الجمعة الحادية عشر           
8 / 8 / 2003 م         
 
 
 
  البغي من منظور إسلامي | الوقوف بوجه البغـي | وجـه آخـر للبغـي  
 
 
  الفراغ السياسي والإداري | التمثيل الشعبي للعراقيين | الرقابة الجماهيرية | القيم الفاضلة في الزهراء(عليها السلام)  
 
 
 

الخطبة الثانية


بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، نحمده على جميل إحسانه وصنعه ونسأله أن يغفر لنا ذنوبنا ويتجاوز عن سيئاتنا، ونثني عليه ونستعين به ونصلي ونسلم على سيدنا ومولانا خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى أهل الطيبين الطاهرين.

كما نصلي ونسلم على سيدنا ومولانا أمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين علي بن أبي طالب وعلى زوجة الزهراء البتول فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى ولديها سبطي الرحمة وإمامي الهدى الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وعلى أئمة المسلمين علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف الهادي المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأتباع أمره ونهيه، نحاول في الخطبة الثانية تناول موضوعين هامين:

الأول: موضوع مجلس الحكم الانتقالي.

هذا المشروع السياسي العراقي الذي يحاول ملئ الفراغ السياسي والإداري الموجود في ساحتنا السياسية العراقية.

الثاني: موضوع يرتبط بمناسبة مولد الزهراء(عليها السلام).

أحاول كالعادة الاختصار في الحديث. فيما يتعلق بالموضوع الأول هناك أبحاث عديدة حول مجلس الحكم الانتقالي، أحد هذه الأبحاث هو الموقف الإقليمي والدولي تجاه المجلس الانتقالي، وهناك بحث سياسي واسع في تقييم هذا الموضوع، أتركه لفرصة أخرى، ولكن أشير في هذا المجال إلى قضية ترتبط بالقيم والمبادئ التي يتواضع البشر عليها من ناحية ولكن يخالفونها في التطبيق السياسي من ناحية أخرى فمنظمة الأمم المتحدة التي يتفق عليها العالم ويجتمع عليها العالم ولديها صلاحيات في اتخاذ القرارات في هذا العالم تقوم على أساس مبادئ وأهمها ميثاق الأمم المتحدة في قضايا حقوق الإنسان ومن هذه المبادئ نعرف بأن لكل أمة ولكل شعب الحق في تقرير مصيره، بالطريقة التي يراها هذا الشعب وهذه الأمة.

هذا مبدأ من المبادئ يعترف به الجميع وحتى قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن تنص على هذا المبدأ، ولكن من حيث التطبيق العملي نرى أن المجتمع الدولي والمجتمع الإقليمي منه أيضاً لا يلتزم مع الأسف بهذه القيم وبهذه المبادئ ونرى أن هناك نوعاً من التردد والتوجّس حول القرار الذي أتخذه أبناء الشعب العراقي وقواه السياسية في موضوع مجلس الحكم الانتقالي أنا لا أريد الدخول الآن في تفاصيل هذا المجلس والملاحظات الموجودة، فقد تحدثنا عنها وسوف نتحدث عنه فيما بعد. ولكن من المفروض على المجتمع الإقليمي على أقلّ تقدير والجامعة العربية أن تواكب في موقفها الحقائق القائمة على أرض الواقع في العراق. لماذا يكون مثل نظام صدام الذي جاء في ليلة ظلماء واستخدم كل أساليب القسوة والقهر والاستبداد والقتل والتشريد بحيث كان هناك حوالي ثلاثة ملايين عراقي مشرد في مختلف أنحاء العالم يكون هذا النظام نظاماً معترفاً به من قبل الأمم المتحدة ومن قبل المجتمع الدولي ومن قبل المجتمع الإقليمي ومن قبل الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي مع أن هذا النظام لم يكن يحظى بأيِّ تأييد من قبل الشعب العراقي ولم نجد أحداً من الناس يطرح هذا السؤال وهو أن نظام صدام هل هو نظام يقبله الشعب العراقي أولا يقبله؟

وعندما يقوم الشعب العراقي بحركة من أجل إنهاء الاحتلال ومن أجل أن يمسك الأمور بيده ويملأ الفراغ السياسي والإداري تثار الأسئلة والشكوك والهواجس والمخاوف الكثيرة العديدة حول هذا الأمر.

نحن نرجو أن يكون هناك موقف إيجابي حقيقي من قبل الدول المجاورة للعراق ومن قبل الدول العربية والدول الإسلامية، موقف يتسم بالشعور بالمسؤولية وبالوقوف إلى جانب الشعب العراقي في محنته، هذه محنة ليس مثلها محنة، فمن ناحية هناك احتلال واسع للعراق والأبرياء من أبناء الشعب العراقي يسقطون واحداً بعد الآخر برصاص الاحتلال لسببٍ أو لآخر، ويتم مداهمة المراكز الدينية والاجتماعية والسياسية المختلفة لأبناء الشعب العراقي ويتم تدمير واسع للعراق واعتقال لعلماء الإسلام وغير ذلك مما نشاهده في عراقنا الجريح، ومن ناحية أخرى هناك فراغ في الحالة الإدارية السياسية والأمنية يشكو منها العراقيون واختلال في كل حياتهم وهناك غموض في مستقبل العراق إذ لا يوجد دستور ولا أساس لنظام إلى غير ذلك من القضايا التي يواجهها أبناء الشعب العراقي. لماذا لا يكون هناك موقف جاد وفاعل ومتحرك وجدّي من قبل هذه المجتمعات والمجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والدول الإسلامية من أجل مساندة الشعب العراقي في إنقاذه من هذه المحنة؟ هل يصح للجيران والإخوان والأشقاء لأولئك الذين يرفعون شعارات حقوق الإنسان هل يصح لهم أن يقفوا موقف المتفرج على مأساة الشعب العراقي وآلامه ومحنته؟

نحن نحتاج إلى صرخة مدوية يعبر فيها العراقيون عن محنتهم وأرادتهم وصلابتهم في هذا المسير. هذا جانب من الحديث حول مجلس الحكم الانتقالي وهناك جانب آخر من الحديث هو المهمات التي يتحملها المجلس الانتقالي في هذه المرحلة.

هناك تحديات أشرت لها في حديث سابق وهناك مهمات أساسية لابد أن تأخذ من المجلس أولوياته ولا ينشغل المجلس بالقضايا الجانبية والشكلية والصورية وإنما يصب اهتمامه على القضايا الرئيسية التي لابد أن يتحمل مسؤوليتها في هذه المرحلة وهي:


الفراغ السياسي والإداري

القضية الأولى: ملء الفراغ السياسي والإداري، لماذا يتشكل المجلس منذ عدة أسابيع ولا يشكل حتى الآن الوزارة التي تدير شؤون العراق والعراقيين، مع أن أحد المهمات الأساسية لهذا المجلس هو تشييد هذه الوزارات وهو أمر مطروح أمام المجلس وفي هذا الحديث لا بد أن نعرف وأن يعرف العراقيون طبيعة هذه الوزارة. أنا أنبه الموجودين في هذا المجلس من الأخوة وكل من يشكل هذا المجلس على ضرورة المبادرة السريعة الى تشكيل وزارة لملئ الفراغ.


التمثيل الشعبي للعراقيين

القضية الثانية: أن تكون الوزارة معبرة عن العراقيين من ناحية وعن ظروف الشعب العراقي من ناحية أخرى ولذلك لابد في هؤلاء الوزراء:

أولاً: أن يكونوا على درجة عالية من الكفاءة حتى يمكن أن يتحملوا المسؤوليات الصعبة التي يواجهونها في عراقنا الجريح. العراق وضعه ليس عادياً وإنما في غاية الصعوبة ومحنته عميقة وواسعة فيحتاج إلى إدارة قوية وإلى كفاءة عالية وإلى جدّية في العمل حتى يمكن معالجة الظروف التي نعيشها فلابد أن يتم اختيار الوزراء لا على أساس الانتماءات السياسية وإنما على أساس الكفاءة والقدرة على ممارسة هذا الدور، لا مانع من أن يكون منتمياً إلى هذه القوة السياسية أو تلك لكن لا أن يكون الأساس هو الانتماء بل يكون الأساس هو أن يكون عند هذا الإنسان الكفاءة والقدرة على القيام بمهماته.

ثانياً: لابد للوزراء أن يضعوا نصب أعينهم المصلحة العامة للشعب العراقي لا مصلحة الفئة والجماعة والحزب والطائفة أو القوم، نحن الآن أمامنا مشكلات مشتركة يشترك فيها جميع العراقيين بدون استثناء من عرب وأكراد وتركمان وأقليات أخرى ومن سنة وشيعة وأقليات دينية كل هؤلاء يشتركون في هذه المحنة، فلابد أن تكون هذه القضايا المشتركة الأساسية والرئيسية هي الهم الأول لهؤلاء الوزراء. لا أن تكون القضايا الخاصة بهذه الجماعة أو تلك هي همهم.


الرقابة الجماهيرية

القضية الثالثة: أن تهتم الوزارة بإرجاع الحياة الطبيعية لمعيشة الناس بعد اختلالها وارتباكها طوال هذه الفترة، وأن تأخذ بنظر الاعتبار هذا الأمر.

وأن يتصف الوزراء بالصلاح والإخلاص والنـزاهة في عملهم حتى ينجحوا فيه، وأنا أدعو جميع القوى السياسية وأبناء الشعب العراقي والعلماء والخطباء والشعراء والصحفيين والعشائر وجميع القوى الموجودة في ساحتنا العراقية أدعوها الى ممارسة رقابة حقيقية على الأعمال التي يقوم بها المجلس الانتقالي ولا تبقى أعماله بدون رقابة، فالشعب العراقي لابد أن يكون له دور حقيقي يعبر عن الموقف والرأي تجاه الأعمال والتصرفات التي تصدر من المجلس الانتقالي. وفي هذا المجال أود أن أشير أيضاً إلى نقطة مهمة جداً لابد أن تعالج في الوزارة لأنها لم تعالج في مجلس الحكم، هناك مجموعة من الفئات لم تمثل، وأنا لا أتحدث عن الحالة السياسية فقط، هناك قوى سياسية لم تمثل ومعروفة وهناك قوى شعبية لم تمثل، طائفة كبيرة من الناس كالأكراد الفيلية لم يمثلوا تمثيلاً دقيقاً وصحيحاً في المجلس نحن نحتاج في الوزارة أن نعوض عن هذا النقص وملئ الفجوة التي حصلت بين المجلس وهذه القوى، مثل أوساط المجاهدين هؤلاء اللذين قدموا التضحيات الواسعة أمثال البدريين اللذين كان همهم طيلة اكثر من عشرين عاما قتال النظام وقدموا الدماء الزكية، فانهم لم يمثلوا في المجلس الحاكم ومن الضروري جدا أن يكون لهم تمثيل في الوزارة يعوض ما حصل.


القيم الفاضلة في الزهراء(عليها السلام)

والنقطة الأخرى التي أود أن أذكرها ترتبط بالزهراء(عليها السلام)، نحن نعيش هذه الأيام بين ذكرى شهادتها وذكرى ولادتها(عليها السلام)، ونعتقد إنها أصلح امرأة تكون قدوة للمسلمين بصورة عامة وللمراة المسلمة بصورة خاصة، فهي أم وبنت وزوجة، وهي محور أهل البيت(عليهم السلام)، فهي بنت رسول الله وزوجة علي وأُم الحسنين، وهي المرأة الكاملة الوحيدة في تاريخنا الإسلامي فالنصوص الشريفة في روايات أهل السنة والشيعة معا تؤكد إن الزهراء هي سيدة نساء أهل الجنة، هذه الشخصية لابد أن تكون قدوة لنا ولأجيالنا، ولذا نقترح على جماهير امتنا وعلى أوساطنا العلمية والدينية ونقترح على مجلس الحكم الانتقالي أن يكون يوم مولد الزهراء يوم المرأة المسلمة لانا نعتقد بضرورة أن يكون للمرأة دور في المجتمع وان تشارك في جميع الفعاليات، ولكن أي امرأة؟

المرأة التي تلتزم بالأخلاق والقيم والضوابط الإسلامية والزهراء خير قدوة يمكن تقديمها في هذا المجال، لأنها شاركت في جميع المجالات العلمية والاجتماعية والعبادة وإدارة البيت، ولذلك نحتاج أن نضعها مثالاً وأدعو جميع أبناء الشعب العراقي أن يهتموا بيوم العشرين من جمادى الثانية ليكون يوم فرح يعبر فيه العراقيون عن تكريمهم للمرأة كأم فيكرمون أمهاتهم وكزوجة فيكرمون زوجاتهم وكبنت فيكرمون بناتهم، ويقيمون الاحتفالات والشعائر المعبرة عن هذا التكريم وعن الفرح بولادة هذه المرأة العظيمة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أولياء الزهراء ومن أولياء أبيها وزوجها وبنيها والمتأسين بها والسائرين على خطاها، كما نسأله أن يوفق نساءنا ليكن من بنات الزهراء في سلوكهن وآدابهن والتزامهن، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يحفظكم ويرعاكم وأن يتقبل منكم أعمالكم وينـزل عليكم بركاته وأن يرحمنا ويرحمكم.

{رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ}



 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية