الجمعة الرابعة           
20 / 6 / 2003 م         
 
 
 
  السلوك الانساني بين المعروف و المنكر | مصاديق المنكر


 
 
 
  الحق المشروع بين التأجيل و الالغاء | الانتخاب من منظور إسلامي | الشعب العراقي و إدارة البلد | مقاومة أم تخريب | النجفيون و مسؤولياتهم الأخلاقية  
 
 
 

الخطبة الثانية


بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين حمداً لا نهاية له حمداً كما يستحقه سبحانه وتعالى سبحانك ربنا عليك توكلنا واليك المصير. والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين ونصلي ونسلم أيضاً على سيدنا ومولانا إمام المتقين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب وعلى زوجه البتول فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وعلى سبطي الرحمة وإمامي الهدى الحسن والحسين سيدي أهل الجنة وعلى أئمة المسلمين علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والحجة القائم المنتظر(عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأتباع أمره ونهيه وأسأله سبحانه وتعالى أن يوفقكم لمثل هذه العبادات الشريفة والاستفادة من هذه المواعظ. أنا في الوقت الذي أقدر وأثمن كل هذه المشاركة من إخواننا وأخواتنا الأعزاء في هذه الصلاة والعبادة الشريفة بالرغم من ظروف الحر والشمس الحارقة وتحملهم مشاق الطريق والاجتماع في هذا المكان الشريف أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا جميعاً في هذا الاجتماع وان يتقبله منكم أفضل القبول. هنيئاً لكم أيها الأعزاء على هذه المشاركة وعلى هذا التوفيق والصبر والتحمل وجزاكم الله خير الجزاء في احيائكم لهذه الشعيرة من شعائر الإسلام. أشير في هذه الخطبة بصورة مختصرة إلى عدة قضايا:

القضية الأولى: تقديم الشكر والثناء لهؤلاء الإخوة الذين تظاهروا في الأيام الأخيرة وعبرّوا عن الموقف الحقيقي والصحيح لأبناء الشعب العراقي ولا سيما في النجف الأشرف ومدينة البصرة، حيث كانت هذه المظاهرات تعبيراً عن الرأي العام لأبناء الشعب العراقي. أنا أعرف أن جميع أبناء الشعب العراقي في كل مواطنهم يدعون إلى الرجوع في إدارة شؤونهم وبلادهم إلى إرادة الشعب العراقي وانتخاب الشعب العراقي وهذا هو الطريق الوحيد الذي يوصلنا إلى تحقيق الأمن والاستقرار في بلادنا والى مواجهة جميع التحديات التي يواجهها الشعب العراقي في هذه المرحلة والتي تحدثت عنها في مناسبات عديدة فشكراً لهؤلاء الأعزاء الذين ساهموا في هذا التعبير وسوف يساهمون أيضا في مناسبات أخرى.


الحق المشروع بين التأجيل والإلغاء

القضية الثانية: تحدثنا في الأسبوع الماضي عن موضوع الانتخابات وقلنا أن سلطات الاحتلال تحاول التهرب منها بادعاء أن إجراءها أمر غير واقعي وغير عملي في الأوضاع الفعلية والحالية التي يعيشها الشعب العراقي، مع اعتقادنا بإمكانية إجرائها والشاهد على هذه الحقيقة هو ما جرى في النجف الأشرف، فمنذ أكثر من شهر كان هناك قرار لأبناء النجف الأشرف ولم يكن قراراً لحزب أو جهة أو شخص وإنما كان قراراً لأبناء المحافظة كلها سواء مدينة النجف أو المدن الأخرى التي تنتسب إلى هذه المحافظة الشريفة المسماة بهذا الاسم الشريف الذي يرتبط بعلي(عليه السلام) والحوزة العلمية ولا يرتبط بجماعة معينة من الناس ـ بعض الناس عندما نقول النجف الأشرف أو يسمعون بالنجف الأشرف يتصورون الانتماء إلى مجموعة من الناس سكنوا هذه المدينة، النجف لا يرتبط بهؤلاء السكان بالرغم من أن هؤلاء السكان شرفهم وكرامتهم وعزتهم بسكناهم في النجف، لكن النجف ارتباطه بعلي وبالحوزة العلمية كما ذكرت وقدسيتها تنبع من هذين العاملين الرئيسين ووجود هذه المقبرة الشريفة التي هي مأوى الأرواح المقدسة الشريفة مقبرة وادي السلام، النجف ترتبط بهذه المعاني المقدسة ـ كان قرار هذه المحافظة إجراء انتخابات قبل أكثر من شهر ونصف، ثم عينوا وقتاً لهذه الانتخابات وكان يمكنهم إجراؤها في ذلك الوقت وكان قبل أكثر من شهر، ثم جاءت سلطات الاحتلال وطلبت التأجيل ثم …. أُجلّت …. وأُجلّت حتى أُلغيت هذه الانتخابات بعد ذلك.

إذاً لماذا يقال أن أهل العراق غير مؤهلين لأجراء الانتخابات؟


الانتخاب من منظور إسلامي

وأيضا إذا أردنا التحدث عن موضوع الانتخابات لابد أن نشير من الناحية الواقعية والعملية إلى طريقين ومنهجين كلاهما إسلامي وصحيح وعرفه التاريخ الإسلامي.

المنهج الأول: منهج أهل الحل والعقد، بحيث يقوم المتصدون للعمل الاجتماعي والمعبر عنهم في المصطلحات الإسلامية الفقهية بأهل الحل والعقد، أهل الخبرة والمواقع الاجتماعية والوجاهة في المجتمع، يتصدون لعملية الانتخاب، فتقتصر عملية الانتخاب على هذه الطبقة من الناس بحيث يقومون بانتخاب مجلس يأخذ على عاتقه انتخاب الحكومة التي تدير شؤون البلد. وهذا ما جرى فيه التحاور وتلتزم به أيضا القوى السياسية والاجتماعية. وأما تشخيص طبقة أهل الحل والعقد من الناحية الخارجية الواقعية ممكن أن يشخّصوا في نوعين من الناس:

النوع الأول: القوى السياسية المتصدية في ساحتنا العراقية.

النوع الثاني: الوجهاء والشخصيات المعروفة في الأوساط الاجتماعية سواء من رؤساء عشائر أو شخصيات علمية ودينية أو شخصيات مؤسساتية سواء كانت جامعية أو غيرها. وهذا الأمر أمر عملي باشرناه وقمنا بإدارته وتمكنا من تحقيقه بالرغم من كل الجهود التي بذلت لعرقلته، إذاً فهذا الأمر من الأمور الممكنة وهو مبدأ إسلامي معترف به في الوسط الإسلامي.

المنهج الثاني: الانتخاب المباشر، هو منهج معروف أيضاً عالمياً وفي العراق حرمنا منه لسنوات طويلة بسبب الاستبداد والطغيان، والآن توجد فرصة حقيقية أمام هذا المنهج، وهو منهج إسلامي، إذا أردنا النظر إلى خلافة الإمام علي (عليه السلام) وتصدّيه للخلافة، وان كان علياً منصوباً من قبل الله للخلافة، ونحن نعتقد بأن الخلافة الإلهية هي بالنص الإلهي الذي يأتي على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) لكن من الناحية الخارجية والتاريخية وما وقع في مجرى التاريخ الإسلامي نجد أن خلافة الإمام علي(عليه السلام) من دون كل الخلفاء الذين تسلموا السلطة كانت خلافته بالانتخاب المباشر للناس، الناس بصورة مباشرة انتخبوا علياً(عليه السلام) لهذه الخلافة فهذا أيضاً منهج إسلامي صحيح وأقرّ هذا المنهج الإمام علي(عليه السلام) في نهج البلاغة(1) كما وردت النصوص في ذلك واقره المسلمون أيضاً بصورة عامة.


الشعب العراقي وإدارة البلد

والآن الشعب العراقي يمكنه القيام بانتخاب مجلس يقوم بمهمتين رئيستين:

الأولى: تدوين الدستور، من اجل طرحه على الشعب للتصويت عليه والمفروض ان يكون في المجلس خبراء من العلماء والفقهاء والقانونيين الذين يتمكنون من هذا التدوين.

الثانية: القيام بمهمة انتخاب الإدارة المؤقتة التي تدير شؤون البلاد إلى حين التهيؤ للانتخابات العامة المستقبلية.

أما آلية انتخاب هذا المجلس، فيمكن أن تجري انتخابات في كل محافظات العراق لانتخاب ممثلين لكل محافظة حسب عدد أصواتها، فاذا كانت المحافظة تضم خمسين ألف شخص ممكن أن يكون هناك مثلاً خمسة ممثلين على حساب أن لكل مائة ألف شخص ممثلاً واحداً أو لكل 150 ألف شخص ممثلاً واحداً او غير ذلك من التقديرات، وهؤلاء الممثلون يجتمعون كمجلس يقوم بالمهمتين المتقدمتين. وأنا اعتقد أن هذا الأسلوب وهذا المنهج أمر ممكن، ولنجربه إذا كانت القضية موضع شك. نحن على يقين أن هذا الأمر ممكن تحقيقه بدون أي ريب. لماذا تترك الأوضاع بهذا الشكل المنفلت؟ فلا أمن ولا استقرار ولا سوق ولا تجارة ولا زراعة ولا خدمات عامة، لماذا يترك الأمر العراقي بهذه الصورة بإدعاء أن الانتخابات أمر غير واقعي؟

أرجو واطلب من جميع أخواني العراقيين أن يأخذوا هذا الأمر بقوة ويعملوا من اجله، من اجل أن يعبروا عن عزتهم وكرامتهم … عن استقلالهم بل يعبروا عن إسلامهم وعقيدتهم … عن مُثلهم وقيمهم.

نحن لا يمكن أن نقبل أن تفرض علينا الحكومات والصياغات والهيكليات كما كان يصنع معنا في السابق، لقد ذهب إلى الجحيم والى مزابل التاريخ عهد الاستبداد والطغيان.


مقاومة أم تخريب

القضية الثالثة: المقاومة المسلحة بدأت في العراق وأخذت منهجاً جديداً وشكلاً جديداً. وسوف افصل فيها بعض التفصيل في الأسبوع الآتي إذا وفقني الله سبحانه وتعالى، ولكن سأكتفي بالإشارة الآن إليها ضمن نقاط:

أولا: لابد أن نعرف هوية هذه المقاومة، وما هي خلفياتها وما هي أسبابها؟ معرفة هذا الأمر من الأمور المهمة التي تدخل كعنصر أساسي في وعي الشعب العراقي وفهمه.

ثانياً: الموقف الشرعي منها، فلابد أن نعرف من الناحية الشرعية والإسلامية والفكرية والنظرية ما موقف الإسلام من هذه المقاومة؟

تحليلنا السياسي لهذه المقاومة وخلفياتها من ناحية ثم الرؤية الشرعية للمقاومة المسلحة من ناحية ثانية.

ثالثا: الموقف من المقاومة، فلابد أن أشير أن شاء الله إلى توضيح الموقف من هذه المقاومة هل نشجع على هذه المقاومة هل نهدئ هذه المقاومة ما هو الموقف الصحيح تجاه هذه المقاومة؟

هذه الأمور الثلاثة والعناصر الثلاثة لابدّ أن تعالج في موضوع المقاومة، لأن هذه المقاومة مسلحة. المقاومة غير المسلحة ذكرنا موقفنا منها وقلت أن رأينا في المقاومة غير المسلحة هو رأي إيجابي ولابد للشعب العراقي أن يقاوم بطريقة سياسية سلطات الاحتلال ووجود الاحتلال وينهي الاحتلال من اجل أن يحكم العراقيون أنفسهم كما ينص على ذلك بصورة واضحة وبيّنة لا لبس فيها قرار مجلس الأمن والقانون الدولي الذي بين هذا القرار على أساسه ونصّ عليه هذا القرار، هذا أيضا أمر آخر وردت الإشارة إليه في هذه الخطبة وأحاول أن أعالجه أن شاء الله في الأسبوع الآتي إذا أعطاني الله سبحانه وتعالى الصحة والفرصة والتوفيق للقاء بكم في هذا الاجتماع.


النجفيون ومسؤولياتهم الأخلاقية

القضية الرابعة: وأحاول أن انهي الحديث بها، وهي ترتبط بالأوضاع العامة في هذه المدينة المقدسة. هذه المدينة ليست ملكاً لسكانها حتى يتصرفوا هؤلاء السكان فيها كما يشاؤون. هذه المدينة كما قلت لجميع محبي أهل البيت (عليهم السلام) ولجميع محبي علي (عليه السلام). هذه المدينة هي ملك لجميع محبي العلم والمعرفة والحوزات العلمية وهذه الأرواح الموجودة في مقبرة دار السلام وهي نشأت وتوسعت ببركة الإمام علي (عليه السلام) ومحبي العلم والأرواح الطاهرة التي سكنتها، ولذا أنا أدعو جميع المخلصين آن يولوا هذه المدينة أهمية سواء في نظافتها أو ترتيبها وحرمتها. أما أن يتعرض الزائرون هنا في هذا المكان المقدس إلى الاعتداء والسرقة أو نعوذ بالله حرماتهم وأعراضهم تتعرض أحياناً إلى الهتك أو غير ذلك من الأمور فهذا شيء مما يأباه الشرع ويأباه الشرف والغيرة والأمانة وكل خلق الإسلام.

أهل النجف يأبون الأذى لأنهم أهل العزة والكرامة والشرف المتعبدون في هذا المكان، يأبى الله ورسوله أن يقعوا في مثل هذه الآثام ولكن يجب عليهم أن يعملوا من اجل المحافظة على سمعة النجف والوقوف أمام مثل هذه التجاوزات والمخالفات وهكذا الزائرون الذين يزورون هذه المدينة المقدسة ويقصدونها يجب أن يحافظوا على نظافتها وعلى كرامتها وقدسيتها وموقعها حتى يتقبل الله سبحانه وتعالى أعمالهم وزيارتهم ويقفوا أمام كل أولئك الشاذين أو المنحرفين الخارجين عن الطريق الذين قد يندسون بين أبناء النجف أو بين الزوار فيقومون بالمخالفات. هذا الأمر أدعو له أبناء النجف والزائرين لأن الأيادي ما لم تتكاتف لمثل هذه الأمور وتقف موقفاًَ واحداً نجد مثل هذه الاختراقات في أوضاع هذه المدينة.

أرجو من الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وللائتمار به أيضاً. والالتزام بالمعروف والانتهاء عن المنكر وان نكون من الملتزمين بذلك والآمرين به. لان من جملة الأمور المنهي عنها جداً هو أن يكون الإنسان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر لكن لا يكون ملتزماً بالمعروف ومنتهياً عن المنكر.

اسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الملتزمين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وان يحفظكم ويرعاكم ويتقبل أعمالكم، كما نسأله على أن يغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا ويعفو عنا في هذا المكان وهذا الموقع

{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}


____________

1- نهج البلاغة: ج1: ص103 خطبته في تزاحم الناس لبيعته. وكذا ج2: ص222 خطبته في وصف بيعته بالخلافة.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية