الجمعة الثالثة           
13 / 6 / 2003 م         
 
 
 
             المؤمنون والأمر بالمعروف  
 
 
  التكريم الخالد للخالدين | الدولة العراقية المرتقبة | ديمقراطية الاحتلال الملتوية | الانتخابات ثم الانتخابات  
 
 
 

الخطبة الثانية


بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين حمداً دائماً أبدا لا أمد له ولا نهاية، ونثني عليه ونستعين به ونتوكل عليه، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرحمنا وان يجعلنا ممن يتعظ بالمواعظ. فأعظكم ونفسي أيها الأخوة الأعزاء بأن تكونوا عند أوامر الله ونواهيه ملتزمين بها.

واسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بالتقوى فنكون من الأتقياء. فان خير الزاد التقوى، كما ذكر ذلك القرآن الكريم.

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، كما نصلي ونسلم على سيدنا ومولانا أمير المؤمنين وسيد الوصيين، وعلى زوجه البتول الطاهرة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وعلى سبطي الرحمة وإمامي الهدي الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وعلى أئمة المسلمين علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف الهادي المهدي (صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً).

أوصيكم مرة أخرى أيها الأعزاء بتقوى الله. واسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا هذه التقوى.

سأشير في الخطبة هذه بصورة موجزة إلى أمرين رئيسيين:

الأمر الأول: المناسبات التي مرت علينا هذا الأسبوع كانت مناسبة شهادة سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء(عليها السلام) حسب إحدى الروايات التي تقول، أن شهادتها كانت بعد مضي أربعين يوماً من وفاة أبيها(1) سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) فأعزيكم واعزي جميع أوليائها ومحبيها بشهادتها.


التكريم الخالد للخالدين

كما مرّ علينا في الأسبوع الماضي في هذا البلد الكريم تشييع مجموعة صالحة من شهدائنا الأبرار الذين استشهدوا في الأحداث التي وقعت في سنة 1991 انتفاضة شعبان(2). هؤلاء الشهداء الأبرار شيعوا في هذا البلد المقدس، وعندما نتحدث عن الشهداء لابد أن نتحدث عنهم من إبعاد عديدة، أحد هذه الإبعاد تكريم هؤلاء الشهداء الذين لهم حقوق كثيرة علينا، وأحد حقوقهم تكريمهم.

أن المشاركة في تشييع الشهداء والمشاركة في مجالس تأبينهم والاهتمام بهذا الجانب من قبل أبناء شعبنا هو إحياء لذكرى هؤلاء الشهداء وتكريمهم وأدعو جميع أبناء الشعب العراقي ولا سيما إخواننا المتعبدين للاهتمام بجانب تكريم الشهداء.

أحد معالم هذا التكريم هو تسمية أماكننا العامة بأسمائهم حسب درجاتهم في هذه الدنيا، أما درجاتهم في الآخرة فنحن لا نعرفها.الله هو الذي يميز هذه الدرجات، لكن حسب أوضاعهم الاجتماعية لنسميّ أماكننا العامة من أزقة وشوارع ومؤسسات عامة بأسمائهم لنكرمهم ونحيي ذكراهم بذلك.

أحد الحقوق المهمة التي لابد أن نلتفت إليها في موضوع شهدائنا الأبرار هو رعاية أسر هؤلاء الشهداء سواء بالكلمة الطيبة أو بالمواساة أو بالاهتمام بأوضاعهم الحياتية والمعيشية والتربوية والمعنوية وأوصي بذلك المتمكنين في القضايا المادية وإخواننا العلماء والروحانيين في القضايا المعنوية، هذه الأسر تحتاج إلى الكثير من العناية والرعاية، وكان بودّي شخصياً أن أوفق لمثل هذا العمل فأمارسه وأباشره بنفسي، ولكن تعرفون الظروف التي تمنع عن القيام بهذا الواجب بصورة واسعة، وان كنت أقوم به بصورة محدودة فأسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق في هذا المجال، من جملة الأمور الهامة ذات العلاقة بهؤلاء الشهداء وبطبقة أخرى واسعة مستضعفة أيضاً تمثل امتداداً لمسيرة هؤلاء الشهداء وانبّه على هذا الأمر وأؤكد عليه هو المطالبة بحقوقهم، فهؤلاء الشهداء كان الكثير منهم في وظائف ومتاجر وأماكن خاصة يقومون بأعمال ونشاطات وتعرضوا لأضرار بالغة بسبب العدوان الذي جرى عليهم ومن حقهم على مجتمعنا، على أي دولة تتشكل في هذا البلد، وعلى أي مسؤولين يتولون إدارة هذا البلد، أن يراعوا حقوق هؤلاء الشهداء ويعوّضوا أسرهم وذويهم بما ينبغي لهم من التعويض المادي وهذا الأمر يشمل أيضا السجناء الذين تعرضوا للأذى والمطاردة والملاحقة والمشردين الذين هجّروا من ديارهم واخرجوا منها بغير حق. كل هؤلاء الذين تعرضوا للأضرار لابد من التفكير بصورة جدية في المطالبة بحقوقهم والتعويض عن الأضرار البالغة التي لحقت بهم أو بأسرهم عندما ذهبوا إلى ربهم، ولذلك أنا أدعو الجهات المختصة من ناحية وجماعاتنا الشعبية من ناحية أخرى أن تهتم بهذا الجانب، فمثلاً أدعو المحامين الذين لديهم القدرة والمتابعة في القضايا القانونية أن يشكلوا لجانا لمتابعة هذه الحقوق وهذه التعويضات. وأدعو القوى السياسية أن تكون أحد المطالب الرئيسية والأساسية لها في برامجها السياسية تعويض هؤلاء الشهداء والمسجونين والمتضررين كل حسب الإمكانات المتيسرة فضلاً عن مطالبة أي دولة تقوم بأن تكون أحد البرامج الرئيسة لها تعويض هذه الأوساط المتضررة التي لاقت أشد الأضرار في سبيل العراق وعزته وكرامته ومواصلة مسيرة العزة والكرامة والبناء في العراق.

الشهداء ذهبوا إلى ربهم وسوف يلقون أفضل الأجر والثواب عند الله سبحانه وتعالى ولكن لهم علينا حقوق ولأسرهم حقوق ولهذه الجماعات المستضعفة المتضررة حقوق وعلينا جميعاً أن نسعى بكل إمكاناتنا من اجل التعويض لهذه الأوساط المتضررة في كل أبعادها ومستوياتها سواء الشهداء أو السجناء أو المشردين وغيرهم من الأوساط الذين بقوا في العراق وتعرضوا لأضرار بالغة في أراضيهم ومساكنهم وقراهم ومناطقهم المختلفة وهذا حق طبيعي لهؤلاء على العراق وشعب العراق وثروة العراق وأي دولة تقوم في العراق.


الدولة العراقية المرتقبة

الأمر الثاني: وهو موضوع هام سوف أتناول بصورة مختصرة جانباً منه واترك البحث التفصيلي فيه إن شاء الله إلى فرصة أخرى، وهو ما ذكرته في الأسبوع الماضي من ضرورة تشكيل دولة عراقية يشكلها العراقيون وتشكيل مجلس عراقي يقوم بتدوين الدستور العراقي ويحافظ على الأسس والأركان المطلوبة في النظام الذي يطالب به أبناء الشعب العراقي. الآن هذه القضية تعتبر القضية الأولى المطروحة في العراق من الناحية السياسية حيث أن القوى السياسية العراقية وجماهير العراقيين والقوى الشعبية وحتى القوى الدينية والمراجع العظام كما ذكرت في الأسبوع الماضي كلها تطالب أن تكون دولة يشكلها العراقيون ومجلس ينتخبه العراقيون. وفي مقابل ذلك قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية والمتحالفة معها تطرح أمراً آخر هو أن تقوم سلطات الاحتلال بتعيين مجلس سياسي يقوم بتشكيل الإدارة وإدارة شؤون البلاد، إذاً فهذا المجلس يكون مشكّلا من خلال سلطة الاحتلال وأيضا كذلك بتشكيل مجلس دستوري يقوم هذا المجلس بمهمة تدوين الدستور وطرحه للاستفتاء العام. إذاً فالمجلس الدستوري يكون مجلساً معيّناً من قبل سلطات الاحتلال، هذا الموضوع يعتبر من أهم الموضوعات المطروحة الآن أمام الشعب العراقي وأمام القوى السياسية العراقية والقوى الدينية التي هي فوق كل هذه القوى وأمام الرأي العام العالمي وحتى في المجتمع الدولي ومن خلال قرار مجلس الأمن، وقلت في الأسبوع الماضي إننا نقرأ قرار مجلس الأمن قراءة دقيقة ونعرف أيضا النصوص القانونية ونفهمها باعتبارنا فقهاء متمرسين بالعمل الفقهي والقانوني، ونفهم ما هو قرار مجلس الأمن الذي ينص بصورة واضحة على أن الإدارة يشكلها العراقيون وان الحكومة ينتخبها العراقيون وان الدستور لابد أن ينتخبه العراقيون ويدوّنه العراقيون.


ديمقراطية الاحتلال الملتوية

ولذلك لا يمكن لسلطات الاحتلال أن تعيّن مجلساً سياسياً، أو تفرض هذا المجلس على الشعب العراقي، أو تقوم بتعيين مجلس دستوري في الحوار الذي جرى ـ ونحن نتحدث مع أبناء شعبنا العراقي بصورة واضحة وغير خفيّة ولا نكتم عليهم شيئاً وهذا واجبنا في العمل الذي نباشره من موقع المسؤولية الشرعية قبل كل مسؤولية أخرى ـ مع سلطات الاحتلال تحاول هذه السلطات تبرير هذا العمل بمبررّين:

المبرر الأول: هو أننا في تعييننا للمجلس السياسي وللمجلس الدستوري نقوم بإجراء مشاورات مع القوى السياسية والمحافل الشعبية وجميع أوساط الشعب العراقي، ومن خلال هذه المشاورات نحن نقوم بتعيين المجلس السياسي ونعين المجلس الدستوري. فكأنهم يريدون أن يقولوا نحن لا نعيّن وإنما من خلال المشاورة يتم هذا التعيين، والعراقيون يمارسون دورهم الطبيعي في التعيين. هذا كلام يقولونه.

المبرر الثاني: يقولون أن الانتخابات أمر غير ممكن في الوقت الحاضر لأن الشعب العراقي غير مهيأ لأجراء انتخابات في هذه المرحلة. نحن في حوارنا معهم قلنا بصورة واضحة أن كلا المبررين غير مقبول، ولا يمكن أن تقبلهما القوى السياسية وأبناء الشعب العراقي فضلاً عن المرجعية الدينية التي هي فوق كل شيء.


الانتخابات ثم الانتخابات

أما المبرر الأول، فنحن نعتقد أن مجرد المشاورات لا تكفي، قضية التعيين لابد أن تكون من قبل الشعب العراقي والقوى النافذة فيه أما كيف؟

فهذا ما أتحدث عنه أن شاء الله في الأسبوع الآتي إذا وفقني الله سبحانه وتعالى للحضور معكم في هذا الاجتماع. نحن سنبين كيف ولكن نعتقد بأن النص القانوني في قرار مجلس الأمن أولاً والسيادة العراقية التي يؤكد عليها مجلس الأمن وتؤكد عليها جميع المحافل الدولية والقرارات الدولية هو أن السيادة إنما تكون بصلاحيات التعيين لابد أن يكون عراقياً ولا يمكن أن يكون التعيين من سلطات محتلة، وإلاّ فأن ذلك يكون نقضاً لجميع العهود الدولية ونقضاً للشعارات التي رفعوها في موضوع الديمقراطية، هذا فرض على الشعب العراقي ولا يكون اختياراً وانتخاباً للشعب العراقي للسلطة، أو يكون اختياراً للدستور الذي يريد أن يعينه الشعب العراقي.

وأما المبرر الثاني، سوف أتحدث عنه تفصيلاً في المستقبل أن شاء الله، ولكن اختصاراً للوقت ومراعاة لظروف الجو التي سوف أشير إليها بعض الإشارة هنا. لابد أن نعرف أن الانتخابات هي أمر ممكن، والادعاء بأنها غير ممكنة ادعاء لا صحة له ولا يتطابق مع الواقع، نحن الآن في النجف الأشرف المحافظة المقدسة التي تنتسب إلى الإمام علي(عليه السلام) شاهدنا أن النجفيين كانوا على استعداد كامل لأن يجروا انتخابات حرة نزيهة وبفعالية كبيرة جداً من خلال المرشحين والاجتماعات والتحرك في الأوساط الاجتماعية بالرغم من كل الضغوط التي مورست ضدهم من هنا وهناك ولا أريد الدخول في تفاصيلها، ثم أجلّت هذه الانتخابات و أجلّت.... وأجلّت.... والى الآن لم تجر هذه الانتخابات. لماذا يقال أن أبناء الشعب العراقي غير قادرين على إجراء هذه الانتخابات وقد جرت انتخابات في مناطق أخرى في العراق وكان من الممكن إجراؤها في كل العراق وسوف أوضح ذلك أن شاء الله مرة أخرى بعض الملامح في إمكانية إجراء الانتخابات، ولكن نحن نعتقد بأن الانتخابات أمر يمكن إجراؤه بشيء من الحكمة والعقل والتدبير والتعاون بين أوساط الشعب العراقي ومن ثم فلا نعتقد أن المبرر الثاني يكفي بفرض سلطة وإدارة على العراقيين بالتعيين أو فرض مجلس دستوري على العراقيين بالتعيين وان ذلك سوف يكون مجالاً للطعن بكل هذه المقررات في المستقبل كما سوف أوضح ذلك أن شاء الله في المستقبل. أنا اكتفي بهذا القدر من تناول النقطة الثانية وأشير إلى الجو الحار الذي نعيشه أنا في الوقت الذي اعتذر من الاخوة الأعزاء والسادة الأفاضل أنى أتكلم تحت الظل وكان بودي أن أشارككم هذا الجو الحار وتحت الشمس يكون حديثي، ولكن أقول مع الشكر الجزيل لله سبحانه وتعالى أولاً أن وفقنا الله تعالى لهذه الفرصة وهذا الاجتماع ولهذا العدد الصالح وان لكم كما ذكرت في الأحاديث السابقة من الأجر والثواب هي هذا اجتماعكم وأداؤكم لهذه الفريضة، اسأل الله أن يحرّم أجسادكم على النار كما ورد ذلك في الحديث الشريف، ولكن أدعو في الوقت نفسه جميع المتمكنين والذين لهم رأي ونظر وخبرة أن يبذلوا جهودهم الكاملة في إيجاد ظل للمصلين في هذه الصلاة حتى يمكن أن يكون التوجه لله سبحانه كاملاً وإقبال قلبي ونفسي على العبادة. اسأل الله أن يوفقنا جميعاً لمراضيه والى المزيد من الأجر والثواب، وان يوفق الآخرين لخدمة هذا الجمع الفاضل بالاهتمام بتهيئة وسائل الراحة لهم، وأدعو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لذلك والحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد وآل محمد.

{ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}

أعظكم مرة أخرى ونفسي وأدعوكم إلى تقوى الله سبحانه وتعالى اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأموات منهم والأحياء تابع اللهم بيننا وبينهم بالخيرات انك مجيب الدعوات انك غافر الخطيئات انك على كل شيء قدير.


____________

1- مقاتل الطالبيين: ص31.

2- بعد سقوط نظام صدام البائد تم اكتشاف الكثير من المقابر الجماعية في وسط وجنوب العراق، وكان الكثير من اللذين ضمتهم هذه المقابر هم ممن اعتقلهم النظام البائد بعد قمعه للانتفاضة الشعبانية.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية