الجمعة العاشرة           
1 / 8 / 2003 م         
 
 
 
  وقفة بحضرة الزهراء | الانـقـلاب المـفـاجـئ | التقسيم القرآني للمسلمين | الرسول الأكرم يرقب الوضع السياسي | المبدئية في مواقف أمير المؤمنين | العنف منهج أعداء آل البيت(عليهم السلام) | دروس من الوقفة الفاطمية  
 
 
  الجرائم الصداميّة | فساد الفكر العفلقي | شرائـح الأمـة | الأهداف المغتصبة


 
 
 
 

الخطبة الأولى


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين حمداً يصعد أوله ولا ينفد آخره، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين. قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}(1)

أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأتباع أمره ونهيه. أسأل الله ان يجعلنا من المتقين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.


وقفة بحضرة الزهراء

نتناول في حديثنا اليوم موضوع شهادة الزهراء(عليها السلام) ضمن سلسلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث تصادف هذه الأيام ذكرى شهادتها على بعض الروايات الموثقة(2) التي يعتمدها فقهاؤنا وعلماؤنا الأعلام والتي تؤرخ شهادة الزهراء(عليها السلام) في الثالث من جمادى الآخرة. شهادة الزهراء تستحق الوقوف عندها لارتباطها بموضوعنا ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ لان أحد مظاهر المنكر التي شهدتها ولازالت تشهدها المجتمعات الإنسانية وعرفتها منذ بداية وجودها وحتى يومنا الحاضر هي ظاهرة الفتن، وقد أشار رسول الله(صلى الله عليه وآله) إليها في أحاديث كثيرة، وحذر المسلمين منها وكان آخر مرة أشار إليها في أواخر حياته(صلى الله عليه وآله) فيذكر الرواة إن رسول الله لمّا اشتد به المرض طلب من أصحابه أن يأخذوه إلى البقيع(3) ليزور البقيع، وهناك وقف على القبور وقال:

السلام عليكم أهل القبور ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس، حيث إنما أصبحوا فيه هو الانتقال من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة، ويرى(صلى الله عليه وآله) ذلك أمراً هنيئاً لهم مما فيه الناس حيث أن أهل القبور يعيشون الهناء والسعادة والاستقرار أفضل مما يعيشه الناس وهم في آخر حياتهم ويفسر ذلك بقوله أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها، الآخرة شر من الأولى(4)، فالفتنة الآخرة تكون شراً من الفتنة الأولى. ظاهرة الفتن من الظواهر الإنسانية التي شهدتها المجتمعات الإنسانية لاسيما المجتمعات الدينية، وكانت قضية شهادة الزهراء(عليها السلام) تمثل فتنة من هذه الفتن. ونحن عند تناولنا هذا الموضوع لا نريد إثارة الضغائن أو إصدار الأحكام على التاريخ وما جرى فيه، فأن لذلك مجالاً آخر وتناولنا لهذا الموضوع في هذه العبادة الشريفة هو استلهام العبرة من هذا التاريخ والاستفادة من الموعظة في فهم التاريخ وحركة ذلك التاريخ وتطبيقه على حياتنا وظروفنا وما نعيشه من أحداث.


الانـقـلاب المـفـاجـئ

هناك سؤال من أهم الأسئلة التي تطرح حول شهادة الزهراء(عليها السلام)، هو كيف حدث هذا الانقلاب في موقف المسلمين وحركتهم تجاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، مع أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) والقرآن الكريم قبل الرسول كان قد أكد على أهل البيت ودورهم {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(5)، {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(6) {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}(7)، وكذلك تحدث رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن أهل البيت وأكد عليهم(8)، وحتى في آخر حياته(صلى الله عليه وآله) كان يأتي ويطرق باب فاطمة كل يوم عدة مرات ويقول السلام عليكم أهل البيت {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} هكذا كان يتعامل رسول الله(صلى الله عليه وآله) مع أهل البيت وقد عشق المسلمون أهل البيت أيضاً وأحبوهم ولا زالوا يحبونهم حتى يومنا الحاضر، إذاً فلماذا كان هذا الانقلاب السريع على رسول الله وأهل بيته والذي يؤدي إلى شهادة الزهراء(صلى الله عليه وآله)؟


التقسيم القرآني للمسلمين

هذا السؤال يعتبر من أهم الأسئلة في فهم التاريخ ومراجعته ومعرفة تطوراته. أشير إلى ما أشار إليه القرآن الكريم وتحدث عنه بصورة واسعة، وهو الوضع السياسي الذي كان يعيشه المسلمون زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله) والاختلاف في الحركة السياسية بين مجموعة الخطوط السياسية التي كانت تتحرك في المجتمع الإسلامي. القرآن الكريم في مواضع عديدة ومنها سورة براءة، يتحدث عن الأوضاع السياسية التي يعيشها المجتمع الإسلامي في آخر أيام الرسالة لأن سورة براءة من السورة المتأخرة في نزولها(9) وحديثها كان مع المسلمين جميعاً حيث كلف الرسول(صلى الله عليه وآله) الإمام علي(عليه السلام) بأخذ السورة وقرأتها على المسلمين في الحج(10) من أجل أن يعرفوا هذه الحقائق. في هذه السورة نجد أن القرآن الكريم يقسِّم المسلمين في ذلك العصر إلى عدة خطوط سياسية يجمعها شعار واحد هو الإسلام وتجمعها عقيدة واحدة وهي التوحيد، وتجمعها شعائر واحدة وهي الشعائر الإسلامية، وأيضاً يجمعها حكم واحد وقيادة واحدة وهي قيادة رسول الله(صلى الله عليه وآله) والحكم الإسلامي، ولكن مع ذلك القرآن الكريم تحدث عن هؤلاء المسلمين وقسمهم إلى عدة أقسام:

القسم الأول: المؤمنون المتوادون المتحابين {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(11)

القسم الثاني: المنافقون {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ}(12) هكذا يتحدث عنهم القرآن الكريم ويذكر بأنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، تحدث عنهم بهذه الصفة وهم جزء من المجتمع الإسلامي.

القسم الثالث: أولئك الذين دخلوا الإسلام في وقت متأخر ولم يعرفوا شيئاً من ثقافة الإسلام ومعارفه وأحاكمه وأخلاقه، ولم يتخلقوا بهذه الأخلاق أولئك يعبر عنهم القرآن الكريم بالأعراب {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(13) هؤلاء الأعراب لا يراد منهم العرب كما قد يتوهم بعض الناس وإنما هم الجماعات التي كانت تعيش خارج المدينة المنورة والمدن الأخرى وخارج المعرفة والثقافة الإسلامية وهم آنذاك كانوا يمثلون جمهور المسلمين.

القسم الرابع: جماعة المهاجرين الذين كانوا يتمحورون حول قريش وسلطة قريش وعزتهم والادعاء بأن للقرشيين الحق في أن يكونوا هم الحكام وهم أصحاب القضية وأن عادات قريش وأساليبهم ومناهجهم هي التي لابد أن تحكم إلا ما صرح القرآن بحقه، وسورة براءة تشير إلى هؤلاء عندما تتحدث عن أن هؤلاء القرشيين كانوا يرون أنفسهم أفضل من غيرهم فيأمرهم القرآن في الحج أن يفيضوا من حيث أفاض الناس {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}(14) هؤلاء القرشيون كانوا يواجهون رسول الله(صلى الله عليه وآله) في كل المواقف التي يتخذها ويعترضون عليه ويرون أنفسهم الجزء الأساسي من المجتمع الإسلامي ولاسيما بعد فتح مكة ودخول عدد كبير من الشخصيات القرشية في المسلمين وأصبحوا جزءاً من المجتمع الإسلامي.

القسم الخامس: جماعة الأنصار الذين آووا رسول الله(صلى الله عليه وآله) ونصروا الإسلام وقاتلوا من أجله ويرون أنفسهم أن لهم حقوقاً من خلال ما قدموا من تضحيات وعطاء وإيواء رسول الله(صلى الله عليه وآله) فشكلوا بذلك حركة وتياراً وجماعة سياسية تنادي بأن يكون للأنصار دور في المجتمع الإسلامي.

عندما نقول المهاجرون من القرشيين أو الأنصار لا نريد عموم المهاجرين فأن عموم المهاجرين كان الكثير منهم يدخل في القسم الأول ولا نريد عموم الأنصار فقسم منهم كانوا يدخلون في القسم الأولى وإنما أولئك المهاجرين الذين كانوا يرون لأنفسهم امتيازاً باعتبار انتسابهم إلى مكة وانتساب رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى قريش، والأنصار الذين كانوا يرون لأنفسهم الامتياز باعتبار نصرتهم لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وإيوائهم له ودفاعهم عنه وتقديمهم التضحيات وتحمل الأعباء والعناء، وهذه جماعة سياسية كانت موجودة في المجتمع الإسلامي.


الرسول الأكرم يرقب الوضع السياسي

رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان منتبهاً ويرى حركة هؤلاء الجماعات والخطوط والتيارات السياسية وكل منها يسعى لكسب أكبر عدد ممكن من الأنصار من أجل الإمساك بالسلطة بعده، ولذا أتخذ سلسلة من الإجراءات منذ نزول القران وحتى آخر يوم في حياته(صلى الله عليه وآله)، من جملتها:

أحاديثه في حجة الوداع بشأن علي(عليه السلام)(15)

بيعة غدير خم كانت من جملة إجراءاته المهمة التي أقامه(صلى الله عليه وآله)(16)

بعثة جيش أسامة(17)

التمهيد للإمام علي(عليه السلام) في استخلاف المسلمين من خلال محاولته كتابة كتاب ومنع من هذه الكتابة(18)

أحاديثه بشأن أهل البيت كحديث الثقلين الذي ورد التأكيد عليه في مثل هذه الفترة الزمنية الخاصة التي أشرت إليها(19)

ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي السَفَنُ، والأسباب في ذلك ترجع إلى عدة عوامل أساسية ورئيسية:

السبب الأول: التمسك بالدنيا ومعالمها. رسول الله(صلى الله عليه وآله) جاء بالإسلام من أجل تقديم نظرية يرى الإنسان فيها هذه الدنيا ممراً إلى الآخرة وأنها الحياة الحقيقية للإنسان، ولا يريد من ذلك إعراض الإنسان عن الدنيا واعتزاله لها ويترهبن بل لابد له من أعمار الدنيا والعمل فيها والنشاط وإقامة حكم الله سبحانه وتعالى بما يحقق العدل والحق والرفاه والاستقرار والخير لهذا الإنسان فالإسلام يرفض الرهبنة ولا يريدها وإنما يريد للإنسان أن يقيم الحق من خلال تجربة وامتحان وابتلاء له وفتنة بهذه الدنيا للحصول على أجره ومصيره في الدار {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(20). أمير المؤمنين(عليه السلام) ونحن نصلي ونتعبد إلى جواره عندما تحدث في الخطبة الشقشقية(21) عن هذه الفتنة وتطوراتها التي جرت منذ إخراجه من السلطة وأبعاده عنها حتى تسلمه للخلافة يختم حديثه في كل هذه المجريات بقولة تعالى {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(22). إذاً هذه الدار يُرادُ للإنسان أن يكون مقيماً فيها للعدل والحق ولا يكون علواً ولا فساداً.

السبب الثاني: أن الجماعات السياسية التي كانت تتحرك في الساحة لم يكن همها الرئيس المصلحة العامة وإنما الحصول على المكاسب السياسية لجماعتها وفئاتها وهذا عامل رئيس في فهم الحركات السياسية الصحيحة من غيرها، أما علي(عليه السلام) ومن وراءه ثلة من المؤمنين كانوا ينظرون الى المصلحة العامة والى مصلحة الجماعة الإسلامية، ويعبر(عليه السلام) عن ذلك بكلام مختصر: والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين وكان الجور عليّ خاصة(23)، هذا منهج في العمل السياسي وفهم الحركة السياسية والمجتمع السياسي. وموقف علي(عليه السلام) كان يجعل للجانب الآخر رجحاناً في المكاسب السياسية السريعة وان كانت الخسارة على المستوى البعيد، مثلاً يأتي أبو سفيان وهو شيخ قريش وكان قد بعثه رسول الله(صلى الله عليه وآله) لجمع الصدقات والزكوات من خارج المدينة يأتي ويجد الانقلاب في الحركة ويجد التولي لبعض القرشيين ويرفعون شعار قريش لكنهم دونه في الشأن القرشي والموقع القرشي، فيأتي الى علي(عليه السلام) ويخاطبه أن ينهض بالأمر ويكون معه ويقول له أنت أولى بالحكم من غيرك يا علي، لكن علي(عليه السلام) يمتنع من تلبية طلبه(24)، ولو كانت حركته(عليه السلام) حركة مكاسب سياسية خاصة لأحتضن أبي سفيان وينهض بالأمر ويسيطر على الأمور وأبو سفيان كان يمكن أن يبدل المعادلة السياسية لكنه(عليه السلام) مع كل هذا رفض لان المحافظة على الكيان الإسلامي وعقائد الناس أهم وفوق كل مصلحة ذاتية.

السبب الثالث: الأسلوب، علي(عليه السلام) ورسول الله(صلى الله عليه وآله) من قبله والأئمة الأطهار من بعده كان أسلوبهم المنطق والبرهان والحديث الذي يشير الى الحق والهداية والطريق الصحيح بخلاف الآخرين اللذين كان أسلوبهم العنف واستخدام القسوة والقوة من اجل فرض الآراء والمواقف على الآخرين.


المبدئية في مواقف أمير المؤمنين

الإمام علي(عليه السلام) عندما رأى هذا انقلاب المسلمين لم يرفع سيفاً وإنما اكتفى بالاعتصام في بيته والامتناع عن البيعة مع عدد يسير ومحدود من المهاجرين والأنصار مَن يبالغ عدهم يقول ثلاثون شخصاً وإلاّ بعضهم يقول أربعة وبعضهم يقول سبعة وبعضهم يقول عشرة(25)، لم يكن العدد مؤثراً على الوضع العام السياسي لكنه أراد عدم تسجيل الشرعية لهذه الخلافة وهذا الحكم وتثبيت موقف مبدئي وشرعي، بينما كان موقف الآخرين منه(عليه السلام) هو الهجوم على بيته(عليه السلام) والتهديد بالقتل وهدم الدار وإحراقها إن لم يبايع، بل هجموا عليه بداره وعندما هتف المسلمون في الدار فاطمة ـ هذا بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) هذه الدار التي يقف رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيحيّيها ويسلم عليها كل يوم ـ يكون النداء المقابل لذلك وإن؟(26)؟ لأحرقنّها حتى لو كانت فيها فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله). هذا الأسلوب هو أسلوب الطرف الآخر.

مثال آخر من التاريخ الإسلامي لأسلوب أمير المؤمنين(عليه السلام) عندما تمرّد الخوارج عليه واعتزلوا جماعة المسلمين وامتنعوا من حضور صلاة الجماعة والجمعة ولم يشاركوا لا في حرب ولا في قتال لم يصنع(عليه السلام) معهم شيئاً ولم يؤاخذ أحداً منهم وكان يمكنه دخول معركة معهم وهو صاحب سلطة وقدرة وبيده الأمر لكنه لم يصنع شيئاً من ذلك حتى رفعوا السلاح حينئذ واجههم بالسلاح، وهكذا قبل الخوارج عندما انشق طلحة والزبير ومعهم زوجة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يصنع علياً شيئاً حتى رفعوا السلاح في وجهه(عليه السلام)(27).


العنف منهج أعداء آل البيت(عليهم السلام)

إذاً فمنهج العنف هو منهج أعدائنا، أعداء رسول الله(صلى الله عليه وآله) أعداء شيعة رسول الله أما منهج أهل البيت وشيعتهم هو منهج العقل والمنطق والبرهان والحجة وتوضيح الحقيقة ولكنهم في الوقت نفسه عندما يعتدى عليهم ويواجهون حالة العدوان {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}(28)، هؤلاء يملكون الشجاعة والقوة والإرادة القوية التي تجعلهم قادرين على مواجهة العدوان هكذا علّمنا أهل البيت وأئمة أهل البيت في التاريخ وهكذا علمتنا الزهراء(عليها السلام) عندما تعرضت الى هذا العنف الوحشي وهي مصابة بأبيها ذلك المصاب الذي لا نظير له في تاريخ الإنسانية كلها لكن مع ذلك واجهت هذا الاعتداء بشجاعة وصلابة، وخرجت تهتف بالمسلمين وراء زوجها من اجل إنقاذه(29) وبقيت في الساحة والمعركة تدور على بيوت المهاجرين والأنصار تعظهم وتحذرهم وتبين لهم الحقائق لأن واجبها الشرعي هو بيان الحقيقة. هذا الموقف يمثل منتهى الشجاعة والإرادة والإخلاص والعقل والحكمة والموعظة الحسنة التي كان يتصف بها أهل البيت(عليهم السلام).

أقول مرة أخرى لا نريد من الحديث عن الزهراء(عليها السلام) أن نثير الضغائن أو نحكم في التاريخ إنما نريد إن استخلاص واستنباط العبر في حياتنا، نحن الآن في هذه الظروف بحاجة الى:


دروس من الوقفة الفاطمية

التمسك بالمباديء والقيم والمثل التي جاء بها إسلامنا العزيز.

أن نجعل المصلحة العامة للامة وللشعب وللجماعة فوق كل المصالح الشخصية والفئوية مهما كانت هذه المصالح، فأن امتنا في العراق وشعبنا يواجه ظروفاً قاسية وهم بحاجة الى أن ننظر الى مصالحهم وظروفهم ومشاكلهم العامة المشتركة، مشكلات الاحتلال والدمار والخراب وعدم الأمن والاستقرار، هذه المشكلات العامة التي يعيشها أبناء الشعب العراقي مشكلات لابد أن تؤخذ بنظر الاعتبار قبل أي مصلحة حزبية أو طائفية أو فئوية مرتبطة بهذه الجماعة من الناس أو تلك، وهذا هو درس الزهراء(عليها السلام) ثم لابد أن نعرف إن منهجنا هو منهج العقل والحكمة والبرهان والحجة وتوضيح الحقيقة وهو في الوقت نفسه منهج الشجاعة والبطولة والتضحية والفداء والاستعداد الكامل للمقاومة والمواجهة عندما نتعرض الى العدوان والتجاوز في الحقوق أو الطغيان أو الاستبداد لابد أن نعرف هذه الحقائق ونأخذها درساً قوياً من مثل هذه الاجتماعات العبادية.

اسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا للعقل والرشد واتخاذ المواقف السديدة التي فيها مصلحة الأمة، وان يهدينا جميعاً ويهدي شعبنا لذلك كما اسأله سبحانه وتعالى ان ينزل بركاته وخيراته على هذه الأمة وهذا الشعب وان يحفظكم ويرعاكم ويغفر لنا ولكم، اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ الاَْحياءِ مِنْهُمْ وَالاَْمواِت، وَتابِعْ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ بِالْخَيْراتِ انك مجيب الدعوات انك غافر الخطيئات انك مبدل السيئات بأضعافها حسنات والحمد لله رب العالمين.


____________

1- سورة العنكبوت: آية 1،2.

2- بحار الأنوار: ج43: الباب السابع: ح26، مقاتل الطالبين ص31، توضيح المقاصد ص13.

3- مدفن أهل المدينة المنورة.

4- الإرشاد: ج1: ص181.

5- سورة الأحزاب: آية33.

6- سورة الشورى: آية 23.

7- سورة الإنسان: آية 8.

8- عن أبى ذر قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من احبني وأهل بيتي كنا وهو كهاتين _ وأشار بالسبابة والوسطى _ ثم قال (صلى الله عليه وآله) أخي خير الأوصياء وسبطيَّ خير الأسباط، وسوف يخرج الله تبارك وتعالى من صلب الحسين أئمة أبرار ومنا مهدي هذه الأمة، قلت يا رسول الله وكم عدد الأئمة بعدك؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل / بحار الأنوار ج36: باب 41: ح 122، كمال الدين وتمام النعمة: باب ما روي عن النبي في النص على القائم: ح 8، 9، 10.

9- عن البراء بن عازب: آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء (يستفتونك) الآية. أورده البخاري ومسلم في صحيحيهما / مجمع البيان: ج 3: ص 254.

10- ابن عباس قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبا بكر على الوسم وبعث (معه) بهؤلاء الآيات من براءة وأمره أن يقرأها على الناس أن يرفع الحمس: قريش وكنانة وخزاعة إلى عرفات فسار أبو بكر حتى نزل بذي الحليفة فنزل جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: لن يؤدي عنك إلا رجل منك. ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث علي بن ابي طالب في أثر ابي بكر فأدركه بذي الحليفة فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور بعثني إليك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم لتدفع إلي براءة. فدفعها إليه وانصرف أبو بكر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله ما لي نزعت مني براءة أنزل في شئ؟ قال: لا ولكنه لا يبلغ عني غيري أو رجل مني وأنا وعلي من شجرة واحدة والناس من أشجار شتى / مناقب أمير المؤمنين: ج 1: ص 469.

11- سورة التوبة: آية 71.

12- سورة التوبة: آية 67.

13- سورة التوبة: آية 97.

14- سورة البقرة: آية 199.

15- انه لما صدر عن حجة الوداع وصار بغدير خم أمر بدوحات فقممن له ونادى ب‍ (الصلوة جامعة) فاجتمع الناس وأخذ بيد على فأقامه إلى جانبه وقال: أيها الناس، اعلموا أن عليا منى بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبى بعدى / دعائم الإسلام: ص16، عن ابن جنادة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع يقول: علي مني وأنا منه ولا يبلغ عني إلا أنا أو علي / مناقب أمير المؤمنين: ج1: ص498.

16- تنصيبه للإمام علي (عليه السلام) بصورة رسمية خليفة له (صلى الله عليه وآله) وأمر المسلمين مبايعته 8/ دلائل الإمامة: ص18، مناقب أمير المؤمنين ج1: ص 118، دعائم الإسلام: ج1: ص15.

17- بعث النبي (صلى الله عليه وآله) قبيل وفاته كتيبة من المجاهدين بقيادة أسامة بن زيد لمحاربة جيش الروم وأمر أعلام المهاجرين والأنصار بالالتحاق بكتيبة أسامة لتخلو المدينة ويتم الأمر إلى علي (عليه السلام) بيسر / الإرشاد ج1:ص183، شرح الأخبار: ص320.

18- إعلام الورى بأعلام الهدى: ج1: ص265.

19- نيل الأوطار: ج2: ص328، بصائر الدرجات: ص432.

20- سورة العنكبوت: آية 64.

21- نهج البلاغة: ج1: ص30.

22- سورة القصص: آية 83.

23- نهج البلاغة: ج1: ص124.

24- تاريخ ابن الأثير: ج2: ص220.

25- بحار الأنوار: العلامة المجلسي: ج 82: ص 338.

26- اعلام النساء: ج4: ص114.

27- تاريخ الطبري: ج4: ص462، الجمل: ص182، مقتل الحسين: ص298.

28- سورة البقرة: آية 194.

29- شرح نهج البلاغة: ج6: ص49، المسترشد: ص381، الهداية الكبرى: ص407.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية