الجمعة السابعة           
11 / 7 / 2003 م         
 
 
 
  الـبـدعــة | مسؤولية الأمة تجاه الـبـدع  
 
 
  أمُ أبيها نورٌ مشرق | المحرومون أشرعة منكسرة | دولة في دوامة الانهيار | مجلس الحكم خير بديل | أبناء العراق وكلمتهم الفاصلة  
 
 
 

الخطبة الأولى


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله و بركاته

السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا سيد الأنبياء و المرسلين حبيب اله العالمين أبى القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. نحمدك اللهم و نستعين بك ونثني عليك.

أيها المؤمنون أيها الأخوات والاخوة أعظكم ونفسي واسأل الله سبحانه و تعالى أن يجعل لنا من هذا الاجتماع وفي هذه العبادة الشريفة المقدسة وسيلة أخرى للموعظة، حيث نتعظ بإقبالنا وتوجهنا الى الله سبحانه و تعالى في هذه العبادة ثم نتعظ بما نتداول بيننا من حديث. كان حديثنا في الأسابيع الماضية التي خصصنا فيها الخطبة الأولى للحديث حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكرنا في بداية هذا الحديث أهمية هذا البحث وان هذه الفريضة من أسمى الفرائض ولها دور عظيم في حفظ الفرائض الأخرى كما لها دور عظيم في تحصين المجتمع الإسلامي والوصول به إلى أهدافه و تطويره، ولذلك سوف نحاول أن نتابع في هذا البحث عدة أبعاد من هذه الفريضة.

انتهينا في حديثنا إلى بيان بعض المظاهر المنكرة الموجودة في مجتمعاتنا الإسلامية، حيث إن المعروف والمنكر تارة يكون منكرا ومعروفاً يمارس بصورة فردية، وأخرى يكون هذا المنكر والمعروف يمارس بصورة جماعية و يمس الأوضاع العامة للمجتمع، وفي هذا المجال ذكرنا عدة مفردات للمنكرات الاجتماعية العامة.


الـبـدعــة

من جملة هذه المفردات التي عرفها المجتمع الإسلامي منذ بداية وجوده وحتى يومنا الحاضر وسوف تبقى هذه المفردة من المفردات التي يتعرض لها المجتمع الإسلامي في مجال المنكر. المفردة هي مفردة البدع، حيث أن المجتمع الإسلامي عندما يكون مجتمعاُ متديناً ملتزماً بالإسلام تصبح قضية الادعاءات الدينية والنسبة إلى الدين قضية رائجة في المجتمع لاهتمامه بالدين والتزامه به، ولذلك من يريد النفوذ في المجتمع من ناحية أو تضليل المجتمع الإسلامي وخداعه من ناحية أخرى يحاول أن يأتي تحت شعار الدين وباسم الدين ويطرح القضايا الدينية وكأنها من صلب الإسلام ومن صلب الشريعة الإسلامية، هذه الظاهرة كما قلت كانت ولا زالت و سوف تبقى لأنها من مفردات الامتحان الإلهي للمجتمع الإسلامي و قدرته على مواجهة ظواهر الانحراف.

أحاول في هذا الموضوع أن أشير الى نقطتين بصورة مختصرة تتناسب مع ظروف الصلاة والشمس الحارقة التي نواجهها هذه الأيام، ونسأل الله سبحانه وتعالى ان يمكّن الخيرين والصالحين من تظليل هذا المكان ليتمكن المصلون أداء هذه الفريضة في راحة و دعة، وان كان ثوابهم تحت الشمس اكثر على ما يبدو من الأحاديث الشريفة، لان افضل الأعمال أحمزها(1)، وعندما تكون الصلاة في مثل هذه الظروف تكون اصعب واكثر تعباً.

النقطة الأولى: فيما يتعلق بتعريف البدعة أو بصورة أدق بمصاديق البدعة، يبدو من الأحاديث الشريفة الموثقة أن للبدعة تعريفين أو مصداقين:

المصداق الأول: أن يُدخلَ الإنسان شيئاً من خارج الدين في الدين حتى لو كان ذلك الشيء أمراً جائزاً وحلالاًَ في نفسه ولم يكن محظوراً أو محرماً، لكن إذ نسب هذا الشيء الجائز والحلال الى الدين وافترضه جزءاً من الدين يكون بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها الى النار(2)، حتى لو كان شرب الماء الذي هو مباحاً، لو جاء الإنسان و نسب هذا الشرب في وقت معيّن أو في وضع معيّن الى الدين وافترض ان هذا الشرب من الدين يكون ذلك بدعة ويكون حراماً، لذلك لا يجوز ممارسة الأعمال المباحة فضلاً عن الأعمال المحرّمة أو المبغوضة لله سبحانه وتعالى لا يجوز ممارستها بعنوان إنها جزء من الدين، وإنما تمارس كأمر أباحه الله كما أباح أموراً أخرى، فكل نسبة للدين وهي ليست من الدين يكون ذلك أمراً محرماً وبدعة، وحرمة هذا الأمر بحيث يكون على درجة عالية من الإثم و يصبح ضلالة وكل ضلالة في النار لسببين:

الأول: إن هذه النسبة تكون كذباً على الله سبحانه و تعالى والكذب على الله يكون إثماً مضاعفاً لأنه كذب على مقام الجلالة العظيم.

الثاني: ان هذه البدعة سوف تشوّه صورة الدين ويكون لها تأثيرات اجتماعية ونفسية وروحية على المجتمع الإسلامي بصورة عامة، وتكون أحد أسباب تمزّق المجتمع الإسلامي وتشتته، حيث يجعل الإنسان من رأيه الخاص ومن ذوقه الخاص ومن طريقة تفكيره الخاصة صيغة من صيغ الدين الذي جاء لعموم الناس، ولم يكن مختصاً بهذه الجماعة أو تلك الجماعة، فهو بالحقيقة يقيّد الدين ويؤطره ويضيقه في نطاق محدود الأمر الذي يمنع الناس من الهداية بهذا التأطير الخاص وبهذا التضييق الخاص، حيث ان الناس لا ينسجمون في ذوقهم مع ذوق هذا الإنسان ومع رأيه و رؤيته فهو يحدد الدين بهذه الرؤية الخاصة ويجعلها جزءً من الدين، وحتى الاجتهاد الصحيح كما سوف أشير وان كان أمراً مشروعاً وصحيحاً، ولكن لابد ان نفرّق في قضية الاجتهاد الصحيح بين الاستنباط لهذا العالم وذاك العالم فيكون هذا الاستنباط مشروعاً ومنسوباً لهذا العالم وليس جزءً من الدين بحيث يكون الدين مصيره مرهوناً بهذا الاستنباط أو ذاك الاستنباط، فنسبة الشيء الى الدين وهو شيء شخصي في الحقيقة يؤدي الى تشويه صورة الدين وتضييقه وتمزيق المجتمع المتدين الذي يلتزم بهذا الدين.

المصداق الثاني: أن يفتعل إنساناً رأياً ثم هذا الرأي يكون رأيه الخاص لا ينسبه الى الدين ولكن يحب ويبغض على أساس ذلك الرأي، يعني يجعل أساس الود والحب والعلاقة الاجتماعية قائماً على الارتباط بهذا الرأي و عدم الارتباط به، كأن يؤسس الإنسان جمعية لخدمة الناس وهي جمعية خاصة به، ولكن يجعل حبه وبغضه مرتبطاً بهذه الجمعية، فمن يكون على علاقة بهذه الجمعية فهو محبوب لهذا الإنسان ومن ليس له علاقة بها يكون مبغوضاً عنده، أو يؤسس حزباً أو مدرسة أو أي عمل آخر، بحيث يجعل الحب و البغض مرهوناً بهذا الرأي والالتزام بهذا الرأي.

هذا الموضوع على ما يبدو من النصوص الشريفة التي سوف أقرأها من البدع، إن يبتدع الإنسان رأياً ثم يجعل الحب والبغض على أساس هذا الرأي. لأن الحب والبغض لا يجوز إلاّ لله سبحانه و تعالى ولما يتفرع عن الله سبحانه وتعالى، الحب لله وفي الله والبغض لله وفي الله سبحانه و تعالى. فالحب لرسول الله هو حب لله سبحانه وتعالى والحب لأهل البيت هو حب لرسول الله والحب للعلماء و الصالحين والخيرين والمؤمنين حب لله و في الله وحب الأب وألام والعشيرة أيضاً حب لله وفي الله، وعندما يتجاوز هذا الحب هذه الحدود المرتبطة بالله سبحانه وتعالى يكون بدعة ويكون حراماً لأن الإمام الصادق(عليه السلام) يجيب السائل في حديث موثق يسأله أن الحب والبغض من الدين؟

يجيبه الإمام الصادق(عليه السلام):

هل الدين إلا الحب(3)!؟ هل هناك شئ يمكن أن نسميه دينا غير الحب؟ عندما يتدين الإنسان لله سبحانه وتعالى يحب في الله، وعندما يلتزم بقرارات رسول الله والأئمة الأطهار فالحب لرسول الله ولأهل البيت و الأئمة الأطهار.


مسؤولية الأمة تجاه الـبـدع

النقطة الثانية: ما هو الموقف الشرعي تجاه البدعة؟

يبدو من الأحاديث الشريفة وجود أربعة مواقف أساسية لابد ان يتخذها الإنسان تجاه البدعة:

الموقف الأول: فضح البدعة و كشفها وبيان بعدها عن الدين وعدم الارتباط بالدين.

الموقف الثاني: فضح المبتدع وكشفه واتهامه بحيث يكون هذا الإنسان معزولاً في المجتمع الإسلامي.

الموقف الثالث: البراءة من البدعة والمبتدعين.

الموقف الرابع: أن يظهر العالم علمه، هذا موقف خاص بالعلماء، بأهل المعرفة، أهل الدين، هنا العالم يظهر علمه و يبين علمه من اجل فضح البدعة وإنقاذ الناس من الضلالة والوقوع في الشبهات والشكوك والابتعاد عن الدين. فالمجتمع الإسلامي إذا أراد النهي عن المنكر فيما يتعلق بهذه المفردة من مفردات المنكر عليه اتخاذ هذه المواقف الأربعة تجاه الظاهرة السلبية التي نسميها بالبدعة.

وهناك أحاديث شريفة نقرأها للتبرك بها، ترتبط بموضوع البدعة، ونختم الحديث بهذه الأحاديث الشريفة.

في حديث موثق عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال:

إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه ومن لم يفعل فعليه لعنة الله(4)

أنا بدأت بالعلماء لأنهم نخبة الناس وصفوتهم، وعليهم تحمل مسؤولياتهم تجاه البدع الموجودة او التي ستوجد مستقبلاً.

عن علي(عليه السلام):

إن العالم الكاتم علمه يبعث أنتن أهل القيامة ريحاً تلعنه كل دابة من دواب الأرض الصغار(5)

عن الإمام الباقر(عليه السلام) يقول: أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأياً فيحب عليه ويبغض(6).

وعن أبى حمزة الثمالي قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام) ما أدنى النصب؟

قال: أن يبتدع الرجل شيئاً فيحب عليه ويبغض عليه(7)

وفي حديث موثق عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):

إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم واكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كي لا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات و يرفع لكم به الدرجات في الآخرة(8)

و في حديث آخر موثق عن أبى عبد الله عن آبائه(عليه السلام) قال:

من مشى إلى صاحب بدعة فوقره فقد مشى في هدم الإسلام(9) لأن البدع تمزق المجتمع و تفرّقه.

أسأل الله سبحانه و تعالى أن يقينا من البدع، وان يجعل مجتمعنا الإسلامي أصيلاً يلتزم بالمفاهيم القرآنية الإسلامية المستنبطة من القرآن الكريم و السنة النبوية، وان نكون من أولئك الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر المجانبين للبدع المحاربين لها. اسأل الله ان يحفظكم و يرعاكم و يتقبل أعمالكم و يبارك لكم فيها.

{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار}


{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}

____________

1- اثنا عشر رسالة: ج4: ص100.

2- الكافي: ج1: باب البدع والرأي: ح8.

3- مستدرك الوسائل: ج12: باب وجوب الحب في الله: ح28.

4- وسائل الشيعة: ج16: باب وجوب إظهار العلم عند ظهور البدع: ح1.

5- وسائل الشيعة: ج16: باب وجوب إظهار العلم عند ظهور البدع: ح2.

6- ثواب الأعمال: ص258.

7- المصدر السابق.

8- الكافي: ج2: باب مجالسة أهل المعاصي: ح4.

9- وسائل الشيعة: باب وجوب البراءة من أهل البدع: ح3.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية