ـ إعطاء واتخاذ المواقف التفصيلية للحركة وتنظيمها على ضوء الإمكانات والقدرة.
هـ ـ تهيئة الإمكانات وأسباب القدرة في الحركة السياسية وتشخيصها.
وأما الحقوق:
فيمكن أن نتصورها في المرجعية الدينية الفقهية بصورة إجمالية في النقاط التالية:
أ ـ الرجوع إليها في أخذ الحكم الشرعي والفكر الإسلامي الصحيح.
ب ـ الالتزام بارشاداتها وهديها في مهمة التعليم والتثقيف والتزكية.
ج ـ مساعدتها على أداء واجباتها برفدها بالأموال والحقوق الشرعية وبالأفراد الدارسين والمتعلمين في الحوزات العلمية.
د ـ المحافظة على استقلالها ومؤسساتها الدينية واسنادها في ذلك.
ونتصورها في المرجعية الدينية السياسية بصورة إجمالية في النقاط التالية:
أ ـ الالتزام بالمواقف والطاعة للقرارات الإلزامية التي تتخذها في شؤون الحركة السياسية.
ب ـ المشاركة والمساهمة في التعبئة الروحية والمعنوية والسياسية وفي تنظيم الحركة ومؤسساتها ونشاطاتها.
ج ـ تقديم الدعم والإمكانات المالية لهذه الحركة بتخصيص جانب من الحقوق الشرعية والهبات وتوفير الموارد الاقتصادية لها.
د ـ إدامة الارتباط والعلاقة عن طريق الاتصال المباشر بالمرجعية السياسية وعن طريق الاتصال بالوكلاء والمكاتب والمراكز المعتمدة.
س4: ما هي الشروط العامة التي لابدّ من توفرها في المرجع الديني السياسي؟
الشروط العامة التي تشترط في المرجعية الدينية السياسية هي الشروط العامة نفسها التي نشترطها في المرجعية الدينية الشرعية كالاجتهاد، والعدالة العالية، والخبرة في الشؤون ذات العلاقة بالواجبات والحقوق، والكفاءة الشخصية في إدارة المهمات والمسؤوليات العامة.
وعلى هذا الأساس لابد أن نلتفت إلى أنّ الأعلمية التي نشترطها في المرجعية الدينية في الفتيا وإن كانت تشترط في المرجعية الاجتماعية السياسية أيضاً، ولكنها تختلف في المرجعية الفقهية عن المرجعية السياسية.
فإنّها في المرجعية الفقهية هي:
(الأعلمية في القدرة على استنباط الأحكام الشرعية والكشف عنها ومعرفة أولويات الأهم والمهم فيها).
وأما في المرجعية السياسية فهي:
(الأعلمية في معرفة المصالح والمفاسد الاجتماعية وأولويات الأهم والمهم فيها من حيث الكم والكيف والطرق والأساليب التي لابد من الالتزام بها لإقامة الحق والعدل والمعروف بين الناس ومقاومة الظلم والطغيان ومعرفة الموقف السياسي والتصدي لبيانه ومقاومة الانحراف والمنكر).
وبذلك يصبح التصدي للعمل السياسي ولبيان المواقف العملية والعمل الجاد من أجل تجسيدها خارجياً من الشروط المهمة في المرجعية الدينية السياسية.
وشأن التصدي للعمل السياسي هنا شأن التصدي للفتوى، فكما إذا لم يتصد المرجع الفقهي للفتوى لا يمكن الرجوع إليه بل يتم الرجوع إلى غيره حتى لو كان المتصدي غير الأعلم.كذلك إذا لم يتصد المرجع السياسي للعمل السياسي بأبعاده الثلاثة المذكورة أعلاه فلا يصحّ الرجوع إليه، بل لابدّ من الرجوع إلى المتصدي حتى لو كان غير الأعلم فقهياً أو غير الأعلم سياسياً.
