المؤمنون والأمر بالمعروف
أن هذه الفريضة على أهميتها أصبحت مع الأسف من الفرائض المعطلّة في مجتمعنا الإسلامي بصورة عامة، وحتى في مجتمع المتدينين. فالمتدينون والملتزمون يؤدون الشعائر الدينية من صلاة وصوم وزكاة وخمس وحج إلى غير ذلك من الالتزامات الشرعية المعروفة ولكن حينما يصلون إلى فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي من أهم الفرائض واسماها يقفون عندها ولا يؤدونها بصورة مناسبة، ومن ثم فلابد أن تكون أحد المواعظ الرئيسية والمهمة في صلاة الجمعة، التي تعتبر الموعظة ركناً من أركان خطبتها الاهتمام بالأمر بهذا المعروف ـ أي بأداء هذه الفريضة ـ أداء صحيحاً، وانبه في هذا الحديث الذي أحاول أن اجعله قصيراً باعتبار الجو الحار الذي نؤدي فيه هذه الصلاة إلى أمر هو من أوضح الأمور لدينا ويمثل منكراً من المنكرات العامة التي نشاهدها في حياتنا الاجتماعية.
الإنسان عندما يخرج من بيته صباحاً ويرجع بعد ذلك إلى بيته مساءً يشاهد عشرات الآثام والذنوب التي يرتكبها الناس هنا وهناك سواء بشكل فردي أو بشكل اجتماعي على ما سوف أشير في بعد آخر من الحديث. ولكن ما هو موقفه من هذه الذنوب التي يشاهدها في طيلة يومه؟
الكثير من الناس إلا النادر منهم كما أعرف في الوضع الاجتماعي يتخذ موقف الإظهار الإنكاري لهذه الذنوب التي يشاهدها في حياته ومن ثم نشاهد الناس بصورة عامة يمرون على هذه الذنوب والآثام والمخالفات مرور الرضا والسكوت عنها الذي قد يتحول إلى رضا اجتماعي وهذا الرضا والسكوت يمثل إثما عظيماً من الآثام التي تحدث عنها الشارع المقدس بعنوان خاص. وهنا أقرأ عليكم بعض النصوص الشريفة الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام) ومنها نصوص وردت عن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي نؤدي هذه العبادة المقدسة جوار قبره الشريف لنتبين قضية الرضا بالإثم وما هو أثره في المجتمع وكذلك مقدار إثمه بنظر الشارع، ثم بعد ذلك أتناول إن شاء الله كيف يمكننا في المستقبل إن شاء الله التغلب على هذه القضية وتجاوز هذا الإثم والانتهاء عنه والتحول إلى عمل المعروف.
فعن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال:
الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم. يعني من يرضى بأي فعل من الأفعال، إذا كان هذا الفعل إثماً من الآثام فهو قد دخل في هذا الإثم، فإذا كان الرضا بقتل نفس فقد دخل في جريمة القتل، وإذا كان الرضا بسلب مال فقد دخل في جريمة هذا السلب، أو كان اعتداء على عرض أمرئ فقد دخل في هذه الجريمة. كما أن الراضي بفعل الخير يكون قد دخل في فعل الخير وقد أدى شيئا من هذا الخير. الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وعلى كل داخل في باطل إثمان إثم العمل به وأثم الرضا به(3).
إذاً أثم الرضا أثم مستقل عن أثم العمل بهذا الفعل. فمن يفعل عملاً باطلاً يرتكب إثمين، أثم نفس العمل وأثم الرضا بذلك العمل ومن يشاهد هذا العمل ويسكت عنه ويرضى به يكون هذا أيضاً داخلاً في إثم وهو إثم الرضا بذلك العمل.
وأيضاً عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال:
إنما يجمع الناس الرضا والسخط فمن رضي أمراً فقد دخل فيه، ومن سخطه فقد خرج منه(4).
أن الذي يجمعنا أيها الأحبة والمؤمنون في هذا الاجتماع المقدس رضا الله سبحانه وتعالى والرضا بالتقرب له سبحانه وتعالى، ويجمعنا أيضاً السخط على المنكرات والآثام. في حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام):
إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة إذا عملت الخاصة بالمنكر سرا من غير أن تعلم العامة، فإذا عملت الخاصة بالمنكر جهارا فلم تغير ذلك العامة استوجب الفريقان العقوبة من الله عز وجل(5). أي عندما يقوم مجموعة من الناس ولاسيما أولئك الذين يتولون أمور الناس بإثم أو ذنب نعوذ بالله سراً لا يعرفه الناس. الله سبحانه وتعالى يسخط على الخاصة هؤلاء دون السخط على بقية الناس، لأن الناس لا يعرفون بهذا الذنب. أما عندما يرتكبون هذا الذنب بصورة علنية يعرفها الناس عندئذٍ الأمر يختلف، فإذا العامة لم تغير ذلك المنكر استوجب الفريقان العقوبة. فالخاصة يستوجبون العقوبة لأنهم عملوا بالذنب والعامة يستوجبون العقوبة لأنهم سكتوا عن هذا الذنب ولم يغيروا هذا الذنب. وفي رواية أخرى أيضا عن أمير المؤمنين(عليه السلام) يتحدث فيها عن الموقف العام تجاه أصحاب الجمل عندما أراد أن يواجههم. فقد أثيرت قضية في وجه الإمام علي(عليه السلام) في قضية الجمل حيث انه كان في مقابله زوجة رسول الله أم المؤمنين وكان في مقابله أيضا أعلام من أصحاب رسول الله كالزُبير ابن عمة أمير المؤمنين وأيضا من السابقين للإسلام، وطلحة وغيرهم من الصحابة الذين كانوا في جيش البصرة في الجمل. أمير المؤمنين واجه هذه المواجهة وأثير إشكالاً هو: كيف يمكن قتال مثل هؤلاء الناس؟
كيف يصح أن يقتل أمير المؤمنين أصحاب رسول الله وأولئك الذين يرفعون شعار (لا اله إلا الله محمد رسول الله)؟
هذا الإشكال أثير في وجه علي(عليه السلام). هنا أمير المؤمنين من اجل تفسير هذه الظاهرة الاجتماعية تفسيراً واضحاً يشير إلى حديث له في هذا الموضوع يبين به الحكم الشرعي والموقف الشرعي يقول:
فو الله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلاً واحداً معتمدين لقتله بلا جرم لحلّ لي قتل ذلك الجيش كله، يعني لا يكون اقتصاره على واحد ـ القاتل ـ بل هذا يحل قتل الجيش كل الجيش لان هؤلاء حضروا هذا القتل، رأوا أن هذا المسلم يقتل بيد جماعتهم ولم ينكروه ولم يدفعوا عنه بلسان ولا يد ثم قال(عليه السلام):
إذ حضروه ولم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسان ولا يد، دع ما انهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها عليهم(6). إذاً نلاحظ أن هذا الجيش عندما يرضى بقتل واحد ويسكت عن قتل هذا المسلم يكون هذا الجيش بنظر الإمام علي(عليه السلام) مستحقاً للقتل لأنه رضي بقتل المسلمين.
واكتفي بما ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام):
ما أقرَّ قوم بالمنكر بين أظهرهم لا يغيرونه إلا أوشك أن يعمهم الله عزَّ وجل بعقاب من عنده(7) هذه الظاهرة تعبر عما ذكرته في الحديث السابق من أن السكوت عن ظواهر ومظاهر المنكر في مجتمعاتنا سوف يؤدي إلى نزول العقاب، وما شاهدناه في مسيرة حياتنا السابقة كان أحد أسبابه الرئيسة التي يجب أن نتعظ بها ونأخذها عبرة لنا في صراعنا هو إننا كنا نسكت، ولا أقصد كل الناس... بل هناك طيبون أخيار مجاهدون لم يسكتوا، ولكن أتكلم عن عامة الناس وعموم الناس، كنا نسكت عن المنكر عندما لا ينوشنا الأذى... نسكت ونسكت حتى عمّ البلاء والعقاب جميع الناس. فلابد لنا أيها الاخوة أن ننتبه إلى هذه الحالة انتباهاً دقيقاً، ونجنب أنفسنا الوقوف في إثم الرضا بما يجري ونشاهد من آثام عامة.
اسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا ويقيكم هذا العذاب والعقاب، وان يغفر لنا ولكم. اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. تابع اللهم بيننا وبينهم بالخيرات انك مجيب الدعوات انك غافر الخطيئات انك على كل شيء قدير.
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}