الجمعة السابعة           
11 / 7 / 2003 م         
 
 
 
  الـبـدعــة | مسؤولية الأمة تجاه الـبـدع  
 
 
  أمُ أبيها نورٌ مشرق | المحرومون أشرعة منكسرة | دولة في دوامة الانهيار | مجلس الحكم خير بديل | أبناء العراق وكلمتهم الفاصلة  
 
 
 

الخطبة الثانية


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا سيد الأنبياء و المرسلين وخاتمهم نبي الرحمة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

كما نصلي و نسلم على سيدنا و مولانا إمام المتقين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين علي بن أبى طالب وعلى زوجه البتول الصدّيقة الطاهرة الممتحنة الصابرة المظلومة المهضومة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وعلى سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين وعلى أئمة المسلمين علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف القائم المهدي قائم أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً)

أوصيكم عباد الله بتقوى الله وتزودوا بالتقوى فأن خير الزاد التقوى، نسأل الله سبحانه و تعالى أن يجعلنا و يجعلكم من المتقين.

في هذه الأيام توجد قضايا ومناسبات عديدة:


أمُ أبيها نورٌ مشرق

القضية الأولى: شهادة سيدتنا ومولاتنا الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وبهذه المناسبة أدعو جميع المؤمنين:

أولاً: إحياء هذه الذكرى بما يتناسب مع مظلومية الزهراء(عليها السلام) من إظهار الحزن والألم والأسى والتفاعل والتعاطف مع هذه الفاجعة التي أصيب بها المسلمون بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)

ثانياً: أوصي أن تحيا هذه الذكرى بما يتناسب وشخصية الزهراء(عليها السلام)، حيث يمكن تقديم الزهراء كأسوة للبشرية جمعاء ولا سيما في الوسط النسوي في شخصيتها العلمية والروحية والمعنوية وشخصيتها الجهادية و كذلك في شخصيتها كزوجة وأم ورّبة بيت.

الزهراء(عليها السلام) تجمع في شخصيتها أبعاداً مهمة لا نجدها في أيِّ امرأة من نساء التاريخ الإلهي والإسلامي العظيمين، فمريم(عليها السلام) كانت امرأة عظيمة كما تحدث عنها القرآن الكريم وفضلها على نساء العالمين ولكن في شخصيتها كانت تمثل جانب العبادة والأم الرؤوف التي رعت ولدها عيسى(عليه السلام)، وأما شخصية الزوجة لم فلم تتمثل فيها، ولم يعرف لها دور جهادي محدد ومعين أدى بها الى الاستشهاد في سبيل الله.

يجب التركيز على شخصية الزهراء(عليها السلام) واستلهام الدروس والعبر من شخصيتها ومن تاريخها وعملها وفكرها وسلوكه(عليها السلام)، فهناك دروس كثيرة يمكن لمجتمعنا ان يستفيد ولاسيما في مثل هذه الظروف التي يواجه بها المجتمع مشكلات كثيرة. و اترك الحديث عن الزهراء(عليها السلام) الى الجمعة الآتية حيث تكون المناسبة أقرب الى ذكرى شهادتها إذا أبقانا الله أحياء ووفقنا للقائكم في هذا المكان.


المحرومون أشرعة منكسرة

الموضوع الثاني: موضوع الفقراء والضعفاء من الناس، حيث إن مجتمعنا بسبب الظروف القاسية التي مرت به والسياسات التي كان ينفذها النظام السابق والآثار التي تركتها الحرب على هذا المجتمع مضافا الى وجود الفراغ الواسع في الجانب السياسي والإداري والأمني، تركت هذه السياسات بما لها من تداعيات آثاراً قاسية وواسعة على المجتمع بحيث اصبح هذا المجتمع مستضعفاً فقيراً يعيش الآلام والمحن و يحتاج الى التفاتة. ولذلك لابد أن نتعاون، وافضل اوجه التعاون على البر والتقوى هو التعاون على رعاية هؤلاء الضعفاء والمساكين وهؤلاء المستضعفين، هناك الملايين من عوائل الشهداء والمفقودين والمشردين والعوائل ذات الدخل المحدود الذين يعيشون في العراق ويحتاجون الى رعاية.

نحن ندعو ذوي المكنة سواء في داخل العراق أو خارجه ان يولوا أهمية خاصة لهذه المسألة، وان لا تتحول الى قضية سياسية تتداولها الأوساط السياسية العالمية من دون أن يكون لها تأثير حقيقي على هؤلاء المستضعفين، وأدعو الأوساط ذات العلاقة بهؤلاء المستضعفين، أدعو الطبيب مثلاً أن ينظر نظرة خاصة لهذا الفقير ويميز في رعايته إن راجعه، وأدعو التاجر الذي يبيع البضاعة أن ينظر لهذا المستضعف نظرة خاصة لرعايته، وهكذا العالم وكل ذوي قدرة وشأن وحتى في اللسان والكلام أدعو العلماء والمتكلمين أن يكون كلامهم طيباً مواسياً لنفوس وأرواح ومعنويات هؤلاء.

نحن نحتاج الى رعاية واسعة في مختلف المجالات بالنسبة الى هذه الطبقة المحرومة المستضعفة وكما قلت افضل الأعمال والقربات التي نتقرب بها الى الله سبحانه و تعالى هو رعاية هذه الطبقة المستضعفة.


دولة في دوامة الانهيار

الموضوع الثالث: الفراغ السياسي والإداري والأمني الذي يشكو منه العراق منذ الحرب وحتى الآن. مضت أشهر ولحد الآن لم يتم ملئ هذا الفراغ بالرغم من الجهود السياسية الكثيرة التي بذلتها القوى السياسية قبل الحرب و أثناء الحرب و بعدها من اجل ملء هذا الفراغ، وبالرغم من المبادرات الكبيرة النافعة التي نثني عليها ونؤيّدها ونعتقد بأن من قام بها له ثواب كبير عند الله سبحانه وتعالى، تلك المبادرات التي قامت بها القوى الشعبية في هذه المنطقة أو تلك المنطقة من أجل ملئ هذا الفراغ. فكثير من القوى الشعبية تعاونت فيما بينها من اجل ملئ هذا الفراغ، فتشكلت مجموعات ترعى الأمن والشوؤن الإدارية وتدير هذه المؤسسة أو تلك، جزاهم الله خير الجزاء وتقبل أعمالهم أفضل القبول، وأدعو جميع القطاعات الشعبية أن تساند هذه المؤسسات. ولكن مع ذلك الفراغ السياسي والإداري والأمني بقي قائماً في مجتمعنا، وإذا بقيت الأمور بهذا الشكل فسوف يتدهور الأمر بصورة فضيعة، لأن صبر الناس و انتظارهم سوف ينتهي الى حد معين وقد يتحول الى انفجار جماعي ويؤدي الى كوارث.

الآن ومن خلال الجهود التي بذلتها قوى المعارضة العراقية لاسيما القوى السبعة وبتوجه واهتمام بالغ باتجاه معالجة هذا الموضوع خصوصا وان قرار مجلس الأمن 1483 يفرض على قوات الائتلاف مساعدة العراقيين على تجسيد هذه الإدارة وملئ هذا الفراغ وهي تبذل الآن جهوداً من اجل القيام بهذا الموضوع.


مجلس الحكم خير بديل

الآن يطرح في الوقت الحاضر تشكيل المجلس الحاكم المؤقت الذي يراد له ملئ الفراغ، ونحن من هذا المنبر الشريف الذي هو منبر عبادة لله سبحانه وتعالى لابد أن نشير الى رؤيتنا، وهي ليست رؤية شخصية وإنّما هي رؤية دينية من ناحية، ورؤية الأوساط الدينية من ناحية أخرى وبصورة عامة، وأيضاً الأوساط الشعبية الواسعة التي نحتك بها بصورة مباشرة و مستمرة طيلة المدة السابقة.

انه لابد لهذا المجلس أن تتوفر فيه مواصفات محددة كي يكون قادراً على القيام بدوره المطلوب وأداء المهمات الموكلة إليه، وهي:

المهمة الأولى: ملئ الفراغ السياسي.

المهمة الثانية: إنهاء الاحتلال، فلابد لهذا المجلس أن يكون له دور وسعي دائم من اجل إنهاء الاحتلال في العراق.

المهمة الثالثة: تدوين الدستور العراقي الدائم، على أن يكون دستوراً مؤيداً من قبل الشعب العراقي كله، وقادراً على تلبية حاجات العراقيين. المهمة الرابعة: ان يقوم المجلس في الفترة الانتقالية بتطوير الأوضاع الاجتماعية والمدنية والسياسية في العراق بحيث يكون العراق قادراً على الانتقال الى الوضع المستقر الدائم الذين ننتظره بعد الفترة الانتقالية.

وأما المواصفات التي لابد أن يتصف بها المجلس فهي:

العراقيون هم اللذين يشكلون المجلس. حيث لابد أن يكون هذا المجلس عراقياً يمثل الهوية العراقية والواقع العراقي، وإنما يكون كذلك إذاً شكله العراقيون، وأما إذا تشكل المجلس بإرادة غير عراقية فسيكون مطعوناً به وغير مؤهل للقيام بمهماته ولا يكون معترفاً به لا بنظر الشرع ولا بنظر القانون الدولي.

تمتع المجلس بصلاحيات تمكنه من التحرك والقيام بواجباته وتحمل مسؤولياته أمام الأمة والشعب، وبدون هذه الصلاحيات لا يمكن لهذا المجلس من أداء دوره. أما أن يكون هذا المجلس مجرد مجلس مشورة يستشار من قبل قوات الاحتلال أو من أية جهة أخرى كالأمم المتحدة فلا يمكن أن يكون مجلساً شرعياً، وهذا الأمر من الأمور الرئيسية التي تبنت القوى السياسية و المرجعية الدينية الالتزام به وقامت بعمل واسع في مناقشته مع قوات الاحتلال وتثبيته كمبدأ.

ان يكون الأعضاء المنخرطون في المجلس على درجة مناسبة من الانسجام فيما بينهم، حتى يتمكنوا من الحركة ويكونوا قادرين على اتخاذ القرارات المناسبة التي تواجههم في هذه المرحلة المعقدة. هناك مشكلات كثيرة يواجهها العراق فيجب أن تكون هناك قدرة على اتخاذ القرارات و الانسجام بالعمل. إذاً يجب اختيار الأعضاء بصورة دقيقة بحيث يكون بعضهم منسجماً مع البعض الآخر.

ان يكون لهؤلاء الأعضاء وجود وحضور شعبي حقيقي في المجتمع العراقي، حتى يمكنهم الحصول على الإسناد من قبل قطاعات الأمة، لأن قوة هذا المجلس تكون من قوة الإسناد الشعبي والتجاوب الشعبي، فإذا لم يكن الأعضاء المنخرطون فيه لديهم نفوذ في الأمة وعلاقة بها لا يمكن أن يكون له تأييد من هذه الأمة. و لذلك لابد للقوى السياسية التي تعمل الآن من اجل تشكيل هذا المجلس أن تلتفت الى هذه المواصفات بصورة دقيقة حتى يمكن لهذا المجلس ان يكون قادراً على الوفاء بالتزاماته والقيام بواجباته والدور المطلوب منه في هذه المرحلة.

ان يكون ممثلاً للتكوينة والتركيبة العراقية الطبيعية، فالعراق فيه عرب وأكراد وتركمان وأقليات أخرى، وفيه مسيحيون وشيعة وسنة واديان أخرى، وهذه لها أحجام متعددة فلابد لهذا المجلس أن يأتي متطابقا مع هذه التركيبة وهذه المكونات بحيث يكون قادراً على تمثيل العراق وشعبه، أما اذا جاء مختلا في توازناته مع هذه التركيبة الحقيقية فسيواجه بطبيعة الحال اختلافا ومقاومة ومعارضة من قبل العراقيين الذين لا يرون بطبيعة الحال انه ممثل لهم. من حق كل عراقي حين يرى هذا المجلس لا يمثله ولا ينسجم مع طبيعة وجوده وتركيبته أن يقاومه ويرفضه لأن العراقيين لم ينتخبوا هذا المجلس عن طريق الاقتراع وإنما الآن يشكل لأجل تمثيل العراق والعراقيين فلابد ان يكون متطابقاً مع تركيبة الشعب العراقي ومكوناته.

هذه المواصفات الخمسة التي ذكرتها تمثل مواصفات رئيسية وأساسية لابد من الاهتمام بها اهتماما بالغا في تركيبة المجلس الحاكم.


أبناء العراق وكلمتهم الفاصلة

الكلمة الأخيرة التي أقولها بهذا الصدد، أن القوى السياسية عليها أخذ زمام المبادرة وان تبادر بأسرع وقت لملئ هذا الفراغ السياسي والإداري. الى متى يبقى العراق بهذا الشكل؟ وكأن هناك فوضى في كل المستويات، والعراقيين ثروتهم تبدد وتدخل في مجاهيل الأعمال والمشاريع دون ان يحصلوا على مكاسب بدعوى انه ليس هناك من يمثل العرقيين ولا توجد إرادة تمثل إرادة العراقيين.

نحن نطالب بقوة ونعتبر ذلك مسؤولية وواجبا شرعياً وإنسانياً وسياسياً تتحمله القوى السياسية، وإلاّ ستسقط هذه القوى السياسة في أعين الناس عندما لا تقوم بدورها.

نحن نطالبها ان تبادر بأسرع وقت من اجل تشكيل هذا المجلس الحاكم الذي يتصف بهذه المواصفات التي أشرت إليها من اجل أن نخطو بالعراق خطوة جديدة إن شاء الله ونعمل بعد ذلك بجد لإنهاء سلطة الاحتلال والوصول الى حالة الاستقرار الكامل بإذن الله.

أنا اعتقد إن أبناء الشعب العراقي لابد أن يقولوا كلمتهم ونقول هذه الكلمة في هذا الاجتماع الحاشد وفي هذه الآلاف الواسعة الكبيرة ويقول العلماء أيضا كلمتهم والمراجع العظام، وأبناء الشعب العراقي كذلك لابد لهم ان ينظروا لهذا الموضوع نظرة بصيرة ووعي وفهم وأن يراقبوا هذا الأمر، اذا كان هناك تأخر أو تلكؤ بهذه المبادرة، فلابد للعراقيين ان يقولوا كلمتهم بصورة واضحة.

افرضوا هذا الموقف على القوى السياسية إذا كانت تتخلف عن موقفها في المرحلة الراهنة.

اسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع للقيام بهذه المبادرة، وان يتمكنوا من هذا العمل وينقذوا العراق من هذه الفوضى التي تعمه، كما أسأله سبحانه وتعالى ان يحقق الأمن والاستقرار لعراقنا الجريح، وان يوفق الجميع لمعالجة هذه الجراحات التي يشكو منها العراق ومواجهة هذه المشاكل. كما اسأله سبحانه وتعالى ان ينزل رحمته وبركاته عليكم ايها المؤمنون. وأسأله ان يحفظكم ويرعاكم ويتقبل أعمالكم، كما اسأله ان يتغمد شهداءنا الأبرار ومراجعنا العظام وأسلافنا الصالحين برحمته الواسعة. اسأل الله ان يوفقكم للمزيد من الصالحات وان يعجل في ظهور ولي الأمر (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، كما نسأله سبحانه وتعالى ان يغفر لنا ذنوبنا ويتقبل أعمالنا

{رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ}

والحمد لله رب العلمين.



 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية