الباحث: المدرس أسامة إسماعيل عثمان
كلية الآداب / جامعة البصرة
شارك البحث في المؤتمر الثالث لإحياء التراث الفكري والعلمي للشهيد الحكيم في النجف الأشرف عام 2008
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} سورة الصف: آية (5)
الإهــــداء:
إلى حبيبي ومهجة قلبي...
إلى من علمني حب الحق...
إلى سيد شباب أهل الجنة...
إلى حبيبي وسيدي ومولاي...
سيد الشهداء الإمام الحسين(عليهم السلام)..
الباحث
تمهيد
إن لثورة سيدنا الإمام الحسين (عليهم السلام) اثراً واضحاً في تحديد ملامح الحياة السياسية في التاريخ الإسلامي واثراً خالداً في حياة المعارضين لأنظمة الاستبداد والطغيان على مر العصور، فكم من معارض استشهد برؤية سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام)لاظهار الحق وبكم بالإمام الحسين(عليهم السلام) ظهر الحق.
إن ثورة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) نهضة سياسية كانت ولا تزال صرخة مدوية في وجه الظلم بجميع صوره، لذا أصبح سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) بحركته نبراساً لكل معارض يصدح بالحق أو يسعى لتحقيقه في ظل جاهلية المجتمعات وسكوتها على الظلم وقبولها بالخضوع للاستبداد سواء طوعاً أو كرهاً، فسيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) بنهضته هذه شكل انموذجاً صار عبر التاريخ مثالا يحتذى، به، فمن نهض مع قلة الناصر يستذكر سيدنا الحسين(عليهم السلام) ومن نهض لتصحيح المسيرة والدعوة لاظهار الحقيقة استشهد سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام)، وفي ذلك استوى المسلم وغير المسلم فهذا غاندي يستذكر سيدنا الامام الحسين (عليهم السلام)عندما علم أنه يكافح ضد أعتى قوى العالم مع قلة الناصر فقال كلمته المشهورة: (تعلمت من الإمام الحسين أن اكون مظلوماً فانتصر).
وهكذا يستذكر شهيد المحراب(قدس سره) ثورة جده سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) وهو اولى به بالذكرى لاسيما وان السيد شهيد المحراب(قدس سره) كافح طيلة حياته الشريفة ضد نظام الطاغية المقبور وهو نظام مستبد طاغٍ تشابهت سياسته الهدامة للإسلام مع سياسة يزيد.
ومن هذا المنطق سأحاول في هذه الدراسة تقصي فكر شهيد المحراب(قدس سره) بخصوص النظريات التي فسرت أسباب نهضة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) وذلك من خلال دراسة رؤية سماحته لتلك النظريات متتبعاً آراءَه فيها وتعليقاته عليها، وأسال الله جل في علاه أن يوفقني في هذا المسعى نصرة لسيدي الإمام الحسين (عليهم السلام)وعرفناً لشخصيته طالما احببتها ووفاء لحقها علينا وان يجعل ذلك في ميزان حسناتي.
ثورة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام)
لدراسة ثورة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) وتحديد اهدافها الظاهرة والباطنة وتقصي الاسباب التي دعت اليها والاثار المترتبة عليها سواء الانية في وقتها ام المستقبلية فضلاً عما تمخض عنها من نتائج كان لها الدور الكبير في تغيير الصورة السياسية للمجتمع الإسلامي فبواسطتها شرعت فقهيا الثورة ضد الاستبداد فسيدنا الامام الحسين(عليهم السلام) امام مفترض الطاعة ان تشريع الجهاد ضد الاستبداد هو من ابواب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء بالسيف ام بالكلمة واللسان ام بالقلب وهي قضية مثبتة في القرآن والسنة الشريفة قبل ثورة الحسين(عليهم السلام) ولا شك ان الحسين(عليهم السلام) فعل ذلك امتثالا لله تعالى وشرعته وعملا بها.
يعتمد شهيد المحراب(قدس سره) مبدأ الواقعية في طرح المواضيع العلمية فضلاً عن اعتماده مبدأ الحرية في طرح التصورات للمواضيع التي يقوم بدراستها في ظل رؤيته الشخصية التي تستند على بحر واسع ن العلم فضلاً عن الإرث الفكري الذي اكتسبه من ملازمته للإمام الحكيم(قدس سره).
ومن هنا كانت دراسته للنظريات التي فسرت ثورة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) تتسم بالواقعية في التحليل والمنطق في التعليق والرد، وقد ذكر السيد شهيد المحراب(قدس سره)أن الناس اختلفوا في تفسير أسباب النهضة الحسينية المباركة وفق رؤية كل طرف لها ما بين مؤيد لها أو معادٍ أو من وقف على الحياد منها، وقد أوجزها سماحته بنظريات خمس أساسية وعلى النحو الآتي:
أولا: نظرية الصراع القبلي
تعتمد فروض هذه النظرية على أن ثورة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) لا تعدوا عن كونها صراعاً قبلياً بين فرعين من قريش على الهيمنة والزعامة في المجتمع الإسلامي وهو ما أرد أن يشيعه يزيد واتباعه بين الناس وما يؤكد هذا الطرح قول يزيد نفسه:
لعبت هاشم بالملك فلا * * * خبر جاء ولا وحي نزل
فنهضة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) لم تكن ذات مبادئ أو وجهة نظر تحدد ملامحها بل حصرت وفق هذه النظرية بالبعد القبلي، وهو رأي شدد شهيد المحراب(قدس سره) على رفضه مفنداً فروضها بصورة علمية حينما وجه الأنظار إلى أن طبيعة الأجناس التي ضمها جيش سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) حيث لم يكن جيشاً هاشمياً بحتاً بل كان فيه السيد والعبد والعربي والأعجمي بل أن الجيش ضم حتى من كان بالامس القريب بالمعسكر الآخر ونعني به زهير بن القين فلولا أن كان الحق جلياً واستيقن قلب هذا الرجل باحقية المبدأ الذي خرج لاجله سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) (ورحمة الله به بلا شك) لما خالف هذا المعسكر الذي تربى على يديه بل وقاتل من اجله مع معاوية لينقلب موقفه بعد أن ادرك حقيقة الآمر ليقاتل ابنه يزيد مع سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام)، حقيقة الموقف هذه دفعت كذلك بعض قادة جيش يزيد إلى الانقلاب عليه والانضمام إلى معسكر سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) كالحر الرياحي مثلاً الذي أدرك أن المعركة ليست خروجاً على ولي الآمر أو طلب الهاشميين للدور الريادي في قيادة الأمة كما كانت تشيع الأبواق الإعلامية ليزيد آنذاك، بل كانت معركة مصير تحدد مستقبل الإسلام فضلاً عن مستقبله الشخصي ليس من منظور دنيوي فحسب بل من منظور اخروي أيضا فهذه المعركة فهمها الحر كما كان يفهمها كل من كان في معسكر سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) أنها قسيمة رضا الله أو سخطه وبالنتيجة فهي قسيمة الجنة والنار، وهو الأمر الذي كان يدركه عمر بن سعد ايضاً ولكن حبه للدنيا وملذاتها أعمى بصيرته فباء بسخط الله سبحانه.
ويعتقد الباحث أن محاولة اختزال الثورة الحسينية المباركة بهذا البعد الهامشي أمر لا ينبغي التعويل عليه فلا يمكن تصور أن سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) يقوم بتحرك كهذا لغرض دنيوي من قبيل التماس جاه أو سيادة قبلية فليس هناك عاقل ينكر ما لبني هاشم من دور ديني ريادي قبل الإسلام وبعده.
ثانياً: نظرية الصراع على السلطة
فسرت هذه النظرية حركة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) على أنها سياسية محضة تمثل صراعاً على السلطة، حاول من خلالها سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) السيطرة على الحكم وإقامة النظام الإسلامي الصحيح مستغلاً بذلك الضعف السياسي والعزلة الاجتماعية التي كان يعاني منها يزيد خاصة مع الرفض أو (التردد) في البيعة له من بعض الصحابة والتابعين بسبب ما عرف عنه من فساد الخلق والدين وما تميز به من اللهو والمجون، وتخلص هذه النظرية إلى أن هذه الثورة أجهضت بفعل خذلان الناصر ما صورته على أن خيانة أهل الكوفة وترددهم عن دعم الثورة كان سبباً في فشل الثورة بتحقيق مبادئها.
وفي تعليل رفضه لهذه النظرية يذكر شهيد المحراب(قدس سره) أن سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) بقيامه بالثورة ما كان يرجو الوصول من خلالها إلى السلطة لأنه(عليهم السلام) كان يعرف أن هذا الآمر (السلطة) لا يصل إليه بسبب ادراكه لحقيقة الوضع السياسي والاجتماعي الذي كان يسود الأمة الإسلامية آنذاك، فسيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) يعلم علم اليقين أن نتيجة خروجه هي استشهاد على يد الزمرة الكافرة، وهو بذلك اكثر علماً واصوب راياً ممن اشار عليه بالمكوث وعدم الخروج إلى الكوفة ولعل ابرز ما يدلل على هذا الرائ قوله (عليهم السلام) في خطبته ليلة الفاجعة: ((وكأني باوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء))، وينتهي شهيد المحراب(قدس سره) إلى تفنيد نظرية الوصول إلى السلطة كهدف لثورة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) فيقول: " فمن يعلم أن نتيجة ثورته نهايته الشخصية لا يمكن أن يقوم بها أن كان هدفه السلطان ".
ويعتقد الباحث أن سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) أراد من نهضته أن تكون صرخة مدوية عبر التاريخ لتدك صروح الظلم والطغيان فكما أراد الله بدعوة سيدنا إبراهيم الخليل(عليهم السلام) للناس بالحج أن يقوم ابراهيم (عليهم السلام) بالاعلان مع يقينه أن دعوته لن تصل لمسامع الكثيرين، لكن كان الفعل الالهي مسؤولاً عن اعلام الناس باذن سيدنا إبراهيم(عليهم السلام) وهكذا أراد الله أن يجعل ن سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) فداء الفكر وقضية وارساء لحق ومبدأ فضحى(عليهم السلام) بدمه الشريف ليعلي كلمة الله فجعل الله اسم سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) علماً تهتز له صروح الطغيان باختلاف الزمان والمكان.
ثالثاً: نظرية العامل الأخلاقي
يطرح البعض تفسيراً آخر لثورة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) ويربطها بالعامل الأخلاقي، فسيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) وفق فروض النظرية كان سيداً عربياً ابياً عزيزاً شريفاً له مكانته الاجتماعية المرموقة في المجتمع الإسلامي فضلاً عن مكانته الدينية المعروفة التي لا ينازعه عليها منازع مهما كان شرفه ومكانته في المجتمع، فكيف به يرضى بمبايعة يزيد ويوطىء لحكمه والناس تعرف من هو يزيد، لذا فسيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) قام بثورته هذه بدافع أخلاقي بحت وقد استدل أصحاب هذه النظرية على ذلك بقوله(عليهم السلام): ((والله لا أعطيكم بيدي أعطاء الذليل ولا اقر لكم إقرار العبيد)) وكذلك بقوله الشريف بحق يزيد: ((يزيد رجل شارب الخمور وقاتل النفس المحترمة ومعلن الفسق ومثلي لا يبايع مثله))، لذا عد أصحاب هذه النظرية أن سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) انما قام بثورته هذه بدافع شخصي يتمثل بالذب عن كرامته والحفاظ على مكانته السامية بين الناس.
وفي تعليق شهيد المحراب(قدس سره) على فروض هذه النظرية اكد سماحته على أن حركة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) كانت حركة أخلاقية بلا شك إلا أن الثورة لا يمكن أن تختزل بهذا الشكل لان سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) إمام للأمة الإسلامية يوجهها إن انحراف عن الطريق الصحيح وذلك بنص الحديث للرسول الكريم(صلّى الله عليه وآله): ((الحسن والحسين إمامان أن قاما وان قعدا)).
إذن فسيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) يحمل بين جنباته الاحساس باهمية دوره بالنسبة للأمة لذا فهو (عليهم السلام) لم ينهض ثأرا لنفسه الزكية فقط وإنما قام بحركته إيمانا منه (عليهم السلام) بالمسؤولية المكلف بها هي الحفاظ على مصالح الأمة الإسلامية العليا المتمثلة بالحفاظ على الدين والسهر على تطبيق مقاصده ومحاربة المحاولين لتحريفه والتلاعب بتشريعاته، ويشير شهيد المحراب(قدس سره) الى ذلك بقوله: (إذن فالمعركة ليست معركة رفض ظلم وذل أو إباء ضيم، هناك شيء اكبر وأعظم من مسألة رفض الظلم، والهدف الأعظم هو رضى الله سبحانه وتعالى وتحقيق السعادة الأبدية لهذا الإنسان في الحياة الأخرى).
يعتقد الباحث ان ثورة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) كانت اخلاقية بمعناها الإسلامي وليس الشخصي ويبدو ذلك من خلال مطلبين الأول تمثل ببكاء سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) على من وقف مصرا على قتاله وعلل ذلك بأنه (عليهم السلام) يبكي لأنهم سيدخلون النار بموقفهم هذا فاي انسان يحزن لمصير اعدائة واي موقف اخلاقي هذا، ثم اليس الحفاظ على العهود والوفاء بالوعود وحفظ الامانات وأدائها الى أهلها مقاصد أسلامية كونها من الاخلاق الحميدة التي جاء الإسلام ليؤكد دورها في حفظ المجتمعات من الانحراف بل الم يعتبر الرسول الاكرم(صلّى الله عليه وآله) خلاف ذلك نفاقا بقوله الشريف: ((آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب واذا وعد اخلف اؤتمن خان))، وحيث ان ولاية يزيد للامر كانت تضييعا لكل تلك الاخلاقيات ممن مكنه من رقاب الناس مع علمه بعدم أحقيته السياسية فضلا عن الشرعية لتولي حكم المسلمين لذا كانت حركة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) ثورة الترسيخ المفاهيم الاخلاقية المشار إليها أعلاه في المجتمع الإسلامي - تلك المفاهيم التي حاولت ان تغيبها سلطة يزيد ومن حكم قبله من بني أمية - كيف لا وهو السيد العربي وابن الرسول الأكرم(صلّى الله عليه وآله) الذي يقول: ((انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق)) وقد أشار(عليهم السلام) للعسكر الآخر في معرض نصحه لهم ان الحفاظ على الوعود والعهود أخلاقا عربية قبل ان تكون أسلامية وذلك بقوله(عليهم السلام): (كونوا عرباً).
رابعاً: نظرية القضية الغيبية
يربط اصحاب النظرية الرابعة في تفسيره ثورة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) هذه الثورة بالغيب في المنهج والقصد والنتيجة. تقوم فروض هذه النظرية على أن نهضة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) واستشهاده إنما هي قضية غيبية وان الله قدر لسيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) أن يقتل بارض كربلاء، واستدلوا على ذلك بالروايات الكثيرة التي تذكر تفاصيل استشهاده(عليهم السلام) سواء الصادرة عن سيدنا رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أو عن سيدنا الإمام علي ابن أبي طالب(عليهم السلام) أو حتى تلك الصادرة عن سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) نفسه ونكتفي هنا بذكر الرواية المشهورة عنه(عليهم السلام) لما سؤل عن العلة في اصطحابه لنساء بيت النبوة معه وهو يدرك حقيقة نهاية الثورة بقوله(عليهم السلام): ((شاء الله أن يراهن سبايا))، لذا عد أصحاب هذه النظرية أن حركة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) تخصه وحده وان واجب المسلمين استذكار هذه المناسبة كما حلت بإقامة المجالس الحسينية وعمارتها البكاء وإقامة الموائد وتقديم الطعام للفقراء بقصد الثواب من غير أن يكون لها صلة بالواقع الذي تعيشه المجتمعات البشرية ومحاولة تغييره.
في إطار مراجعة سماحة شهيد المحراب(قدس سره) لفروض هذه النظرية أكد سماحته رفض التفسير الغيبي للثورة ليس لأنها لم تحظ بالعناية الالهية بل أن حركة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) أطروحة الهية موضوعة من قبل الله تعالى، وقد أراد الله أن تكون هذه الثورة بتفاصيلها المأساوية قدوة للناس جميعاً في رفض الانحراف والظلم والاستبداد، وقد اختار خير الناس للقيام بهذه الثورة ووضع هذا المنهج للتدليل على المقصد الالهي منها، كما أكد سماحته على أن المجالس الحسينية كانت جزء من نتائج ثورة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) وبين اهميتها ومشروعيتها وفضل القيام بها، ولكن شدد سماحته(قدس سره) على ضرورة أن تمثل المجالس الحسينية قضية سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) تمثيلاً حقيقياً للواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه المجتمع المسلم، فالثورة التي قام بها الإمام(عليهم السلام) ليس مختصاً بها سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) بشخصه. وان يكون الهدف منها سراً لا يعلمه إلا الإمام(عليهم السلام) والراسخون في العلم من دون سائر الناس لكن أريد لهذه الثورة أن تعيش في الوجدان الإنساني مستلهمين منها مبادءها ومنهجها القويم في الحفاظ على الإسلام دون تحريف.
خامساً: نظرية الموقف الشرعي
يذكر أصحاب هذه النظرية في تفسير سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) أنها ثورة جاءت لتؤطر وتثبت الموقف الشرعي تجاه ظاهرة الظلم والطغيان والمحافظة على وجود الرسالة المحمدية فضلاً عن دعوتها إلى تحديد حالة الأمة وتحديد مشاكلها السياسية والاجتماعية والنفسية وسبل معالجتها، ويستدل أصحاب هذه النظرية يقول سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية: ((إني لم اخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي، أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول لحق فالله أولى بالحق ومن رد علي هذا اصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين)).
يعلق شهيد المحراب(قدس سره) على هذه النظرية بقوله كان سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) يمثل الضمير الحي للائمة الإسلامية والعقل الواعي والمدرك للأخطار التي تهدد الأمة لذا كان الفهم النظري لأهمية حركته(عليهم السلام) ضد يزيد فحول الإمام(عليهم السلام) هذا الفهم إلى واقع عملي ووظيفة شرعية واضحة المعالم تحرك الناس وتدفعهم لمحاربة الظلم والذل والخضوع والاستسلام للآمر الواقع، لذا كانت الثورة الحسينية واستشهاده(عليهم السلام) بمثابة زلزال الذي أصاب الأمة الإسلامية في دينها فغير من أدركها وآفاقها من غفلتها بل كانت السبيل لأيقاظ الضمائر وتحريك المشاعر والأحاسيس، فبات أكيدا لسيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) وفي ظل قراءته السليمة للمجتمع الإسلامي آنذاك المرتكزة على أساس وبراهين علمية دقيقة تدل على أن الناس يعيشون في غفلة بحيث لا يمكن أن يتحركوا ضد الظلم الجاثم على صدورهم بالخطب والدعاء خاصة بعد أن ركنوا إلى الخضوع والاستسلام بفعل الحكم الاستبدادي القائم على الظلم..
وهنا قد يفند البعض هذا الرأي بان أهل البيت(عليهم السلام) تعرضوا فعلاً للسبي بعد انتهاء المعركة ونقلوا إلى الشام في مسرحية مأساوية فأي مصلحة كانت في استصحابه لهم والنتيجة واحدة أن لم تكن أسوء مع ما تعرض له أهل البيت(عليهم السلام) من اذلال خلال الرحلة من الكوفة إلى الشام، ولعلي لا اتبنى راياً شاذاً عندما اقول أن هذا أيضا كان مما سعى أليه سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) من خلال البعد الثاني لأسباب استصحابه(عليهم السلام) لأهل بيته(عليهم السلام) وهو البعد الإعلامي والذي أراد من خلاله سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام)أن تؤدي هذه الصحبة دوراً في مرحلة لاحقة من مراحل الثورة، فعملية السبي ذاتها برزت حقيقة النظام الحاكم الفاقد للشرعية، كما ساهمت الطريقة التي نقل بها السبايا إلى الشام بدور إعلامي مهم في نشر مظلومية الإمام الحسين وأهل بيته(عليهم السلام) فأي نظام هذا يدعي الشرعية المستمدة من الدين الإسلامي هذا الدين الذي أسسه وأرسى دعائمه الرسول الأكرم محمد(صلّى الله عليه وآله)، ثم يقوم هذا النظام بقتل ابن بنته وسبي أهل بيته(عليهم السلام) بهذه الصورة فكان هذا الموقف كافياً لهز الضمائر الحية وتعرية النظام الحاكم من شرعيته، الآمر الذي أذن بظهور ثورتين متتاليتين هما ثورة التوابين وثورة أهل المدينة، ما ساهمت العقيلة زينب(عليها السلام) بدور أعلامي واضح ساهم بنشر مبادئ الثورة ن خلال أظهار مظلومية سيد الشهداء(عليهم السلام) كيف لا وهي صاحبة إعلان استمرارية النهج الحسيني على مر العصور وذلك من خلال البيان الذي صدحت فيه بنجاح الثورة وشيوع نظرية انتصار الدم على السيف عندما قالت ليزيد: ((كيد كيدك واسع سعيك فوالله لن تمحو ذكرنا)).
ولقد كان الآمر كما قالت(عليها السلام): ((فهذا ذكر سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) ما زالت تهدر به الألسن وتهوى له الأفئدة وتهتز له عروش الظلم والطغيان على مر الأزمان وسيظل كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها ولا شك أن هذا ما أراده وسعى أليه سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) من ثورته وهو ما يشهد التاريخ بتحققه)).
الخاتمة
كان شهيد المحراب(قدس سره) دقيقاً في تحليله للنظريات المفسرة لثورة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) فلم يسلم سماحته(قدس سره) بصحة فرضيات النظريات الخمس المطروحة للنقاش بل فند الفرضيات التي يرفضها العقل كما انه لم يترك ما يبدو مقبولاً منها دون نقد أو تعديل. كما أكد سماحته(قدس سره) على أن ثورة سيدنا الحسين(عليهم السلام) لا يمكن أن تختزل باي من النظريات الخمس كما لا يمكن أن تبدو أهداف ونتائج الثورة واضحة المعالم فيما لو اختزلت في أي من النظريات السابقة المفردة.
لذا اعتبر شهيد المحراب(قدس سره) الثورة الحسينية ثورة الهية غيبية تنصهر في أهدافها ورؤاها كل النظريات التي حاولت تفسيرها، وخلص سماحته انه ليس بالإمكان حصر الثورة أو اختزالها وفق ايٍ من النظريات السابقة بشكل منفرد وعبر عن ذلك بان ثورة سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) إنما كانت أطروحة إلهية الموضوع محمدية التصميم حسينية التنفيذ، فالله تعالى أراد من هذه الثورة أن تكون شرعة ومنهاجاً لمقارعة الظلم والطغيان والاستبداد لذا استبعد شهيد المحراب(قدس سره) كما ذكرنا سابقاً أن تكون الثورة حكماً غيبياً مختصاً بشخص سيدنا الإمام الحسين(عليهم السلام) كما يريد البعض أن يصورها بل هي وان كانت حسينية الأداء والنتائج والآثار إلا أنها ثورة إنسانية الأبعاد والأهداف مصممة للبشرية جمعاء وهذا ما يفسر تفاعل كل ذي عقل مع هذه الثورة.
المصادر
1. آية الله السيد محمد باقر الحكيم، ثورة الحسين، مطبعة ليلى، ط 2، المجمع العالمي لأهل البيت،1425. ص 19/68.
2. آية الله السيد محمد بار الحكيم، رفض الطغيان، سلسلة منهجنا، العدد (1) مطبعة الرائد، النجف، 2005.
3. آية الله السيد محمد باقر الحكيم، الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سلسلة منهجنا، العدد(2) مطبعة الرائد، النجف، 2005.
4. آية الله السيد محمد باقر الحكيم، الشعائر الحسينية، سلسلة رؤى إسلامية، العدد(1) مطبعة العترة الطاهرة، النجف، 2005.
5. اية الله السيد محمد باقر الحكيم، المنهاج الثقافي، السياسي، الاجتماعي، مطبعة العترة الطاهرة،2007.
6. محمد حسين السويطي وعلي خويطر مطرود، اثار الإمام محمد باقر الحكيم في الاقتصاد الإسلامي، أبحاث المؤتمر الثاني لإحياء التراث الفكري والعلمي للشهيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم، مطبعة البيان، النجف، 2007، ص 496، 497.