إيجاد المؤسسات العامة

الثالثة: تشجيع إيجاد المؤسسات، وإقامة المشاريع الخيرية، والجمعيات الدينية والاجتماعية التي يقيمها الأفراد أو الجامعات.

وتأسيس قنوات التخاطب مع الأمة كالمجلات الإسلامية، أو المنشورات، أو المراكز الثقافية، كالمدارس والمكتبات(81) - سواء أكانت المكتبات التي تفتتح باسم مكتبة آية الله السيد الحكيم، أم المكتبات الأخرى التي كان يدعمها ويشجعها من موقعه كمرجع - وتشجيع حركة التأليف و النشر، وغيرها.

وتوسعة دائرة بناء العتبات المقدسة للائمة الأطهار (عليهم السلام) وأولادهم، أو زعماء وعلماء أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وكذلك بناء المساجد والحسينيات و المساكن التي تؤمن للعالم الديني نوعاً من الاستقرار والثبات.

وإذا أردنا أن نلقي نظرة عامة على فترة الخمس عشرة سنة التي أصبحت فيها مرجعية الإمام الحكيم (قدّس سرّه) مرجعية عامة من سنة (1375 - 1390 هـ ق) لوجدنا تطوراً نوعياً، وكمياً ملحوظا وهاماً في جميع هذه المجالات المشار إليها، والذي يشكل ظاهرة وخطا علمياً في الرؤية العلمية لهذه المرجعية(82).


الموارد المالية المنظمة

الرابعة: تنظيم العلاقات والموارد المالية التي تعتمد على الأمة بشكل رئيسي، إذ من الواضح كما اشرنا سابقا أن المرجعية تعتمد في نفقاتها على الحقوق الشرعية كالأخماس والزكوات، وغيرها، التي تشكل في واقعها مصدرا مالياً كبيراً ومهماً، ولا يمكن لأي عمل تغييري أو إصلاحي كبير أن يحقق أغراضه دون وجود القدرة المالية، ومن اجل ذلك شرَّع الإسلام الخمس والزكاة وغيرها من الموارد المالية؛ لتتمكن الدولة الإسلامية من القيام بواجباتها ووظائفها، وأعطي الحاكم الشرعي صلاحية استخدام القوة لجباية هذه الأموال، وحتى أصبح الممتنع عن إعطاء الزكاة متمرداً على الدولة، يجوز قتاله.

وقد أعار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هذه الموضوع، أهمية خاصة أيضا بتأكيدهم على خمس فاضل المؤنة. إلا أن المشكلة في هذا المصدر المالي هو انه مصدر قد أوجبه الشارع المقدس على الإنسان المسلم، ولكن في ظروف المرجعية لايوجد عامل إجرائي، وقوة تنفيذية يلزم المكلف بالدفع ومن هنا تحول الدفع إلى حالة تطوعية ترتبط بمقدار تدين الإنسان والتزامه من الناحية، ووعيه للأمور والحاجات الإسلامية والدينية من ناحية أخرى، واخذ هذا المصدر يتأثر إلى حد كبير بقضية الوعي في حجمه وفاعليته.

وقد عمل الإمام الحكيم (قدّس سرّه) على تحقيق الأمور التالية في هذا المجال:

1. تعليم الناس وتوعيتهم على هذا الواجب الشرعي وتنبيههم إلى أهميته، من خلال المبلغين أو غير ذلك من أساليب التوعية، التي كان يشارك فيها شخصيا في بعض الأحيان.

2. العمل على تنظيم الدفع والالتزام به، حيث كان اغلب الأفراد في العراق، وبعض البلدان الأخرى المستضعفة دينياً، من دافعي الحقوق الشرعية - فضلا عن غيرهم - يدفعونها بدون برنامج معين للدفع، بل عند المناسبات والحوادث، كالذهاب لحج بيت الله الحرام(83)، أو مناسبة تصفية تركة الميت، أو عند ورود عالم أو مبلِّغ إلى البلد أو المنطقة، ليمدوا له المساعدة بصورة مؤقته، أو وجود مشروع خيري وديني واضح يتفاعلون معه، أو ضرورة من ضرورات المؤمنين. ولكن الإمام الحكيم (قدّس سرّه) اهتم في تنظيم هذه الحقوق، مستغلا هذه المناسبات المذكورة، فعندما يأتيه شخص يريد أن يذهب للحج لا يكتفي منه بخمس نفقة الحج، بل ينظم وضعه المالي من خلال حساب رأس السنة، وتعيين مقدار الخمس في جميع أمواله، ويترك له الفرصة في تقسيط الدفع، أو تأخيره من دون إحراج ومضايقة، ولو كانت بسيطة؛ لتشجيعه على ذلك، مع توضيح الحكم الشرعي له.

كما كان يوصي وكلاءه ومبعوثيه، أن يهتموا بهذا الأمر اهتماماً بالغا، ولا يقبضوا الأموال إلا بعد توضيح هذا الحكم الشرعي فيها، وتعيين هذا المنهج؛ ليجمع في ذلك بين فراغ ذمة المكلفين، وتنظيم الموارد المالية.

وكان يثقف أبناء الأمة على هذا الحكم الشرعي من خلال أسلوب الإلزام باستلام وصولات الدفع، حتى عندما يكون الدفع له مباشرة، ويبين لهم أن هذا الوصل له اثر معنوي لديهم ولدى ذويهم ومتعلقيهم، مضافا إلى أثره في تنظيم الدفع، وتمركز الأموال وعدم ضياعها.

3. تشجيع المؤمنين من أصحاب الحقوق أن يقيموا مشاريع دينية في بلادهم، وأحياناً مساعدتهم ماليا؛ من اجل تخليص ذمتهم من الحقوق الشرعية. والديون الإلهية من ناحية، وتشجيع الآخرين على هذه الأعمال وإثارة روح التنافس والتسابق للخيرات في نفوسهم.

كما كان يشجع أن تصرف الأموال على الوكلاء والمبلغين والأعمال الدينية في مناطق الدفع نفسها، ولاسيما الفقيرة منها؛ ليكون ذلك سببا لتشجيع الطلبة والعلماء للاهتمام بتلك البلدان والتردد عليها، أو الإقامة فيها بعد أن تحقق أسباب الاستقرار النفسي والمعيشي.

لقد كان لهذه السياسة اثر كبير في الأمة، ليس في الحصول على المزيد من الموارد المالية فحسب، بل في تحقيق الوعي والمشاركة الفعلية للأمة في الأعمال الدينية، والشعور بالمسؤولية تجاهها، والالتزام بها، والدفاع عنها.


ثقافة الجهاد في سبيل الله

الخامسة: تنمية الخط الجهادي والسياسي في الأمة، حيث كانت الأمة في العراق - كما اشرنا سابقا - قد أصيبت بمرض الاستكانة والاستسلام للأوضاع القائمة، ولاسيما أن الأكثرية الساحقة لأبناء الأمة كانت معزولة عن القرار السياسي، وهم الشيعة الذين يشكلون الأكثرية في العراق، وخصوصا المنتمين إلى الشعب العربي، وكذلك الأكراد الذين يمثلون أكثرية أهل السنة في العراق، وكانت الاوضاع في الطرق تدار من قبل طبقة من السياسيين النفعيين والموظفين الإداريين، الذين ورثوا السلطة من العهد العثماني حيث بادروا إلى التعاون والاتفاق مع الغزاة الإنكليز، للقيام بدور النيابة عنهم في هذا المجال.

وقد حاولت الأمة في بعض الأدوار الانتفاضة على هذه الأوضاع، إلا أنها سرعان ما كنت تتعرض للقمع أو الخداع، الأمر الذي أدى إلى أن تصاب بهذا المرض النفسي السياسي (الاستكانة والاستسلام والعزلة).

كما أن الأحزاب السياسية الدخيلة حاولت ان تعبئ الامة في العراق على مفاهيمها ومبادئها المستوردة واهدافها السياسية، ولكنها فشلت - أيضاً - في نهاية المطاف.

ولذا كان الدور الذي قام به الإمام الحكيم (قدّس سرّه) في تعبئة الأمة على الجهاد والتضحية، والمواجهة، وتوعيتها سياسيا على حقوقها المشروعة عملا عظيما في هذه الفترة الزمنية الحساسة(84).





الفصل الرابع


الجهاد السياسي للإمام الحكيم



ويمكن تقسيم البحث في هذا الفصل إلى محاور:


المحور الأول: نظريته السياسية

المحور الثاني: حركته الاجتماعية والسياسية

المحور الثالث: معالم ومواقف من الجهاد السياسي للإمام الحكيم

المحور الرابع: نتائج الحركة السياسية للإمام الحكيم




نظريته السياسية

هنالك رؤيتان في قضية القيادة في الأمة:

الرؤية الأولى: القيادة الفردية.

الرؤية الثانية: القيادة الجماعية، وأن القيادة لابد أن تكون متشكلة من مجموعة من الأشخاص الجيدين الذين يقودون الأمة، ويحركونها.

وقد افتتن بهذه الرؤية بعض المذاهب السياسية الغربية نظرياً، وإن لم يكونوا قادرين على تطبيقها عملياً.

والإسلام يؤمن بالشورى، ولكن لا على أساس أن القيادة تكون شورى أو جماعة، إنما على أساس أنها تمثل ضماناً نسبياً من الضمانات التي يمكن أن تحرس القيادة من الخطأ والانحراف.

أما على مستوى الأنبياء والمعصومين فإن الشورى تمثل أدباً في التعامل مع الأمة.

وهذا المضمون النظري الكلي يمكن أن نستفيده من خلال مسيرة الإمام الحكيم كقائد أصبح في مقدمة حركة المرجعية وموقفها، وتمكن أن يحقق إنجازات كبيرة على الساحة، سواء العراقية أم الإسلامية بشكل عام.


النظرية الإسلامية في القيادة

في الرؤية الإسلامية تكون القيادة في الفرد الصالح الجامع للشرائط من العلم والتقوى والشجاعة، وغير ذلك مما نشترطه في المعصوم بدرجة عالية جداً، ثم نشترط حصولها في العلماء الأعلام بدرجة أقل مما للمعصوم، والتي نسميها - أحياناً - بالعدالة العالية التي يجب أن يتمتع بها المرجع والقائد الإسلامي الديني.

ويمكن أن نفهم هذه النظرية الإسلامية بمراجعة بسيطة للتاريخ الإسلامي، ولا أعني به التأريخ الذي يبدأ بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله)، إنما أعني به التأريخ الذي يبدأ بظهور الأديان في تاريخ الإنسان، فمن خلال المراجعة البسيطة لهذا التأريخ نلاحظ أن الله تعالى في كل فترة زمنية يبعث نبياً، إما للعالم أجمع أو لمنطقة معينة، وهذا النبي يقود المسيرة والأمة، ويكون مرجعاً لها.

ولم نعهد في تاريخ الأنبياء أن الله تعالى أرسل ثلاثة أو أربعة أو عشرة من الأنبياء؛ ليشكلوا المجموعة التي تقود الأمة.

وفي تاريخ أمتنا الخاتمة نعرف أيضاً - نحن أتباع أهل البيت (عليهم السلام) - أن النبي (صلى الله عليه وآله) هو القائد الأول للأمة، ثم الأئمة واحداً بعد واحد.

وفي الروايات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) التأكيد على هذا المعنى، حيث إنه كان يقول: «إذا خرج اثنان إلى غزوة فلابد لأحدهما أن يؤمّر الآخر، فيكون أحدهما أميراً، والآخر مأموراً»، وقد نزلت هذه الآية: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}(85) تأكيداً لهذه النظرية.


قيادة المرجعية للأمة

ومن خلال مسيرة الواقع نجد في حركة أمتنا الإسلامية أنه وإن كان هناك مراجع متعددون، ولهم جماعات متعددة ترتبط بهم، باعتبار أن قضية التقليد مفتوحة، وكل يعتقد بأعلمية مرجعه، لكننا نجد دائماً - من خلال حركة الواقع - أن واحداً من هؤلاء المراجع هو الذي يقود المسيرة بشكل عام، والمراجع الآخرون يلتفون حوله ويؤيدونه.

وهذا ما شاهدناه في مرجعية الإمام الحكيم، فقد دخل المعركة السياسية والاجتماعية والتغييرية في الأمة في العراق وخارجه، وكان هناك مراجع للتقليد بمستوى من المستويات، لكنهم كانوا يقفون إلى جانبه. وبمراجعة بسيطة للتاريخ يمكن أن نتبين هذه الحقيقة.

نعم، قد يختلف هذا المرجع مع ذلك في نظرية فقهية، أو قضية جزئية، لكننا لاحظنا أنهم في المسيرة العامة والمواجهة والقيادة يساند بعضهم البعض الآخر ويعاضده.

فعندما واجهنا المد الأحمر والتيارات القومية والاشتراكية، وغير ذلك من المواجهات التي عشناها في العراق، كان الإمام الحكيم يتقدم المسيرة، والمراجع الآخرون يساندونه ويؤيدونه.

هذه هي النظرية الإسلامية بشكل عام، ولهذه النظرية مدلولات سياسية كثيرة على الأرض، وحركة الإنسان.


وحدة القيادة

ولا أريد تناول النظرية بالتفصيل؛ لأن ذلك يحتاج إلى مجال أكبر. لكني أشير إلى نقطة في التأريخ يمكن لكل واحد منا أن يواجهها حتى في الحركة التأريخية لغير الإسلام، حيث أنه لم تنتصر جماعة من الجماعات، أو حزب من الأحزاب، أو حركة إسلامية أو علمانية، مؤمنة أو ملحدة، ما لم يكن هناك رجل واحد يمسك بالأمور ويقود الجماعة نحو النصر.

بل حتى في النظريات التي تؤمن بقيادة الجماعة، من قبيل الحزب الشيوعي، والنظرية الحزبية الغربية المرتبطة بالحضارة والآثار الغربية، والتي تؤمن بهذا النوع من النظريات في مقابل الديكتاتورية. حتى على هذا المستوى نجد أن الحزب الشيوعي لم يتمكن أن ينتصر في روسيا، ويحقق الدولة الشيوعية مالم يمتلك شخصية مثل لينين، يمسك مقاليد الأمور، ويقود الجماعة نحو الانتصار.

وهذه الظاهرة موجودة في كل التأريخ، غاية الأمر أن المسيرة الصالحة يكون على رأسها رجل صالح يجمع الشرائط الصالحة، وتلك هي مسيرة الأنبياء، أمّا المسيرات الفاشلة المنحرفة، فيكون على رأسها إنسان منحرف جبار طاغوت يرتكب أفظع الجرائم، كما هو الحال في مسيرة صدام وأمثاله.


النظرية السياسية للإمام الحكيم

أول الأسئلة التي ترد في أذهاننا في هذا المجال هو: ما هي النظرية السياسية التي كان يؤمن بها الإمام الحكيم؟.

وعندما نقول النظرية السياسية للإمام الحكيم لانقصد أن لديه نظرية تختلف عن بقية المراجع السابقين، وإنما نُريد أن نكتشف من خلال مسيرة مرجع عام لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) - ولا شك أن الإمام الحكيم كان مرجعاً عاماً وحتى الذين يحقدون عليه يعترفون بمرجعيته العامة - النظرية العامة التي يؤمن بها هؤلاء المراجع، وأعتقد أنها نفس النظرية التي جاء بها الإمام الخميني، وانتهى إليها تفكير السيد الشهيد الصدر، وغيرهما من العلماء السابقين الذين كانوا يتحركون في المجتمع.

وهذه النظرية يمكن أن نسميها (نظرية البلاغ)، وقد جاء هذا التعبير في القرآن الكريم، وذلك لأهمية الرسل {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ... }(86)، وتوجد هناك تعبيرات أخرى من قبيل: الإنذار، والتحذير، والتبشير، فهذه الأوصاف موجودة في عمل الرسل، ومن سار بسيرتهم.

والسؤال التالي هو: ما هي الخطوط العامة التي تميزت بها هذه النظرية عن النظريات الأخرى؟.

هناك خصائص أساسية تميز نظرية البلاغ - التي يعبر عنها بنظرية الإمامة والمرجعية - عن النظريات الأخرى، من قبيل نظرية التحرك الحزبي، فمثلا التحرك الحزبي الذي يقوم على أساس التشكيلات والتنظيمات الحزبية التي تشمل الأمة كلها، له خصوصيات أساسية يتميز بها عن غيره من النظريات(87).

لقد كان الإمام الحكيم يمتلك رؤية كاملة وصحيحة للنظرية الإسلامية، ورؤيته هي رؤية الإسلام، لا رؤية ذاتية خاصة به. وكانت رؤيته تعتمد على مجموعة من المقومات الأساسية وهي:


1. القيادة للمرجعية الدينية

كان الإمام الحكيم يرى أن الفقيه له الولاية من باب أن المجتمع لايبقى بدون حكومة، ويجب أن يكون الحكم إسلامياً والحاكم فيه هو الفقيه.

وكان يعتمد في رؤيته على أن المرجعية الدينية تمثل رأس الهرم في الحركة السياسية، وهي القيادة الحقيقية فيها؛ ولذلك بقي يطرح هذا المضمون بشكل مكثف في كل الاجتماعات العامة للأمة، وكان يؤكد على قيادة العلماء للأمة. ومن كانت لديه أشرطة للاحتفالات التي كانت تقام في النجف وكربلاء يمكن أن يرى قضية التأكيد على قيادة العلماء والمرجعية للأمة.


2. عدم فصل السياسة عن الدين

وكلمته في ذلك معروفة ويمكن الرجوع إليها، وقد مارس ذلك عملياً. وفي تلك الممارسة العملية واجه مشكلات كثيرة جداً، باعتبار أن العصر الذي سبق عصر الإمام الحكيم كانت فيه مشكلات تحيط بالمرجعية، وكادت أن تعزلها عن العمل السياسي، وكانت مفروضة على المرجعية فرضاً، والحديث فيها طويل.

فكان دور الإمام الحكيم أن أخرج المرجعية من هذه الحالة إلى حالة الممارسة للعمل السياسي، وكسر الطوق الذي طوق المرجعية. وكانت هذه العملية صعبة جداً، وهناك فرق بين من يعمل في أرضية ممهدة، وبين من يكسر القيود والأغلال.

لقد كانت الأمة في العراق - وخصوصاً شيعة أهل البيت (عليهم السلام) - معزولة عن العمل السياسي لعدة قرون. ففي زمن العثمانيين لم يكن الشيعة يتحركون سياسياً، وكان التحرك السياسي مقصوراً على جماعة معينة من العشائر والقبائل. ولم ير الشيعة العمل السياسي إلا لفترة قصيرة من 1914 إلى 1923، أي: إبان الحرب العالمية الأولى وثورة النجف ومن بعدها ثورة العشرين، وبعد ثورة العشرين بقليل، ثم توقف العمل السياسي.

فكان الإمام الحكيم يريد أن يُخرج الأمة من حالة العزلة إلى حالة الدخول في العمل السياسي. وهي عملية معقدة. لكنها كانت القضية الأساسية المركزية في تصوره؛ لأن الوضع السياسي جزء حقيقي من الدين، والسياسة هنا هي السياسة التي تعتمد على دعم الأمة، وتريد أن تربط الأمة بالقيم وبالله سبحانه وتعالى والكمالات الإلهية، وهذه هي سياسة الأنبياء، وكان الإمام الحكيم يرتكز عليها كأساس راسخ في نظريته.

وهذا الموضوع ذو أهمية خاصة، وأستطيع أن أعبر عنه (بالبعد الخطّي للمرجعية)؛ لأنه أعاد للمرجعية خطها الحقيقي، الذي يعني: بأن الدين والسياسة لايمكن أن ينفصلا بأي حال من الأحوال فالسياسة؛ جزء من الدين، وان المرجع لابد له أن يمارس العمل السياسي.

الإمام الحكيم يرجع الناس إليه بشكل حقيقي من خلال ارتباطهم به بالتقليد، وعليه فقد مارس العمل السياسي في مختلف الشؤون السياسية التي تهم الأمة، وأعطى من خلال ذلك هذا الدور للمرجعية، وهو ما كان يمارسه الأنبياء والأئمة والعلماء من بعدهم.


3. الحوزة العلمية وتربية العلماء

كان الإمام الحكيم (قدّس سرّه) يعتمد في هذا المنهج والاستراتيجية مسألة الحوزة العلمية، وتربية العلماء والمبلغين، وملء الأماكن الشعبية بهؤلاء بالقدر الممكن. وكان يسعى لذلك سعياً حثيثاً. وكان يهتم بالمساجد والحسينيات، وكل ما يرتبط بهذه القضية، وكان يحرص على أن يكون في كل بقعة أو محلة أو ناحية عالم أو مبلّغ.

وعلى هذا الأساس تمكن خلال عشرة سنوات أن يرفع عدد العلماء وطلاب العلوم الدينية في النجف الأشرف من 1500 إلى أكثر من 7000، وهذه نسبة هائلة كما نلاحظ، تصل إلى حوالي 500% في هذه الفترة، وهي نسبة قياسية في حركتنا الحوزوية العلمية في كل تاريخنا المرجعي، حتى في تاريخنا المعاصر، فهذه الحوزة العلمية في قم، وهي حوزة عظيمة جداً، ولكن مع ذلك لم تصل النسبة لهذا القدر الهائل.

وقد استفاد الإمام الحكيم هذه القضية من الأئمة (عليهم السلام) فقد اهتموا منذ الصدر الأول للإسلام بمسألة تربية العلماء والمبلغين، وكانت ظروف الإمام الباقر (عليه السلام) هي الأنسب لبدء هذا المشروع، ثم أخذ هذا المشروع يتنامى في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) وأصبح ظاهرة في كل عالم التشيع بشكل حوزات علمية وعلماء ومبلغين.

وبهذه الطريقة تمكن الأئمة (عليهم السلام) أن يعبئوا الأمة، وكان هذا أحد الأسباب الأساسية لديمومة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وبقائه. فلا يكفي في بقائه أن يكون مذهب حق فحسب، إنما يحتاج إلى منهج صحيح.

فكان الأساس الأول في حركة التشيع هو العلم والحوزات العلمية. أما الأساس الثاني فكان التضحية والفداء، وهو خط الإمام الحسين (عليه السلام)، هذه قضية أساسية ومركزية في حركتنا ومسيرتنا، ولابد أن نعيها بشكل واضح.