الجمعة التاسعة           
25 / 7 / 2003 م         
 
 
 
  الإفـتـاء بـغـيـر عـلـم | الموقف العملي من ظاهرة الإفتاء | الـمـرجعية الصالحة

 
 
 
  وحدة الشعب العراقي ومجلس الحكم | آليات الوحدة الإسلامية | محاولات اغتيال الوحدة | عناوين متعددة والعدو واحد | مسؤولية الشعب العراقي  
 
 
 

الخطبة الأولى


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله

السلام عليك يا مولاي يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب اله العالمين أبى القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. نحمده سبحانه وتعالى ونثني عليه حمداً دائماً أبداً يصعد أوله ولا ينفد آخره، ونتوسل به ونتوكل عليه.

أيها المؤمنون اتقوا الله واتبعوا أوامره ونواهيه، أعظكم واعظ نفسي في هذه الشعيرة في هذا الاجتماع المقدس وفي هذه العبادة السياسية أسأل الله أن ينفعنا بحديثنا وصلاتنا ويجعلها قربة له.

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:

{بسم الله الرحمن الرحيم وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}(1).

كان حديثنا في الأسابيع الماضية حول موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكما قلت سابقاً ان هذا الموضوع من اهم الموضوعات التي تستحق ان نتناولها في مثل هذا الاجتماع وفي مثل هذا اللقاء وهذه العبادة.

أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسمى الفرائض الإسلامية، كما انه في الوقت نفسه هو الحافظ لبقية الفرائض والذي يقيم شعائرها، تناولنا عدة أبعاد في هذا الموضوع وانتهينا الى ظواهر المنكر التي نراها في مجتمعاتنا الإسلامية ولابد من الاهتمام بها لما لها من آثار واسعة ذات بعد اجتماعي. تحدثنا في الأسبوع الماضي عن موضوع البدعة، وهذه الظاهرة شهدها المجتمع الإسلامي في مختلف عصوره وأدواره وحتى عصرنا الحاضر.


الإفـتـاء بـغـيـر عـلـم

ظاهرة أخرى أشار إليها القرآن الكريم وتحدث عنها النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت هي ظاهرة الفتوى بغير علم أو الحديث بغير علم، فهي من اخطر الظواهر التي تشهدها مجتمعاتنا الإسلامية، حيث يأتي إنسان لا يكون لديه علم بالشريعة الإسلامية ولا بعقيدة الإسلام ومعارفها ولا يعرف القرآن الكريم معرفة صحيحة، كما لا يوجد لديه اطلاع كامل على السنة الشريفة فيأتي ويفتي بغير علم. يفتي برأيه وبذوقه وحسب ميوله الخاصة ويعلن الظنون والإستحسانات، ويكون لديه شيء من القدرة على الكلام أو يتناول بعض الأمور ومن خلال ذلك يعطي الفتوى ويريد أن يوجه الناس بفتواه. هذه من الظواهر الاجتماعية التي تعيشها المجتمعات الدينية منذ بداية الرسالة الإسلامية وحتى يومنا هذا، فهي لم تختص بعصر أو زمان ولذلك نحتاج دائماً إلى الانتباه إليها ومعالجتها.

وفي هذا الجو الحار والشمس المحرقة لا يسعني المجال لتناول هذا الموضوع بصورة واسعة وتفصيل في أبعاده، وسأكتفي بمجموعة من الروايات الشريفة التي تتحدث عن الإفتاء بغير علم.

في حديث موثق عن الإمام الباقر(عليه السلام): من أفتى الناس بغير علم ولا هدىً من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه(2).

وعن الإمام الصادق(عليه السلام): إياك وخصلتين ففيهما هلك من هلك، إياك أن تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم(3).

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا الحديث يشمل مساحة واسعة من الناس، لاسيما أولئك الذين يتحدثون على المنابر أو من وراء المنصات أو في صلاة الجمعة والجماعة أو يفتون الناس يعذب الله اللسان بعذاب لا يعذب به شيئا من الجوارح فيقول: أي رب عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئاً فيقال له: خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الأرض ومغاربها، فسفك بها الدم الحرام وانتهب بها المال الحرام وانتهك بها الفرج الحرام، وعزتي وجلالي (صلى الله عليه وآله) لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئا من جوارحك(4). هذا هو حال كلمة الضلال التي تصدر من الإنسان، وأما إذا كانت الكلمة كلمة هداية فينطبق عليها قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعليّ(عليه السلام): والله لأن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس و غربت(5).

وعن الصادق(عليه السلام): العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلاّ بعداً(6). فالإنسان الذي ينحرف عن الطريق كلما يزداد سرعة كلما يبتعد اكثر.


الموقف العملي من ظاهرة الإفتاء

وسأقرأ مجموعة من النصوص الدينية التي وردت عن أهل البيت(عليهم السلام) فيها إشارة الى هذه الظاهرة وإدانتها وبيان حكمها والموقف الشرعي منها والذي يتلخص بعدة أمور:

أولاً: لابدّ للإنسان من طلب العلم ومعرفة الحقيقة. لذلك جاء في النصوص طلب العلم فريضة(7). وفي بعضها طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة(8).

فطلب العلم ومعرفة الحقيقة من الواجبات الشرعية التي تؤهل الإنسان لمواجهة ظاهرة الإفتاء بغير علم.

ثانياً: أخذ العلم من أهله كما ورد في النص الشرعي وأهل العلم هم أولئك الذين أشار الله سبحانه وتعالى إلى الأخذ منهم {فَاسْأَلُواْ أهل الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون}(9) وهم الأنبياء والأئمة الأطهار ومراجع الدين الذين أوكل إليهم صاحب الأمر (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) في الأخذ عنهم وأمّا الحوادث الواقعة فأرجعوا فيها الى رواة حديثنا فأنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله(10).


الـمـرجعية الصالحة

وهؤلاء المراجع لابد أن نعرف مواصفاتهم التي تجعلهم من أهل العلم:

أن يكون على علم بمستوى تناول القرآن الكريم والسنة النبوية تناولاً كاملاً في جميع الأطراف، ويستنبط من ذلك الحكم الشرعي، وهذا هو الذي يسمى بالمجتهد المطلق والذي إذا تعدد يجب الرجوع الى الأعلم.

أن يكون عادلاً ومتقياً وعلى مستوى عال في العدالة والتقوى.

أن يكون خبيراً بشؤون المجتمع وقضاياه حتى يتمكن من تطبيق العناوين والأحكام الشرعية على موضوعاتها الخارجية تطبيقاً صحيحاً يمكن للإنسان أن يأخذ منه.

أن يكون على بصيرة من أمره. البصيرة مصطلح يستخدمه الشارع المقدس للتعبير عن الوعي والإدراك، ليتمكن من الوصول الى الحقيقة والى المصاديق الصحيحة لهذه العناوين.

نسأل الله تعالى أن لا نفتي بغير علم، وان نسير وراء أهل العلم الذين جعلهم الله تعالى قدوة وهداية للناس، كما نسأله تعالى أن يزيدنا علماً {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}(11) أدعو الله سبحانه وتعالى أن يحقق لنا ذلك، وان ينـزّل بركاته ورحمته عليكم أيها المؤمنون المتعبدون وان يحقق النصر للمسلمين في جميع مواقعهم.

{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}


{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

____________

1- سورة الإسراء: آية 36.

2- الكافي: ج7: باب أن المفتي ضامن: ح2.

3- الكافي: ج1: باب النهي عن القول بغير علم: ح2.

4- الكافي: ج2: باب الصمت وحفظ اللسان: ح16.

5- مستدرك الوسائل: ج11: باب وجوب الدعاء إلى الإسلام قبل القتال: ح1.

6- الكافي: ج1: باب من عمل بغير علم: ح1.

7- الكافي: ج1: باب وجوب طلب العلم: ح2.

8- مستدرك الوسائل: ج17: باب عدم جواز الإفتاء بغير علم: ح17.

9- سورة النحل: آية 43.

10- وسائل الشيعة: ج27: باب وجوب الرجوع في الفتوى الى رواة الحديث: ح9.

11- سورة طه: آية 114.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية