حديث سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) في مكتبه بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل الإمام الحكيم (قدّس سرّه) بمدينة قم
وذلك يوم الأربعاء المصادف 24 / 3 / 1418 هـ ق، الموافق 30 / 7 / 1997 م
الإسلام والطائِفيَّة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
الحديث في موضوع الطائِفيَّة والطريقة التي لابُدَّ من الالتزام بها في معالجة هذا الموضوع المهم في ساحتنا العربية والإسلامية له أبعاد عديدة، حيث إن مجتمعاتنا الإسلامية تعيش تعدُّدية مذهبية، والكثير من البلاد الإسلامية توجد فيها طوائف دينية غير إسلامية.
وتبرز الحالة الطائِفيَّة في هذا العصر وتتميَّز أحياناً بطابع العنف في بعض هذه المجتمعات، كما في الهند وباكستان وبعض مناطق دول الخليج، وما نسمع عنه الآن من احتدام الصراع في أفغانستان، وفي بعض البلدان تميَّزت صيغة الحكم بالطائِفيَّة كما في لبنان.
مشكلة الحكم الطائفي في العراق
والعراق أحد هذه البلدان التي تُطرح فيها القضيَّة الطائِفيَّة كقضيَّة رئيسية، ونحن نجد الكثير من أعداء الشعب العراقي يحاولون أن يطرحوا الموضوع كقضيَّة يخيفونه بها، كما يخيفون الشعوب المجاورة له، على أساس أن العراق مهدَّد بالتقسيم والتجزئة الطائِفيَّة والقومية.
الشعب العراقي يعرف أنَّ السياسات التي اتبعَتْها الأنظمة المختلفة التي توالت على حكم العراق بعد الحرب العالمية الأولى، وسيطرة بريطانيا عليه عسكرياً، كانت تتسم بالطائِفيَّة، حيث تُفرِّق بين أبناء المذاهب الإسلامية، وخصوصاً أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
مع أنهم يمثِّلون الأكثرية بالنسبة إلى باقي طوائف الشعب العراقي، ومع ذلك يعاملون معاملة سيِّئة تتَّسِم بالقسوة، باعتبار أن البريطانيين اتخذوا في الحكم سياسة الطائِفيَّة، وإن كانت هذه الحكومات تختلف في مواقفها الطائِفيَّة شدَّة وضعفاً بعضها عن البعض الآخر، ولكنَّ التعامل السياسي لهذه الحكومات مع الشعب العراقي كان على أساس النظرة الطائِفيَّة.
النقاط ذات العلاقة بالطائِفيَّة
وأريد أن أشير إلى نقاط ثلاث لها علاقة بهذا الموضوع:
النقطة الأولى:
التصوُّر العام الصحيح لمعالجة التعدُّدية المذهبيَّة والقومية في بلادنا الإسلامية:
في كثير من هذه البلاد توجد هذه التعددية، ونحن نأمل - من خلال العمل السياسي الذي يجري الآن في العراق من أجل التغيير - أن يكون العراق النموذج الصالح في البلاد الإسلامية لمعالجة هذه القضيَّة.
باعتبار ما يتميَّز به من تعدديَّة مذهبية وقومية، وباعتبار أن نِسَبَ هذه المذاهب والقوميات نِسَبٌ كبيرة، وتمثِّل حجماً كبيراً يختلف عنه في بعض البلدان الإسلامية التي تكون فيها النسبة صغيرة، وعندئذٍ يكون التعامل معها على أساس التعامل مع الأقلِّيَّات.
بيانُ حقيقةٍ مُهمَّة
نحن نعتقد - من خلال نظرتنا لموضوع الطائِفيَّة - أن الحكم في العراق لا يَصحُّ أن يكون حكماً طائفياً.
فقد يتصور البعض - عندما نطالب بالحقوق العامة للشعب العراقي - أنَّنا نريد أن يُغلَّبَ الشيعة على غيرهم، باعتبارهم يشكِّلون الأكثرية في الشعب العراقي، وإذا كان الحكم للأكثرية فعندئذٍ يكون الحكم في العراق شيعياً، وتحكم الطائفة الشيعية الطوائف المذهبية الأخرى.
وهذا تصور خاطئ، وقد يكون وراءه أعداء هدفُهم ممارسةُ المَزيد من الحرمان والظلم تجاه أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وتشويه صورة مطالبتهم بحقوقهم، في حين أنَّ هذا المذهب قد دخل العراق منذ دخول الإسلام إليه.
نحن عندما نطالب بالحقوق العامة لأتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) نريد من ذلك أن تكون هناك مساواة بين الشعب العراقي في الحقوق والواجبات، فكما يتساوون في الواجبات والمسؤوليات المُلقاة على أبناء الشعب، فلابُدَّ أيضاً أن يتساوَوْا في جانب الحقوق، سواء الحقوق المدنيَّة، أم السياسية، أم الدينية، أم الثقافية.
ولا يكون الانتساب المذهبي سبباً في الحرمان، أو المزيد من المصالح والمنافع، بل يجب أن يكون من مسؤوليَّات الحكم وواجباته، يجب أنْ تُهيّأ الفرصُ للجميع مهما كان انتماؤهم المذهبي والطائفي.
بعض الجوانب لهذه الحقيقة
الجانب الأول:
يجب أن تتكافَأَ الفرصُ في الدخول إلى الجيش، باعتباره موقعاً من مواقع القوة للبلاد.
وهكذا الوصول إلى المواقع السياسية المهمة، سواء أكانت مواقع تنفيذية أم تشريعية أم قضائية، أم كانت على قمَّة الهرم السياسي، كما هو الحال في رئاسة الجمهورية، أو الوزارات المكلَّفة بإدارة الأوضاع السياسية، أو في مواقع المحافظين، أو حُكَّام المناطق والولايات الذين يحكمون هذه البلدة أو تلك في تسلسل الحكم الهرمي، وحسب القابليات والقدرات المتوفرة للأشخاص.
وكذلك لابُدَّ أن تكون الفرص الثقافية متكافئة، كالدخول في الجامعات، وفي تسنُّم المواقع الثقافية في التعليم العالي والجامعات، والنشر والتأليف، وفي المراكز الثقافية المختلفة، وكذلك في الأمور الاقتصادية كالتجارة والزراعة والصناعة وغيرها.
فعندما يطرح مفهوم رفض السياسات الطائِفيَّة ومواجهة التمييز الطائفي في العراق فهذا ليس دعوة لتغليب طائفة على أخرى، حتى لو كانت هذه الطائفة تمثِّل الأكثرية لأبناء الشعب العراقي، بل يراد أن تكون هناك مساواة بينهم في الحقوق والواجبات.
الجانب الثاني:
يجب أن يكون هناك احترام متبادل للخصوصيات التي يختلف فيها هذا المذهب عن ذاك، فهناك ممارسات عبادية وشعائر يقوم بها أبناء هذا المذهب قد تختلف في خصوصياتها وأشكالها عن ممارسات مذهب آخر، وهناك مراسيم وآداب أو تقاليد وعلاقات يقيمها أبناء هذا المذهب في أوساطهم قد تختلف عنها في مذهب آخر.
فمثلاً أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لهم علاقات ومفاهيم خاصة بعلمائهم وتجاه المرجعية الدينية، وارتباطهم بالحوزات العلمية ومؤسسة المنبر الحسيني، إلى غير ذلك مما له علاقة بحياتهم الدينية والشعائرية والثقافية، وحتى في بعض القضايا ذات الطبيعة التقليدية والرسوم والآداب التي يمارسها أبناء هذا المذهب.
كذلك هناك مؤسسات يهتمُّ بها أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فيما يتعلق بوجودهم، كالمدارس العلمية التي توارثوها عن أئمتهم منذ الصدر الأول للإسلام وحتى يومنا الحاضر، أو مراقد الأئمة وأولادهم (عليهم السلام)، التي يعتبرون زيارتها والحضور عندها فيه ثواب وأجر عظيم.
وهذا النوع من الالتزامات، والشعائر والآداب، والرسوم والتقاليد، يجب أن يكون محترماً للجانبين، لأن قضيَّة الاحترام المتبادل لهذه الخصوصيات - التي لا تمسُّ الآداب العامة والأمن العام والكيان السياسي العام - حقٌّ يجب أن يتمتع به جميع أبناء الشعب العراقي بلا استثناء.
إذن عندما نقول: لابُدَّ من رفض السياسات الطائِفيَّة، ولابُدَّ من مقاومة التمييز الطائفي، نقصد بذلك، الاهتمام بمثل هذه الجوانب والخصوصيات.