كما أنّ الأعلمية المذكورة لمّا كانت تعتمد على المعلومات والمصادر ودقتها، وأجهزة المشورة السياسية والتمحيص والتحليل، يصبح توفر هذا الشرط من الشروط المهمة في تشخيص الأعلمية، فإنّ من يملك من المراجع الدينيين السياسيين مثل هذه المصادر والأجهزة يكون ذلك سبباً للترجيح في الأعلمية.
س5: إذا كانت المهمة الأساسية للمرجعية الدينية السياسية هي تشخيص المصالح والمفاسد الاجتماعية العامة واتخاذ الموقف منها، فلماذا نشترط فيها الاجتهاد في العلوم الشرعية مع أنّ هذا العمل هو من قبيل تشخيص الموضوعات الخارجية ولا يُشترط فيه الاجتهاد، فهل يمكن الاكتفاء في المرجع السياسي أن يكون مقلِّداً لمجتهد آخر؟
أولاً: إنّ المرجعية الدينية السياسية بحسب مضمونها الديني هي قيادة وولاية على العمل السياسي، ولابد في الولاية من وجود شرط الاجتهاد، إمّا باعتبار وجود الدليل على ذلك، أو لأنّ المجتهد يمثّل الفرد المتيقن من الأفراد الذي تم نصبهم للولاية في هذا المجال، حسب الاختلاف في الدليل الذي تُستفاد منه هذه الولاية.
ثانياً: إنّ تطبيق الأحكام الشرعية على مصاديقها في كثير من الموارد يحتاج إلى اجتهاد شرعي كما هو الحال في القاضي الذي لابدّ فيه أن يكون مجتهداً وعارفاً بالحلال والحرام، مع أنّ دوره هو تطبيق الأحكام الشرعية - على كلام في الفقه حول هذا الموضوع -.
ثالثاً: إنّ معرفة الأهم والمهم من المصالح الاجتماعية قد يحتاج إلى اجتهاد أيضاً، لأنّ الأهم والمهم هنا هو الأهم في نظر الشارع المقدس، وهو ما لا يمكن لغير المجتهد أن يعرفه في بعض الأحيان، وتوجد في هذا المجال نقاط دقيقة لا يمكن تصويرها بالسؤال من المجتهد الآخر، بل تحتاج إلى درجة من الوثوق والاطمئنان بها الذي لابدّ للقائد السياسي أن يتّصف به حتى يمكن أن ينقل ثقته إلى الناس ويعبئهم في حركته السياسية باتجاه الأهداف، وهذا إنّما يتحقق في المجتهد ـ لا في المقلِّد ـ الذي يحصل له عادة الوثوق بمطابقة قراره للحكم الشرعي من خلال اجتهاده في الحكم وتشخيص الموضوع في الخارج وبذلك يتحمل مسؤوليته الشرعية والسياسية.
س6: ما هي الضمانات المطلوبة للحفاظ على سلامة مسيرة المرجعية الدينية السياسية بعد أن كان العمل السياسي يمثل أعلى درجات الامتحان ويواجه مختلف عوامل الضغوط النفسية والخارجية الاجتماعية وضغوط الأعداء والكفار ومن ثم فهو يتعرض إلى خطر الانزلاق والانحراف؟
يمثّل هذا السؤال والموضوع بُعداً من أهم الأبعاد الرئيسية التي تختلف فيها المرجعية الدينية الفقهية عن المرجعية الدينية السياسية، وقد كان هذا الموضوع والخوف من هذه الأخطار أحد أهم الأسباب التي دعت كثيراً من المراجع الدينيين للتخلي عن العمل السياسي أو عدم الاستغراق فيه على الأقل، احتياطاً وتجنّباً للوقوع تحت تأثير هذه الضغوط الكبيرة، إمّا للأحساس بالخوف من الضعف أمامها ومن ثم الانزلاق، أو بسبب عدم الخبرة السياسية وملابساتها، أو تنزهاً عن التلوث بها وما تقترن بها من شبهات واتهامات إلى غير ذلك من الأسباب.
ولاشك أنّ ذلك إذا كان بسبب التقصير في أداء الحقّ العام في خدمة الإسلام والأمة والمسلمين، وفي الدفاع عن المظلومين، وفي تقديم المصلحة والأوضاع الخاصة للإنسان على المصلحة العامة فهو من أعظم المحرمات والآثام، وأما إذا كان بسبب الإحساس بالقصور وعدم القدرة على ذلك فهو من الاحتياط المطلوب، ولكن هذا العمل هو من الواجبات الكفائية ومن أشرف الأعمال ولابدّ من الإعداد له روحياً وخبروياً وعلمياً.
وعلى أيّ حال فيمكن أن نشير إلى عدّة ضمانات مهمة لابدّ من رعاية توفرها في المرجعية الدينية السياسية والاهتمام بها سواء من قبل المتصدّين أنفسهم أو من قبل المقلِّدين عندما يريدون الرجوع إلى المراجع السياسيين:
الأول: الشروط الذاتية المطلوبة في المرجعية الدينية التي أشرنا إليها سابقاً ولاسيما (العدالة والتقوى العالية) ليس في الجانب الفردي والسلوكي الخاص فحسب، بل في الجانب السياسي الذي هو محلّ التمحيص والامتحان والابتلاء، ومدى التزامه بالضوابط الشرعية الإسلامية فيه.
الثاني: الارتباط الفكري والسياسي بخط المرجعية الدينية وضرورة الانطلاق في العمل من إطارها الفكري والثقافي والعملي والإيمان بدور المرجعية في التاريخ الإسلامي وتاريخ أهل البيت وضرورة المحافظة على وجودها وكيانها، أي الارتباط بخط العلماء الفقهاء والمبادئ التي ينطلق منها في حركته السياسية والاجتماعية بحيث يمثّل امتداداً له في هذا التحرك.
الثالث: الارتباط بأجهزة المرجعية ومؤسساتها الشرعية (الحوزة العلمية) والموقف الإيجابي العام له تجاهها بحيث لا يكون مفارقاً لجماعة المؤمنين بهذا الخط الإسلامي الذي يمثل جماعة أهل الحق، وإنّما يتحرك ضمن الاجتهادات المشروعة المضبوطة السائدة في الحوزة العلمية ومحافظاً على علاقته معها.
الرابع: الاتصاف بما يتطلبه التصدي للمرجعية الدينية السياسية من مواصفات مثل التضحية في سبيل الإسلام بالمصالح الخاصة من أجل المصالح العامة، والصبر في سبيل الله، والصمود على الضغوط الشخصية ومواجهتها بالحلم وسعة الصدر والتحمل والاحتساب عند الله تعالى، والاستقامة في المواقف السياسية...الخ.
الخامس: الارتباط السياسي العام بمسيرة الولاية العامة للمسلمين.
س7: ما هي العلاقة بين المرجعية السياسية الدينية والمرجعية في الفتيا؟
بعد تقسيم الواجبات والحقوق والمساحات بينها كما جاء في جواب السؤال الثالث، يمكن أن يُطرح هذا السؤال على أساس أنّه قد يصدّر المرجع في الفتيا فتوى لا تنسجم مع الموقف السياسي الذي تتخذه المرجعية السياسية فما هي العلاقة بينهما.
لقد تناول هذا الموضوع سماحة (السيد الحائري) في كتابه (ولاية الأمر في عصر الغيبة) ويحسن الرجوع إليه، فهو حديث متين وصحيح، ولكن يمكن أن نضيف إليه هنا بأنّ المرجعية السياسية قبل قيام الدولة تتصف بالمرونة في التحرك أيضاً وليست مثل الدولة التي لا تقبل إلاّ موقفاً واحداً.
فإنّ ما قبل قيام الدولة قد يتعدّد الموقف السياسي، والمفروض أن يُقدّم الموقف السياسي الذي يشخّص المصلحة الإسلامية العليا نفسها والتي تتقدم بالأصل في باب (التزاحم) على غيرها من المصالح، ما لم تكن مفسدة مخالفة فتوى المرجع الديني أعظم من هذه المصلحة أو مساوية لها بالخيار، وعلى أيّ حال فإذا تم تثقيف الأمة على فكرة المرجعية السياسية الدينية فالمشكلة تصبح محدودة أو معدومة بسبب تقسيم الواجبات والساحات من ناحية، والمرونة في العمل من ناحية أخرى.
س8: ما هي العلاقة بين الولاية العامة للمسلمين والمرجعية الدينية السياسية المحلية؟
لاشك أنّ الولاية العامة للمسلمين إذا توفرت شروطها كبسط اليـد في دولة إسلامية وانتخاب الأمة فيها ـ بصورة عامة ـ للولي لهذه الولاية العامة، والتصدي من قبله لأمور المسلمين العامة وأهليّته الشرعية لها، فإنّها تكون حاكمة ومقدَّمة على المرجعية السياسية المحلية كما هو الحال في الولايات التابعة لها، وتكون المرجعية السياسية في طول الولاية العامة.
وكذلك إذا كانت المرجعية الدينية المتصدية للعمل السياسي أصبحت مرجعية عامة ومنتخبة من الأمة بصورة طبيعية، فإنّه يجري الحكم السابق عليها كذلك حيث تكون المخالفة لها خروجاً على جماعة المسلمين.
ويكون نفوذ المرجعية السياسية المحلية بأحد الصور التالية:
1 ـ قيام الولاية العامة بتوكيلها وتكليفها للقيام بهذه المسؤولية المحلية.
2 ـ أن تقوم المرجعية السياسية المحلية بالعمل السياسي بمبادرتها، ولكن بإمضاء الولاية العامة لها من خلال الاعتراف بها وقبولها.
3 ـ أن تقوم الولاية العامة بإصدار الإذن العام بالتصدي السياسي للمجتهدين السياسيين بعد تشخيصها أنّ المصلحة تكون بهذا التصدي، ويمكن أن يكون هذا الإذن ضمن المتبنيات العامة للولاية أو سياساتها العامة.
4 ـ أن تمتنع الولاية العامة أو تحجم عن التصدي كلياً أو جزئياً في الساحة المحلية، إمّا لعدم وجود المقتضي والاكتفاء بالمتصدين المحليين، أو لوجود الموانع السياسية بسبب المعاهدات والمواثيق الدولية، أو الحساسيات المحلية، أو مزاحمة المفاسد، أو وجود أولويات أخرى تقدمها الولاية في تصديها على التصدي الشخصي لها في هذه الساحة، أو غير ذلك من الأسباب، وعندئذ يكون تصدي المرجعية المحلية نافذاً في حدود عدم التصدي والإحجام.
نعم لو رأت الولاية أنّ المصلحة العامة هي عدم تصدي هذه المرجعية السياسية المحلية فيمكن إشعارها بذلك، فلا يكون عندئذ نفوذ للمرجعية المحلية.
وأما إذا لم تتوفر إحدى الفرضيتين السابقتين في الولاية: بسط اليد في الدولة الإسلامية أو المرجعية الدينية المتصدية العامة، تكون المرجعية السياسية المحلية حرة في ممارسة دورها بصورة عامة.
وعلى جميع تقادير هذه الصور وفي الظروف السياسية القائمة سوف نجد مساحة كبيرة وواسعة لتصدي المرجعية السياسية المحلية.
____________
1- من الممكن أن تكون بعض هذه النماذج غير متهمة في مقاصدها وأغراضها، وانّما توصلت إلى ذلك نتيجة لاجتهاد لديها في تشخيص الواقع وإن كانت النتائج خطيرة.
|