الجمعة الثانية عشر           
15 / 8 / 2003 م         
 
 
 
  الزهراء(عليها السلام) محور أهل البيت(عليهم السلام) | المرأة من منظور إسلامي | المرأة والتهميش الاجتماعي  
 
 
  مجلس الحكم والمجتمع الدولي | الهواجس بين الحقيقة والخيال | الدستور قضية مركزية | الطعن القانوني في مواجهة التعيين  
 
 
 

الخطبة الثانية


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين حمداً يصعد أوله ولا ينفد آخره ونثني عليه وهو بارئنا ورازقنا ومدبر أمورنا، ونستعين به وهو نعم المولى ونعم النصير، ونصلي ونسلم على سيدنا ومولانا سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين كما نصلي ونسلم على سيدنا ومولانا أمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغر المحّجلين وعلى زوجه البتول فاطمة الزهراء وعلى ولديها سبطي الرحمة وأمامي الهدى سيدي شباب أهل الجنة والصلاة والسلام على أئمة الهدى علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف الهادي المهدي صاحب العصر والزمان (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

أوصيكم عباد الله بتقوى الله ونسأله أن يجعلنا من المتقين وأن يوفقنا لإقامة مجتمع التقوى في حياتنا الاجتماعية، وأن ينفعنا به يوم نلقاه وأن يكرمنا بها في هذه الدنيا {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(1)

نحاول في هذه الخطبة تناول أمرين مهمين في حياتنا الاجتماعية والسياسية وكلاهما طرحا في الأسبوع الماضي بشكل واسع ولا زالا من الأمور المهمة التي يواجهها مجتمعنا العراقي.


مجلس الحكم والمجتمع الدولي

الأمر الأول:

قضية الاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي الذي أسس في الأيام الأخيرة وبدأ نشاطه وعمله وطرح موضوع الاعتراف به في الوسط السياسي، نحن نلاحظ أن هناك حركة واسعة بعد تأسيس مجلس الحكم الانتقالي في المنطقة وفي المجتمع الدولي وكذلك في الأمم المتحدة تجاه الاعتراف به أو عدم الاعتراف، ونلاحظ أن هناك تباين في موقف بعض الدول، وكذلك المجتمع الدولي، وبصورة موجزة أشير إلى إننا نلاحظ أول دولة تبادر إلى الاعتراف هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية وهي الدولة الوحيدة التي تملك علاقات واسعة وعميقة الجذور وحدود تمتد إلى حدود 1200 كم مع العراق، إضافة إلى الارتباطات الأخرى، ومن ناحية أخرى عانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من النظام البائد أكثر دولة في المنطقة حيث تعرضت إلى حرب استمرت ثماني سنوات وقعت أعداد كبيرة جداً أثناءها من القتلى والدمار مضافاً الى العلاقات المتوترة التي من خلالها يتم إعدام أي عراقي يكون له أي نوع من العلاقات مع الجمهورية الإسلامية حتى لو كانت علاقات زيارة المشاهد المشرفة، وهذا يفرض على الجمهورية الإسلامية أن تبادر إلى اتخاذ موقف إيجابي تجاه أي وضع جديد نواجهه في العراق ولمساعدة أبناء الشعب العراقي، كذلك نجد مواقف إيجابية أخرى في الخليج من قبيل دولة الكويت وفي الأيام الأخيرة تركيا، ولكن هناك شئ من التردد والتوقف في موقف الجامعة العربية وبعض الدول المجاورة الأخرى تجاه قضية مجلس الحكم الانتقالي.


الهواجس بين الحقيقة والخيال

أشير إلى نقطة رئيسية تحكم هذا النوع من المواقف التي نلاحظها في المنطقة من ناحية وفي البلدان المجاورة من ناحية أخرى، وهي وجود هواجس لدى دول المنطقة بصورة عامة ولو أن نسبة الهواجس مختلفة ولا بد أن نعترف بهذه الحقيقة إذا أردنا التعامل مع قضية الاعتراف بروح موضوعية، وبعض هذه الهواجس مبررة وصحيحة ولكن بعضها غير مبررة، وأنا أشير إلى ستة من هذه الهواجس لنعرف ما هو المبرر منها وما هو غير المبرر منها:


الهاجس الأول:

الخوف على هوية الشعب العراقي ومستقبل هذه الهوية، فهل يحافظ الشعب العراقي في حركته السياسة الجديدة على هويته الإسلامية وانتمائه للأمة الإسلامية والعربية، أو أن الشعب العراقي سوف يفقد هذه الهوية على مستوى الحكم طبعاً لا على مستوى الأمة والشعب ـ الشعب العراقي لا يمكن أن يفقد هذه الهوية وهو متمسك بها إلى ابعد الحدود لكن على مستوى الحكم ـ هل يبقى الشعب متمسكاً بهذه الهوية أو يتخلى عنها؟

هذا الهاجس له مبرر حيث شهدنا بعض الدول الأجنبية ومنها الولايات المتحدة كانت تعمل من أجل أن لا يكون الحكم القائم في العراق له هوية إسلامية ويرتبط بالحالة الإسلامية، ولذلك حصل خوف في المنطقة من أن يفقد الشعب العراقي ـ الحكم العراقي ـ الحد الأدنى من الانتماء إلى الإسلام والحكم الإسلامي وإلى الشريعة الإسلامية والأخلاق الإسلامية.


الهاجس الثاني:

وحدة العراق التي تهم العراقيين وتهم دول المنطقة، فالعراق لو تجزأ أو تقم فسيحدث اضطراب واسع جداً في المنطقة، في إيران وتركيا وسوريا وحتى السعودية، حيث إن هناك بعض الأصوات وان كانت ضعيفة لا أهمية لها تطالب بتقسيم العراق، فدول المنطقة ترى في تمزق العراق داخلياً آثاراً سيئة واسعة على أوضاعها فضلاً عن الآثار السيئة التي تتركها على الوضع في داخل العراق، ونحن أكدنا إنه لا أهمية لتلك الأصوات ونعتقد أن على العراقيين الوقوف بجد موقفاً واحداً تجاه وحدة العراق والمحافظة على وحدة الشعب العراقي بحيث يكون عراقاً واحداً.


الهاجس الثالث:

الاستقلال، هل أن مجلس الحكم الانتقالي يكون مستقلاً في قراراته وإرادته وفي التعبير عن رأي الشعب العراقي وحركته ومصالحه واستقلاله؟

هذه من المسائل المهمة التي تثير الهواجس داخل العراق وخارجه، وهو هاجس مبرر. فلابد للمجلس الحاكم أن يواجه التحدي في قضية الاستقلال ولا يخضع لحق النقض ولا للهيمنة الأجنبية.


الهاجس الرابع:

قضية الحرية والعدالة الاجتماعية والسياسية، هل تكون نتائج الأوضاع السياسية تصب في حرية الشعب العراقي بحيث يتمكن أن ينتخب ما يريد وأن يعبر عن إرادته أم يُفرض على الشعب هذا المحافظ وذلك الحاكم وهذا الوزير وتلك الشخصية؟

هذه مسألة مهمة جداً من المسائل الرئيسية التي تثير الهواجس في المنطقة لأنه إذا كانت الحرية مسلوبة من الشعب العراقي فسوف تسلب بطبيعة الحال من مجلس الحكم وسيكون للهيمنة الخارجية القرار الأول في حركة العراق وشعبه، وهذا هاجس مبرر، فلابد من إدارة الأوضاع السياسية من قبل المجلس الحاكم ومن قِبل الوزارة المستقبلية ـ التي طال أمدها ونسأل الله أن يفرج عن العراقيين بتشكيل وزارة صالحة ـ ولابد لهؤلاء أن يكون عملهم الأساس قائم على إرادة الشعب العراقي وحريته، وهكذا قضية العدالة أن تكون هناك عدالة تجاه الأوساط المختلفة للشعب العراقي ولا معنى أن نظلم أحداً من الأقليات كالتركمان والفيلية أو الذين من أصول فارسية أو الصابئة فلا معنى أن يكون هناك ظلم لأي مجموعة من المجموعات فضلا عن أن يكون الظلم والاضطهاد ضد الأكثرية الساحقة وهم شيعة أهل البيت(عليهم السلام) فالحكومات السابقة ظلمت أغلبية الشعب العراقي المتمثلة بشيعة أهل البيت، نحن لا نقبل أن يظلم شيعة أهل البيت ولابد من إرجاع حقوقهم وتعويضهم عن الإضرار التي لحقت بهم كما لا نقبل أن نظلم الأقليات الأخرى، وهذا من الهواجس الموجودة داخل العراق وفي المنطقة.


الهاجس الخامس:

تمثيل الشعب العراقي، وهو هاجس يطرح في الخارج، أنا لا اعتقد إن هذه القضية مشروعة والمرحلة الآن انتقالية وأفضل تمثيل للشعب العراقي ما هو موجود فعلاً وأن لم يكن تمثيلاً كاملاً ولابد من معالجته في الوزارة ولكن لو أردنا أن نتحدث والظروف الانتقالية لا نجد الكثير من الحكومات في دول العالم المعترف بها دولياً تمثل شعوبها كما يمثل مجلس الحكم الانتقالي شعبه في قواه السياسية وشخصياته، فلماذا يكون هذا الهاجس وكأنه قضية؟ إلاّ أن يراد به التغطية على أمور أخرى لا نعرفها، ولذلك ندعو أن يكون هناك تعامل مع الحقائق والواقع القائم في داخل العراق.


الهاجس السادس:

المصالح، النظام السابق كان يبيع مصالح العراق كلها ويعطي أموال العراق وقدراته من أجل الحفاظ على كرسيه، الآن تختلف موازين المصالح فالعراقيون يريدون الاحتفاظ بمصالحهم وثرواتهم فإذا كان المراد من هذا الهاجس استمرار نهج الابتزاز وسياسة الاستئثار بنهب ثروات العراق من قبل أمريكا والاتحاد الأوربي والدول المجاورة فهو مرفوض مطلقاً ولا يمكن أن يقبل الشعب العراقي بأن تكون ثروته نهباً وسلباً من قبل الآخرين، أما إذا كانت الهاجس منبثقاً من المصالح والمنافع المتبادلة فنحن نصرّ على ضرورة العلاقات وأهميتها بيننا وبين الدول المجاورة وشعوب المنطقة، علاقات المصالح المتبادلة، بل نؤثر على أنفسنا تجاه بعض الدول التي تتعرض إلى ضغوط عامة أو دولية، ولكن تبقى في إطار المودة والمحبة والعلاقات الحميمة وليس علاقات الابتزاز والاستئثار والنهب والسلب التي كانت قائمة في زمن النظام السابق، هذه قضية لابد أن يحسب لها حساب.


الدستور قضية مركزية

الأمر الثاني: قضية الدستور.

أيها الأعزاء.. يا أبناء الشعب العراق نساءً ورجالاً.. أيها المؤمنون اعلموا ان قضية الدستور هي اهم قضية تواجهكم في هذه المرحلة، بعض الناس يعتقد أنها هامشية، ولكن هي القضية المركزية الرئيسية، ولابد أن نقوم بحملة توعية واسعة من اجل بيان أهمية هذه القضية، فالعلماء والشعراء والخطباء والكتّاب والمثقفون مسؤولون عن القيام بحملات التوعية في بيان أهمية الدستور وأهمية المراقبة الدقيقة وضرورتها من قبل الشعب العراقي لأن قضية الدستور لو تم إقرارها بصورة صحيحة فسوف نتمكن بإذن الله من بناء مجتمع عراقي صالح، وإهمالها يؤدي الى نتائج وخيمة على أبناء العراق. وهناك قضايا مركزية ومهمة في الدستور لابد من الاهتمام بها، وهي:

قضية الهوية الإسلامية.

الانتماء إلى الأمة الإسلامية والعربية، فالعراق أكثريته الساحقة عربية وعضو في الجامعة العربية.

الحرية لابد أن تدوّن في الدستور.

العدالة لابد أن يصاغ الدستور بصياغة تحقق العدالة، لا معنى أن يكون هناك حكم مركزي بحيث يكون شخص في بغداد يتحكم بكل شؤون العراق ولا رأي للعراقيين في بلادهم ليكن هناك رأي للعراقيين في هذه المحافظة وفي تلك يختارون محافظهم ومجلس المحافظة ويخططون لشؤون المحافظة وتكون هناك مركزية في القضايا الرئيسية الأساسية كالدفاع والخارجية وكالنفط والثروات العامة وما أشبه ذلك من أمور أساسية أما التفاصيل فلكل محافظة شأنها ولابد أن نعطي هذا النوع من الحرية حتى نحقق العدالة بالنسبة إلى المحافظات، وهكذا الاحترام لخصوصيات الشعب العراقي لابد أن يكون هناك احترام لخصوصيات شيعة أهل البيت واحترام لخصوصيات أهل السنة واحترام لخصوصيات الأقليات الدينية والاعتراف بها حتى يمكن أن يتعايش العراقيون بعضهم إلى جانب بعض هذا أيضاً من القضايا المركزية الأساسية التي لابد من التركيز عليها في قضية الدستور.


الطعن القانوني في مواجهة التعيين

وأما آلية كتابة الدستور نعتقد أن الآلية الصحيحة هو انتخاب المجلس الدستوري الذي يكتب الدستور كما ذكرت ذلك المرجعية الدينية، فلا يجوز أن يعين مجلس كتابة الدستور بالطرق التي يتم تعيين الوزراء، المجلس الحاكم يعيّن 25 وزير كل واحد من أعضاء المجلس الحاكم يعين شخصاً من قبله وكأن القضية هي تقسيم للحصص وللأسهم على هذا الشخص أو ذاك الشخص، هذا الدستور يهم الشعب كله فلابد أن ينتخب هذا المجلس من قبل الشعب. أما طريقه الانتخابات فيمكن أن نتحدث فيها. ثم بعد ذلك يتم طرح الدستور للتصويت عليه من قبل الأمة وبدونه سوف يتم الطعن شرعياً ودينياً لهذا الدستور، المراجع والعلماء والأوساط الدينية والمتدينة جميعاً سوف تطعن بهذا الدستور إذا لم يتم انتخاب للمجلس الدستوري. كما أنه سوف يتم الطعن قانوناً به لأنه لا يوجد هناك أي مبدأ قانوني سواء في المجتمع الدولي أو في مجتمعاتنا الإسلامية يقر أن يكون تدوين الدستور من قبل جماعة لا ينتخبها هذا الشعب، سوف يتم الطعن وعندئذ يفتح الباب أمام المصائب التي عرفناها في تاريخنا السابق، يأتي مجموعة من الضباط يقومون بانقلاب عسكري على الحكم ويقولون هذا الحكم عينه الأمريكان أو التحالف أو جهات أجنبية فيتم الطعن بمثل هذا الدستور. نحن بحاجة إلى التأكيد على مبدأ الانتخاب في آلية انتخاب الدستور. هذه هي النقطة الأخرى التي يجب أن نأخذها بنظر الاعتبار.

أسأل الله أن يوفق أبناء شعبنا بالدرجة الأولى ليكون لهم حضور وتواجد في الساحة السياسية بحيث يعبروا بشكل وبآخر عن رأيهم، وان يوفق المتصدين لهذا الأمر ويهديهم سواء السبيل وان يعرفهم على الأساليب والطرق الصحيحة التي تؤدي الى كتابة وإقرار دستور عراقي يحتفظ بهذه المواصفات التي أشرت إليها، وأساله أن يحفظكم ويرعاكم وأن يتقبل منكم أعمالكم وينـزل عليكم بركاته وأن يرحمنا ويرحمكم.

{ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}


____________

1- سورة الحجرات: آية 13.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية