الجمعة الأولى           
30 / 5 / 2003 م         
 
 
 
  صلاة الجمعة الشروط والأهداف | الوحدة فوق الاختلاف  
 
 
  الأمن والاحتلال هاجسا الأمة | أفضل المعروف | إدانة العدوان  
 
 
 

الخطبة الثانية


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين حمداً يصعد أوله ولا ينفذ آخره والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، كما نصلي ونسلم على سيدنا ومولانا إمام المتقين وسيد الوصيين وعلى زوجه البتول فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وعلى سبطي الرحمة وإمامي الهدى الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، ونصلي ونسلم على أئمة المسلمين علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف الهادي المهدي حجة الله على خلقه.

أوصيكم ونفسي أيها الأخوة الأعزاء والأخوات العزيزات بتقوى الله، وأسأله أن يرزقنا التقوى، ونتقيه في أعمالنا وسلوكنا ومواقفنا وآرائنا، تقوى الله سبحانه وتعالى خير زاد يتقدم به الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى من اجل كسب رضاه، أوصيكم ونفسي بتقوى الله ثم أن هذه التقوى هي الكرامة والعزة والشرف الحقيقي عند الله سبحانه وتعالى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}(1).

نحن أيها الأخوة الأعزاء نعيش هذه الأيام ظروفاً حرجة وصعبة ونحاول أن نلخص الكلام فيها في نقطتين رئيستين:

النقطة الأولى: ترتبط بالوضع العام الذي نعيشه.

النقطة الثانية: تشخيص الموقف تجاه هذا الوضع العام.

فيما يتعلق بالوضع العام نحن يمكن أن نشاهد عدة قضايا رئيسة وأساسية.


الأمن والاحتلال هاجسا الأمة

القضية الأولى: قضية الأمن، وتعتبر أهم قضية يعيشها الناس هذه الأيام، واهم مشكلة، إذ أن أي مجتمع إذا فقد الأمن لا يمكن أن يمارس دوره في الحياة مهما كان هذا الدور سواء كان علمياً أو ثقافياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو أي دور آخر يمكن أن يكون في المجتمع.

إذاً قضية تحقيق الأمن تعتبر قضية أولى ومهمة.

القضية الثانية: قضية الاحتلال، فبعد أن كانت العمليات العسكرية التي شنّت على النظام البائد عمليات يُراد منها الإطاحة بهذا النظام، حيث سميت عمليات حرية العراق، ولا شكّ أن هدف الإطاحة بهذا النظام كان هدفاً لجميع الشعب العراقي ولذلك استبشر أبناء الشعب العراقي بصورة عامة بهذه الإطاحة وزوال هذا النظام بالرغم من كل المنغصات التي اقترنت مع هذه القضية هناك منغصات كثيرة يعرفها العراقيون والعالم، ولكن بالرغم منها فالعراقيون مستبشرون بهذه النتيجة الكبيرة ويحمدون الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة التي تفضّل بها عليهم من خلال نعمة زوال هذا النظام البائد وسقوطه إلى جهنم وبئس المصير والى مزابل التاريخ. هذه النتيجة بالرغم من كونها نعمة من الله سبحانه وتعالى، لكن وضع العمليات العسكرية من الناحية القانونية أصبح عمليات احتلال.

هذا الموضوع لا بد أن يدرس قانونياً من قبل رجال القانون والمختصين، وأيضا يبحث سياسياً من قبل القوى السياسية، وما هو الموقف من قوى الاحتلال والآثار القانونية المترتبة على الاحتلال في المجتمع الدولي والقانون الدولي، حيث نصّ القرار الأخير لمجلس الأمن على أن هذه السلطة ـ إنما هي باعتبار القانون الدولي المعترف به دولياً ـ سلطة احتلال. ولا توجد فرصة الآن أن اشرح إبعاده، ولذلك لا بد للقانونيين من ناحية، والقوى السياسية من ناحية أخرى من أجل أن نعرّف الأمة والشعب على مدلول سلطة الاحتلال ومعنى سلطة الاحتلال.

القضية الثالثة: فقدان النظام وعدم وجود دولة تدير شؤون هؤلاء الناس، وهذه تعتبر من أكبر المشكلات التي يعانيها المجتمع بصورة عامة، ويعانيها المظلومون والمستضعفون والمقهورون والمحرومون في هذا المجتمع بصورة خاصّة، إذا كان هناك من يتمكن أن يتحمل هذه المشكلة بما قدر الله سبحانه وتعالى له من إمكانات وقدرات وأموال ورجال، لكن ما شأن المحرومين والمستضعفين من أبناء امتنا هؤلاء الذين لا يتمكنون أن يتحملوا عبء هذه الفوضى والأضرار البالغة لهم التي تمس قضاياهم وأهم أمور حياتهم، ومن هنا نجد هذا الاضطراب الواسع الذي يشكّل مشكلة في الحياة المعيشية لهؤلاء الناس إذ لا يوجد هناك استقرار لهؤلاء الناس في حياتهم المعيشية. لا لدى الموظفين ولا لدى الكَسَبَة ولا التجار ولا العمال ولا المزارعين ولا حتى أولئك الدارسين في الجامعات أو في الحوزات العلمية, هناك اضطراب عام في الحياة المعيشية لهؤلاء.

هذه المشكلة في الواقع كبيرة ومهمة، لابد من اتخاذ الموقف الحازم الواضح تجاهها وعدم التعامل معها باللامبالاة والانتظار لإيجاد تحول من التحولات، هنا الأمة بما وهب الله سبحانه وتعالى لها من فرصة الحرية وسقوط الطغيان والاستبداد لا بد لها من اتخاذها موقفاً واضحاً تجاه هذا الموضوع.

هناك موقف أتصوره ـ وأتحدث عن نفسي ولا أريد أن أضع الواجبات على الآخرين لكن اعتقد أنه واجب على الجميع ـ أن يتصدّى لهذه المشكلات بصورة رئيسية المراجع العظام والعلماء الأعلام، هؤلاء بما وهبهم الله سبحانه وتعالى من مواقع وقدرة على المعرفة والفهم والتفكير والمتابعة وما يحصلون عليه من تأييد واسع في أوساط الأمة يتحملون مسؤوليات كبيرة في مواجهة هذه المشكلات، كما أن هناك واجب آخر على القوى السياسية في عراقنا الجريح سواء القوى الإسلامية ـ التي تحملت القسط الأوفر والعبء الأعظم في الفترات السابقة في مواجهتها للطغيان والاستبداد وقدمت مئات الآلاف من الشهداء والتضحيات في سبيل الإطاحة بالطغيان وتمكنت من عزل الطاغية عن الشعب وإيجاد التواصل الكبير بينه وبين الشعب ـ هذه القوى لا بد لها بالرغم من كل التضحيات أن تتحمل مسؤولياتها أيضا في مواجهة هذه المشكلات، أو القوى السياسية الأخرى التي دخلت الميدان، ولا أريد أن أتحدث عن واقعية ذلك وعدم واقعيته أو عمق وجودها في الأمة وحدود هذا الأمر هذا له مجال آخر لكن هذه القوى موجودة في الساحة ولا بد لها أن تتحمل مسؤولياتها بشكل موحد وحازم وجريء وشجاع وبذلك تؤدي هذه القوى امتحانها أمام الأمة والشعب.

هذه القوى هي الآن أمام امتحان عسير وهذا الشعب يواجه ويلاحظ ويتابع مواقع هذه القوى وبمقدار ما تتمكن هذه القوى من أن تقدم بدورها في حل هذه المشكلات ومواجهتها بصورة موحدة وقوية يمكن لهذه القوى أن تكسب ثقة الأمة وثقة الشعب وبمقدار ما تقصّر أو تتهاون أو تتخاذل في مواجهة هذه المشكلات سوف تجد هذه القوى نفسها أمام الشعب بعد أن اكتسب الشعب هذه الحرية، فالشعب الآن قادر على أن يعبّر عن موقفه ورأيه، وأنا أدعو أيضا الشعب العراقي والأُمة أن تتحمل أيضا القسط الآخر من المسؤولية، فالمسؤولية لا تنحصر بالعلماء والمراجع ولا تنحصر بالقوى السياسية وإنما الأمة لها دور كبير في هذه المسؤولية عندما تكون الأمة قادرة على تشخيص أهدافها بصورة دقيقة، أهدافها في إقامة الحكم العراقي الوطني وإلى أهدافها المشروعة في الاستقلال وتحقيق العدالة، عندما تكون الأمة قادرة على تشخيص هذه الأهداف في إقامة شعائر الإسلام واحترام الإسلام في شعائرهُ وقِيَمِهِ وشَريعته عندما تكون قادرة على الصمود في مسيرتها وتحقيق أهدافها عندئذٍ تكون الأمة بإذن الله قادرة على أن تحقق آمالها الكبيرة وأهدافها المقدسة التي تسعى إليها.

امتنا أمة بطلة مجاهدة مضحية قادرة على تحقيق الانسجام فيما بينها، وقد رأيتموها في مسيرة عاشوراء والأربَعيِّن ومسيرة وفاة سيد الأنبياء(صلى الله عليه وآله) كيف كانت منسجمة وقادرة على أن تمارس دورها الحقيقي في مواجهة هذه الأحداث.

إذاً فالموقف هو أن يتصدى العلماء والمراجع العظام والشخصيات الذي لها وجود في المجتمع من جانب، والجانب الآخر القوى السياسة، والجانب ثالث الأمة، والأمة تبقى هي المرجع الرئيس في مثل هذه القضايا. صحيح أن المراجع لهم دور الهداية ودور الأَشراف والتوعية والتثقيف، ولكن الأمة تبقى هي الطاقة الكبيرة المؤثّرة من ناحية، وهي أيضا التي يُرجع إليها في الاختبار وفي الامتحان لهذه الحركة وهذا الوجود، هذه المسألة من المسائل المهمّة أيضا.


أفضل المعروف

قضية الموقف تجاه قرار مجلس الأمن، أنا قلت من البداية فيه قراءتان لا بد أن نعرف ما هي قراءتنا لقرار مجلس، ونحن نتكلم من الناحية القانونية والسياسية وفوق القانون والسياسة هناك الشرع الذي نعتقد به ونؤمن به ونلتزم به أمام الله سبحانه وتعالى.

قرار مجلس الأمن في قراءتنا له، أن هذا القرار يؤكد على استقلال العراق وعلى سيادته وعلى ضرورة إنهاء الاحتلال في أقرب فرصة ممكنة، وعلى تحمل العراقيين لمسؤولية إدارة أمورهم، هذا القرار يؤكد على ذلك والسلطة المحتلة ليست مسؤولة في قرار مجلس الأمن عن إدارة شؤون العراقيين بل هناك ما ينص في عدة مواضع في قرار مجلس الأمن أن العراقيين هم المسؤولون عن إدارة أمورهم وشؤونهم لذلك أنا أدعو جميع العراقيين من هذا المنبر المقدس إلى أن يمارسوا هذه المسؤولية في انتخابات حرة نزيهة ينتخب بها العراقي الذي يثقون به من أهل بلدهم ويعرف شؤون حياتهم ويكون معروفاً بالصلاح والسيرة الحسنة وتنطبق عليه الضوابط الشرعية والعقلائية التي يعرفها الناس وعند ذلك يمكن للعراقيين أن يحلّوا الكثير من هذه المشاكل التي يواجهونها في الوقت الحاضر, أنا أدعو جميع العراقيين أن يهتموا بهذا الجانب، وهذا من الموعظة الحسنة هذا من المعروف وأفضل المعروف أن يصنع العراقيون ذلك.

المعروف فيه صيغ محددة من قبل الشارع كالصلاة والصوم والحج والزكاة والصدقة وغيرها من الخيرات، وهناك أيضا معروف آخر تحدده الظروف والقيادات الشرعية التي يمكنها أن تحدد وأنا أقول لكم من أهم مصاديق المعروف في هذا الوقت وفي هذا العصر وفي هذا الزمان الذي يجب على العراقيين أن يهتموا به هو أن يندفعوا بإخلاص ونظام وحكمة وعقل من أجل أن يمسكوا إدارة أمورهم بأيديهم ولا يتركوا الفرصة للآخرين أن يتسلّطوا على أمورهم، وان نحترم في هذه الإدارة خصوصيات كل جماعة فشيعة أهل البيت لا بد من احترام خصوصياتهم في بلادهم وشعائرهم وثقافتهم وخصوصيات آدابهم وعلاقاتهم الاجتماعية لا بد أن تحترم، كما نحترم أيضا في الوقت نفسه خصوصيات إخواننا أهل السنة في بلادهم لا بد من احترامها وعدم نقضها ونحترم خصوصيات إخواننا الكرد في بلادهم، والترك في بلادهم. احترام هذه الخصوصيات من أهم الوسائل لإيجاد الوحدة بين أبناء الشعب أوصيكم من أهم العوامل التي من الممكن أن نقف بها أمام هذه المشكلات وحدة الكلمة وأجود طريق لهذه الوحدة هو أن يحترم بعضنا حرية الرأي ونكون جميعاً متعارفين ومتحابين كما يعبّر القرآن الكريم {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}(2)، هذا التعارف هدف لهذه التعددية في الخصوصيات واحترام هذه الخصوصيات والتعارف والمحبّة والمودّة هو أفضل طريق للوحدة، لا يمكن أن تتحقق الوحدة بقهر الآخرين وفرض آرائنا أو صياغاتنا أو ثقافتنا أو شعائرنا وأساليبنا عليهم، وإنما يمكن أن تتحقق الوحدة باتاحة الفرصة لكل جماعة في أداء دورها ضمن هذه الحياة مع التعارف والتلاحم والتحابب. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا لذلك وأن يوفقنا لذلك وأن يوفقكم ويوفق جميع العراقيين لهذه الأهداف.


إدانة العدوان

وملاحظة أخيرة أوصي بوصية هناك قلق بعض الأَقليات الدينية كالمسيحيين مثلاً أو بعض الأَقليات الأخرى غير المسيحيين بعض الأعمال التي تمت في العدوان عليهم نحن نقول بصورة واضحة أن هذا العدوان لم يكن عدواناً مأذوناً به ـ فضلاً عن أن يكون مطلوباً ـ لم يكن مأذوناً به من أي مرجع من مراجع الإسلام ولا من أي جهة سياسية معترف بها ومعروفة في أوساطنا، وهذا العدوان نحن نشتبه في صدوره من أزلام النظام السابقين الذين لا زالوا يعيثون في الأرض فساداً، ولكن أنا أوصي مع ذلك جميع إخواننا بأن يهتموا بمثل هذه الأمور ويحفظوا الأمن والاستقرار في بلدنا، كما أوصيهم بأهلهم خيراً وإخوانهم خيراً وبلدهم خيراً هنا في النجف مثلاً يمكن للأخوة الأعزاء وهكذا في البلاد الأخرى أن يتعاونوا في تنظيف هذا البلد ونحن على استعداد أن نعاونهم أيضا في تنظيف هذا البلد، ويمكن أن تتعاونوا في إحياء المؤسسات الخَدَّمِية العامة وجعلها قادرة على أداء واجبها.

صحيح أن هناك خلل كما قلت نحن نحتاج إلى مثل هذا التعاون لتكون في موضع الرضى من الله إن شاء الله والثقة من إخواننا الذين وضعوا ثقتهم بنا والحمد لله رب العالمين.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(3)

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظكم ويرعاكم ويتقبل منكم.

{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار}

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والأحياء منهم والأموات إنك مجيب الدعوات.


{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

____________

1- سورة الحجرات: آية 13.

2- سورة الحجرات: آية 13.

3- النحل: 90.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية