المنهج السياسي في تعبئة الأمة
الخط السادس: إنّ النظرية الإسلامية التي تناولت جميع نواحي الحياة، بالتصور والتغيير لم تستثن المنهج السياسي في تنظيم الأمة، وتعبئتها في التحرك السياسي باتجاه التغييـر.
وهذا الموضوع لازال حتى الآن بدون دراسة كافيـة ومستوعبة؛ والسبب هو انّ الأمة الإسلامية عاشت قروناً في ظل الدولة الإسلامية القوية، وكان انتشار الإسلام تحت ظلها من خلال التبليغ العلنـي، أو الفتح الإسلامي.
والمجتمع الإسلامي وإن عاش حركات إسلامية كثيرة، انتهت إلى تغييرات في الحكم، إلاّ انّ هذه الحركات كانت حركات للنخبة على الأكثر، وهي تمثل وجهات واجتهادات أصحابها، الذين كانوا - على الغالب - سياسيين أكثر من مجتهدين، يعتمدون على النظرية الإسلامية، باستثـناء بعض الحالات، كحركة أهل البيت (عليهم السلام) في زمن الإمام علي (عليه السلام) أو في زمن بعض الأئمة من بعده.
وقبيل وبعد سقوط الدولة الإسلامية، أصبح المجتمع الإسلامي متأثراً بالحضارة الغربية، حيث شهد المجتمع سياسيةً إسلاميةً متعددةً، لكنها متأثرةً إلى حدٍّ كبير بالأساليب الغربية، أو بالحركات الباطنية التي شهدها العالم الإسلامي في القرون الماضية.
ولم نجد حركةً إسلاميةً أصيلةً إلاّ بعض الحركات التي كان يقودها علماء الإسلام هنا وهناك، ولكن بشكل محدود، أو بدون رؤية واضحة للمنهج الإسلامي.
ومن هنا نعتقد انّ دراسة رؤية الإمام الخميني (قدّس سرّه) في هذا المجال تتسم بأهمية خاصة للأمور التالية:
1. انّ الإمام الخميني (قدّس سرّه) هو أحد كبار المجتهدين المسلمين في الفكر الإسلامي، والشريعة الإسلامية.
2. انّ الإمام الخميني له تجربة ناجحة في العمل السياسي الإسلامي، وقد تمكَّنَ من تحقيق أهدافه - إلى حدٍّ كبيـر - في التغييـر.
3. انّ الإمام بقي يقود التجربة حتى آخر أيامه، وبنفس القوة والقدرة، التي كان يمارسها في بداية التجربة، بالرغم من تطورات الأحداث ووضعه الصحي.
4. انّ الإمام الخميني (قدّس سرّه) قاد التجربة الإسلامية في التحرك من موقعه الدينـي والاجتماعي، دون أن يدخل أي تغيير يذكر على هذا الموقع.
وتوجد في أحاديث الإمام (قدّس سرّه)، وتصريحاته، وبياناته، وعمله ثـروة كبيـرة في هذا المجال.
وانـّي وإن كنت قد توفقت لاستنباط النظرية الإسلامية في التحرك السياسي، اعتماداً على النصوص الإسلامية وملاحقة التجربة الإسلامية الأولى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسيرة العامة لأئمة أهل
البيت (عليهم السلام)، ولكن يمكن أن نجد هذه الرؤية النظرية في بيانات وأعمال الإمام الخميني (قدّس سرّه) بشكل واضح.
ويمكن تلخيصها بالنقاط التاليـة:
1. الاعتماد على القيادة العلمائية بجميع مستوياتها، والتي يُمثل الفقيه العادل الشجاع المدبـّر والمتصدي والعارف المطلع على الأمور السياسية القيادة العليا في المسيـرة.
2. الاعتماد على المؤسسة الإسلامية (كالمسجد والحسينيات والتكايا والمدارس...) في التربية والتوعية وإيجاد الكادر الوسطي من جانب والتعبئة الجماهيرية من جانب آخر بحيث لا تنفصل القيادة والكادر عن القاعدة الجماهيرية لا في الوضع النفسي والروحي ولا في الوضع الاجتماعي والمعاشي.
3. إلتزام منهج المركزية في القيادة التي تتحمل مسؤولية التخطيط السياسي والحركي واتخاذ الموقف السياسي العام والإشراف على المسيرة فكرياً وسياسياً وكذلك الأمور المالية الشرعية، ومنهج اللامركزية في التنفيذ وفي تشكيل النواة والخليـة التـي يراد لها التحرك في الأمة (التشكل في الصيغة أو في أصل ايجاد هذه النـواة).
4. اعتماد طريقة الصلة المباشـرة (مهما أمكن) بين القيادة والأمة وجعل القيادة الإسلامية هي مركز الولاء السياسي.
5. اعتماد العلنية في التحرك (مهما أمكن) في طرح المفاهيم والأفكار والقضايا العامة التي تهم الأمة، والكتمان في شـؤون التحرك والعلاقات الحركية وحتى الانتماء أمام الأعداء عند الحاجة.
6. التدرُّج في طرح القضايا بالمقدار الذي يتناسب مع حركة الأمة في طريق دفعها نحو التكامل وبالمقدار الذي يتناسب مع موقف الأعداء لفضحهم والكشف عن زيفهم وضلالهم ومعاداتهم للأمة ومصالحها.
7. عدم فصل القضايا الثقافية والروحية والاجتماعية عن القضية السياسية التي تمثل القضية الجوهرية في الدين على مستوى الطرح والممارسة معاً، وذلك من أجل ايجاد المزيج الثقافي والروحي الصحيح من ناحية وتربية الأمة على ممارسة العمل السياسي إلى جانب ممارسة العمل الثقافي والاجتماعي ووضع حركة التطبيق والممارسة في مسارها الصحيح إلى جانب المسار المعنوي والنظري من ناحية أخرى.
8. الاعتماد في المواجهة على الأمة والشعب (العامة) لا على النخبة وخصوصاً الطبقة الفقيرة والنساء والشباب مع اعطاء النخبة دورها الصحيح في تعبئة الشعب وتسهيل قيادته، أي دورها يكون شعاعياً لا هرمياً.
9. أفضل السبل لتعبئة الأمة سياسياً وروحياً هي ممارسة الشعائر الإسلامية بطريقة صحيحة تعبّر عن الحياة الاجتماعية والسياسية للمسلمين، كصلاة الجمعة والجماعة والحج والمواكب الحسينية ودعاء كميل وغيرها.
10. الاهتمام بالمحاور الرئيسية للصراع السياسي مع الطاغوت والمشاكل الأساسية التي تهتم بها الأمة وعدم الانشغال بالقضايا الجانبية معه - والتي قد يحدثها - لأجل إشغال الأمة بها وابعادها عن القضية الأساسية.
11. تجنّب الصراعات الجانبية مع المنافسين أو المخالفين وذلك لتوظيف كل الامكانات والقدرات باتجاه العدو الرئيسي وعدم تبديد القدرة.
ومن هذا المنطلق يأتي الاهتمام بوحدة الأمة في مواجهة الطاغوت، وإلاّ فقد تصبح الوحدة على حساب القضية نفسها.
ومن خلال التجربة الواقعية لمسيرة الإمام الخميني، نجد هذه الخطوط تشكِِّل مُجمَل تصوّره (قدّس سرّه) عن منهج التحرك السياسي.
وكان (قدّس سرّه) يؤمن بامكانية اخذ الاحزاب والتنظيمات والجمعيات دورها في الحياة السياسية إذا تحوّلت إلى مفردةٍ أو مؤسسةٍ إسلاميةٍ ذاتِ أهدافٍ محدودةٍ في الحياة السياسية - رغم انه يؤمن ان المنهج الصحيح للتعبئة اسلاميا انما هو النهج المتقدم - وأما عندما تتحول - الاحزاب والتنظيمات - إلى الأهداف العامّة فسوف تصبح لا محالة منافساً للقيادة الإسلامية أو معرقلاً لعملها في توحيد صفوف الأمة في المواجهة أو في سرعة حركتها وتفاعلها مع الأحداث.
وكان الإمام (قدّس سرّه) يعتقد انّ هناك محاورَ ثلاثةً لابدَّ مِنَ الاهتمام البالغ بها وهي تمثّل المحورَ الأساسَ في المنهج السياسي، وهذه المحاور هي (الحوزات العلمية، العلماء، المساجد)، وانّه إذا أردنا أن نحصل على حركة شاملة في صفوف المسلمين فلابد من الاهتمام بهذه الأمور الثلاثة.
نصرة المستضعفين في العالم
الخط السابع: إنّ قضية نصرة المستضعفين تشكّل في النظرية الإسلامية نقطة مهمة وأساسية أكّد عليها القرآن الكريم في آيات عديدة مثل قوله تعالى:
{وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً} (58).
وقد اهتمّ الإسلام بهذه النقطة انطلاقاً من حالتين واقعيتين في حركة التاريخ التكاملية.
الأولى: انّ حركة الجماعة باتجاه الله قد تواجه طغياناً واسعاً وكبيراً لا يمكن معه للجماعة في مرحلة معينة كسر القيود والأغلال، لأنّ الطاغوت يستخدم القمع والإرهاب بدرجة عالية تـؤدي إلى إيقاف حركة الجماعة ومحاصرتها مادياً ونفسياً وروحياً، بحيث تصبح الحركة الذاتية للأمة غير قادرة على كسر هذا الطوق والحصار.
الثانية: انّ انتصار حركة الجماعة في بعض المواقع قد يـؤدّي بالطاغوت إلى اتخاذ إجراءاتٍ قمعيةٍ جديدةٍ وتصعيدِ حالة الإرهاب والخوف والحصار، وقد يستفيد من تجربته السابقة التي مُني فيها بالهزيمة من أجل اتخاذ هذه الإجراءات.
وفي كلتا الحالتين يصبح من الضروري تدخُّل العامل الخارجي الذي تمكَّنَ من الحصول على أهدافه في التحرر من الطاغوت في سبيل نصرة وإعانة الجماعة التي تتعرض إلى الطغيان والقمع على خلاف إرادتها ورغبتها.
والآية الكريمة السابقة تشير إلى هذه الحقيقة التاريخية بوضوح، كما انّ التجارب الإنسانية في التاريخ تحدّثنا عن ذلك، وفي حالة المسلمين في الصدر الأول في مكة بعد انتصار الاسلام في المدينة ما يؤكّد هذه الحقيقة أيضاً.
وهذا المفهوم الإسلامي أصبح مقبولاً من الناحية النظرية في حضارة الانسان اليوم بعد مئات السنين، حيث نجد انّ بعض الحكومات تقوم بممارسات سياسية وحتى عسكرية لفكّ الحصار عن أولئك الذين يتعرضون إلى الحصار من قبل الطاغوت تحت شعار حقوق الانسان.
صحيحٌ أنَّ هذا الإيمان النظري تصاحبه ممارساتٌ كثيرةٌ تحريفيةٌ من قوى الاستكبار لتبرير أعمالها وجرائمها، إلاّ أنَّه يكشف في نفس الوقت عن أنّ هذا المفهوم يُعَبـِّر عن قضيةٍِ فطريةٍ في الإنسان كشفَ عنها الإسلام قبل ألف وأربعمائة سنة أو يزيـد.
وقد جسّد الامام الخميني (قدّس سرّه) ذلك نظرياً من خلال دستور الجمهورية الإسلامية الذي أكّد على هذا الحق الانساني ومن خلال بياناته وتصريحاته.
ولكنَّ الأهم من كل ذلك الموقف العملي والتطبيق الجدّي لهذا المفهوم، حيث يمكن أن نشير في هذه العُجالة إلى بعض المواقف المهمة في التطبيق:
1. الموقف من قضية الشعب الأفغاني، فبالرغم من الظروف الصعبة التي كانت تمر بها الثورة الإسلامية في إيران حيث تقف بمواجهة أمريكا وحلفاءها، نجد الجمهورية الإسلامية تقف إلى جانب الشعب الأفغاني ضد الروس الذين يمثلون العدو الألد لأمريكا، وفي نفس الوقت يمثلون تهديداً حقيقياً لإيران في ظروف الثورة الأولى.
ويستمر هذا الموقف من الإمام الخميني حتى بعد عدوان صدام المجرم على الجمهورية الإسلامية، وتصبح مداراة الروس قضيةً مهمةً ليس على المستوى السياسي فحسب، بل على المستوى العسكري أيضاً لكن الإمام الخميني يبقى ثابتا على موقفه.
2. الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني واللبناني في أحرج ظروف الحرب وصرف الطاقات والإمكانات بهذا الاتجاه وتحمُّل جميع التبعات.
3. الأهم من كل ذلك الوقوف إلى جانب الشعب العراقي في محنته مع الطاغوت صدام حسين، حيث تحمَّلت الجمهورية الإسلامية تبعات الحرب من أجل هذا الشعب.
وإذا كانت الحرب في سنواتها الأولى كانت لها دفاعاً عن الوطن والكيان السياسي الإسلامي، فانّ قرار الإمام بالاستمرار في الحرب في سنواتها الأخيرة انّما هو من أجل الشعب العراقي.
وكان هذا القرار يتحمَّله الإمام الخميني وحده وبجديَّةٍ انطلاقاً من هذا المفهوم الإسلامي، كما صرّح بذلك مرات عديدة.
لقد قاتل الإمام الخميني بكلِّ وجوده وبشعبه من أجل الشعب العراقي والمقدسات في العراق.
وفي نفس الوقت قدّم الشعب العراقي المسلم أغلى ما لديه ولازال يقدّم من أجل الإسلام ومقدساته.
هذه خلاصة للخطوط الفكرية السياسية للإمام الخميني (قدّس سرّه) حاولت أن استنبطها من بياناته وأعماله.
|