الجمعة السادسة           
4 / 7 / 2003 م         
 
 
 
  مجالس المنكر


 
 
 
  الدستـور العراقـي | فلسطين المحتلة | الموقف من القضية الفلسطينية | الأمم المتحدة والعراق | المرجعية والعتبات المقدسة | الجماهير هي القوة الضاربة | الطلبة نواة المستقبل  
 
 
 

الخطبة الأولى


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أمير المؤمنين. السلام عليكم أيها المتعبدون ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين حمدا يصعد أوله ولا ينفد آخره، حمدا كما هو أهله وكما يستحقه. ونثني عليه فهو خالقنا ورازقنا ومدبّر أمورنا، ونستعين به ونتوسل إليه ونسأله في هذا الوقت الشريف المبارك أن يتفضل علينا بما هو أهله من رحمة واسعة ونصر مؤزر. والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا خاتم النبيين وسيد المرسلين، إمام الرحمة وقائد البركة محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أوصيكم عباد الله بتقوى الله واتباع أمره ونهيه.

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم على لسان عبده الصالح لقمان {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}(1)

كان حديثنا في الأسابيع الماضية حول فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تعتبر من أسمى الفرائض، هذه الفريضة التي تكاد تكون معطلة في مجتمعنا ورأينا أن نتناولها باعتبارها:

أولا: من أسمى الفرائض

وثانيا: إنها من الفرائض الاجتماعية التي تستحق الاهتمام بها وتناولها في أبعادها. في حديثنا عن فريضة الأمر بالمعروف تناولنا سابقاً عدة أبعاد وانتهينا إلى بيان أقسام المعروف والمنكر وقلنا هناك معروف ومنكر يتصف بالحالة الفردية، ونوع آخر يتسم بالحالة الاجتماعية بحيث يمارس بصورة اجتماعية ومن ثم يحتاج إلى مؤسسات اجتماعية تدعو إلى المعروف وتنهى عن المنكر، ولعل هذا ما تشير إليه بعض الآيات الكريمة كقوله تعالى {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}(2) حيث وضعت الدعوة للمعروف والنهي عن المنكر في إطار الأمة والجماعة.


مجالس المنكر

بعض مصاديق المنكر التي يمكن مشاهدتها ضمن حياتنا الاجتماعية تتصف بهذه الصفة الجماعية وتحتاج الى موقف جماعي من قِبَل المؤمنين، من هذه المصاديق على ما تشير الى ذلك الروايات الشريفة الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) هو المجالس التي يكون فيها المنكر عاما وشائعا كمجالس الفسق والفجور أو المجالس التي يكون فيها الحديث حديثا منكراً كما إذا تناول الحديث إماماً من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالسوء والنقد والأذى أو تناول إماما للمجتمع، وكذلك الاجتماعات العامة ذات الطابع الجماهيري سواء كانت احتفالات أو تظاهرات أو غير ذلك مما يكون الطابع العام لهذه الاجتماعات هو المنكر كما إذا كانت الدعوة إليها دعوة إلى المنكر والضلال والانحراف وتحقيق الأهداف الفاسدة في المجتمع فتحتاج هذه الاجتماعات الى موقف إجماعي تجاهها والأحاديث الشريفة الموثقة الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) تناولت هذا الموضوع بشكل أو بآخر، وان كان هذه الأحاديث قد تذكر مصاديق وعناوين محددة ومشخصة، ولكن كما تعرفون إن الحركة الاجتماعية قد تؤدي إلى اختلاف في المصاديق والمفردات المنكرة ولكن ما كان يشيع من منكر في زمن أهل البيت (عليهم السلام) تناولوه بالحديث وأشاروا إليه، ولا بد لنا من النظر في مجتمعاتنا الحاضرة والفعلية لنرى المصاديق ذات العلاقة بهذه المنكرات ويكون موقفنا تجاهها هو ما أشار إليه أهل البيت (عليهم السلام).

اقرأ على الاخوة والأخوات الأعزاء المتعبدين المجتمعين في هذه الصلاة العبادية السياسية الاجتماعية بعض النصوص، واكتفي بهذا القدر رعاية للوقت والجو، حيث إننا نقيم هذه الصلاة تحت أشعة شمس تموز الحارقة، وآمل أن يتمكن الاخوة الأعزاء من الصبر على هذا الحديث سواء في الخطبة الأولى أو الثانية، كما آمل أن يواصل الاخوة الأعزاء اللذين تصدوا لتظليل هذا المكان من مواصلة عملهم لتتاح لنا فرصة أطول للحديث، خصوصا وان في هذا الاجتماع الحاشد الكثير ممن جاء من أماكن بعيدة بقصد الاستفادة والانتفاع.

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث موثق معتبر المرء على دين خليله وقرينه(3) الإنسان عند ما يجالس أهل الفسوق والفجور والبدع والضلالة والانحراف يكون قريناً لهم وعلى دينهم في حساب الناس، وفي حساب الله سبحانه وتعالى فلابد للإنسان من عدم الاقتران بهذه المجالس ومقاطعتها.

في حديث آخر لا ينبغي للمؤمن أن يجلس مجلساً يعصى الله فيه ولا يقدر على تغييره(4)، إذا كان قادراً على التغيير فلابد له من التغيير فيبدل المعصية بالطاعة، وعندما لا يكون قادراً على ذلك فلا ينبغي له أن يجلس هذا المجلس.

في حديث آخر موثق ومعتبر وإياكم وصحبة العاصيين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم(5).

حديث آخر موثق ومعتبر عند الفقهاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس مجلسا ينتقص فيه إمام أو يعاب فيه مؤمن(6) وفي نص آخر (يغتاب فيه مؤمن). إنها مجالس الغيبة، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يجلس مثل هذا المجلس. قال تعالى {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}(7) وحديث آخر موثق: من قعد في مجلس يسب فيه إمام من الأئمة يقدر على الانتصاف فلم يفعل البسه الله عز وجلّ الذل في الدنيا وعذبه في الآخرة وسلبه صالح ما من الله به عليه من معرفتنا(8) وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) في حديث آخر: ثلاثة مجالس يمقتها الله ويرسل نقمته على أهلها فلا تقاعدوهم ولا تجالسوهم مجلسا فيه من يصف لسانه كذبا في فتياه ـ مَن يكون حديثه الكذب عندما يفتي الناس ويبين لهم الموقف الشرعي والمنهج الإلهي الذي يجب عليهم أن يسلكوه، هذا أحد المجالس التي يمقتها الله وينزل غضبه ومقته على مَن يجلس فيها، فلابد لنا أن نعرف لمن نستمع وممن نأخذ ومجلسا ذكر أعدائنا فيه جديد وذكرنا فيه رث عندما يذكر الأعداء اللذين يناصبون الإسلام العداء وأهل البيت والمؤمنين الصالحين يكون الذكر فيه جديدا والحديث فيه منمقاً كثيرا يتناول جميع الأطراف، وأما عندما يكون الذكر ذكر أهل البيت وذكر للإسلام والصلاة يكون الحديث فيه باهتاً وضعيفاً لا يهتم به أحد من الناس ومجلساً فيه من يصّد عنّا وأنت تعلم(9)

إذاً علينا من خلال هذه الأحاديث الشريفة اتخاذ الموقف تجاه المجالس والاجتماعات العامة التي تتسم بالفسق والفجور والطعن بالأئمة والإسلام والعقائد والمبادئ، وكذلك مجالس الضلالة والانحراف التي تدعو الى الانحراف والخروج عن الخط الإسلامي. يجب على الإنسان العمل على تغييرها، فأن لم يتمكن فعليه مقاطعة تلك المجالس ولا يقترن فيها.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لهذا العمل الصالح وان نكون ممن يأتمر بالمعروف وينتهي عن المنكر، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته الواسعة وان يحفظكم ويرعاكم ويحقق النصر لجميع المسلمين والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.


{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}

____________

1- سورة لقمان: آية 17.

2- سورة آل عمران: آية 104.

3- الكافي: ج2: باب مجالسة أهل المعاصي: ح3.

4- الكافي: ج2: باب مجالسة أهل المعاصي: ح1.

5- الكافي: ج8: ص16.

6- الكافي: ج2: باب مجالسة أهل المعاصي: ح9.

7- سورة الأنعام: آية 68.

8- الكافي: ج8: ص236.

9- وسائل الشيعة: باب تحريم المجالسة لأهل المعاصي: ح11.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية