الإمام الخميني (قدّس سرّه) و القضية الإسلامية العراقية
لقد أولى الإمام (قدّس سرّه) القضية الإسلامية في العراق رعايةً
وأهمية خاصة؛ لأنّه كان يعرف الكثير من ظروفها عن قرب،
بسبب وجوده في العراق، ورؤيته لمجمل الأحداث السياسية فيه عن كثب.
وقد سمعته في أحدى المرات يقول: إني كنت أتوقّع قيام الحكم الإسلامي في العراق قبل قيامه في إيران؛ بسبب وجود قوى العشائر العراقية التي ترتبط بالعلماء، كما أنّ تكوينة الشعب العراقي العامة عشائرية توالي الإسلام.
وقد ذكر مرة انه قال لآية الله الشهيد الصدر (قدّس سرّه) أني كنت أنتظر من المغفور له آية الله العظمى السيد الحكيم (قدّس سرّه) أن ينهض بالشعب العراقي في وجه الحكم الطاغي، ولكن عندما رأيت موقف الناس من تحرُّكه في الأيام الأخيرة من حياته، أدركت حقيقة الأوضاع المترديّة التي يعيشها العراق، وطبيعة الظروف التي تحيط بالمغفور له المرجع السيد الحكيم (قدّس سرّه)، ومن أجل ذلك كان الإمام الخميني (قدّس سرّه) يهتمُّ بالتحدث إلى الشعب العراقي، واستنهاضه، وشرح الظروف التي يعيشها، والمأساة التي يعانيها، كما تحدَّثَ في مناسباتٍ كثيرة من خلال البيانات واللقاءات العامة، عن مظلومية هذا الشعب، والأمة، وتكالب قوى العدوان والطغيان عليه، وما يعانيه الصالحون من أبنائه، وعلمائه على أيدي العفالقة المجرمين.
توجيهات الإمام (قدّس سرّه) الخميني في الساحة الإسلامية العراقية
وأودُّ الإشارة هنا إلى مجموعةٍ من النقاط التي تشكِّل - بحسب فهمي - جانباً من المنظور العام لتوجهات الإمام الخميني (قدّس سرّه) في القضية الإسلامية العراقية، لمستها عن قرب، ومن خلال اللقاءات الكثيرة معه والأحداث المتعددة:
أ) الاعتماد على القاعدة الشعبية
الاهتمام بأن يكون التحرك الإسلامي والمقاومة الإسلامية نابعةً من الأوساط الشعبية بحيث تصبح بنفسها مدركة لطبيعة مسؤولياتها من ناحية، وقادرة على المواجهة بما تملك من طاقات، وامكانات هائلة من ناحية اخرى.
وقد لاحظت ذلك ايضاً من خلال قبوله لاستقبال جماهير ابناء الشعب العراقي المتواجدين في ايران.
فعندما طلبت منه ذلك في الذكرى الأولى لاستشهاد آية الله السيد الصدر (قدّس سرّه) تحدَّث إليهم بشكل خاص، وكذلك من خلال قبوله لاستقبال المجاهدين العراقيين في مناسبات متعددة.
ب) القيادة العلمائية
إلى جانب ذلك إعطاءه الأهمية الخاصة بأن تكون قيادة المسيرة بيد العلماء، وخط المرجعية، والحوزة العلمية.
ويبدو ذلك واضحاً من خلال حديثه في اللقاء الأول مع جماعة العلماء المجاهدين، التي تم تأسيسها بعد أن قدَّمتُ له تقريراً عن تأسيسها، وأشخاصها، وتفاصيل ظروفها، ووافق لأول مرة أن يكون له ممثِّل فيها، بعد أن طلبت منه ذلك في اللقاء الأول لجماعة العلماء معه (قدّس سرّه)، فعيّن سماحة آية الله السيد علي خامنئي (حفظه الله)، الذي كان له الاهتمام بالقضية الإسلامية العراقية، وفي حديثه (قدّس سرّه) مع جماعة العلماء أكّد على دور العلماء في قيادة الأمة، ومحاولات الاستعمار الحثيثة في عزلهم عنها، وتشويه صورتهم، واضعاف دورهم فيها، وذكر بعض المعاناة في إيران تجاه هذا الموضوع أيام (رضا شاه) الأب، وما لاقاه العلماء من سخرية من قبل بعض الأوساط بسبب ضغط النظام، وأنَّ العلماء هم الذين يمكنهم جمع كلمة الأمة، وأنَّ اتفاقهم سوف يؤدي الى نجاح التحرك في العراق وكان أكثر أعضاء المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذين استقبلهم الإمام الخميني (قدّس سرّه) هم من العلماء.
جـ) استقلالية القضية العراقية سياسياً
إلتزم الإمام الخميني (قدّس سرّه) بسياسة عدم التدخل المباشر في القضية العراقية، والاكتفاء بإعطاء التوجيه العام لها، وقد لاحظت ذلك من خلال الموقف العام، تجاه مشروع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، حيث وافق بعد فترة من تأسيسه على استقبال أعضائه (33)، ولكن لم يوافق على تعيين ممثل خاص له فيه، رغم الطلب المستمر منه بهذا الشأن.
د) دفع العراقيين باتجاه الاعتماد على النفس
كان يسعى؛ لأن يتحمل العراقيون أنفسهم مسؤولية القضية السياسية الإسلامية، وإيصالهم إلى درجة الرشد السياسي، والاكتفاء الذاتي؛ وذلك من خلال إشعارهم بالاعتماد على أنفسهم، والثقة بها، وتوجيههم لحل مشكلاتهم بأنفسهم.
وأذكر - بهذه المناسبة - عندما حدثت خلافات بين بعض الأطراف الإسلامية، رُفعتْ إلى بيت الإمام الخميني (قدّس سرّه) فتدخَّل حجة الإسلام السيد أحمد الخميني في الأمر و اكتفى بالسعي لإصلاح الموقف باهتمام، وإعطاء التوجيهات العامة من قبل الإمام الخميني دون أن يمارس أيَّ لون من الضغط، أو الحسم في المسائل المطروحة، فكان من الواضح أنّه يسعى لحل الخلافات بدفع الأطراف إلى الحل بأنفسهم، كما أنَّه أجازني بصرف الحقوق الشرعية في القضايا المرتبطة بالقضية الإسلامية في العراق، مع أنَّه يتحرَّج كثيراً في صرف الحقوق في غير المجالات المعروفة لصرفها، وهي: الحوزات العلمية ومؤسساتها، كالمساجد والمدارس، حيث أُفسِّر إعطاء هذه الإجازة كان بسبب اهتمامه (قدّس سرّه) بالقضية الإسلامية في العراق، ومحاولة ربط العراقيين بها دينياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي، ووصولها إلى الرشد المعنوي والمادي والسياسي.
هـ) السعي لحل مشكلات القضية العراقية
سعي الإمام الخميني (قدّس سرّه) بجد لحل المشاكل الرئيسية التي تواجه القضية الإسلامية في العراق، من خلال تعقيدات بعض الأجهزة في الجمهورية الإسلامية؛ بسبب ظروف الثورة ومواقف بعض العناصر، فقد تدخل الإمام الخميني (قدّس سرّه)، وأعطى توجيهاته بضرورة حل هذه المشاكل ذات الطابع الروتيني، وأتذكر بهذه المناسبة أنّ نجله حجة الإسلام السيد أحمد (رحمه الله) أبلغ ممثل الإمام الخميني (قدّس سرّه) في حرس الثورة الإسلامية: أن الإمام الخميني (قدّس سرّه) أمر بحل جميع المشاكل التي يواجهها السيد الحكيم فيما يتعلق بالقضية الإسلامية، وكان ذلك بعد أن كنت عرضت على سماحته (قدّس سرّه) وجود هذه المشاكل بشكل إجمالي، كما أنه (قدّس سرّه) أصدر أمره بحل جميع مشاكل الأخوة العراقيين في إيران، بعد قرار وقف أطلاق النار، وعلى أثر ذلك عقدت عدة اجتماعات، واتخذت قرارات عديدة من رئيس الجمهورية حينذاك آية الله السيد الخامنئي (حفظه الله).
كما أنه (قدّس سرّه) تدخل في مسألة معقدة، واجهتها القضية الإسلامية، يمكن أن أسميها قضية (أياد سعيد ثابت)، فإنَّ هذا الشخص جاء إلى ايران بتأييد من إحدى الدول العربية المؤيدة للجمهورية الإسلامية في موقفها من حرب الثمان سنوات، وتم استقباله في ايران إنطلاقاً من سياسة فتح الساحة الايرانية أمام كل قوى المعارضة العراقية على إختلاف توجهاتها السياسية، وتعبئتها ضد نظام صدام المجرم.
واستقبله الامام الخميني (قدّس سرّه) في البداية مع الشهيد حجة الاسلام الشيخ محمد المنتظري، واتصل بعد ذلك الشهيد منتظري بي تلفونيا، ً وأخبرني أنّ الإمام الخميني (قدّس سرّه) طلب من (أياد سعيد ثابت) الاتصال بي، والتنسيق معي في شؤون التحرك، وطلب موعداً للقاء به.
وتمَّ اللقاء - بناءاً على ذلك - مع (أياد سعيد ثابت) أكثر من مرة، وجرت أحاديث، ذكرت فيها وجهة النظر التي نتبناها في قضية المعارضة ووحدتها، وهي الانفتاح على المعارضة المخلصة، والتعاون معها ميدانياً؛ لمواجهة النظام بعيداً عن منطق الشعارات، أو الصفقات السياسية، وأنّ هذا هو موقفنا العام من المعارضة العلمانية.
واستمر الحال على هذا المنوال، وتعاملنا مع الموضوع من موقع الحرص على وحدة المعارضة العراقية، وإعطاء الفرصة للجميع لإثبات مصداقيتهم في المواجهة، وبنفس الأفق والروح كان التعامل مع بعض الجبهات، التي أسست في سوريا أو الأحزاب السياسية الكردية، التي تعمل في المنطقة الشمالية من العراق، ولكن بعد ذلك حدثت عدة أمور أشير إلى اثنين، منها:
1. انّ (أياد سعيد ثابت) قام بالإعلان عن تنظيم سياسي ثوري قومي، مغلّف بالإطار الإسلامي؛ من أجل التمويه على حقيقته، ومحاولة منه لركوب الموجة الإسلامية العارمة، وتهجم في المؤتمر الصحفي الذي عقده بهذه المناسبة على مجمل التحرك الإسلامي في العراق، واتهمه بالعمالة للأجنبي، وردد نفس التهم التي كان يطلقها العفالقة المجرمون تجاه التحرك الإسلامي، وتناول الهجوم بشكل خاص علماء الدين المجاهدين.
2. انّ الأنصار الذين أخد يجمعهم (أياد سعيد ثابت) كانوا على الغالب مجموعة من المرتزقة، الذين يُشترون بالأموال، ويمارسون ألواناً من الانحرافات الأخلاقية، مستغلاً الإمكانات المالية التي كانت توفرها لهم هذه الدولة العربية (ليبيا)، ومستفيداً من اندفاعها في معارضة نظام صدام.
وكذلك استغل الأوضاع المأساوية والحياتية المتردية التي كان يعيشها العراقيون؛ بسبب ظروف التهجير والتشرد، بحيث أصبح العمل الجهادي المقدس من خلال هذا النهج، وكأنه بورصة الأوراق المالية والتجارية، كما أنه استدعى لقيادة التنظيم بعض العناصر المنبوذة والمشبوهة في الساحة اللبنانية، والتي كانت تعيش في أماكن اللهو والفساد.
ولذلك انسحب من جماعته بعض العناصر الخيرة المغرر بها، أو التي جاءت إلى إيران تحت التأثير العاطفي الذي أوجدته الثورة الإسلامية في بعض المناطق، كما تمردت عليه بعض العناصر الأخرى.
وكانت بعض المؤسسات الثورية الإسلامية في إيران مضطرةً لغض النظر عن هذه التصرفات؛ حفاظاً لروح الصداقة مع ليبيا، واحتراماً وإكراماً لطبيعة العلاقة معها، وهي تشعر أن هذه الدولة قد وضعت كل ثقلها السياسي إلى جانب (أياد سعيد ثابت) (34). ورأيت ان مسؤوليتي أمام الله تعالى تحتم علي أن أبلغ الامام الخميني (قدّس سرّه) بحقيقة الأوضاع، وأترك له اتخاذ القرار المناسب بعد أن تأكدت بأنَّه لا يمكن أن يتدخل في مثل هذا الأمر المعقد غيره (قدّس سرّه) خصوصاً وأنَّه قد أحال قضية (أياد سعيد ثابت) علَيّ في بداية مجيئه الى ايران، فأصدر الامام الخميني (قدّس سرّه) أمراً بإخراج (أياد سعيد ثابت) عندما اطًّلع على هذه الحقائق.
وبذلك أنقذ الامام (قدّس سرّه) القضية الإسلامية في العراق من خطر حقيقي، كانت تواجهه في تلك المرحلة.
كما أنّ الإمام الخميني (قدّس سرّه) تدخَّل من خلال بعض ممثليه في تصحيح الأوضاع والمواقف السيئة، التي كانت تتخذها وحدة حركات التحرر، بعد تفاقم الاوضاع في مواقفها، وسياستها تجاه القضية العرقية، حيث رفعتُ للإمام الخميني (قدّس سرّه) تقريراً عن طبيعة المشاكل والتعقيدات، فأصدر أمره بمعالجتها، الأمر الذي أدى إلى إنتقال القضية العراقية إلى وضع آخر، حيث تم تأسيس مكتب العراق، ومن ثم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.
و) الوحدة في الأمة
لقد كانت قضية الوحدة بين أطراف المعارضة الإسلامية في العراق قضية مركزية في نظر الإمام الخميني (قدّس سرّه) أكًَََّد عليها في حديثه في اللقاءِ الأول مع جماعة العلماء، وأيضاً في اللقاءِ الأول مع المجلس الأعلى، كما كان يؤكد على ذلك خلال لقاءاتي الخاصة به.
وكان يبدو عليه الارتياح عندما كنت أعرض عليه موقفاً موحَّداً؛ إذ كان يستجيب لمتطلبات هذا الموقف الموحد فوراً؛ ولذلك رحب بسرعة بفكرة جماعة العلماء؛ لما كانت تجسده من منطلق عقائدي، ووحدة في الساحة.
وبالرغم من أنّه كان يدرك أنَّ بعض القضايا لا يمكن تجاوزها في العمل، وقد تؤدّي إلى الخلاف، خصوصاً تلك القضايا التي ترتبط بالحالة الثورية، أو التخلف السياسي، أو الشجاعة الكافية في تبنِّي المواقف الساخنة، إلاّ أنه (قدّس سرّه) كان يتخوف من تلك الخلافات، خصوصاً الخلافات التي تنبع من هوى النفس وحب الجاه؛ ولهذا كان يؤكد على أنَّ هذا السبب هو الذي ينتهي بالقضية إلى الهاوية.
وبسبب توجيهات الإمام ـ على ما أعتقد ـ وحرصه وحرص ممثليه، تمكنت الأطراف الإسلامية تجاوز الكثير من قضايا الخلاف، وتحقق هذا المستوى من الوحدة في وجهات النظر، والمواقف السياسية، والعمل المشترك الذي تجسَّد في أطروحة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، كما تمكنت الأطراف الإسلامية أن تتحاور بإستمرار، وتتعاون في كثير من المجالات، كما استطاعت اخيراً من تحقيق الانجازات الكبيرة في الساحة، وأهمُّها القوة العسكرية المنظمة، واقامة مجموعة من المؤتمرات والنشاطات السياسية.
الفصل الثاني
الفكر السياسي للإمام الخميني (قدّس سرّه) النظرية والتطبيق
تـمهيـد
إنّ دراسة الفكر السياسي للإمام الخميني (قدّس سرّه) دراسة مستوعبة تحتاج إلى بحث واسع، ومراجعة دقيقة وشاملة لجميع النتاج الفكري السياسي له (قدّس سرّه)، ومتابعة لخطاباته وحركته السياسية، التي كان يواكبها في الحديث والطرح.
كما تحتاج في الوقت نفسه إلى ملاحظة مواقفه ونشاطاته السياسية، وأعماله الكثيـرة التـي قام بها طيلة حياته، حيث يكشف كل ذلك عن آفاق، وأبعاد فكرية واسعة.
وكل ذلك يحتاج إلى وقت طويل، ومجال أوسع من هذا البحث.
ولكن مع ذلك نحاول أن نلقي بعض الضوء على نظريته السياسية، ونحدد بعض المعالم الفكرية فيها، ونأخذ قضية التطبيق، كمسألة مهمة تكشف عن العمق الفكري للنظرية، ومدى التبني لها.
ومن الجدير بالذكر هنا الاشارة إلى انه (قدّس سرّه) امتاز على غيره من المفكرين الاسلاميين بخصائص عديدة، منها: انه تمكن من ايضاح أفكاره، وتصوراته في مختلف المجالات؛ لما أتيح له من فرصة خلال حركته السياسية، والاجتماعية قبل انتصار الثورة الإسلامية وبعدها، حيث شملت هذه الأفكار مختلف القضايا الهامة الكلية، بل وحتى التفاصيل، الأمر الذي يثري الرؤية النظرية للامام الخميني (قدّس سرّه) ويجعلها دقيقة، وواضحة المعالم.
الخصائص الفكرية للإمام
وبصدد الحديث عن خصائص الإمام الخميني (قدّس سرّه) في هذا المجال لابد أن نشيـر في هذا التمهيد أيضاً، إلى بعض الخصائص الرئيسية التي تعنينا في هذا الأمر:
الرؤية الواضحة والدقيقة للإسلام
الأولى: من خصائصه (قدّس سرّه) انه اعتمد الفهم الأصيل للإسلام (35) منهجاً في حياته، بمختلف جوانبه وتفاصيله، والذي يعتمد على المصادر الإسلامية الأصيلة المتمثلة بالتـراث الطاهر النظيف للحوزات العلمية، هذا المنبع العلمي النقي، الذي لم يتأثر بالثقافة الأجنبية الوضعية، حيث يعتمد في تسلسله الفكري والاستنباطي على الحركة الذاتية، بدءاً من المقدمات، والأساليب، والمناهج العلمية إلى القاعدة الأخلاقية، والتربوية، وانتهاءً بالاعتماد على المصادر الأولية الأصيلة، التي احتفظت بها هذه الحوزات العلمية، وتميـّزت بها على غيرها من المدارس العلمية والفكرية.
كما أنّ هذه الرؤية قد اعتمدت على مستوى عالٍ من الدرجة العلمية، التي تمتّع بها الامام الخميني (قدّس سرّه)، حيث انه كان أحد العلماء القلائل الذين تدور بينهم احتمالات (الأعلمية) في أوساط الحوزات العلمية، وتعتقد قطاعات واسعة من هذه الأوساط انه هو (الأعلم) من بين هؤلاء القلائل.
ويـمكن أن نجد خلاصة لـهذه الرؤية السياسية الواضحة للاسلام في وصيته السياسية، التي دوَّنها.
الرؤى الواقعية للإمام الخميني
الثانية: كان الإمام الخميني (قدّس سرّه) يحمل فكراً وشعاراتٍ ورؤىً تمثّل صوراً حيةً قائمةً في المجتمع، وهذه الصور هي انعكاس لتلك المفاهيم والأفكار التي أخذها من الإسلام -الإسلام الأصيل-.
فقد كانت لديه -مثلا- رؤية تجاه الصراع القائم في عالمنا اليوم بين الاستكبار والاستضعاف، وكذلك له رؤية تجاه قوى الاستكبار ودور كل منها؛ إذ كان يفهم الفرق الموجود بين أمريكا و روسيا، كقوّتين استكباريّتين داخلتين في طبيعة الصراع مع الاستضعاف، لكنَّ لكلٍ منها موقعاً يختلف عن الأخرى. كما كانت لديه ـ أيضا ـ رؤية عن موقع العملاء لقوى الاستكبار العالمي وطبيعتهم، وكيفية التعامل مع أنظمة حكمهم القائمة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فكان يشخّص هؤلاء حتى في وصيته، حيث شخّص بعضهم على أساس أنهم عملاء من الدرجة الأولى، لهم دور خاص ومهم في العالم الإسلامي، قد يختلف عن عملاء آخرين يأتون من الدرجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو العاشرة.
وكذلك كانت له ـ أيضا ـ رؤية في العلماء قائمة على التمييز بين علماء السوء والعلماء الصالحين والمخلصين، وهكذا رؤيته في الشعائر الإسلامية، كما في رؤيته الواقعية للحج، عندما أراد من المسلمين إظهار البراءة من المشركين، فالقرآن الكريم يقول: {بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} (36).
ولاشك ان مشركي قريش - الذين كانوا يعبدون هبل واللات والعزى - لا وجود لهم اليوم حتى يتبرأ منهم المسلمين، وبالتالي فممَّن نتبرأ؟
فإذاً، يفترض ان يكون التبرئ حسب ما يقول (قدّس سرّه): من أمريكا، ومن روسيا، ومن إسرائيل، وكل طواغيت وجبابرة الأرض، هؤلاء هم المشركون، الذين يمثّلون من يعبدون اللات والعزى في هذا العصر.
وهذه الرؤى السياسية بمجموعها كانت تتحرك على ارض الواقع، وليست رؤىً مجردة على شكل أفكار، ومفاهيم فحسب. انما كانت تمثّل بعدا مهماً في شخصيته.
الموازنة بين المفاهيم والرؤى
الثالثة: كان (قدّس سرّه) حريصاً جدا على حفظ التوازن بين المفاهيم الإسلامية المأخوذة من الحوزات العلمية وبين رؤاه السياسية المتحركة على أرض الواقع، فتمكّن من الموازنة بينهما، الخروج بالإسلام الذي حرّكَ العالم. صحيح، أنَّ مفاهيم القران موجودة، وأنهَّ يُقرأ في أكثر إذاعات المسلمين إن لم يكن في جميعها، والكثير من العلماء والخطباء يصعدون المنابر في كل بلاد المسلمين، ويتحدّثون بمفاهيم مأخوذة منه بشكلٍ عام ولكن كل ذلك لم يُحرّك الأمة ويجعل الإسلام على سطح الأحداث كلّها، وكان من خصوصياته (قدّس سرّه) أنّه الشخص الوحيد من بين قادة المنطقة الذي تمكّن من أن تكون له القدرة خلال عشر سنوات، أو أحدى عشرة سنة - من سنة ما قبل انتصار الثورة، وحتى وفاته (رضوان الله عليه) - على البقاء في صدر الأحداث العالمية، وليس فقط في صدر أحداث إيران، أو أحداث المنطقة، وهذا الدور العظيم جدا الذي تمحور في تحريك الجسم العالمي الكبير كان من خلال الرؤية الأصيلة للإسلام، ومن خلال التأثير في الناس. حيث انه لم يكن طرحه
مجرد أفكارٍ ومفاهيم، وإنما كان تقديم تلك الأفكار والمفاهيم ضمن رؤىً تتعامل مع الواقع القائم فعلا أمامَ الناس، بحيث يشعر هؤلاء المسلمون بأنَّ هذه الرؤية الإسلامية متطابقة تماماً مع ما يشعرون به من آلامٍ ومعاناة.
وفي هذا الصدد أتذكَّر أنّي كنت بمحضر الشهيد الصدر (قدّس سرّه) بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بشهرين أو ثلاثة، وتحدّثنا في تحليل انتصار الثورة، وانتهينا إلى أنّ الإمام الخميني (قدّس سرّه) تمكّن أن يقدم الإسلام متطابقاً مع حاجات الناس، ولم يتحدّث معهم في أفكار الإسلام.
فلو افترضنا - مثلا - أنَّه دخل أولاً في بحث التوحيد، وأنَّ الله سبحانه وتعالى واحد من أجل أن يدعو الناس لوحدانيته سبحانه وتعالى- ففكرة التوحيد أساسية في الإسلام، وهو كلّه قائم على أساسها، وبدون التوحيد لا معنى للإسلام أصلا -، أو تحدَّثَ بالنبوة، أو الإمامة فماذا كان سيحصل حينئذٍ؟
لم يدخل الإمام الخميني (قدّس سرّه) للناس من خلال بحث هذه الموضوعات، مع أنًَّ هذه الموضوعات أساسية ولا شكَّ في ذلك، وإنما دخل من أبحاثٍ أخرى، كدور أمريكا في المنطقة، ودور المستشارين في إيران، و بحث المترفين والمستضعفين (37)؛ ولذا اثر في الناس؛ لأنّ الناس - الآن - لا يشعرون بأنَّ المعركة الفعلية القائمة في حياتهم هي قضية التوحيد - بالرغم من أن جوهرها ذلك ـ ولذا فإننا إذا أردنا أن نجعل هذا الإنسان موحِّداً توحيداً حقيقيا يرفض كل الآلهة، ويتمسّك بالله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، ويتبرأ من المشركين حقاً، فيجب أن نطرح له النظرة الإسلامية في مشكلاته الفعلية التي يعانيها (38)، ومن خلال طرح هذه المشاكل يمكن أن يفهم التوحيد، والنبوة، ويفهم الدين فهما حقيقياً، وأتذكر أن الشهيد الصدر (قدّس سرّه) كتب رسالة مفصلة في بيان تصوراته عن التحرك الإعلامي الإسلامي، وقد نُشرت في بعض النشرات التي كانت تصدر عن بعض الحركات الإسلامية.
الشجاعة والإرادة القوية
الرابعة: ان الشجاعة والإرادة والتصدي في الوقت الذي تكشف فيه عن الدرجة العالية من الايمان والتحلّي بالأخلاق الإسلامية الرفيعة والخلفية العقائدية والفكرية لها، تكشف - أيضاً- عن مدى العلاقة في نظر الإمام الخميني (قدّس سرّه) بين النظرية والتطبيق، وأهمية التطبيق، وموقعه من النظرية نفسها، وأنَّه يمثِّل بُعداً فكرياً وأفقاً نظرياً في الوقت نفسه.
ولعلّ هذه الخصوصية هي أهم الخصوصيات في الجانب الشخصي والأخلاقي فيه (قدّس سرّه)، كما انها من أهم الخصوصيات في البعد الفكري والنظري.
إن الرؤية الفكرية والسياسية الواضحة قد نجدها بشكل أو بآخر لدى كثير من العلماء والباحثين، عندما يتحدثون عن الاسلام والفكر الاسلامي، ويحاولون أن يستنبطوا النظرية الإسلامية من الكتاب الكريم، والسنّة المعصومة، ولكن لا نجد - مثلاً - في تاريـخنا إلاّ أفراداً معدودين كانوا ينظرون إلى قضية تطبيق هذه النظرة المتميزة، بحيث يكونون على استعدادٍ دائم ومستمر، لأن يخططوا ويتابعوا، ويناضلوا، ويضحّوا بكل شيء، وبكل ما يملكون من جاه ومال، وأولاد، وأهل، وأصحاب، ومُريدين، ويوظّفوا كل قدراتهم، وإمكاناتهم العقلية، والمادية، والاجتماعية من أجل التطبيق.
وتصريحات الامام الخميني (قدّس سرّه) وأقواله في التعبير عن هذا البعد جاءت متطابقة مع سلوكه، ومواقفه العملية، الأمر الذي يعطي لمسألة التطبيق بعداً فكرياً وعقائدياً إلى جانب البعد الأخلاقي.
|