التجربة الحيّة والواسعة والدقيقة
الخامسة: كان الإمام الخميني (قدّس سرّه) يمتلك القدرة على تشخيص الظروف والمصالح والمنعطفات التي تمر بها حركة الإسلام في المجتمع، وفي صراعه مع قوى الاستكبار، والكفر العالمي، والحضارة المادية، الأمر الذي يعطي البعد الفكري والعقائديَ له (قدّس سرّه) ميـزةً خاصة يـختلف بها عن أولئك العلماء الذين يستنبطون الإسلام ومعالـمه الفكرية من خلال المدارس العلمية والفكرية فقط.
فانّ النظرية الإسلامية هي نظرية للحياة الإنسانية، وللمجتمع الإنساني، وللكون، ولتفسير ومعالجة الصراع الذي يخوضه الانسان مع الشيطان، والهوى، والطبيعة، وأخيه الانسان؛ من أجل الوصول إلى درجات التكامل العليا.
والنصوص الإسلامية جاءت تعالج كل هذه القضايا، وفي خضم الصراع وحركة الانسان والمجتمع الإسلامي نحو طريق التكامل، ولا يمكن أن تُفهم هذه النصوص بشكل كامل وصحيح بعيداً عن فهم الحياة وتجاربها.
وبهذا يمكن أن نفهم انّ التجربة الإنسانية بجميع معالـمها لابد أن تُثري فهم الفقيه الـمجتهد للنصوص الإسلامية، وتشخيصه للمصالح والمفاسد العامة، ومعرفته لرأي العقلاء وموقفهم تجاه مختلف القضايا، هذه الأمور التي ارتبطت بها الكثير من أحكام الإسلام، أو مضمون النصوص الإسلامية.
معالم الفكر السياسي للإمام
يمكن أن نلخّص المعالم الأساسية في الفكر السياسي للإمام
الخميني (قدّس سرّه) في الخطوط التالية:
الحكم الإسلامي
الخط الأول: تعتبر قضية الحكم الإسلامي في الفكر السياسي للامام الخمينـي (قدّس سرّه) القضية المركزية الأولى من حيث الأهمية في مجمل النظرية الإسلامية، بعد قضية الايمان بالله، وما يستلزمه من آفاق وأبعاد، بل إنَّ قضية الحكم تمثّل بعداً من أبعاد الإيمان بالله تعالى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} (39).
وكذلك ما ورد في الحديث الشريف الصحيح من قوله عليه السلام: «بُني الإسلام على خمس: الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية».
وكذلك الحديث الصحيح الذي ورد فيه بعد بيان الأمور الأربعة السابقة: الصلاة، والحج، والزكاة، والصوم «ذروة الأمر، وسنامه، ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته...» (40).
وقد انعكست هذه الرؤية الفكرية على نظرة الإمام للأشياء ومواقفه العملية وحركته السياسية، حيث كان يرى انّ الاحتفاظ بالحكم الإسلامي والدفاع عنه تمثّل أهم القضايا على الإطلاق، وبدأ وصيته السياسية بالإشارة إلى دور أهل البيت (عليهم السلام)، لأنهم يمثلون الأساس الصحيح للحكم الإسلامي.
ونجده (قدّس سرّه) يوظّف كل حياته العملية من أجل إقامة الحكم الإسلامي، ويتناول قضية الحكم بالبحث العلمي والبحث الاجتماعي والسياسي من خلال دروسه العلمية، ويتحامل ويعيب بشدّة على الأوساط العلمية التي أهملت هذا الموضوع نسبياً في الأبحاث العلمية بسبب ابتعاد المسلمين عن فكرة الحكم الاسلامي.
ثم نجده (قدّس سرّه) يكون على استعداد للتضحية بكل شيء من أجل هذا الحكم، حتى انه لم يعرف عنه انه تراجع عن أي موقف في حياته السياسية باستثناء موقفه تجاه الحرب الصدامية ضد ايـران بسبب احساسه بالـخطر الذي يتعرض له الحكم الاسلامي، وعبـّر عن هذا الموقف بأنه على مستوى شرب السم.
وبقي الامام الخميني يرى انّ أهم قضية تحظى بالعناية وتأتي في الدرجة الأولى من الأولويات هي قضية ترسيخ دعائم هذا الحكم.
وهذا ما يفسّر لنا اهتنامه (قدّس سرّه) بارساء قواعد المؤسسات الدستورية من اجل لمحافظة على الحكم الاسلامي.
كما نجد ـ أيضا ـً انّ قضية اقامة الحكم الاسلامي كانت أضخم عمل قام به (قدّس سرّه) في حياته وأعظم انجاز حققه في عمله لخدمة الاسلام.
وفي نفس الوقت كان لاقامة الحكم الاسلامي أعظم الأثر ايجابياً في نهضة المسلمين وطبيعة المواجهة التي يخوضونها مع أعدائهم.
فالنهضة الإسلامية التي يعيشها العالم الاسلامي، والتي أصبحت حركة عالمية، تمكنت من طرح الاسلام كمحور أساس في الصراع العالمي، وقد حققت ذلك بفضل قيام الحكم الاسلامي وهي مدينة فعلاً في كل وجودها لهذه النقلة النوعية الكبيرة.
كما انّ أعداء الاسلام في محاولتهم للقضاء على الاسلام والوجود الاسلامي ركّزوا أكثر كثيراً على زرع اليأس في نفوس المسلمين من إمكانية إقامة الحكم الإسلامي وإبعادهم عن التفكير بالوجود السياسي لهم.
ولا يمكن للمسلمين أن يجسّدوا نظرياتهم في الأخلاق والـمجتمع والحياة إلاّ من خلال وجود الحكم الإسلامي، وبقدر ما يتمكن هذا الـحكم من تـجسيد الإسلام وتطبيقه واقعياً يكون الإسلام قادراً على خوض معركة الحضارة الإنسانية.
وعلى هذا الأساس نجد الإمام الخميني يؤكد على انّ التشريع الإسلامي الـمتمثل بتشريع الولاية والحكم الإسلامي هو أهم من بقية التشريعات الإسلامية، وتطبيقه يأتي أيضاً بهذه الدرجة من الأهمية.
الإمام وولاية الفقيه
ثمة إجماع عند علماء الشيعة بدون استثناء على أن الفقيه الجامع للشرائط (كالعدالة والخبرة وغيرها من الشرائط) له ولاية على الأمة، غاية الأمر أنّ بعضهم قد يختلف عن البعض الآخر في حدود هذه الولاية هل أنّ حدودها واسعة أم ضيقة، وهل أنّ حدودها مثل حدود ولي الأمر المطلق المتمثّل بالحجة بن الحسن (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) أم انها أضيق؟ هذا هو الشيء الذي يختلف فيه هؤلاء العلماء.
وكلّ علماء الشيعة على الإطلاق - وبدون استثناء - يؤمنون بالحكومة الإسلامية وبضرورتها، و لكن إنما يختلفون في الدليل عليها من حيث انه نص وارد من المعصوم أو من جهة ان العقل يحكم بذلك أو ان هناك شيء أخر؟.
وحتى العلماء الذين يُقال عنهم أنهم لا يقولون بولاية الفقيه فلا يُقصَد بذلك أنهم لا يقولون بها فعلا، بل لا يقولون بوجود نص خاص عليها، فكلّهم يقولون في رسائلهم العملية، وأنَّ الحكومة ضرورة عقلية من ضرورات الدين لا يمكن التنازل عنها فلا يمكن أن يبقى مجتمع بدون حكومة، غاية الأمر أنّهم يختلفون في الدليل عليها.
والشيء الجديد الذي صنعه الإمام الخميني في موضوع ولاية الفقيه انه لم يأتِ بها كرأي فقهي، لأنَّ الرأيَ الفقهيَّ موجود سابقاً، بل أنّه توصل من خلال الدليل إلى ان الفقيه (41) مبسوطَ اليد.
وقد أكد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كثيراً على قضية الولاية كي لا يكون موقف شيعتهم سلبي تجاه قضية الحكم حيث ان شيعتهم كانوا تحت حكم ظالم منحرف، قام باضطهادهم ومن الطبيعي ـ حينئذ ـ أن يكون لديهم موقف سلبي تجاه أصل الحكم؛ ولذا جاء التأكيد الكثير من والأئمة (عليهم السلام) في أحاديثهم وكلماتهم على قضية الولاية، من اجل أن يبيّنوا لشيعتهم أن قضية الحكم قضيةٌ أساسية، وأنَّ الحق هو حقّهم (عليهم السلام) لا حقّ الحكّام.
لقد جسّد الإمام الخميني قضية الولاية عملياً وخارجياً وأقام دولة الفقيه العادل والتي لم يعشها الشيعةُ لقرونٍ من الزمن نتيجةً لحرمانهم وإقصائهم عن موقعهم الطبيعي في حركة الإسلام و المجتمع الإسلامي، فأحدث (قدّس سرّه) نقلةً في إقامة ولاية الفقيه العادل الصالح وهذه قضية مهمة جدا يجب أن نثقّف كلّ المسلمين وخصوصا أتباعَ أهل البيت (عليهم السلام) عليها لأنّ هناك سبباً نفسياً وتأريخياً أدّى إلى كونهم بعيدين عن قضية الحكم والولاية، وهما:
السبب النفسي: هو ظلم حكام الجور للشيعة، فمن الطبيعي أن يكونوا بعيدين عن التفكير في الحكم.
السبب التأريخي: عدم حكومة الفقيه العادل لمدةٍ طويلةٍ منَ الزمن وبالتالي أصبحَت القضيّة أشبهَ شيء بالقضيَّة النفسيَّة كقضيَّة الجواري والعبيد اللتين هما الآن قضيّتان نفسيّتان باعتبار عدم وجودهما في الخارج، وهكذا قضايا كثيرة كقضية الحدود الشرعية التي هي من أحكام الإسلام كالقصاص وغيره من الحدود أصبحت الان قضية نفسية لأن المسلمين لم يعودوا يعيشونها.
الولاية الصحيحة بالنسبة إلى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) أصبحت هكذا إذ لم تكن هناك دولة قائمة تمثّلها مع أن أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يحُّثُّون على قضية الولاية ويؤكدون عليها.
وأشير إلى حديثين صحيحين من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)
يُجمع علماء شيعة أهل البيت (عليهم السلام) على صحتهما (42) وهذان
الحديثان يذكرهما صاحب الوسائل في كتابه الذي يضمُّ
أغلب أحاديث شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وأوَّلُ حديثين
يذكرهما في كتابه هما هذان الحديثان وكأنّه يعتبرهما الأساسَ
لكلِّ الفقه الذي يجيء بعدهما، ونحن نلاحظ أنّ مضمونهما أيضا كذلك:
الحديث الأول: هو (صحيحة الفضيل بن يسار):
قال الفضيل عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «بني الإسلام على خمس أشياء: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية» وهذا حديث مختصر يعطي كلياتٍ عامّة.
الحديث الثاني: (صحيحة زرارة): وهو يشرح الحديث الأول ويوضّح مضمونه، وهو أيضا يرويه عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة: وأي شيء من ذلك أفضل؟، أي: ما هو الشيء الذي هو أفضل هذه الأمور الخمس التي بني عليها الإسلام؟، فقال الإمام (عليه السلام): الولاية أفضل؛ لأنها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن.
والولاية هنا لا تعني مجرد المحبّة بقرنية قوله (عليه السلام). (والوالي) يعني: الولاية والوالي يعني هناك والٍ يتولّى الأمر لا مجرد ولاءٍ بمعنى الحب وما أشبه ذلك وكما قد يُجَسِّدُ بعضُ الناس الولايةَ من خلال المنابر على أنّها تعني حبَّ أهل البيت (عليهم السلام)، طبعا حب أهل البيت (عليهم السلام) عظيم ومهم، ولا نريد أن نتنكر له لكنّ الولاية تعني شيئا آخر، هو حبّ أهل البيت مضافاً إلى الاعتقاد بأنّ هؤلاء هم ولاة الأمر. ثم يكمل الراوي الرواية قائلا للإمام: ثم الذي يلي ذلك من الفضل؟ أي الذي يلي الولاية من الفضل فقال: الصلاة، فقلت: ثم الذي يليها في الفضل؟ فقال: الزكاة؛ لأن الله قرن الصلاة بالزكاة، وبدأ بالصلاة قبلها قلت: فما الذي يليها في الفضل؟ قال: الحج قلت: فماذا يتبعه؟ قال: الصوم» (43) ثم قال الإمام الباقر (عليه السلام): «ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن الطاعة للإمام»، هذا هو ذروة كل الأشياء، أي: أن الطاعة للإمام والطاعة لولي الأمر تمثّل أفضلَ الطاعات والأعمال الصالحة على الإطلاق، والتي لا يمكن أن تقاس بها أية طاعة أخرى.
بعد ذلك يؤكد الإمام (عليه السلام) الطاعة للإمام بعد معرفة قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} (44) «أما لو أنَّ رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدَّق بجميع ماله، وحجَّ جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه - وليست موالاته بالمحبة فقط - ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حق في ثواب، ولا كان من أهل الإيمان، ثم بعد ذلك يلتفت الإمام الباقر (عليه السلام) إلى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) باعتبار انهم هم الذين يفترض بهم أن يؤمنوا بهذه الولاية ويطبّقوا سلوكهم وأعمالهم وتصرفاتهم عليها، فيقول (عليه السلام) أولئك المحسن منهم يدخله الجنة بفضل رحمته» (45).
الصراع في المجتمع الإنساني
الخط الثاني: ان قضية تشخيص طبيعة الصراع في المجتمع الانساني تأتي بالمرتبة الثانية في فكر الامام الخميني (قدّس سرّه) من حيث الأهمية.
فهو يرى (قدّس سرّه) انّ طبيعة هذا الصراع انّما هو صراع حضاري وليس صراعاً مادياً على الثـروة أو المال أو المزيـد من الأرض والمياه، أو اختـلاف الولاءات السياسية لهذا المعسكر أو ذاك، أو استبدال هذا الشخص أو الجماعة بغيـرها أو تحقيق بعض الحقوق السياسية أو الاجتماعية أو الممارسات السلوكية.
بل إنَّ كل هذه الألوان والأشكال للصراع انّما تعبـّر عن ظواهر ترتبط بالمحور الأساس للصراع الذي يجب تشخيصه على مستوى النظرية والمصداق الخارجي، ليتمكن الانسان المسلم أن يخوض هذا الصراع برؤية واضحة ويوفـّر له شروطه ومستلزماته ويعرف مقوّمات النصر فيه وأهدافه.
وهذا المحور الأساس هو الصراع بين الله والطاغوت، وبين
الحق والباطل، و النور والظلمات، و العدل والظلم، و الانسان الصالـح والشيطان، وبين العبـودية لله تعالى والعبودية للهوى والطغيـان.
وينطلق هذا التصور من الرؤية القرآنية للصراع في التاريخ الإنساني عبر مراحله المختلفة، وإن كانت تختلف مصاديقه في كل مرحلة عن أخرى. كما يستشف ذلك من قوله تعالى:
{الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ
كَانَ ضَعِيفاً} (46). وقوله: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم
مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (47).
وقد كان الطغاة والجبابرة - أولياء الشيطان من الكافرين والمشركين والمنافقين - يحاولون دائماً إعطاء رؤيةً أخرى في تشخيص محور الصراع؛ لصرف الأنظار عن محوره الحقيقي، فتطرح القضايا القومية والقضايا المادية الضيقة، أو السعي إلى السلطة والجاه كمحاور للصراع.
وتأتي في هذا السياق أيضاً الاتهامات بالدوافع المختلفة من الشعر، والسحر، والكذب، والافتـراء، أو التخيل والمثالية، أو التطرف والإرهاب والرجعية.
ونلاحظ ذلك واضحاً عند الرجوع للقرآن الكريم وهو يتحدث عن قصص الأنبياء خصوصاً أولي العزم منهم (نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد (صلى الله عليه وآله) ).
وعلى هذا الأساس نـجد الإمام الخميني يؤكد على هوية الصراع القائم الان - بعد قيام دولة الإسلام في إيران - بين الأمة الإسلامية الناهضة والوارثة لقيم السماء والتي تقود البشرية إلى الخيـر والصلاح والسعادة الأبدية، وبين الاستكبار العالـمي بقيادة أمريكا (48) (الشيطان الأكبر) التي تسعى لدفع البشرية إلى مهاوي السقوط والفساد والشقاء، وأنّ ما يدور الآن من صراعات جانبية في العالم انّما هو تعبير عن هذا المحور الحقيقـي.
فالمواجهة الحضارية تمثل في واقعها المواجهة الحقيقية والجذر الأصيل لجميع المواجهات الأخرى مع الاستكبار العالمي وأمريكا، وتبقى المواجهات الجانبية والمطامع الاستكبارية في هذا البلد أو ذاك تعبـّر عن مظهر من مظاهر تلك المواجهة الحقيقية.
ولذلك نرى كيف تتبدل المصالح بسرعة والعلاقات الدولية في المواجهة بعد أن أخذت تتجلّى طبيعة الصراع وتنكشف للعالم.
وكيف انّ أمريكا والدول الاستكبارية وعملاءها عندما فشلوا في المواجهة المكشوفة مع المحور الإسلامي، تحولوا إلى إيجاد الصراعات الجانبية في الأمة الإسلامية كمحاولة للتضليل.
كما وجدنا من طرف آخر انّ الإمام الخميني (قدّس سرّه) بناءً على تفسيره لهذه المواجهة تبنّى بشكل حقيقي عدّة قضايا ذات أهمية خاصة في مستلزمات ومقومات هذا الصراع الحضاري، مثل: قضية وحدة المسلمين، التي لم يطرحها كشعارٍ سياسيٍ فحسب، بل تبنّاها كقضيةٍ استراتيجيةٍ قدّمَ مِن أجلها تضحياتٍ كبيرةً في الداخل والخارج ضد أولئك الذين يسعون باستمرار إلى تمزيق هذه الوحدة أو أولئك الجهلة الذين تحولت مسألة تشتت المسلمين بالنسبة لهم إلى مصدر للعيش وللكسب الضيق، أو أصبحت جزءاً من وضعهم النفسي أو العقائدي.
وقد كان هؤلاء كثيرين؛ بسبب التخلّف الذي شهدته الأمة الإسلامية في العقود الماضية من ناحية ونشاطات قوى الشر والكفر في صفوفهم من ناحية أخرى، حيث كانوا يغذون مثل هذه الخلافات والصراعات الجانبية.
وكمثالٍ على ذلك نجد قضية فلسطين باعتبارها القضية الرمز التي تجسّد مظلوميّةَ الإسلام والمسلمين في وجودهم ومقدّساتهم من ناحية وعدوان الاستكبار على البلدان الإسلامية والحقد الذي تكنّه الصليبية والصهيونية العالمية للإسلام والمسلمين من ناحية أخرى.
إذ انّ قضية فلسطين ليست قضية إنسانية تتمثل في شعب مظلوم شرّده المجرمون والطغاة عن وطنه وتعرّض للقتل والتشريد فحسب، وإلاّ فقد نجد نماذج لذلك في مناطق أخرى من العالم، بل هي قضية عدوان على الأمة الإسلامية جـمعاء من خلال زرع هذه الغدة السرطانية في جسد هذه الأمة الخاتمة من أجل مـمارسة الضغط ووضع الأغلال في عنـق الأمة الإسلامية ومنعها من النهوض والتقدم، وهي في ذات الوقت عدوان على مقدسات المسلمين والقبلة الأولى ومحاولة إلغاء حقّهم في الحياة والطعن بوجودهم وتاريخهم.
انّ الصراع مع أمريكا ليس صراعاً سياسياً فحسب، بل هو صراع مع القيم والحضارة المادية الغربية، ومع الروح العدوانية والسلطوية الاستكبارية.
كما انه ليسَ صراعاً شخصياً أو نفسياً ينطلق من الحقد أو من الأضرار التي لحقت بشخص الإمام الخميني أو الشعب الإيراني المسلم في عهد الشاه، بل ينطلق من أنها أمريكا ـ هي قائدة الصراع المعادي للإسلام، وهي الشيطان الأكبر؛ لأنّ ما يجري في أفغانستان (49) ولبنـان وفلسطين والعراق وجـميع أنحاء العالم الإسلامي من مظالم للمسلمين ومن عدوان على الإسلام والأمة الإسلامية إنما هو بقيادة أمريكا وبتوجيهها.
فأمريكا تؤيـّد دخول الجيش الأحمر إلى آذربيجان لسحق حركة الشعب الآذربيجاني؛ لأنه شعب مسلم، وتضع الفيتو على تدخُّل هذا الجيش نفسه في مناطق أخرى، وتسمح للجيش الصيني دخول مناطق المسلمين في الصين لسحقها، وتحتجُّ عليه عندما يتدخل لمنع الفوضى في العاصمة بكين، وترفع شعار حقوق الانسان في وجه حكومات أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتستخدم حق الفيتو لمنع مجلس الأمن من اتخاذ قرار ضد اسرائيل أو النظام المجرم في العراق أو بعض الانظمة في المنطقة؛ لأنهم يذبحون المسلمين حتى لو استخدموا الأسلحة المحرّمة كقنابل النابالم والأسلحة الكيمياوية.
ونجد الامام الخميني (قدّس سرّه) على استعداد للتضحية بمصالح ايران الإسلامية الخاصة من أجل مصلحة الاسلام والأمة الإسلامية عامّةً، والتأكيد على طبيعة هذا الصراع وأهمية هذا الفهم.
كما وجدنا ذلك بشكل واضح في قضية كتاب (الآيات الشيطانية) حيث ضحّت ايـران بمصالحها (50) مع بريطانيا والدول الغربية في ظروف بالغة الصعوبة، وفي قضية (الحج الابراهيمي) والبراءة من أمريكا، حيث ضحّت - ايران - ببعض مصالحها الهامة في المنطقة، وصُدَّ الشعب الإيراني عن أداء الحج لعامين من اجل ذلك.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، يرى الامام الخميني انّ الموقف تجاه هذا المحور من الصراع يجب أن يقوم على أساس خطَّين متوازيين ومتلازميـن:
الأول: الهجوم الفكري والثقافي والسياسي الشامل على الاستكبار من قبل الأمة الإسلامية بقيادة الجمهورية الإسلامية في ايران، والذي يجب أن يصاحبه توعية فكرية وثقافـية وسياسية للمسلمين أنفسهم، وهو ما عبـّر عنه (قدّس سرّه) بتصدير الثورة الإسلامية.
الثاني: موقف الاستعداد المستمر والدائم للدفاع العسكري والجهاد في سبيل الله دفاعاً عن الإسلام وقيمه أمام الأخطار العسكرية والعدوان المسلّح الذي تتعرّض له البـلاد الإسلامية.
|