الظلم وآثاره الاجتماعية
نحن حينما نجتمع في هذه الصلاة أيها الأخوة الأعزاء نحاول أن نكون ممن يأتمر بالمعروف وينتهي عن المنكر. أحد المظاهر الرئيسية التي ذكرها القرآن الكريم بشكل واسع وتحدثت عنها النصوص الشريفة التي وردت عن النبي(صلى الله عليه وآله) وعن أهل البيت(عليهم السلام) هو ظاهرة الظلم في المجتمع الإنساني بصورة عامة والمجتمع الإسلامي بصورة خاصة.
ظاهرة الظلم من الظواهر التي عرفها الإنسان منذ بداية وجوده على وجه الأرض، وهذه الظاهرة عندما نتحدث عنها نرى بأن الظلم مفهوم يطلق على جميع الآثام والذنوب والمخالفات التي يرتكبها الإنسان في حياته، ولذلك نجد أن للظلم أبعاد مختلفة في حياة الإنسان وعلاقاته، أحد هذه الأبعاد هو ظلم الإنسان لنفسه في علاقته مع نفسه، حيث يكون الإنسان ظالماً لنفسه عندما يرتكب الظلم والذنب أكثر مما يظلم الآخرين، كما أن هناك ظاهرة الظلم في علاقة الإنسان مع الله سبحانه وتعالى عندما يخل الإنسان بهذه العلاقة، لذلك كان الشرك بالله سبحانه وتعالى من أعظم مفردات الظلم، وأيضاً هناك ظلم في ظاهرة العلاقة بين الإنسان والكون والطبيعة والحياة المحيطة به، فالإنسان عندما يخل بهذه العلاقة يكون هناك ظلم، كذلك ظلم العباد عندما يظلم الإنسان أخاه أو أخته أو أهله أو ولده أو أهل محلته، كذلك ظلم المجتمع عندما يظلم الجماعة بصورة عامة، ويمكن أن نجد مصاديق لهذا الظلم في حياتنا الفعلية وفي تاريخنا الإسلامي وفي التاريخ البشري بصورة عامة، أشير لها وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق إخواننا جميعاً في الاجتناب عنها لما لها من تأثير في الأوضاع العامة لمجتمعنا وجماعتنا. من هذه المصاديق الإخلال بالنظام العام.
إن المحافظة عليه واجب من الواجبات الشرعية والعقلية، والإخلال به يمثل نوعاً من أنواع الظلم وذنباً من الذنوب وإثما من الآثام، كما إذا قام الإنسان بسد معابر الطريق أو أشاع الفوضى في حياة الناس وفي علاقاتهم، كذلك في ظلم الجماعة في الإخلال بالأمن العام الذي يعبّر عنه القرآن الكريم بمحاربة الله ورسوله {الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا}(3) هؤلاء مصداقهم كما يذكر الفقهاء أنهم الذين يخلون بالأمن العام كالذين يسدون الطريق أو يستخدمون القوة والسلام في إيذاء الناس وإيجاد الاضطراب، كذلك عمليات اللصوصية كعصابات النهب والسلب والسرقة والاختطاف كل هذا يمثل الإخلال بالنظام العام وهو حرب لله ولرسوله، ولذلك كان جزاؤهم كما يعبر عنه القرآن الكريم {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(4) كذلك الإخلال بالاقتصاد العام للأمة بحيث يوجب ارتباكاً في الأوضاع العامة والحياتية كعمليات التهريب التي تجري للمواد الضرورية مثل الجازولين والنفط وتهريب الحديد الموجود في العراق وعمليات التهريب الواسعة الأخرى التي تجري، كلها من أنواع الظلم والإثم العظيم الذي يستحق الجزاء والمحاربة والمواجهة. وكذلك عمليات الاحتكار عندما تُحتكر المواد العامة التي هي مواد لابد أن توزع للناس بصورة عادلة، لقد جيء بها للعراق واستوردت من أجل الأمة فاحتكارها ورفع أسعارها نوع من أنواع الظلم للجماعة، كذلك الإخلال بالأمن الاجتماعي ـ وهو موضوع لم يتم بحثه في الفقه بصورة واسعة ولا بد من التركيز عليه ـ مثل إشاعة المخدرات ونشرها وبيعها وإشاعة الفحشاء التي يشهدها مجتمعنا وعمليات المتاجرة بالجنس والبغاء من أكبر أنواع الظلم، وإشاعة الانحلال الأخلاقي من خلال نشر الأفلام والمواد الثقافية التي تعبر عن الفساد والانهيار الأخلاقي، كل ذلك يمثل إخلالاً بالأمن العام للجماعة لذلك نحتاج إلى حركة اجتماعية واسعة من قبل
أبناء الأمة لمواجهة مثل هذه المظالم الاجتماعية.
إنها مظالم تهدد الجماعة فنحتاج إلى إجراءات واضحة من قبل الدولة والنظام في مواجهتها.
أكتفي بهذا القدر من الحديث وأقرأ بعض النصوص الشرعية التي وردت في الظلم من أجل أن نتثقف بثقافة الإسلام.
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): أني لعنت سبعاً لعنهم الله وكل نبي مجاب.
قيل: ومن هم يا رسول الله؟
قال: الزائد في كتاب الله والمكذب بقدر الله والمخالف لسنتي والمستحل من عترتي ما حرم الله والمسلط بالجبروت ليعز من أذل الله ويذل من أعز الله والمستأثر على المسلمين بفيئهم منتحلا له والمحرم ما أحل الله عز وجل(5) هؤلاء السبعة لعنهم الله ورسوله والأنبياء والملائكة وكل نبي مستجاب الدعوة.
وفي حديث آخر ما من مظلمة أشد من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عوناً إلا الله عز وجل(6) مثل هذا الإنسان المظلوم الذي لا يجد من يعينه على رد مظلمته إلا الله سبحانه وتعالى هذه أشد مظلمة يواجهها الإنسان.
وفي حديث آخر، دخل رجلان على أبي عبد الله (عليه السلام) في مداراة بينهما ومعاملة، فلما ان سمع كلامهما قال:
أما أنه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم أما أن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم، ثم قال:
من يفعل الشر بالناس فلا ينكر الشر إذا فعل به فالإنسان الذي فعل الشر بالناس ينبغي أن ينتظر أن يفعل به الشر أيضاً، أما أنه إنما يحصد أبن آدم ما يزرع وليس يحصد أحد من المر حلواً ولا من الحلو مراً(7)، فعلنيا أن نزرع الخير من أجل أن يكون حصادنا الخير إن شاء الله.
أسأل الله أن يوفقنا للأعمال الصالحة وأن يتقبل منا ومنكم هذه الأعمال.
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار}
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(8)
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته