الجمعة الخامسة           
27 / 6 / 2003 م         
 
 
 
  المنكر الجماعي | دور المؤسسات في المجتمع الإسلامي | مظاهر الفساد الإداري  
 
 
  سلبيات الهيمنة | العنف وليد اللامبالاة | الاجتهادات الخاطئة | الروح الصدامية المجرمة | الإعلام المضاد  
 
 
 

الخطبة الأولى


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليك يا مولاي يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين حمداً دائماً أبداً يصعد أوله ولا ينفد آخره، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. عباد الله اتقوا الله واتبعوا أوامره ونواهيه.

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم:

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}(1)


المنكر الجماعي

كان حديثنا في الأسابيع الماضية حول موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلنا من شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معرفة المعروف ومعرفة المنكر، وذكرنا في الأسبوع الماضي بعض موارد المعروف ونماذج المنكرات ذات الطابع الفردي التي يمارسها الإنسان بصورة فردية، ويحسن بنا هذا الأسبوع الإشارة إلى نوع آخر من المعروف الذي يرتبط بالوضع الاجتماعي وبالحالة الاجتماعية بصورة عامة، بحيث يحتاج هذا المعروف إلى أن يمارس بصورة عامة وجماعية من ناحية أو أن هذا المنكر يمارس بصورة عامة ومن خلال التشكيلات والأجهزة والمؤسسات الاجتماعية العامة حيث أن التركيز عادة في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكون حول المعروف والمنكر الذي يمارس بصورة فردية ولا ينتبه عادة إلى ذلك النوع الآخر من المعروف والمنكر الذي يمكن أن يمارس بصورة جماعية.

فمثلاً من جملة موارد المعروف التي ذكرتها في بداية حديثنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ممارسة الإنسان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه الممارسة هي من أهم الأعمال والواجبات التي يمكن وصفها بالمعروف.


دور المؤسسات في المجتمع الإسلامي

وهذه الممارسة تارة تكون فردية يقوم بها الإنسان بمفرده، وأخرى تكون جماعية، حيث أن الكثير من معالم المنكر والمعروف في مجتمعنا لا يمكن أن تتم الدعوة إليه والأمر به وتنفيذه بصورة عامة ما لم تكن هناك جماعة من الناس وبصورة جمعية تتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولذلك نلاحظ القرآن الكريم يشير إلى هذه القضية، ـ قضية الحركة الاجتماعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ في اكثر الآيات التي تحدثت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}(2)، هنا القرآن الكريم يطلب أن تكون هناك جماعة من الناس تتحرك باتجاه ممارسة هذا الواجب الشرعي وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الآية الكريمة التي قرأتها عليكم {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} فان هذه الأمة بما هي أمة والجماعة بما هي جماعة تتحرك باتجاه تحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا في الآية الأخرى في سورة الحج عندما يتحدث القرآن الكريم عن مشروعية القتال وينهي ذلك الفصل بقوله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ}(3) هنا أيضا القرآن الكريم يتحدث عن الجماعة عن الذين أن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يكون واجباً عندما تكون هناك جماعة تتحرك بتحقيق هذا الأمر، والمنكرات والواجبات الاجتماعية لا يمكن إقامتها كواجب والنهي عنها كمنكر، إذا كان أمراً جماعيا من خلال فرد واحد يقوم بهذه المهمة وأمام حركة اجتماعية واسعة يراد إيجادها أو النهي عنها فيما إذا كان المنكر منكراً اجتماعياً ما لم تتكون جماعة تتحرك باتجاه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هذا الموضوع يعتبر من أهم الموضوعات التي لابد من الانتباه إليها لا سيما في مجتمعاتنا المعاصرة التي تحتاج الحركة فيها إلى حركة تتسم بالجماعة وتصبح هذه الجماعة قادرة عندئذ على أداء واجبها وتكليفها، ولذلك دعونا وندعو المؤمنين جميعاً في مختلف مناطقهم أن يشكلوا لجاناً وجماعات تقوم بالمهمات العامة، سواء كانت هذه المهمات واجبات كإقامة الشعائر الدينية أو الواجبات الشرعية أو كانت مهمات مقاومة المنكرات التي يواجهها مجتمعنا.

انتم تلاحظون بعض المنكرات مع الأسف في مجتمعاتنا تمارس بصورة جماعية ولا يمكن للإنسان الواحد الوقوف أمامها ما لم تتشكل مجموعات تتبنى مواجهة هذه المنكرات حتى يمكن مقاومتها وإلغاؤها، ونلاحظ أن من جملة المظاهر التي عرفتها مجتمعاتنا في المنكرات هي:

مظاهر المنكرات في الأجهزة الإدارية المرتبطة بتشكيلات الدول بصورة عامة، وهذه من المنكرات التي لا يمكن مواجهتها دون وجود مؤسسات يمكنها أن تلاحق وتحاسب وتنهى عن مثل هذه المنكرات، والمنكرات عندما تكون في المجتمع على شكل أجهزة إدارية ذات قدرة وقوة تحتاج مقاومتها إلى قوة اجتماعية قادرة على هذه المواجهة من قبيل مؤسسات الصحافة والتي يعبر عنها أحيانا بمؤسسات المجتمع المدني، فالصحافة التي تعتبر مؤسسة ذات بعد مؤثر في النقد للفساد والكشف عنه وملاحقة معالمه في الأجهزة الإدارية فيمكنها ملاحقة عمليات الفساد والانحراف، وكذا الأحزاب والجمعيات والمنظمات والنقابات والاتحادات إلى غير ذلك من الكتل التي تتكون من اجل ملاحقة الفساد الذي يكون عادة في بعض الأجهزة الإدارية.


مظاهر الفساد الإداري

أشير إلى قائمة مما نلاحظه في الأجهزة الإدارية بصورة عامة من فساد لا يمكن لشخص واحد أن يقاومه ما لم تكن وراء ذلك الشخص أجهزة قادرة على مواجهة الفساد مثلاً:

الرشوة التي شاعت بصورة كبيرة جداً في مجتمعاتنا ولا سيما أن النظام السابق كان يشجع من خلال سياساته الاقتصادية وممارسة أجهزته على هذا الفساد الإداري كي يزيد الناس ضعفاً وإذلالاً وانشغالاً بأمورهم الحياتية، حتى أصبحت هذه الظاهرة من مظاهر الفساد الإداري والاجتماعي التي تنخر في وجودنا الاجتماعي ونحتاج إلى مقاومة لا يمكن أن تتم بصورة فردية.

المعاونة للظالمين والجائرين التي يمارسها الكثير من العناصر الفاسدة ويعتبرونها واجباً من الواجبات، لأنه يكلف من قبل الظالم والجائر بالقيام بهذا العمل الذي يمكّن النِظام ويعاونه في ظلمه، مثل هذا الفساد الاجتماعي والمنكر الذي هو من اعظم الجرائم والآثام لا يمكن مقاومته بصورة فردية بل يحتاج إلى حركة جماعية تتسم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

استغلال المناصب والمواقع لذوي النفوذ والقدرة لأغراضهم الشخصية او العشائرية أو المحلية أو الحزبية أو الفئوية مثل هذه المواقع لا يمكن للإنسان الواحد أن يقف أمام هذا المنصب وذوي الجاه والنفوذ بل يحتاج إلى ممارسة ضغط اجتماعي واسع.

فقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قسم من حركته لابد أن يتخذ بعدين وجانبين في الحركة الاجتماعية:

البعد الأول: ملاحقة المنكرات التي تتم من خلال الأجهزة الاجتماعية ذات القدرة الكبيرة، هذا الأمر لابد من ملاحقته وعدم الاكتفاء بملاحقة المنكرات ذات الطابع الشخصي.

البعد الثاني: ضرورة إيجاد المؤسسات والتجمعات والكتل الصالحة القادرة على ملاحقة هذا النوع من المنكرات الجماعية، فالفرد الواحد عاجز عن النهي لضعفه أمام المؤسسة الكبيرة المتمثلة بأجهزة الدولة أو أحياناً أجهزة غير ذات طابع رسمي ولكنها تمارس مثل هذا الفساد الاجتماعي أو المنكرات الاجتماعية.

وكذا الحال بالنسبة للمعروف فالضرورة قائمة في تأسيس مؤسسات تقوم بالأمر به، فمثلاً وجوب تأسيس المؤسسات من اجل إقامة الشعائر الدينية الكبيرة كصلاة الجمعة التي تعتبر من افضل الشعائر الإسلامية لأن الصلاة من افضل الشعائر الدينية، وصلاة الجمعة تأتي أهميتها كونها قمة الهرم عندما نتحدث عن الصلوات وأهميتها. فصلاة الجمعة بهذه السعة والاجتماع الكبير تحتاج إلى مؤسسة حتى تدير هذه الصلوات بصورة سليمة وتؤدي أغراضها بصورة صحيحة، ومن هنا تصبح قضية صلاة الجمعة مؤسسة من المؤسسات ذات العلاقة بالحكم الشرعي الصحيح وبالحاكم الشرعي الصحيح والولاية الشرعية وبالمرجعية الدينية، ولذلك كانت هذه المؤسسة منذ بداية تأسيسها ترتبط بالإمام وولي الأمر والمركز العام الذي يدير المسلمين وشؤونهم العامة التي يمكن من خلالها إدارة هذه العملية وسوف أتناول هذا الموضوع أن شاء الله حينما نتناول الحكم الإسلامي ومؤسساته، وسنعرف من خلال ذلك ان صلاة الجمعة يمكن أن تعتبر مؤسسة من هذه المؤسسات.

نسأل الله أن يجعلنا ويجعلكم جميعاً ممن يتعظ بهذه المواعظ ويأتمر بالمعروف ويقيمه وينتهي عن المنكر ويجتنبه، كما أساله سبحانه وتعالى ان يحفظكم ويرعاكم ويتقبل منكم أعمالكم، وان ينزل رحمته وبركاته عليكم كما نسأله ان يعفو عنا

{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}


____________

1- سورة آل عمران: آية 110.

2- سورة آل عمران: آية 104.

3- سورة الحج: آية 41.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية