8. منهج الاختيار

إعطاء الفرصة للامتحان والاختبار، سواء على المستوى الفردي الشعبي، هذا الخلُق الذي يستمد جذوره من الثقة بالله تعالى والاعتماد على النفس، والأهداف الصالحة.

وفي تجربة الوزارة الأولى المؤقتة للجمهورية الإسلامية (16)، وتجربة انتخابات رئاسة الجمهورية الأولى، التي جرّت إلى الصراع مع بني صدر، عندما بدأ بالانحراف، وتجربة الحريات السياسية للأحزاب العلمانية، وشبه العلمانية، وغير ذلك من التجارب العامة والخاصة، أفضل شاهد على هذه الحقيقة.

وكان الإمام في هذا المجال يحاول دائماً أن يجعل الأمة مدركة للوقائع والأحداث، بنفسها وواعيةً لدورها، مبتعداً عن قضية التدخُّل في الجزئيات والتفاصيل، إلا في المواقع الحساسة، التي يشعر انّ الأمة تكون فيها بحاجة إلى التوجيه والهداية، كما حصل ذلك في قضايا الانتخابات الأولى.

فالإمام تدخّل في توجيه الأمة من أجل أن يُثبّت قضية مجلس الخبراء الأوَّل، وتدَخّل في توجيه الأمة لإرشادها إلى النظام الصحيح، الذي تختاره وهو نظام (الجمهورية الإسلامية) لا تزيد كلمة ولا تنقص، بعد أن حاول بعض الناس أن يزيد كلمة ديمقراطية أو شعبية.

ولكنّه ترك الخيار للأمة أن تنتخب رئيسها، دون أن يتدخل في تزكية أحد المرشحين، بعد أن كان هذا الأمر من صلاحياته؛ وذلك من أجل أن تصبح دائرة المنافسة واسعة؛ لتكشف بشكل واضح عن قوة الخط الإسلامي.


9. البساطة والزهد

ان البساطة والزهد من أولويات الحياة المعيشية للإمام الخميني (قدّس سرّه)، فكان يصرّ إلى آخر أيامه على أن يكون المنزل الذي يسكنه منزلاً بسيطاً قدَّمَهُ له أحد العلماء (17)، وقد كان هناك منزل للإمام مملوك له في قم، أخرجه من ملكه بالوقف العام، وأرض في مدينة خمين موروثة من أبيه، أوكل التصرف بها في شؤون الفقراء إلى ممثله في مدينة خمين، وقد رأيت ما كتبه الإمام لممثله بهذا الشأن.


10. الجدّيّة في التعامل

والمتابعة كان يتمتع (قدّس سرّه) بهذه الصفة بشكل مدهش (18)، ويمكن ملاحظة ذلك إذا أخذنا مقطعا زمنيا من حياته كالسنة الأخيرة منها -مثلا-، فنجده بالرغم من أنَّ جسمه مليء بالإمراض، و من كونه إنساناً مصدوماً في كلِّ المسائل والقضايا، لكن لم يتوقف لحظةً واحدة عن متابعة أمور إيران، حيث شكّل مجلس إعادة النظر في الدستور، وبدأ ـ المجلس ـ يتابع قضية القيادة البديلة، وحتى النفس الأخير من حياته (قدّس سرّه) كان يتابع قضية القيادة، بل هو على فراش المرض الذي توفي فيه.

وهكذا في بقية الأمور، كان يصدر البيان تلو الاخر، بحيث اذا جمعنا خطاباته وبياناته ومواقفه، فستكون هناك عشرات المجلدات، وكان هو شخصيا يكتب هذه البيانات بيده، وينظر إليها ويُصلحها، فكان له هذا النوع من المتابعة، والاهتمام بالقضايا وبهذه الجدية، حتى النفس الأخير.

وعندما تشعر الأمة أن قائدها دائما معها، يحزن لأحزانها، ويتألّم لآلامها، ويتابع ويتخذ المواقف تجاه قضاياها، ويحدد لها المواقف ويخاطبها، ولا يترك أي ثغرة أو خلل، أو فراغ في حياتها إلا ويملأه من خلال الحركة الدؤوبة والمستمرة، من فبطبيعة الحال حينئذ ستنشدُّ الأمة إليه.

كان الإمام الخميني (قدّس سرّه) يتولى خطابه بنفسه، وعندما عجز عن الخطابة لم تظهر عليه حالة العجز، بل بدأ مباشرةً بالكتابة فكانت البيانات، التي كتبها في الفترة الأخيرة من حياته، أكثر من كل الفترات السابقة، لأنّه وجد نفسه ليس معذوراً بالمرض عن الكتابة، فأخذ يكتب البيانات متتالية، هذه الخصوصية مهمة جدا في حركة الأمة، فالأمة إذا كانت تتحمل مسؤوليتها، وتتابع قضاياها، وتحمل همّها، وكذلك القيادة وكل الناس، فستتمكن من انجاز الأهداف، وأما إذا طرحنا الشعارات، وتركناها معلقة في الهواء دون حركة وصبر وثبات، ودون متابعة فلا يمكنها تحقيق أهدافها.


مواقفه (قدّس سرّه)

المواقف السياسية الواضحة للإمام (قدّس سرّه) تمثّل قضية أساسية في شخصيته، كما في قضية سلمان رشدي -مثلاً- والتي هي في الحسابات السياسية المتعارفة ـ التي هي حسابات الخسائر والأرباح ـ تُعتبر خسارةً على الجمهورية الإسلامية، لكنَّ الإمام كان يحسب حساب قضية أصل، الصراع وأصل الفكرة ومصلحة الإسلام (19) وضحّى في هذه القضية بمصالح الجمهورية الإسلامية الخاصة، من أجل مصالحها العامة التي هي الإسلام، إذا أُهين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسكتنا عن ذلك، فماذا يبقى من الإسلام؟ نحن ندافع عن الكلمة المعروفة عن علي (عليه السلام)، في صفّين عندما افتقده أصحابه، وقلقوا كثيراً لفقدانه، ثم فتّشوا عنه في ساحة المعركة ليلة الهرير، وإذا بهم يجدونه يصلي في تلك الليلة، قيل له: يا أمير المؤمنين، هل هذا وقت الصلاة؟ الصلاة الآن مستحبة، وليست واجبة، والوقت الآن وقت الصراع، قال لهم: نحن نقاتلهم على الصلاة، إذا تهاونّا في الصلاة، لماذا نقاتل؟

الإمام الخميني (قدّس سرّه) كان يفكر بهذه الطريقة، وهي أن مصلحة الإسلام هي المصلحة الأولى، وتأتي بقية المصالح بدرجات أخرى من الأولويات.

وسوف نشير فيما يأتي من هذا الكتاب إلى جملةٍ من المواقف الأخرى للإمام (رضوان الله عليه).


محاولات التسقيط تجاه الإمام


ومع كل ما تقدم نجد الإمام الخميني (قدّس سرّه) لا ينجو من محاولات التسقيط والهدم والاتهام، شأنه في ذلك شأن القادة، والهداة في تاريخ البشرية، الأمر الذي يجب الانتباه إليه في جميع محاولات التسقيط، التي يتعرض لها المتصدّون للعمل الإسلامي ـ عادة ـ والتي لا يمكن تجنُّبُها بأيِّ حال؛ ٍ لأنها تعبر عن اسلوب يستخدمه الاعداء ضد الصالحين، مهما كانت ظروفهم ومواصفاتهم، ومن هذه المحاولات:

1. اتّهم (قدّس سرّه) بالمثالية، والخيالية في تصوراته ومشاريعه، وهي التهمة التي لم ينج منها حتى الانبياء والمرسلين، ففي صراعه المريد مع الشاه، كانت هذه التهمة يطلقها البعض، حيث يعتقدون ان امكانية اسقاط الشاه ضرب من الخيال؛ لما يملكه من الاجهزة والامكانات، التي يملكها والقدرات التي تقف وراءه وتدعم وجوده، وقد أثبتت التجربة الواقعية امكانية ذلك، وإنّه أمر واقعي.

2. اتّهم (قدّس سرّه) ـ أيضاً ـ بالافتراء والتزوير، حيث نجد هذه التهمة يطلقها اعداء الاسلام ضده، بشأن تفسيره للدين وارتباطه بالمواقف السياسية، أو تفسيره للعبادات، كالحج وصلاة الجمعة، بأبعادها السياسية.

3. الطعن بالاوضاع الشخصية، وبالقرارات التي يتخذها، كالتأثر بالحاشية أو الغلو، والتطرف في المواقف والحكم، وما أشبه ذلك، مما تبثّه اذاعات المستكبرين والشياطين، وأذنابهم ويروجه المروجون، والمنافقون، كما كان يُصنع ذلك مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان يُلمز في الصدقات، ويتهم بالسذاجة، أو يتهم في أزواجه ونسائه.

وهكذا يتعرض القدوة الصالحة لمثل هذه المحاولات بعد اصابة أعداء الإسلام باليأس من إسقاط النظرية نفسها، أو خوفهم من مواجهتها بشكل واضح، فيتوجهوا لإسقاط أشخاصها ورجالها؛ لأنهم يدركون أنّ النظرية لا تؤثر في المجتمع بدون الرجال الذين يحملونها.

ولذلك يصبح الاسلوب الصحيح في مواجهة محاولات التسقيط والتشهير هو الاعتماد على المقاييس الموضوعية، التي وضعها الاسلام أمامنا، لتقييم القدوة الصالحة، مثل: التاريخ الجهادي، والمعاناة الطويلة في سبيل الاسلام، والقضية، والتجربة الاجتماعية القائمة على أساس النظرة العلمية للاشياء، لا على أساس الظنون والآثام، والتقوى والارتباط بالله تعالى، إلى غير ذلك من المقاييس، التي وضعها القرآن الكريم، والإسلام العظيم أمامنا (20).


من تجاربي مع الإمام (قدّس سرّه)


قد يكون من المفيد في هذا البحث أن أشير إلى جانب محدود من تجربتي الخاصة مع الإمام الخميني (قدّس سرّه) باعتبارها تمثّل جانباً من سيرته، التي تتسم بالقدوة، وأتمثَّلُ فيها صفة الشاهد لهذه السيرة، لا المحلل لها، وبطبيعة الحال سوف أقتصر على بيان بعض الملامح بالمقدار الذي تسمح به الظروف الفعلية والمصلحة الإسلامية، والمجال المحدود لهذا البحث.


التجربة في النجف الأشرف

كان منهج الإمام الخميني (قدّس سرّه) في النجف الأشرف عدم التدخل في القضايا السياسية، التي تطرأ على الساحة العراقية، وكنت أفهم ذلك على أساس تفرُّغِه للقضية الإسلامية في إيران، وعدم الانجرار إلى توزيع الجهد على ساحات متعددة، خصوصاً وانّ المرجعية العامّة المتصدية حينذاك - مرجعية الإمام السيد محسن الحكيم -، كانت تتولى بشكل خاص القضايا في الساحة العراقية، وقد تكشَّفَت للإمام من خلال مراقبته للأوضاع العامة، ولصراع المرجعية مع السلطة في العراق، الكثير من الحقائق عن طبيعة الأنظمة، والنظام العفلقي بالخصوص، وعن طبيعة الأوضاع، والعلاقات مع الشعب العراقي.

وبعد ان تعرضت الحوزة العلمية لضغوطات النظام العفلقي في الأيام الأخيرة من حياة الإمام الحكيم (قدّس سرّه)، حاول الإمام الخميني (قدّس سرّه) الالتزام بموقفه السابق تجاه هذه الأحداث أيضاً، وحتى أنه على مستوى التصدّي للتقليد في العراق لم يُبد أي نشاط ملحوظ في دعوة العراقيين إلى تقليده، بالرغم من رعايته لطلاب العلوم الدينية، من كل الأوساط، ومنها العراقية.

ولكن عندما صعد النظام من ضغوطاته، وواجهت الحوزة ظرفاً استثنائياً حرجا، ً تمثل في قرار تسفير كل الأجانب فيها - من الإيرانيين، وغيرهم في الحوزة العلمية -، نجد الإمام يبادر ولأوّل مرة باتخاذ قرار تعطيل الحوزة العلمية احتجاجاً على موقف الحكومة البعثية، في حين كانت الحوزة تعيش حالة الحيرة والتردد، ويطلب من كل الأوساط الحوزوية الاستجابة إلى ذلك، واتخاذ موقف موحَّد إلى حين تراجع الحكومة عن موقفها.

وكان هناك موقف لشهيدنا آية الله السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) في هذا المجال، قام بعدة زيارات للإمام من أجل التضامن وترتيب الموقف الموحد، كما انه قام بزيارة آية الله العظمى السيد الخوئي (قدّس سرّه) في بغداد، حيث كان يرقد في المستشفى للعلاج، وتدارس الموقف معه، الأمر الذي انتهى بعد ذلك، بتراجع البعثيين عن موقفهم، ومجيء (علي رضا) مسؤول المخابرات البعثية ـ حينذاك ـ إلى النجف الأشرف، وزيارته للمراجع، وإعلانه قرار وقف التسفير.


تخفيف الروتين والمجاملات

من الملاحظ في شخصية الإمام الخميني (قدّس سرّه) التقليل من المجاملات الروتينية، والاهتمام ببعض القضايا الشكلية الموروثة المعروفة في بعض أوساط الحوزات العلمية.

مثلاً: عدم تصديه (قدّس سرّه) لإقامة الفاتحة على أرواح العلماء، الذين يتوفون في الخارج، حيث كان من المألوف أن يقيم المرجع مجلس الفاتحة لمدة ثلاثة أيام، وقلٍصت بعد ذلك بقرار من الامام الحكيم (قدّس سرّه) لمدة يوم واحد على أرواح هؤلاء العلماء، بحيث كانت تتكرر هذه المجالس أحياناً عدة مرات في الأسبوع، ومن قبل مجموعة من المراجع، أو المرشحين للمرجعية (21).

كما قلّص مدة مراسيم الجلوس يومياً - المعتادة للمراجع - لعدة ساعات في النهار والليل، للقاء العام مع الناس إلى ساعة واحدة مساء، وبشكل مضبوط، بحيث لا تزيد دقائق على هذا الوقت.


الأسلوب الجديد في التصدي السياسي

حاول الإمام الخميني (قدّس سرّه) أن يدخل أسلوباً جديداً في منهج المراجع العظام، وهو التصدي للقضايا السياسية من خلال الخطب، وشرح المفاهيم بشكل مباشر، بعد أن كان المراجع يتصدون لذلك في بعض الأحيان عن طريق اتخاذ المواقف، أو الرسائل، والبرقيات، أو الفتاوى، أو الممثلين.

وكانت خطاباته، وأحاديثه فيما يتعلق بالحكومة الإسلامية، أو ببعض المناسبات السياسية، والأحداث المستجدة في الساحة الإسلامية الإيرانية، لها تأثير خاص بين طلاب العلوم الدينية، وأتذكر بهذا الصدد ان آية الله السيد محمد جواد الطباطبائي التبريزي (رحمه الله) عقد له اجتماع مهم، في مسجد الهندي من قبل علماء، وطلاب الحوزة العلمية، بعد هذا التحرك، وصعد المنبر وتناول القضايا السياسية الآنية، وكان لهذا الاجتماع دوي في النجف الأشرف.


الاهتمام بالعمل الإسلامي في العراق

وعندما أقدم نظام العفالقة المجرمين على الحكم بالإعدام على خمسة من خيرة أبناء العراق، فيهم بعض العلماء، وبعض المثقفين الرساليين بتهمة التعاون مع حكم أجنبي - كان يقصد به حكم الشاه - والانتماء إلى حزب سياسي غير مجاز (حزب الدعوة الإسلامية)، وتأكَّد لإمام الأمة أنَّ هذه التهم باطلة، وأنّ النظام سوف يقدم على تنفيذ هذه الجريمة الشنيعة، حاول (قدّس سرّه) من خلال جهازه الخاص التدخل في هذا الأمر، عندما طلب منه ذلك، للحيلولة دون ارتكاب هذه الجريمة، ولكن الأوان كان قد فات، حيث نفّذت الجريمة في نفس الساعات التي أُبلغ الإمام فيها بهذا النبأ، ولاشك أنَّ تدخّل الإمام في هذا الأمر، كان له أثر كبير من الناحية المعنوية على الأقل؛ لأنه سوف يبعد عن هذه المجموعة الكثير من الشبهات، التي تحاول السلطة ترويجها ضدهم، وذلك لوضوح موقف الإمام من حكم الشاه.

وأتذكر بهذا الصدد لوناً من الرعاية الخاصة من قبله (قدّس سرّه)، حينما حُكِمَ عليّ بالسجن المؤبد في قضية انتفاضة صفر المعروفة (22) فقد تعاطف مع هذا الحدث، بالرغم من أني لم أكن محسوباً ـ حينذاك ـ في عُرف الحوزة العلمية على حاشيته الخاصة، فقد كان يتفقد بشكل مستمر أحوالي الخاصة، وأنا في السجن، حيث حدثني أحد العلماء من أسرتنا أنّ الإمام الخميني (قدّس سرّه) كان يسأله عني كلّما التقى به في الحرم الحيدري (23) الشريف، حتى يوم تشييع ولده آية الله السيد مصطفى (رحمه الله).

علماً انه (قدّس سرّه) معروف بين الناس، أنّه قليل الكلام في الشؤون الخاصة، وقليل العلاقات أيضاً.

كما انه أرسل خبراً بتوسط أحد العلماء في جهازه الحوزوي، وأحد أخواني الشهداء، يعرض فيه راتباً شهرياً، ويظهر استعداده لكل مساعدة.

كما شملني برعياة خاصة بعد خروجي من السجن سواءا في تفقّده الشخصي أو إرسال نجله حجة الإسلام السيد أحمد الخميني وبعض خاصته للزيارة.

وقد لمست من خلال كل ذلك العطف الخاص الذي يوليه (قدّس سرّه) للطلبة الذين يقدّر انّ لهم مواقف جهادية وسياسية، وكذلك للتحرك الإسلامي في العراق.


التجربة في إيران

خرجت من العراق بعد شهادة سيدنا ورائدنا آية الله الشهيد الصدر (قدّس سرّه) بشهرين بعد أن اتضح عدم إمكان استمراري في العمل الجهادي داخل العراق، خصوصاً وانّ تهديداً وصلني من مدير الشعبة الخامسة المكلفة بمحاربة النشاط الديني، بالإضافة إلى وضعي تحت رقابة خاصة، كما أنّي كنت معروفاً في كل الأوساط بموقفي وطبيعة علاقاتي، ونَصحَ بذلك مجموعة من السادة العلماء والمراجع، كما أنَّ هناك معلومات كثيرة كنت أملكها عن ظروف العمل الإسلامي، وأشخاصه بطبيعة ظروفي الخاصة، وقربي الشديد من شهيدنا آية الله العظمى السيد الصدر (قدّس سرّه) وبالرغم من انّ الأخطار والأوضاع والنصائح كانت موجودة قبل استشهاده، ولكن كان المبرر المهم في نظري لعدم الخروج والهجرة هو وجود الشهيد الصدر (قدّس سرّه) في العراق واعتقادي بأنه يمكنني أن أقدِّم له ولقضيته بعض الخدمات من خلال قناة الارتباط التي أوجدناها معه أيام احتجازه في بيته، والأهم هو أني كنت على قناعة بأن إقدامي على الهجرة سيعجّل باستشهاده، وأعتقد ان الاحتفاظ بوجوده لفترة أطول مهما كانت الظروف يمثل قضية أساسية تستحق التضحية.

وتدبرت الأمر وخرجت بشكل سري لم يطِّلع عليه حتى أقرب الناس لي، باستثناء اثنين من أهل بيتي استشهدوا في سبيل الله، وأحد الأخوة الأفاضل الذي ساعدني في هذا الأمر جزاه الله خير الجزاء.

ووصلت سوريا، ومكثت فيها ثلاثة أشهر تقريباً بحثت فيها منهج وترتيب بعض الأعمال السياسية مع بعض الأخوة المؤمنين العراقيين، ممن كانوا هناك حينذاك، أو جاء إليها من إيران، ومنهم: سماحة السيد الهاشمي، وسماحة الشيخ الآصفي، حيث اتفقت معهم على الأسس العامة في التحرك في إيران (24).

كما قمت بكتابة بعض الأفكار ومناهج العمل في القضية الإسلامية العراقية، واستراتيجية العمل السياسي والجهادي (25).

وكانت حصيلة البحث هي السفر إلى إيران للانطلاق بالعمل الإسلامي منها، لأنها القاعدة الأساسية لمثل هذا العمل، بالإضافة إلى أنّها تمثل الشرعية، لوجود الإمام الخميني (قدّس سرّه) فيها، وقد تمَّ ذلك بالاتفاق مع بعض الأخوة العلماء، وبعض العاملين في الحقل الإسلامي من مختلف الأطراف على أن يتم الاتصال بي من قبلهم بعد تهيئة بعض المقدمات.

وفي هذه الأثناء (22 أيلول1980) شن النظام المجرم الحاكم في بغداد حربه العدوانية على الجمهورية الإسلامية، كنّا نتوقع ذلك منذ بداية الشهر السابع، وقد أبلغنا الأخوة الإيرانيين بذلك، وتم إغلاق الحدود الجوية والبرية مع الجمهورية الإسلامية، وقطعت وسائل النقل الجوية والبرية المعروفة.

وصمَّمت عندئذٍ على السفر بعد أن استخرت الله بالقرآن على المبادرة إليه فجاءت الآية: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (26).

وحيث لم تكن وسيلة مباشرة للسفر طرحت هذه الفكرة على احد الأخوة العراقيين العاملين، الذي كان يملك سيارة خاصة فاستجاب مشكوراً، وخرجنا من دمشق يوم الاثنين أي: بعد أسبوع من بداية الحرب (27).


في ضيافة الإمام (قدّس سرّه)

ووصلنا الى مدينة تبريز يوم الجمعة صباحاً، حيث زرت آية الله الشهيد السيد أسد الله المدني (28) (قدّس سرّه) ممثل الامام الخميني (قدّس سرّه) وإمام جمعة ـ تبريز ـ حينذاك؛ لأخبره بمجيئي إلى إيران؛ حيث دخلتها دون علم مسبق من أحد.

فاتصل ببيت الإمام الخميني (قدّس سرّه) حول وصولي إلى إيران، فرحبوا وطلبوا النزول، والضيافة قرب بيت الإمام الخميني (قدّس سرّه).

وبعد يومين توجهت إلى طهران بصحبة المرافق الخاص لآية الله الشهيد السيد المدني (قدّس سرّه)، وعند وصولي إلى مشارف طهران، عصراً كانت الطائرات العراقية تشنُّ هجوماً على مطار طهران، حيث شاهدناها تقصف بعض الأجزاء الملحقة بالمطار، وتتصاعد ألسنة النيران منه (29).

ووصلت إلى بيته (قدّس سرّه) عند الغروب حيث كانَ يصلّي، وكان في استقبالي هناك مجموعة من الأخوة العلماء أعضاء مكتب الإمام الخميني (قدّس سرّه)، وبعض الواردين إليه، وطُلِبَ مني الانتظار إلى ما بعد الانتهاء من الصلاة.

وفي الأثناء انقطع التيار الكهربائي في جميع أنحاء طهران، بسبب الإنذار عن وجود غارة جوية أخرى، حيث انتقلنا إلى طابق تحت الأرض للحسينية، وكانت ـ بعدُ ـ في دَور البناء، وبقيت أنتظر مدةً من الزمن لاحتمال عودة التيار الكهربائي، ولكنّه لم يعد، وتمَّ تأجيل اللقاء إلى اليوم التالي، وانتقلنا إلى الدار التي أعدت بقرب دار الإمام الخميني؛ لنزولي فيها (30).

وفي اليوم التالي عندما تم اللقاء شرحت للإمام الخميني (قدّس سرّه) طبيعة الأوضاع التي يعيشها العراق، وذكرت له بعض النقاط الدقيقة حول هذه الأوضاع، فسألَ عن بعض النقاط الأخرى، وموقف العلماء والشعب هناك، وأوضحت له الموقف الواقعي للشعب، والظروف الرهيبة التي يعيشها، والطريقة الوحشية التي يتعامل بها النظام مع الأمة، والآثار الروحية والنفسية للأساليب القمعية، وكان اللقاء خاصّاً لم يشترك فيه أحد، وأبدى فيه الإمام الخميني (قدّس سرّه) مزيداً من اللطف والاحترام، وأبدى بعض الملاحظات منها: التساؤل عن الآثار التي يمكن ان يتركها الإعلان من موقفي الواضح من النظام، وخاصة بالنسبة إلى الأسرة الكريمة لبيت آية الله العظمى السيد الحكيم (قدّس سرّه) وذكرت له أنّي على استعداد لأداء الوظيفة الشرعية مهما كلّف الأمر من تضحيات، مع شعوري بالخطر العظيم الذي يمكن أن ينزل بالأسرة الكريمة.


قرار التصدي

وفي الفناء الذي يقع أمام الدار كان هناك مندوب للإذاعة والتلفزيون على استعدادٍ لإجراء مقابلةٍ معي، حيث يبدو من ذلك ان هذا اللقاء كان موضع الاهتمام والعناية من قبل مكتب الإمام الخميني (قدّس سرّه)، الذي يمثل موقعاً حساساً من حيث الأهمية المعنوية والسياسية حيث كانوا قد أعدُّوا سؤالين تناول أحدهما بشكل خاص موقف الإمام المغفور له السيد الحكيم (قدّس سرّه) من البعثيين وطريقة تعاملهم معه، والآخر حول الأوضاع العامة في العراق.

وأستأذنت الإمام في إجراء هذا اللقاء، وطلبت رأيه بهذا الشأن، والإعلان عن وجودي في إيران، وموقفي من البعثيين، ونظامهم المجرم، فأوكلَ كلَّ ذلك لقراري الخاص، وشعرت عندئذٍ بعظم المسؤولية التي أتحمَّلُها في مجال هذا التحرك من ناحية، وسياسةِ الإمام الخميني (قدّس سرّه) في الاعتماد على الأشخاص الذين يعملون في ساحة العمل الجهادي، بحيث يضعهم أمام الاختبار والتجربة، ويترك لهم حرية الاختيار والتحرك.

وقد لاحظت هذا الموقف منه في أحداث أخرى أيضا، ً منها: قضية استشهاد الستة من آل المغفور له السيد الحكيم (قدّس سرّه) (31)، فأنه عندما طلبت منه تحديد الموقف الشرعي الذي كان دقيقاً وحرجاً (32) أوكل اتخاذ الموقف لي، واعتبَرَه هو الصحيح، في نفس الوقت الذي أبدى تعاطفاً مع المأساة، عبّر عنها في بيانه الرائع بهذه المناسبة، الذي يجسِّد فيه الكثير من معاني الرحمة والحب والاحترام إلى جانب الأبعاد السياسية التي تضمنها البيان.


الإمداد المعنوي

لقد كنت أشعر في أكثر الزيارات التي أقوم بها الى الإمام الخميني (قدّس سرّه) لفتات العطف، والرحمة، والمحبة والتثبيت، والاستجابة للمطاليب، مما يخفف عليّ الآلام، ومعاناة المسٍيرة.

ففي قضية استشهاد الستة مثلاً، أبدى رأيه بوضوح بضرورة تبنّي الجمهورية الإسلامية للجانب الإعلامي فيها، من أجل أن يجنِّبني الحرج في هذا الموضوع، وأبدى توجيهاته بهذا الصدد لنجله الكريم حجة الإسلام السيد أحمد (رحمه الله).

كما أنِّي لاحظت أكثر من مرَّةٍ أنّه في أثناء خطابه في بعض اللقاءات العامة ينتقل إلى الحديث عن هذه المأساة رأسا، ً بعد أن تقع عيناه عليَّ حيث كانت قد أخذت موقعاً خاصاً من قلبه الواسع، عبّرَ عنه في عدة مناسبات، كما أعطى التفسير الإسلامي والسياسي لاهتمامه الخاص بهذه القضية.

وفي بعض الأحيان عندما كنت أشكو له بعض الأوضاع السياسية التي تسبب ضيقاً روحياً ونفسياً، كان يبادر (قدّس سرّه) وبلطف للمقارنة بحاله، حيث وصف نفسه بالسجين الذي يقابل من يحب، ومن لا يحب، بحكم المسؤوليات التي يتحملها مع تأكيده على ضرورة الصبر والتحمل، وأنّ العاقبة سوف تكون إلى جانب الصالحين.

كما أنه كان يسأل في كل مرة ألتقي به - تقريباً لقاءاً خاصاً ـ عن حالة الأخوة والأسرة قبل أن ينزل بهم البلاء، وكأنَّه كان يتوقّع ذلك من خلال معرفته بالطبيعة الوحشية للعفالقة المجرمين، كما كان يسأل عنهم بشكل خاص واهتمام، بعد نزول البلاء بهم بطبيعة الحال.

وقد لاحظت فيه أنَّه يستمع بدقة لما يُعرض عليه، ويسأل أحياناً عن بعض النقاط بدقة، فقد سألني مرة عندما أخبرته عن استشهاد بعض علماء السنة في المنطقة الشمالية من العراق، عن طريقة الاستشهاد، وإنها كانت من خلال التظاهرات، أو عن طريق إلقاء القبض والإعدام.

كما سألني مرة عن طبيعة الخلافات الموجودة في الساحة الإسلامية العراقية، وأبعادها الفكرية والسياسية، حيث كان قد طرق سمعه شيء من هذا الخلاف.

وفي بعض الأحيان يبدو وكأنه يستمع فقط، دون أن يتفاعل في أثناء اللقاء، إلاّ أنه يتبين بعد ذلك أنه أعطى توجيهات معينة، لنجله الكريم حجة الإسلام السيد احمد الخميني ـ كما سوف أشير ـ أو لغيره حسب مقتضيات الحال تدلل على تفاعل كبير في الموضوع.