الجمعة الأولى           
30 / 5 / 2003 م         
 
 
 
  صلاة الجمعة الشروط والأهداف | الوحدة فوق الاختلاف  
 
 
  الأمن والاحتلال هاجسا الأمة | أفضل المعروف | إدانة العدوان  
 
 
 

الخطبة الأولى


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

نحمده تعالى ونثني عليه ونستعين به ونقدم له غاية الشكر والامتنان على ما به تفضل علينا في هذا الاجتماع وهذا اللقاء وإقامة هذه الشعيرة الإسلامية المباركة.

{بسم الله الرحمن الرحيم * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون}(1).

هذه الشعيرة الشريفة ـ التي تقام لأول مرة في هذا الصحن الشريف، وبهذا الاجتماع الواسع ـ أحاول أيها الاخوة الأعزاء والأخوات العزيزات والسادة الأفاضل ـ المشاركين في هذا الاجتماع المقدس وفي هذه العبادة الاجتماعية السياسية ـ أحاول أن أُلَخص الكلام رعاية للوقت وللجو الحار واضع الخطبة الأولى في موضع صلاة الجمعة وأتناول في الخطبة الثانية قضايانا العامة التي نعيشها في هذا الوقت والعصر.


صلاة الجمعة الشروط والاهداف

صلاة الجمعة من فرائض الله وقد ورد الحثّ عليها في القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة والآيات التي تليها مع مقدمة تحدث فيها القرآن الكريم عن الرسالة الإسلامية ومواقف أهل الكتاب، فكان كل ذلك تأكيداً لأهمية هذه الشعيرة الدينية الإسلامية. كما ورد الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحثّ على هذه الشعيرة فليستأنف العمل وورد الحث على هذه الشعيرة على لسان أئمة أهل النبي صلوات الله وسلامه عليهم واحداً بعد الآخر حيث تحدثوا عن أن هذه الشعيرة تمثل علامة من علامات الإيمان وأن من تركها لثلاث مرات طبع على قلبه بالنفاق أو كان من المنافقين أو طبع على قلبه تعبيرات مختلفة في نصوص موثقة(2) وردت عن أهل البيت (عليهم السلام)، ونحن لا نريد تناول هذه الشعيرة من الجانب الفقهي لها، وذلك له مجال خاص وتناوله أيضاً علماؤنا في أبحاثهم الفقهية وانتهوا ولا سيما في العقود الثلاثة الأخيرة إلى أن هذه الشعيرة بصيغتها المضبوطة والمحببة تعتبر واجباً تخييرياً، يخير فيها الإنسان بين إقامتها كصلاة جمعة بشرائطها وضوابطها وبين صلاة الظهر الرباعية، هذا ما انتهى إليه غالب فقهاؤنا في العقود الثلاثة الأخيرة، وهذا الرأي الفقيهي هو رأي مراجعنا العظام من ناحية، وأيضا ما سار عليه شيعة أهل البيت في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فمنهم من يقيم هذه الشعيرة وفق ضوابطها، ومنهم من يكتفي بصلاة الظهر جماعة أو فرادى، وعندما نريد التحدث عن صلاة الجمعة نرى أن فيه أبعاداً عديدة وكثيرة لا يسع الوقت لتناولها جميعاً، ولعله إذا وفقني الله سبحانه وتعالى لذلك سوف أتتناولها بصورة متسلسلة في مجالات وأبحاث أخرى. أودّ أن أشير بهذا الصدد وفي هذه الخطبة إلى تشخيص الوضع العلمي الذي ندعو إليه تجاه هذه الشعيرة، فالرأي الفقهي كما ذكرت هو وجود الرأي التخييري. نحن نعتقد ويشاركنا في هذا الاعتقاد أيضا مراجعنا العظام ـ عندما شاورناهم في هذا الأمر ـ انه من المستحسن والراجح إقامة هذه الشعيرة سواء من الناحية الفقهية كما تشير إلى ذلك النصوص، أو من الناحية الاجتماعية، فإن في إقامتها فوائد كثيرة نحتاجها الأمة ولكن هذا الرجحان وهذا الاستحسان في إقامة هذه الشعيرة لا بد أن يكون ضمن الضوابط الشرعية التي وضعها الشارع المقدس لهذه الشعيرة من ناحية وضمن الأهداف العبادية والثقافية والاجتماعية التي أسست وشرّعت هذه الشعيرة المقدسة من اجل تحقيقها، وضمن هذين الحدّين يرجح أداء هذا العمل ويستحسن.

الضوابط الشرعية معروفة من حيث العدد ومن حيث أن يكون الإمام إماما يتصف بمواصفات الإمامة المذكورة في الكتب الفقهية ولا بد لأعزتنا من إخواننا وإخواننا ولا بد لعلمائنا الأعلام وخطبائنا الكرام أن يؤكّدوا وينبهوا على هذه الضوابط ويشرحونها وهكذا قضية المسافة والمحافظة عليها تحتاج عادة إلى إدارة دقيقة من اجل تحديدها أولا ومن اجل تقسيمها أو توزيعها على القائمين بهذه الشعيرة ثانياً. هذه الضوابط الشعرية لا بد من الاحتفاظ بها حتى تكون هذه الشعيرة راجحة سوف أشير إلى بعض الملاحظات تجاه هذه الضوابط الشرعية.

ولا بد من الاهتمام بالهدف الذي كانت من اجله هذه الشعيرة المقدسة الهدف الذي يمثل وحدة الأمة في اجتماعها، ولذلك جعلت هذه المسافة الواسعة التي لا بد من المحافظة عليها من اجل تجسيد الوحدة في اجتماع واحد للأمة تعبر فيه عن موقفها ورأيها وتعبدها لله سبحانه وتعالى والتزامها بهذا المنهج الشريف في الإسلام. أن هذه الشعيرة وضعت لتفعيل الجانب الروحي والمعنوي للمؤمنين وجُعِلَ من شروط هذه الخطبة، بل من شروط الخطبتين أن يتحدث الخطيب بأن يحمد الله ويثني عليه ويعظ المؤمنين ويتحدث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشرح وبيان القضايا ذات العلاقة بحركتهم الاجتماعية وحركتهم السياسية والروحية إلى غير ذلك من الخصائص التي تمّ التأكيد عليها في الخطبتين ومضمون الخطبتين.

إذاً فالاهتمام بالجانب الروحي والمعنوي والعبادي في هذه الشعيرة هو ما يعبّر عنه بالموعظة في مصطلحاتنا الفقهية. هذا الاهتمام يعتبر أحد الأهداف الرئيسية المهمة بالنسبة لهذه الشعيرة، ومن جانب آخر في هذه الشعيرة لا بد أيضا من الاهتمام بالجانب الثقافي للجماعة والأمة فهذا الخطيب الذي يتحدث إلى الأمة لا بد له من أن يثري ويصعد ثقافة هذه الأمة ويأخذ بيدها خطوة إلى الإمام.

في هذه الثقافة الدينية الإسلامية الاجتماعية التي تجعل الأمة أمة صالحة قادرة على القيام بمسؤولياتها وواجباتها من خلال فهمها للإسلام وللشريعة وللحياة وظروف هذه الحياة. ولا بد لهذه الشعيرة من توعية الأمة وجعلها قادرة على تشخيص مواقفها في مسيرتها التي لها أبعاد عديدة ومواجهتها للمشكلات والأحداث التي تقوم بها هذه الشعيرة وضعت بهذه الصيغة وطُلب من المؤمنين أن يتحملوا هذا العناء الخاص والاجتماع الخاص من اجل أن يصلوا إلى مثل هذه الأهداف.

مضافاً إلى كل ذلك قضية تعبئة الأمة، جعل هذه الأمة في طاقاتها وتنظيمها وحركتها قادرة على أداء دورها الحقيقي في المجتمع الإنساني. في النظرية الإسلامية يوجد للأمة دور عظيم، سواء كان ذلك في عهد الإمام المعصوم من الأنبياء والأئمة الأطهار أو في عهد الإمامة غير المعصومة، صحيح في عهد الإمامة المعصومة يبدو دور الأمة اكبر وأعظم، وهذا هو عهدنا في غيبة سيدنا ومولانا الإمام المهدي. فنحن عندما نتحدث عن نوعية الأمة وإعطائها الدور الحقيقي في حركة المجتمع نتحدث عن رؤية شرعية إسلامية لا بدّ أن تكون واضحة لدى الأمة كلها لتقوم هذه الأمة بواجباتها، وقضاياها الكبيرة تجاه مظلومية المستضعفين، وتجاه قضايا الاستبداد، والظلم قضايا الهيمنة والسيطرة، والعَوّلَمة، وإلى غير ذلك من القضايا المهمة الرئيسة التي لا يمكن أن يواجهها الإنسان إلاّ من خلال حركة الأمة. إذاً فهذه الشعيرة إنما يكون أداؤها راجحا ضمن هذين الحدّين الرئيسيين، وبمقدار ما تتمكن الأمة بعلمائها وخطبائها ومثقفيها وأوساطها الاجتماعية المختلفة، بمقدار ما نتمكن من تحقيق هذين الشرطين، تصبح قضية إقامة صلاة الجمعة ضرورة من ضرورات هذه الأمة، وكما قلت أن مراجعنا العظام الذين تشاورنا معهم في هذا الأمر أيضا كانوا يرون رجحان هذه الشعيرة.


الوحدة فوق الاختلاف

ومن هنا أيضا لا بد أن نعرف في جانب آخر من هذا الحديث، وأحاول كما قلت أن اختصر، هو أن الوصول إلى وحدة الموقف لا بد من توفير أمرين رئيسيين:

الأول: المحافظة على الضوابط الشرعية والاهتمام بتحقيق الأهداف الإلهية التي وضعت هذه الشعيرة من أجلها.

الثاني: المهم هو احترام الرأي الآخر, الفقهي تجاه هذه الشعيرة, فنحن منذ بداية الغيبة الكبرى للإمام (صلوات الله وسلامه عليه) كانت قضية الرجوع إلى الفقهاء هي القضية التي أقرّ بها الإمام(عليه السلام) وعندما يتمّ الإرجاع إلى الفقهاء يصبح من الطبيعي أن نجد في كلامنا اجتهادات متعددة ـ نتحدث عن الاجتهاد الصحيح المضبوط القائم على القواعد والأسس ـ هذا الاجتهاد أيضا من الطبيعي أن تختلف آراء المجتهدين حتى في إطار الاجتهاد الصحيح، ويصبح هناك رأي يقول مثلاً وجوب صلاة الجمعة ورأي آخر يقول بالتخيير فيها ووجوبها تعييناً لكن بشروط لا مجال لذكرها الآن للبحث عنها، ومن ضمنها شروط وجود الإمام العادل ولو لم يكن معصوماً هناك ورأي يقول بهذا الأمر وأيضاً هناك رأي آخر وهو ما يقول به غالبية مراجعنا العظام في العقود الثلاثة الماضية وهو الواجب التخييري كما أن هناك رأي يقول في عدم وجوبها وفي عصر غيبة الإمام المعصوم ويشترط وجوبها في عصر غيبة الإمام المعصوم ويشترط وجوبها بوجود الإمام المعصوم، الاحترام لهذه الآراء الفقهية يمثل عنصراً رئيسياً وأساسياً في وحدة كلمة الأمة تجاه هذه الشعيرة والوصول بها إلى أهدافها وبدون هذا الاحترام واحترام الرأي الآخر الفقهي بطبيعة الحال سوف تختلف هذه الأمة وتتنازع وتتحول مثل هذه المقدمة التي يجمع العلماء والمراجع على استحسانها في هذا العصر تصبح أداة للاختلاف والنزاع، هذا الأمر من الأمور التي لا بدّ أن نأخذها بقوة أيها الأخوة عندما نتحدث عن شعيرة صلاة الجمعة.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا متعظين بالقرآن الكريم، وبالأحاديث الشريفة، وبآراء علمائنا الأعلام، والسائرين على منهاج أهل البيت(عليهم السلام) أوصيكم أيها الأخوة والأخوات الأعزاء بتقوى الله وأسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم التوفيق والسداد.

{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

اللهم اغفر لجماعتنا الحاضرين ووفقهم لما تحب وترضى.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفر والمنافقين.

____________

1- سورة الجمعة: آية 9.

2- جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألوه عن سبع خصال فقال: أما يوم الجمعة فيوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فما من مؤمن مشى فيه إلى الجمعة إلا خفف الله عليه أهوال يوم القيامة، ثم يأمر به إلى الجنة. وسائل الشيعة: ج 7: باب1: ح9، عن الامام الصادق جعفر بن محمد(صلى الله عليه وآله): ما من قدم سعت إلى الجمعة إلا حرم الله جسدها. امالي الصدوق: ص449.


 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية