البغي من منظور إسلامي
من مصاديق المنكر التي عرفتها مجتمعاتنا الإسلامية هو مصداق (البغي) وأختصر الحديث عنه بما يتناسب وظروف هذه الصلاة المباركة التي نقيمها في هذا الجو الحارق بالرغم من أنه حديث مهم ويقصده الأخوة الأعزاء والأخوات العزيزات أحياناً من أماكن بعيدة فجزاهم الله خير الجزاء. البغي الذي أشارت إليه الآية الكريمة في تعداد المنكرات وما ينهى الله سبحانه وتعالى عنه {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ}، فالبغي هو أحد المنكرات البارزة والواضحة في حياة المجتمعات الإنسانية ومنها المجتمع الإسلامي.
عرف البغي في مجتمعنا الإسلامي منذ الصدر الأول للإسلام ولذلك جاء القرآن الكريم يتحدث عنه وأيضاً يحدد الموقف العملي تجاهه كما ورد ذلك في سورة الحجرات في قوله تعالى {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه}(2)، هنا القرآن الكريم يشخص ظاهرة البغي ويحدد الموقف العملي تجاهها، البغي بحسب مفهومه اللغوي هو التطاول والخروج على الموازين والحدود المعروفة المقننة المتعارفة في المجتمع ويتسم هذا الخروج بالعدوان على الآخرين ولذلك فالبغي قد يكون بغياً محدوداً بشخص بسيط وبكلمة جارحة تخرج من لسانه فيعتدي بها على شخص آخر، وقد يكون هذا البغي بغي رب العائلة على الأسرة عندما يخرج على قوانين هذه الأسرة وقد يكون بغي جماعة على جماعة أخرى، أو بغي إنسان على جماعة من الناس بأن يتطاول على هؤلاء الناس ويخرج على القوانين والشرائع التي تحكم حياة هؤلاء الناس وقد يكون بغي جماعة على جماعة أخرى كما يشير القرآن الكريم وأيضاً من مصاديق البغي هو أن تبغي الجماعة على الإمام العادل الصالح كما بغى أصحاب الجمل وأصحاب صفين والنهروان على علي (عليه السلام)، هذا نحو من أنحاء البغي ومصداق من مصاديقه، هناك مصداق آخر لا يتحدث عنه الفقهاء كثيراً بعنوان البغي هو أن يبغي الإمام أو الحاكم على الجماعة وعلى المسلمين فيتجاوز في سلوكه معهم الشرائع والقوانين فيكون حاكماً جائراً ظالماً مستبداً هذا أيضاً نحو من أنحاء البغي كل هذه الأنحاء في الحقيقة تدخل تحت هذا العنوان وهذه المصاديق عندما ننظر إليها نراها من المصاديق القائمة الموجودة في مجتمعاتنا الإنسانية بصورة عامة والإسلامية بصورة خاصة. ولذلك نحن نحتاج إلى أن نعالج هذا الموضوع سواء على مستوى الفهم الشرعي والفقهي له أو على مستوى الموقف العملي من قبل جماعة المسلمين تجاهه، وإذا أردنا تناول هذا الموضوع بكل مصاديقه وأطرافه فانه يكون بحثاً واسعاً ويحتاج إلى وقت أطوال من هذا الوقت، ولذلك أنا اكتفي في هذا الحديث بما تفرضه الموعظة وظروف الوقت كما ذكرت بالإشارة إلى مجموعة من الروايات ثم الإشارة إلى تقييم عام لهذه الروايات في موضوع البغي وبعد ذلك إشارة مختصرة إلى موقف الإسلام تجاه البغي.
فيما يتعلق بالروايات التي وردت في البغي ـ طبعاً ـ كثيرة جداً، أنا أشير إلى بعض هذه الروايات، ورد في حديث حسنٍ عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال:
يقول إبليس لجنوده القوا بينهم الحسد والبغي فإنهما يعدلان عند الله الشرك(3)، وفي حديث آخر عن أبي جعفر (عليه السلام):
إن أسرع الخير ثواباً البر عندما يحسن الإنسان للآخرين ويكون إحسانه فيه خير للآخرين يكون هذا هو أسرع الأشياء والأمور ثواباً عند الله سبحانه وتعالى وإنّ أسرع الشر عقوبة البغي فان عقوبة البغي تكون أسرع شيء لمواجهة الشر وكفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه، أو يعيّر الناس بما لا يستطيع تركه أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه(4)، وفي وصية للإمام الصادق (عليه السلام) لأصحابه يوصيهم:
وإياكم أن يبغي بعضكم على بعض فإنها ليست من خصال الصالحين البغي ليست خصلة من خصال الصالحين فإنه من بغى صير الله بغيه على نفسه، هذا البغي يرجع على نفس الإنسان وصارت نصرة الله لمن بُغي عليه، وإن الله سبحانه وتعالى ينصر ذلك الإنسان الذي يتعرض إلى البغي ومن نصره الله غلب وأصاب الظفر من الله(5)، وأيضاً في رواية أخرى في وصية النبي(صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) قال:
يا علي أربعة أسرع شيء عقوبة: رجل أحسنت إليه فكافأك بالإحسان إليه إساءة، ورجل لا تبغي عليه وهو يبغي عليك، ورجل عاهدته على أمرٍ فوفيت له وغدر بك، ورجل وصل قرابته فقطعوه(6). نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعصمنا من هذه الأمور الأربعة التي يشير إليها النبي(صلى الله عليه وآله) في وصيته لعلي (عليه السلام)، وفي حديث موثق دعا رجل بعض بني هاشم إلى البرازـ هذه قصة فيها طرافة ولكن فيها معنى جميل يرتبط بموضوع البغي ـ فأبى الهاشميّ أن يبارز ذلك الشخص فقال له علي (عليه السلام) ما منعك أن تبارزه؟
فقال: كان هذا الشخص فارس العرب وخشيت أن يغلبني
فقال له عليّ (عليه السلام): إنه بغى عليك ولو بارزته لغلبته ولو بغى جبل على جبل لهلك الباغي ولجعله الله دكاً(7)
إذاً من هذه الروايات الشريفة نعرف هذه الأمور في تقييم البغي، وهي:
أولاً: إن البغي يعتبر من أعظم الآثام والكبائر والمحرمات حيث يوضع في الحديث الشريف من حيث آثاره على مستوى الشرك بالله سبحانه وتعالى. الشرك بالله من ناحية العقيدة أعظم من البغي لكن من حيث الآثار الاجتماعية يوضع البغي على حدّ الشرك بالله.
ثانياً: إن البغي يرجع على صاحبه ويرجع بعقوبة هي أسرع ما تكون لصاحب البغي.
ثالثاً: إن الإسلام دعا إلى مقاومة البغي.
الوقوف بوجه البغـي
يبدو من النصوص الشريفة سواء كان الآيات الكريمة التي أشرت إلى بعضها أو الأحاديث الشريفة التي وردت عن أهل البيت(عليهم السلام) أن مقاومة البغي تتم بالمراحل التالية:
المرحلة الأولى: إقامة الحجة على الباغي، ولذلك نجد أن علياً (عليه السلام) عندما بغى عليه أهل الجمل وأهل صفين والنهروان أقام الحجة عليهم قبل اتخاذ أي إجراء تجاههم.
المرحلة الثانية: محاولة الإصلاح وهذا ما يشير إليه الشرع في الموقف العملي. لا بد من القيام بعملٍ اجتماعي وسياسي وجهد من أجل إصلاح هذا النزاع الذي يتسم بالبغي وبالعدوان.
المرحلة الثالثة: مقاومة البغي بالقوة ـ وهو ما أشار إليه الإسلام ويمثل المرحلة الأخيرة ـ سواء كانت هذه القوة الدفاع عن النفس أو كانت مقاتلة الباغين كما يبدو من النصوص الشريفة ففي الحديث الشريف الموثق قال الإمام الصادق (عليه السلام): ذكرت الحرورية عند علي (عليه السلام)
فقال علي (عليه السلام): إن خرجوا على إمام عادل أو جماعة فقاتلوهم وإن خرجوا على أمام جائر فلا تقاتلوهم فإن لهم في ذلك مقالاً(8)
وجـه آخـر للبغـي
هذا هو الموقف العام تجاه قضية البغي. وبهذه المناسبة أود الإشارة إلى ما ذكره بعض الأعزاء في أوساطنا النجفية من تصرف بعض الناس الذي قد يعبر بمستوى من المستويات عن البغي في السلوك والعمل وهو ما نشاهده أحياناً من التعسف في رفع الأجور بحيث يكون ذلك بغياً على القوانين والشرائع القائمة في المجتمع، ترفع الأجور بطريقة غير منطقية وغير صحيحة مستغلين هذه الظروف التي تعيشها الأمة والمجتمع أو ما نشاهده أحيان من تصرفات عدوانية في سلوك هذا الشخص أو ذاك أو هذه الجماعة أو تلك الجماعة مثل هذه الأمور تحتاج إلى وقفة وموقف من قبل الأمة يعبر عن النهي عن المنكر وهذا الموقف كما قلت أولاً إقامة الحجة، وثانياً السعي إلى الإصلاح، وثالثاً مقاومة هذا العدوان وهذا البغي، فهذه من مسؤوليات الأمة ومسؤولية الجماعة بصورة عامة.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعصمنا من الآثام والذنوب ومن البغي، وأرجو أن يرحمنا برحمته الواسعة
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار}
{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
____________
1- سورة النحل: آية 90.
2- سورة الحجرات: آية 9.