الجانب الثالث:
أن تسود الأخوّة بين المسلمين، وتتحقق الوحدة الإسلامية بينهم، وهذه الوحدة تكون في الهموم المشتركة والبلد والوطن الواحد، والمصالح والمنافع حتى مع غير المسلمين، وعليهم أن يتحمَّلوا المسؤوليات تجاه هذه القضايا المشتركة، وتكون ضمن إطار واحد يجمع هؤلاء الناس جميعاً.
الجانب الرابع:
أن يكون العدل والحق هما الحاكمين في العلاقات بين هؤلاء الناس، سواء العلاقة بين الحاكم والمحكومين، أم بين الناس أنفسهم في البناء الاجتماعي والأوضاع الاجتماعية العامة.
هذه الجوانب الأربعة هي الأركان التي تمثل النظرة العامة التي نراها - وهي النظرة الحقة - تجاه الموضوع الطائفي في بلادنا الإسلامية وخصوصاً العراق.
وأنا أعتقد أن العلاقات بين المسلمين إذا قامت على أساس هذه الأركان الأربعة فلا تكون عندنا مشكلة طائِفيَّة.
النقطة الثانية:
النظرية الإسلامية تجاه الموضوع الطائفي
إن الطائِفيَّة من الموضوعات المهمة التي أثارها العلمانيون في مقابل الأطروحة الإسلامية والدعوة لإقامة الحكم الإسلامي، وإحدى القضايا التي تُعتبر من التحديات أمام الحكم الإسلامي هي القضيَّة الطائِفيَّة، حيث يقول العلمانيون للإسلاميين:
إذا أردتم أن تقيموا الحكم الإسلامي فكيف يمكن ذلك في بلد تتعدَّدُ فيه المذاهب الإسلامية؟، وعلى أي مذهب من هذه المذاهب يقام الحكم الإسلامي؟ فإذا كان الحكم يقام على مذهب (أ) فيكون هناك ظلم تجاه مذهب (ب)، وهكذا مع المذاهب الأخرى التي توجد في هذا البلد.
ويقول العلمانيون في مواجهة النظرية والحكم الإسلاميين: إن هذه المشكلة يمكن حلّها، وذلك بأن نترك الدين على جانب، ويقام النظام على أساس العلم والمدنية، وتصبح الممارسات الدينية الفردية حرة بالنسبة لهؤلاء الناس، ويُعبرون عن هذا القانون بالقانون الوضعي، وهذا المصطلح العلماني هم وضعوه لأنفسهم، وهؤلاء في الحقيقة لا يقيمون النظام على أساس العلم.
ونحن نعتقد أن العلم لا يفترق عن الدين، ولا يفترق عن الإيمان، والدين يدعو للعلم، والعلم يدعو للإيمان، ولا يوجد هذا النوع من الافتراق لكي يسموا أنفسهم بالعلمانيين.
وباعتبار أنهم يسيطرون على الأوضاع الثقافية للمسلمين فقد أصبح هذا المصطلح اسماً لهذا النوع من الأنظمة، وهم يدعون للنظام الوضعي مقابل النظام الإسلامي، باعتباره النظام الذي يتمكن أن يحل المشكلة الطائِفيَّة ويعالجها، وأما النظام الإسلامي - في نظرهم - فلا يستطيع ذلك، ويضربون أمثلة على اضطهاد بعض الأنظمة التي تحكم باسم الإسلام للمذاهب والطوائف الأخرى.
كيف يعالج موضوع الطائِفيَّة في الإسلام
لا شَكَّ أن النظرية الإسلامية قادرة على معالجة هذا الموضوع، خصوصاً النظرية المستنبطة من مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، حيث إنَّ هامش الحُرِّية يعتبر واسعاً، ويعطي فرصة واسعة للمذاهب الإسلامية لأن تعبِّر عن وجودها وكيانها وخصوصياتها، ويحترم هذه الخصوصيات الموجودة في المذاهب الأخرى بشكل واضح.
الجمهورية الإسلامية ومعالجة الطائِفيَّة
وأفضل نموذج على ذلك هو ما جرى في الجمهورية الإسلامية، فإنَّ أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في إيران يمثلون الأكثرية الساحقة المطلقة من حيث العدد، فضلاً عن الوجود السياسي والقوة السياسية، ومع ذلك نجد أن الجمهورية الإسلامية أعطت في نظامها الإسلامي الحرية الواسعة للمذاهب الأخرى في مقام التعبير عن وجودها، سواء على المستوى السياسي أم الثقافي، وحتى الإعلامي.
فالذي نلاحظه أن الجمهورية الإسلامية هي البلد الوحيد الذي يتحدث عن تعددية المذاهب، فيقول: هناك شيعة وسنة، ويتحدث عن احترام هذه التعددية.
والجمهورية الإسلامية هي البلد الوحيد الذي ثبّت هذا المبدأ في دستوره ونظامه الأساسي، حيث أكَّد على أنَّ أبناء المذاهب الأخرى لهم الحق في أن يتمتعوا بكل خصوصياتهم المذهبية، وحتى في ثقافتهم المذهبية، وأن تدرَّس عقائدهم بالمدارس الرسمية عندما يكونون أكثرية في أي منطقة من مناطق البلاد.
العدالة بين المذاهب على أفكار ثلاث
وعندما نريد أن ننقل هذا المبدأ للأفكار العامة نجده يقوم على أفكار عديدة وهي:
الفكرة الأولى:
أن النظام الإسلامي- في القضايا المشتركة التي لا يمكن فيها التعدد - لابُدَّ أن يستند إلى استنباط شرعي صحيح من الكتاب والسنة، ولو تتعدَّد فيه الآراء فلابُدَّ أن يؤخذ برأي واحد.
ولذلك نجد النظام الإسلامي قد عالج هذا الموضوع حتى في دائرة المذهب الواحد، لأنه قد تتعدَّد أيضاً وجهات النظر والآراء الفقهية في داخل المذهب الواحد، وعندئذ لابُدَّ أن يُستَنَد في القضيَّة التي يمكن التعدد فيها اجتماعياً إلى رأي شرعي يعبر عن اجتهاد صحيح في مقام الاستنباط من الكتاب والسنة.
ولذلك فهو يستند الآن في القوانين والتشريعات العامة إلى الاستنباط الشرعي الصحيح، الذي قد يكون مستنبطاً من قبل هذا العالم أو ذاك، وهذا هو ما أشار إليه الشهيد الصدر (قدّس سرّه) في كتاب (اقتصادنا)، والبحث السياسي في الكراسات والكتيبات الصغيرة التي تحدَّث فيها عن النظام الإسلامي.
والاستنباط الشرعي الصحيح يستند إلى المصدر الذي يقبله الشيعة والسنة معاً، وهو القرآن الكريم والسنة الصحيحة المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله).
الفكرة الثانية:
قضيَّة التعددية المذهبية في القضايا التي تقبل التعدد، كما هو الحال في الأحوال الشخصية، وبعض المعاملات والعقود التي تجري بين الناس، والقضايا الثقافية والآداب والرسوم، وغيرها مما يمكن أن يكون فيه التعدد.
وهذه النظرية تقوم على أساس هذا التعدُّد واحترامه وقبوله كواقع من الوقائع التي لابُدَّ أن يلتزم بها المسلمون، وتعبر عن نوع من الحرية في النظرية الإسلامية.
الفكرة الثالثة:
الحرية السياسية التي يعتقد بها أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا مما يتميَّزون به.
وحتى بالنسبة للأفكار التي يرونها باطلة وغير صحيحة، فأصحابها يتمتَّعون بحرية التعبير عنها ما لم تخرج عن الإسلام، أو تتحوَّل إلى زندقة وتمرُّد وارتداد عن الإسلام والحكم الإسلامي.
الإسلام والمعارضة
نعم قد يرى أتباعُ هذا المذهب هذا الرأي بعنوانه باطلاً، ويقال عنه: إنه غير حق، ولكن لا يقهر ولا يقمع، ولا تستخدم القوة لذلك، وقد رأينا في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) أن هناك حركة سياسية كان يقوم بها المنافقون - وهي باطلة لأن من يخالف الرسول فهو مخالف لله وللإسلام، وإذا كان احتمال الخطأ موجوداً في المجتهدين والعلماء فهو غير موجود في الرسول (صلى الله عليه وآله) - ولكن مع ذلك لا نجده (صلى الله عليه وآله) يقمعها بالقوة والقهر، وقد كان المنافقون يتحركون ويتحدثون ويتكلمون، وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) يراهم.
نعم كان (صلى الله عليه وآله) يدين هذه الحركة ويقول إنها حركة تحمل أفكاراً باطلة، ولكنه لم يستخدم القوة لمنعها.
والشاهد الأوضح ما حصل في حكم الإمام علي (عليه السلام) مع الحركة السياسية التي قادها الناكثون طلحة والزبير، فقد كانت واضحة ومعروفة عنده، ولكنه (عليه السلام) لم يتخذ أي إجراء قمعي لقهرها والوقوف أمامها أكثر من إدانتها والحديث عنها، وكشفها وتوضيح بطلانها.
فلم يلجأ (عليه السلام) إلى القوة لقهرها، حتى بدأت هذه الحركة باستخدام السلاح والقوة ضد الإمام علي (عليه السلام).
ونفس الشيء صنعه مع الخوارج، وكان موقفه (عليه السلام) تجاههم أوضح، حيث كانوا موجودين كمجموعة من المحكومين، والناس العاديين في مجتمع الكوفة، وكان الإمام (عليه السلام) يحكم ذلك المجتمع ومهيمناً عليه، وهؤلاء كانت لهم آراؤهم السياسية وشعاراتهم وحركتهم، ولم يتخذ (عليه السلام) إجراءً قهرياً تجاههم، وإنْ كان قد أبَان حركتهم وكشف عن بطلانها، وناقش مبادئها وخلفياتها الفكرية، حتى بدأت هذه الحركة بقطع الطريق، وبدأت تستخدم القوة وتتمرد على النظام الإسلامي.
إذن، فالنظام الإسلامي فيه هامش واسع للحرية التي يتحرك فيها الإنسان المسلم، على خلاف الأنظمة القهرية الجائرة التي لم تكن تسمع بالرأي الآخر، سواء أكان حقاً أم باطلاً، فالرأي الواحد يفرض بالقوة والقهر، ولا يسمح للرأي الآخر في مقابل الرأي الحاكم.
النقطة الثالثة:
الإمام الحكيم (قدّس سرّه) ومعالجة القضيَّة المذهبية:
عاش الإمام الحكيم (قدّس سرّه) فترة عصيبة داخل العراق، وكان ينطلق في نظرته العامة في معالجة الطائِفيَّة من المنطلقات التي أشرت إليها، فكان يطالب بالحقوق العامة لأبناء الشعب العراقي والمساواة بينهم، وكان يتحدَّث عن العدل والحق في هذه القضيَّة، وكان رأيه فيها معروفاً.
جاءه طاهر يحيى وكان رئيس الوزراء في ذلك الوقت، فقال له الإمام الحكيم (قدّس سرّه): نحن نفضِّل الحاكم العادل ونؤيِّده حتى لو كان سُنِّياً، ونرفض الحاكم الجائر حتى لو كان شيعياً.
إذن، فقضيَّة العدل والحق هي القضيَّة الأُولى عنده، وكان يطالب بالمساواة بين الناس، ولم يدعُ لحكمٍ طائفي، بمعنى أن يكون لطائفة الشيعة الغلبة على طائفة السنة.
الإمام الحكيم (قدّس سرّه) والمظلومون
وأحد الأساليب والمناهج التي اهتمَّ (قدّس سرّه) بها من أجل محاربة الطائِفيَّة هو أنه كان يدافع عن المظلومين، حتى لو كانوا من الطوائف الأخرى.
فلم يتحرَّك سياسياً وكأنه ينتمي لطائفة معينة، بل كان يتحرك وكأنه ينتمي لكل طوائف الشعب العراقي، ولذلك دافع عن الأكراد عندما ظُلموا، وهم من طائفة أهل السنة، ولم يكونوا من العرب.
والإمام الحكيم (قدّس سرّه) كان في انتمائه المذهبي والقومي - إذا صحَّ التعبير - شيعياً عربياً، فهو من أولاد الرسول (صلى الله عليه وآله) وانتماؤه هاشمي، ولكن مع ذلك كان يرى أن قضيَّة الشعب العراقي ومصالحه وأمنه واستقراره وحقوقه واحدة.
وعندما تعرَّض أبناء السنة العرب - خصوصاً الذين كانوا يحكمون في بعض المقاطع في أيام عبد الكريم قاسم، فقد كانت هناك موجة للتعرض لهؤلاء، وممارسة الضغوط ضدهم - وقف الإمام الحكيم (قدّس سرّه) مدافعاً عنهم، وتحمَّل الكثير من العناء والتضحيات من أجل الدفاع عن قضيَّة الأكراد المظلومين، لأن القضيَّة كانت بحسب نظره تنطلق من هذه الرؤية وهذا الموقع.
احترام الطوائف الأخرى للإمام الحكيم (قدّس سرّه)
ولذلك نجد أن الإمام الحكيم (قدّس سرّه) - لا أقول ذلك ادِّعاءً ويتمكن الإنسان أن يسأل الناس في كل مناطق العراق عن هذه الحقيقة - كان يحظى باحترام وحبِّ جميع الطوائف في العراق، حتى باحترام المسيحيين.
ولا أريد أن أتحدَّث عن حبِّهم له، لأنني ليست لي معاشرة معهم، ولا أتمكن أن أشهد بذلك، ولكنَّ احترامهم لسماحته كنت أراه من خلال التعامل الخارجي.
أما الأوساط الكردية والعربية السُّنية فكان لنا حضور وارتباط وتماس معها، وكنت أشعر بوجود الحب للإمام الحكيم (قدّس سرّه).
حتى إنَّ بعض الشخصيات السنية الكبيرة عندما توفي ونقل جثمانه إلى النجف طلب أهله من الإمام الحكيم (قدّس سرّه) أن يصلي عليه، باعتبار هذا النوع من العلاقة والمحبة والودِّ بينه وبين الطوائف الأخرى.
وهذا الأمر يمثِّل شيئاً مهماً جداً في شخصية الإمام الحكيم (قدّس سرّه) في الحكمة التي كان يتبعها في هذا المجال، مع الاستقامة والثبات على المبادئ الحقة.
وكان الإمام الحكيم (قدّس سرّه) يدافع عن حقوق أبناء طائفته - مذهب أهل البيت (عليهم السلام) - الذين كانوا يتعرضون للظلم، وهو في نفس الوقت كان يدافع عن حقوق الآخرين.
ومن خلال الممارسة الطويلة، والدقَّة والحكمة في مقام التعامل وطرح الأشياء وتوضيحها، أصبحت هذه المسألة واضحة أمام الشعب العراقي، ولذلك لم يذكر عن الإمام الحكيم (قدّس سرّه) في العراق أنه طائفي، أو يرتبط بوضع طائفي، مع أنه كان يدافع عن حقوق الطائفة الشيعية.
وكان أكثر العلماء - حسب معرفتي بفترة التأريخ المعاصرة - اهتماماً بشعائر هذه الطائفة وبخصوصياتها، من قبيل الحوزات العلمية، أو مراقد الأئمة (عليهم السلام) أو بشعائر الحسين (عليه السلام) وبناء المؤسسات وغيرها مما كان يمارسه الإمام الحكيم (قدّس سرّه)، ولكنه مع ذلك تمكن أن يحفظ هذه الموازنة الدقيقة في مقام مواجهة القضيَّة الطائِفيَّة.
وهذا في نظري هو مسلكهُ (قدّس سرّه) ومسيرته ومنهجه، ويمكن أن يكون قدوة لأي عمل سياسي الآن في عراقنا الجريح، ونحن نحتاج لهذه القدوة ولتلك السياسات الحكيمة التي تطالب بالحقوق، وتدافع عن المظلومين، وفي الوقت نفسه تحفظ علاقات المحبَّة والوِدِّ بين المسلمين جميعاً، بحيث لا يتحول الصراع في العراق إلى صراع طائفي بين الناس، وتصبح هي المشكلة الرئيسية بين الناس أنفسهم.
نعم، هناك مشكلة طائِفيَّة مع الأنظمة الحاكمة، لأنها تريد أن تستفيد من القضيَّة الطائِفيَّة لغرض استمرارها وبقائها في الحكم.
نسأله تعالى أن يتغمد الإمام الحكيم (قدّس سرّه) برحمته الواسعة، وجميع علماء الإسلام ومراجعنا العظام.
ويتغمد شهيدنا الصدر (قدّس سرّه) برحمته الواسعة، وأن يحفظ هذه الدولة المباركة، ويحفظكم ويرعاكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
|