ثانياً:

التأكيد على طلب العلوم الدينية(17)، والقيام بالوظائف الشرعية في مجال التدريس، والتعليم والتبليغ الإسلامي، حيث نلاحظ أن جميع أولاده (قدّس سرّه) قد تفرغوا لطلب العلوم الدينية ومارسوا التدريس والتبليغ، وبلغ بعضهم درجة الاجتهاد وأعلى مراتب التدريس في الحوزة العلمية.

كما أن هذا الاتجاه والاهتمام بتحصيل العلوم الدينية، تحول إلى طابع عام للأسرة كلها في زمن الإمام الحكيم، وبعده - بشهادة كل من عرف أبناءها - حتى أصبحت أسرة آل الحكيم من أكثر الأسر العلمية عدداً، وأبرزها علماً، وعليها كان يعتمد مدار التدريس إلى حدٍ كبير في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وقد شهدت فيه البيوت والأسر العلمية المعروفة، ضموراً ملحوظاً في هذا المجال، كاد أن يهدد وجود بعضها بالانقراض.

بل أن هذا الاتجاه في هذه الأسر، كانت له انعكاسات ايجابية على الأسر العلمية الأخرى المعروفة، حيث نشط فها هذا التوجه، وأخذت تنمو بهذا الاتجاه من خلال علاقتها، وارتباطها، بالإمام الحكيم، ومرجعيته الدينية، كما يلاحظ ذلك في الأسرتين العربيتين المباركتين آل بحر العلوم، وآل الجواهري.


ثالثاً:

بناء المكونات الأساسية للشخصية التي كان يراها في حرية التفكير، والاستقلال في الإرادة، والتوكل على الله تعالى، والاعتماد على النفس، وحسن الخلق في المعاشرة، والأدب الرفيع في التعامل مع الآخرين، والتواضع في العلاقات والنظرة الواقعية للأشياء، والاستعداد للتضحية، والفداء في أداء الواجب، أو خدمة الناس والمسلمين.

إن هذه العناصر هي أمور، وان كانت مشهورة إلى حدٍ كبير في أولاد وذرية الإمام الحكيم(18)، وأمكن أن نراها بوضوح، من خلال النقاط المشتركة في هؤلاء الأبناء، والخيارات المتعددة للسلوك، أو الاهتمامات، أو المسؤوليات، التي كانوا يتحملونها، أو العلاقات الاجتماعية أو الأسرية العائلية، التي كانوا يلتزمون بها، أو الآلام والعذاب والمصير الذي انتهوا إليه، إلا أن المهم فيها هو اهتمامه (قدّس سرّه) في إيجاد هذه العناصر والمكونات في الشخصية، ورؤيته لها، والذي سوف نتعرف عليه من خلال المنهج الذي اتبعه لهذه التربية.

ومن النماذج والأمثلة لهذه الرؤية في تربيته لاولاده، هو إيكال المسؤوليات لهم في سن متقدم، فقد تسلمت مسؤولية بعثة الحج الدينية - وهي من الأعمال التأسيسية - في سن الواحد والعشرين عاماً، وأرسل ولده حجة الإسلام السيد محمد مهدي للتبليغ في قلعة سكر، بصحبة آية الله الشيخ محمد تقي الفقيه، في سن اقل من ذلك، وهكذا ولده حجة الإسلام السيد محمد كاظم تولى الشؤون المالية في سن مبكر، فضلاً عن أولاده الكبار.

كما انه يحث على الاستقلال في السكن والبيت، عند توفر الظروف المالية، ولو بالحد الأدنى، كاستئجار البيوت الصغيرة، سعياً منه في التربية على تحمل المسؤولية والاستقلال، تجنباً للسلبيات التي تنشأ في الأسر، من خلال السكن الواحد.

وعندما يتزاحم الجد في طلب العلم، مع المسؤوليات الاجتماعية والدينية، كان يترك الخيار للشخص نفسه في اختيار التركيز على أحد المنهجين؛ لأهميتهما بنظره، فأن العلم بنظره كان للعمل وخدمة الإسلام والمسلمين.

كما أنه لم يكن يتدخل في الشؤون الداخلية لأولاده، وكان يغض الطرف عن بعضها، بحيث يتصور الإنسان عدم إطلاعه عليها تجنباً للحرج.

كما كان يطلب من أولاده حسن المعاشرة مع الناس، وينصح بها دائماً ويؤكدها في التعامل الشخصي أو العام، بالإضافة إلى حسن المعاشرة مع الأزواج، ويؤكد على مفهوم المعاشرة بالمعروف - حيث كان يطلب منا الذهاب إلى البيت عندما نتأخر أحيانا في خدمته - ويقول (وعاشروهن بالمعروف)، في الوقت نفسه ينبه على عدم الانسياق مع الهوى، ورغبات النساء.

كما كان يؤكد على تقديم المصالح العامة على الراحة الشخصية، أو المبالغة في الاهتمام الخاص بالبيت والأزواج والأولاد، حيث كان يبدي هذه الملاحظة، عندما يرى ترجيح بعض شباب الأسرة لهذه الأوضاع الخاصة، على الاهتمامات العامة، والاكتفاء في سلوكه الديني بالالتزامات العبادية، أو الشخصية، وطلب العلم، ويفسر ذلك بضعف الشخصية والطموح، أو عدم الفهم للإسلام ومتطلبات الشريعة.


منهج التربية

يمكن أن نشير باختصار إلى عدة خطوط، يكوِّن مجموعها منهج التربية لدى الإمام الحكيم:

1. السلوك الشخصي للإمام الحكيم، ودوره في التربية، والذي يعتمد بالأساس على نظرية القدوة في التربية.

فقد لاحظ الإمام الحكيم (قدّس سرّه) ظاهرة في بعض الأوساط الدينية، والحوزوية، وهي تنكر بعض الأبناء لمسلك ومنهج آبائهم؛ بل ارتداد بعض هؤلاء الأبناء على هذا المسلك، في بعض الأحيان مع بقاء حالة تبادل العلاقات والاحترام بين هؤلاء الأبناء والآباء.

وكان (قدّس سرّه) يوعز ذلك إلى نقطة فيها شيء من الخفاء، وهي أن هؤلاء الأبناء كانوا يشاهدون في سلوك آبائهم بعض الظواهر التي لا تنسجم مع مجمل الادعاءات والالتزامات التي يتبناها المنهج الحوزوي فيكونوا بنظر أبنائهم أنهم ممن يقولون ما لا يفعلون، أو يفعلون ما لا يقولون.

فعندما كان (قدّس سرّه) يريد أن يربي على الورع عن محارم الله، كان يضرب أروع الأمثلة في سلوكه لذلك، وعندما كان يريد أن يوجد عنصر الإخلاص وقصد القربة، كان يتوخى في جميع سلوكه توفير هذا الإخلاص، بحيث يبدو ذلك واضحاً لكل من يتصل به، ويتحدث عنه، وعن دوره في تحقيق الأهداف، وتحصيل النتائج والآثار المطلوبة، وعندما كان يريد أن يعلِّم أولاده الأمانة والصدق، كان يتعامل مع الأموال بمنتهى الأمانة والدقة، فيضع المال القليل في ظرف خاص، يكتب عليه أسم صاحبه ووجه مصرفه، ثم يتعامل معه بدقة، ولا يتصرف فيه إلا بعد أن يعرف من صاحبه خصوصيات المال ووجهه، وعندما يدفع إليه أحدهم المال، كان يسأل عن وجهه، فإذا لم يعرف وجهه كان يعلّمه أفضل الوجوه، وأنجحها في براءة ذمته، وتسهيل مهمته.

ولعل من أروع الأمثلة المحافظة في على الأمانة هذه القصة: وهي أن الإمام الحكيم (قدّس سرّه) كلف ولده الشهيد السيد محمد مهدي أن يكتب رسالة مهمة إلى أحد الأشخاص، وكان ينتظر الإمام الحكيم الجواب عنها، وكان من عادة الإمام الحكيم السفر إلى زيارة سيد الشهداء (عليه السلام) - في الزيارات المخصوصة المهمة - مثل: زيارة النصف من شعبان، ويوم عرفة، وعندما يذهب إلى كربلاء، كان يرسل إليه البريد من النجف كل يوم بيد المسافرين، وصادف أن جاء جواب الرسالة المذكورة مع البريد - في هذه الأيام - فأُرسلت إلى كربلاء، دون علم السيد محمد مهدي، وهو في النجف، وكان الإمام يفتح الرسائل بنفسه، ثم يحولها لمن يريد، وعندما وجد هذه الرسالة لم يوافق على فتحها، مع علمه وعلم أصحابه بشأنها ومصدرها، وطلب إذن السيد محمد مهدي بفتحها، ولم تكن الاتصالات في ذلك الوقت متيسرة تلفونياً إلا بشكل محدود، حيث لم يكن للإمام تلفون في منزله في كربلاء، ولا في النجف، وتم الاتصال بالواسطة بعد فترة من الزمن بالسيد محمد مهدي لاستئذانه بفتح الرسالة، وكان أصحاب الإمام الحكيم يلحون عليه بفتحها، خصوصاً بعد معرفتهم بغرضها الإجمالي، ولكن الإمام الحكيم رفض ذلك، حرصاً منه للمحافظة على الأمانة والحقوق.

ولذلك اهتم (قدّس سرّه) بالتربية من خلال السلوك، وضرب الأمثال من خلال العمل والالتزام، فكنا نلاحظ التطابق التام بين ما يرشدنا إليه، وبين سلوكه في مختلف جوانبه.

لقد كان مجمل سلوكه (قدّس سرّه) من أروع أساليب التربية على هذا المضمون، حيث كنا نلمس الإخلاص، وروح التقوى، والطهارة والنقاء في هذا السلوك(19).

2. الإشراف المباشر على التربية، واستخدام مختلف وسائل التربية، والتأديب من النصيحة والإرشاد، والمحاسبة، وإلفات النظر، والعتاب، وحتى الشديد منه، والتهديد باتخاذ الإجراءات المناسبة، والضرب أحياناً، وحتى الشديد منه.

وعندما يراجع الإنسان هذه المراتب من الممارسة، يرى أمامه منهج الإسلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمهم هنا أنه (قدّس سرّه) كان يباشر ذلك بنفسه، باستمرار دون كلل أو ملل، بل من خلال الشعور بالمسؤولية، وبطريقة توحي بالهدف لا مجرد التعبير عن الانفعال.

وفي هذا المجال، كنت المس بأن لهذا الدور، أثر مهم في ما أنعم الله تعالى عليّ من هداية، كان واسطتها الإمام الحكيم (قدّس سرّه)، حيث كنا نتعرض لمختلف المخاطر الأخلاقية والروحية والنفسية، خصوصاً بعد أن أصبحت أسرة الإمام الحكيم واسعة الأطراف والمتعلقين.

كان يتابع أدق الأمور في هذا المجال، تصرفات الأبناء، والبنات، والزوجات، وماذا يلبس الإنسان، وما هو هندامه، وطريقة تصرفه في بيته، وسلوكه مع زوجته، وأولاده وأرحامه، وكيف تتصرف النساء في المجالس العامة والخاصة إلى غير ذلك من التفاصيل الدقيقة، ويتدخل فيها بحكمة ولطف، يحفظ فيها الاستقلال في الإرادة والاختيار، ويبعد فيه الأضرار والأخطار، ويقف بحزم أمام المحرمات أو المحظورات الشرعية أو العرفية.

ويرى في كل ذلك: ان للمرجعية مقاماً إلهيا يفرض التزامات استثنائية على أصحابها، كما هو مدلول قوله تعالى: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً}(20).

3. التحصين واتخاذ الإجراءات المختلفة؛ للصيانة والمحافظة والاحتياط من الوقوع في المحرمات أو المحرفات انطلاقاً من النظرية الإسلامية التي جاءت على لسان أهل البيت (عليهم السلام): «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه»(21)، أو الحمية أفضل من الدواء، والمناعة خير من العلاج.

فقد كان الإمام الحكيم، مثلاً: يهتم غاية الاهتمام، باختيار الأصحاب، والرفقاء، فيمنع من خلطاء السوء، أو العب في الأزقة، ومعاشرة السفهاء، أو السفلة أو ذوي السمعة السيئة. ويختار لأولاده، او يظهر قبوله ورضاه بالاصحاب من ذوي العقل، أو متقدمي السن، وأهل الفضل المعروفين بالأمانة والثقة. فالإخوان على قسمين، إخوان المعاشرة، وإخوان الثقة فلابد للإنسان من اختيار أخ الثقة.

وكذلك كان يهتم بالزواج المبكر، فان أكثر أولاده، تزوجوا بين السادسة عشر، والعشرين؛ لأنه كان ير ى أن ذلك بالإضافة إلى انه مستحب شرعاً، فهو أفضل طريقة لتحصين الإنسان «من تزوج فقد احرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي»(22).

كما كان يحث على بعض الالتزامات الشرعية، منذ الصغر وقبل سن العاشرة، كصلاة الجماعة وزيارة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وكذلك حضور المجالس الحسينية، والاجتماعية العامة النزيهة، حيث كان يرى ذلك مما يحقق مناعة ذاتية، وينمي روح التقوى والمعرفة.

وكذلك كان يحث في مجال المعرفة على قراءة القرآن، وحفظه، وقراءة بعض النصوص الدينية، وحفظها، بصورة خاصة النصوص الأربعة التالية:

1) دعاء كميل.

2) وصية الإمام علي لولده الحسن (عليهما السلام).

3) ورسالة الإمام علي (عليه السلام) إلى واليه على البصرة، عثمان بن حنيف.

4) والخطبة الشقشقية.

4. التأكيد على الاعتبار بالأوضاع التي كان يعيشها المراجع الماضين، والمرجعيات السابقة، والآثار السلبية والايجابية، التي كانت تقترن بها، وما انتهت إليه أوضاع أبناء بعض الأسر العلمية من انحرافات؛ بسبب غفلة الآباء عن التربية، والانشغال بحب الدنيا، أو المظاهر الزائفة للزعامات، وسلوك بعض الحواشي والمستشارين، الذي كان له انعكاسات سلبية على أوضاع المراجع والمرجعيات نفسها.

وأهمية الانطلاق في العلاقات مع مقام المرجعية - سواء في حركة الإنسان الذاتية، أم المجتمع - من الإحساس بالمسؤولية تجاه هذا المقام الديني الإلهي، وتقديم الخدمة للإسلام والناس، لا من منطلق الاستفادة الشخصية، أو الشعور بالفخر، والغرور، أو الامتياز.

وكان ينبَّه باستمرار في هذا المجال، إن هذه الإمكانات المعنوية والمادية المتوفرة، إنما هي ملك الإسلام والأمة، لا الشخص، وعندما يمنع من الاستفادة منها، أو يحرص عليها ليس بخلاً بالمال(23)، أو ظناً بالجاه، وإنما هو حرص على الدين، والوظيفة الشرعية، وفي هذا المجال كان يؤكد على أهمية مواساة الناس الآخرين، بالقدر الممكن أو المتوسط، بحيث كان يراقب أن لا يكون مستوى معيشة أولاده أعلى مستوى معيشة أمثالهم في الفضل أو الوضع الاجتماعي، من عموم أبناء الحوزة العلمية.


الرابع: الاستقلال في التفكير والقرار والحركة الاجتماعية

لقد كان احد المعالم الواضحة في شخصية الإمام الحكيم، هو جانب الاستقلال في هذه الشخصية، سواء في التفكير العلمي - كما سوف نعرفه في محله - أم التفكير الاجتماعي، واتخاذ القرارات المصيرية، حيث كان يحاول دائماً أن يدرس القضايا، ويسمع الاستشارات المختلفة فيها، ولكنه يتحمل بشكل مستقل مسؤولية القرار ومستلزماته.

وكذلك كان هذا الاستقلال صفة واضحة في تربيته الذاتية لنفسه وأولاده وفي عموم سلوكه الاجتماعي، فمثلاً: لم يرتبط الإمام الحكيم (قدّس سرّه) بعلاقاته الحوزوية والاجتماعية العامة، بما يصنفه أو يحدده في مجمل حركته العامة، فلم يرتبط بمرجعية خاصة، مع علاقات ايجابية مع مختلف المرجعيات، كما لم يرتبط بوسط اجتماعي خاص، بل كانت له علاقات بأوساط التجار، والكسبة، والوجهاء، والبسطاء من الناس، ولاسيما الفقراء منهم.

كما لم يرتبط بأستاذ معين، أو بمدرسة خاصة، حيث كان يدرس على الشيخ النائيني، والشيخ العراقي في آن واحد، كما انه استفاد من المدرسة الأصولية للآخونذ الخراساني، والفقهية للسيد الطباطبائي اليزدي، ومن المنهج التحليلي العقلي في الاستنباط لمدرسة الأصوليين المتأثرين بالفلسفة غير الناطقين باللغة العربية، بالخصوص الإيرانيين، ومن المنهج العرفي الذوقي في فهم النصوص والقواعد لمدرسة صاحب الجواهر.

كما يمكن أن نلاحظ هذا الاستقلال في بنائه لأجهزة، والمؤسسات التي اعتمدت عليها مرجعيته الدينية.

إن هذا الاستقلال سوف نلاحظه بوضوح من مجموعة الأحداث التي عاشها الإمام الحكيم، وسوف نلاحظها في الحديث عن الجانبين الآتيين المرجعي، والعلمي.


أثر الفقر في شخصية الإمام الحكيم

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}(24).

عندما تحدثنا عن نشأة الإمام الحكيم عرفنا انه عاش فقيراً، وكان يتحدث الإمام الحكيم عن فقره هذا، ويفتخر به أحياناً، حيث كان يصف حاله وحال أهل بيته، بأنه في بداية حياته، كان أكثر طعامهم الخبز واللبن، وهما أكثر الأشياء توفراً وأرخصها ثمنا حينذاك(25)، وكان التمر احد المكونات الأساسية للمؤنة السنوية، وهو رخيص في العراق أيضاً.

وقد يكون الفقر في ذلك الزمان هو الطابع العام لطلاب العلوم الدينية، وقد يتفاوتون فيما بينهم في هذا الجانب، ولكن الظروف الاقتصادية الصعبة العامة التي عاشها الإمام الحكيم في بداية حياته كانت أشد ضغطاً عليه، وعلى أسرته من غيره، حيث أن علاقاته الاجتماعية العامة والخاصة لأسرته، بالأصل لم تكن قائمة على أساس هذا المسلك الديني العلمي، بخلاف بعض أهل العلم ممن كان ينتسب إلى بعض البلاد الإسلامية، حيث يمدها أهلها بالمعونة - كما هو المتعارف في المهاجرين الإيرانيين وغيرهم - أو يرتبط ببعض الأوساط الاجتماعية، كالعلماء الذين يترددون على بعض المزارعين أو شيوخ العشائر، أو يوجد لدى أسرهم ارتباط بالأوساط التجارية تاريخياً، أو غير ذلك من الأسباب والعوامل المؤثرة، في شؤون الحياة للعلماء وطلاب العلوم الدينية التي اعتادت عليها جماعة أهل البيت (عليهم السلام)، ولكن لم يكن شيء منها موجوداً في بداية حياة الإمام الحكيم (قدّس سرّه).

والمهم في هذا البعد، هو نظرته (قدّس سرّه) إلى هذا الفقر وتقييمه له، وكذلك آثاره الروحية والاجتماعية على شخصيته؛ لأن الفقر في حياة الإنسان له مدلولان مختلفان، ايجابي وسلبي:

أحدهما: الشعور بالحاجة إلى الله تعالى، والفقر الذاتي إليه الأمر، في كل الأمور المادية والمعنوية الذي يدفعه نحو السعي للتكامل والارتباط به تعالى، واللجوء إليه في سد هذا الفقر، وفيض الرزق، والكمالات المعنوية، والكدح من أجل ذلك؛ لأنه بدون هذا الشعور، لا يمكن للإنسان أن يتحرك نحو الكمال، وصعود مدارج التقدم {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}(26).

وكذلك من مداليل الفقر الإحساس بالآلام، والمعاناة التي يشعر بها الفقراء، والصعوبات التي يواجهونها في حياتهم والمواساة لهم، كما يشعر الصائم بذلك، وكيفية الصمود والصبر على هذه الآلام والمعاناة، والاستفادة من هذه التجارب.

وهذا المدلول هو ما نراه في الأنبياء، والأولياء، والصالحين، ممن عرفوا الفقر في حياتهم، كما هو واضح في حياة الأنبياء من أولي العزم(27).

ثانيهما: هو ما يمكن أن نصفه بالشعور بالحاجة إلى الناس، والإحساس بالنقص، ومحاولة الهروب من هذا الواقع الأليم، والخروج من هذا الوسط الممتحن، من خلال طلب الكمال بكل الوسائل، والحرص على جمعه الاستزادة منه، والبخل في الإنفاق على النفس والآخرين.

ويمكن أن نلمس في شخصية الإمام الحكيم المدلول الأول بشكل واضح من خلال ما عرفناه في الجانب الأول من سيرته الذاتية في الاعتماد على الله والنفس، ولكن بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن نشير إلى المظاهر التالية في سلوكه، التي تؤشر على هذا المدلول.


الزهد

الأول: الزهد والالتزام بالمستوى المعيشي البسيط والمتواضع، والمهذب من التشريفات والتزيينات إلى آخر عمره، سواء في سلوكه الشخصي في المأكل، والمسكن، والمركب، أم في سلوكه العائلي، أم في سلوكه الاجتماعي، فقد كان الفراش يمتد به العمر أكثر من ثلاثين إلى خمسين عاماً، ويكتفي به هو وزوجه أن يكون نظيفاً طاهراً.

وقد كان في الملابس سواء في شكلها، أم محتواها وأسلوب تقمصها، ملتزماً نفس المستوى والطريقة التي كان عليهما في شبابه دون تغيير.

وهكذا في مأكله ومسكنه، حتى أن البيت الذي بناه له في أواخر أيامه أحد المؤمنين في الكوفة، لم يكن يختلف في بساطته عن بيوت الطبقة العامة من الناس في كل شؤونه.

وفي ديوان الاستقبال كان يجلس للناس متواضعاً على البسط الخفيفة الأفغانية(28)، والفراش الرخيص، وفي الغرفة الضيقة ذات الجدران العادية، ومن دون طلاء، أو زينة، والأبواب متواضعة جداً، في طريقة استقبال الناس ولقائهم، والحديث إليهم ومجالستهم.

كل ذلك كان يعبر عن هذا المستوى المعيشي المتواضع، الذي يدنو في مجمل تفاصيله من الفقراء، ويبتعد عن الأبهة والفخامة والكبرياء.

لقد كنت أشعر أحياناً بأن الإمام الحكيم (قدّس سرّه) - بسبب هذا الزهد - تتولد بينه وبين الأشياء الصغيرة والبسيطة، التي تحيط به علاقة ومودة، فالقلم الذي يستخدمه، والساعة التي يستعملها، والخاتم، والعصا، والدواة، والصندوق المعدني المصنوع من (التنك)، الذي يضع فيه الرسائل، والسرير الحديدي، أو الخشبي الذي ينام عليه، والسجادة التي يصلي عليها، أو التي يجلس عليها، وغير ذلك والصندوق الذي يحفظ فيه أوراقه أو أمواله، كلها أشياء تبقى تلازمه لفترات طويلة، ما دامت قادرة على أداء الخدمة، بساطة متناهية، ولطافة في الصلة، وتعبير عن الرضا بما قسم الله في هذه الدنيا، والتجرد عن حبها أو الارتباط بها.

كل ذلك والأموال تجري بين يديه، والظروف مواتية، والمقام رفيع، والإنفاق على الآخرين واسع، وفرص الانتفاع أو الاستمتاع متوفرة دون حراجة، بل كان بعض حاشيته، أو متعلقيه، أو الطلبة الأفاضل، أو مؤسساته العامة، تحصل على مستوى أكثر بكثير من هذا المستوى من العيش.

لقد كان زاهداً دون تكلف، حتى تحس بأن الزهد تحول إلى طبع عادي له، يمارسه بين الناس وكأنه ليس منهم، ودون أن يشعروا بانفصاله عنهم في زهده، ويلتزم بدون أن يشعر الآخرون بالحرج من هذا الالتزام، ويربي عليه أهل بيته؛ لأنه خلق رفيع دون أي ضغط أو عنت.

وهذا هو الزهد الإسلامي، حيث يسير في حياة الإنسان ضمن تفاصيل كثيرة، ودائرة شاملة، دون تكلف أو عناء، وذلك عندما يتخلق الإنسان به، ويصبح ملكة له.

فالزهد ليس مجرد عزلة وعزوف عن الدنيا والحياة الاجتماعية، وإنما هو إلى جانب ذلك خلق إنساني رفيع يتعامل به الإنسان ايجابياً مع الحياة الدنيا، فيحولها الى مزرعة مثمرة للآخرة { لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ..... }(29).


الاقتصاد في الإنفاق

الثاني: الاقتصاد في الإنفاق مع استيفاء المنفعة، وتحقيق الغرض، والاحتفاظ بماء الوجه، والالتزام بالحدود الشرعية.

لقد كان هذا الاقتصاد يبدأ من نفسه في تفاصيل حركته وعلاقاته، ولكنه نراه - أيضا - يجسد في أشياء كثيرة معبرة عن المنهج، ماء الوضوء الذي يستخدمه، يقتصد فيه، فيكون دون إسراف أو تبذير، في جميع موارد الاستخدام للماء، سواء كان وضوءاً من إناء أم من شبكة الماء (الإسالة العامة) أم من ماء الأحواض، الذي كان يستخدم فيها أسلوب الوضوء الإرتماسي، هذا بالرغم من أنه كان يحتاط من ممارسته للعبادات، وحتى في الوضوء، ولكن بدون تكلف أو وسوسة أو إسراف، حتى في البسيط منها.

وكذلك الأوراق التي كان يستخدمها لايتلفها، حيث يقتطع باقي الرسائل المسودة، ليكتب عليه الوصولات المالية، أو بعض المذكرات، ويستخدم ظروف الرسائل المستعملة لحفظ الأموال والكتابة عليها.

وعندما كنا نتردد على (المعلّم) كنا نستعمل ظهر الأوراق التجارية الباطلة، كان يشتريها بثمن رخيص، أو يحصل عليها مجاناً من بعض التجار، والملابس التي تضيق أو تقصر على الإخوة الكبار يستعملها الصغار، وهناك اقتصاد في استخدام الكهرباء، يراقبه شخصياً، ويبدأ فيه بنفسه، وفي أولاده، وفي إضاءة البيت العامة، وهكذا في جميع التفاصيل.

وفي الطعام سواء في تنظيمه أم الاستفادة من الزائد منه، خبزاً كان، أو مرقاً، أو رزاً بائتاً، أو تمراً، كان يساعده في هذا الأمر زوجتاه الصالحتان، أم السيد يوسف، وأم السيد محمد مهدي، اللتان كانتا تهتمان بهذا الجانب من الاقتصاد، في الإنفاق والترشيد له، مع نفوس طيبة وسمحة وتربية صالحة، جمعت فيها هذين الجانبين المختلفين.

إن مبدأ الاقتصاد في الإنفاق من المبادئ الإسلامية الأساسية المهمة المطبق في مجمل السياسة المالية للإمام الحكيم (قدّس سرّه) كان يشمل جميع حركاته وأعماله، ويخضع لها جهازه الإداري، ونشاطاته الثقافية، والاجتماعية، بالإضافة إلى سلوكه الخاص.

ولذلك نشاهد في جهازه الإداري عدداً محدوداً من الأشخاص، متفرغاً للأعمال العامة، ويحاول أن يستفيد من الطاقات المختلفة والأوقات الزائدة، لهذا الشخص أو ذاك لإدارة العمل.

كما كان يتصف هذا الجهاز الإداري، بسبب هذه السياسة، بالإخلاص والاندفاع الذاتي، بعيداً عن الجمود والروتين، وبذلك يمكن توفير العناصر الجيدة المخلصة، والاقتصاد في الإنفاق المالي، والبساطة في التشكيلات، أو الاختصار في المكان، أو الوسائل.

ونجد هذه السياسة تحكم المشاريع والأعمال، التي قام بها الإمام الحكيم، والمؤسسات التي بناها، حيث كان يرفض الإنفاق الزائد فيها على المظاهر والتزيينات، كما كان يحاول أن يستفيد من الاماكن العامة، كالمساجد، والحسنيات، والمدارس، وغيرها، أو ملء الفراغات، أو إعادة البناء وتجديده، أو تطوير الموجود منها، بحيث يكون كفوءاً في الإدارة.

فعلى سبيل المثال قام الإمام الحكيم بمشروع واسع ثقافي، وهو تأسيس المكتبات العامة الذي سوف نتحدث عنه في جانب آخر، وفي هذا المجال نجد الإمام الحكيم يضع هذه المكتبات إلى جانب المؤسسات الدينية القائمة، فالمركز الرئيسي للمشروع في النجف إلى جانب المسجد الهندي، وفي قطعة الأرض المتبقية من مشروع توسعة المسجد الكبير (الهندي) الذي قام بتنفيذه، والفروع في غرف، أو أجنحة للمساجد المختلفة، او الحسنيات، أو المراكز الدينية الأخرى، باستثناء بعض الموارد التي تهيأت لها فرصة مستقلة للبناء، او كانت ضرورية.

كما قام الإمام الحكيم بمشروع توسعة أماكن الطلبة في النجف، ولكن سياسته في هذا المجال كانت هو إعطاء الأولوية؛ لتجديد وتطوير الأماكن الموجودة، فقام بتحديد وتشجيع وتعمير بعض المدارس، كمدرسة اليزدي الثانية، ومدرسة القوام، ومدرسة الآخوند الكبرى، ومدرسة شريف العلماء في كربلاء، ومدرسة الهندي ومدرسة البادكوبية، ثم تشجيع البعثات غير العراقية، لبناء مدارس لها، وتتولى إداراتها والإشراف والإنفاق عليها، بالإضافة إلى فوائد أخرى، ثم بعد ذلك قام ببناء مدرسة مستقلة هي: دار الحكمة(30).

لقد كان من الميسور للإمام الحكيم أن يقوم بتأسيس المدارس الخاصة به، أو تحت أسمه، ولكنه كان يريد حركة علمية شاملة للحوزة، ويستفيد من جميع الامكانات والطاقات الموجودة فيها، دون أن يولي قضية الاسم أهمية خاصة.

وحتى في طبع بعض كتبه الخاصة، كان يتبع هذه السياسة، كما هو الحال في الطبعة الثانية للمستمسك، وكتاب نهج الفقاهة، والطبعة الثانية لدليل الناسك وغيرها.

وهكذا الحال في سياسة التوزيع للحقوق والرواتب، فانه بالرغم من أنَّ مدخولات وموارد الإمام الحكيم كانت محدودة؛ بسبب الظروف الاقتصادية العامة في أيامه، إلا انه كان يقوم بتغطية واسعة وشاملة للمشاريع والمساحات الحوزوية المختلفة بدون مشاكل؛ لأن جهازه الإداري، أو أوضاعه الخاصة لم تكن تلقي بثقلها على هذه الموارد.

وإذا عرفنا بأن الإمام الحكيم لم يكن يصرف لنفسه ولأهل بيته ومتعلقيه أي شيء من سهم الإمام، الذي هو المصدر الأساس لميزانية الحوزة العلمية والمرجعية الدينية، كما انه قد أذن بشكل عام بصرف سهم السادة على الفقراء السادة، وكذلك الزكوات، ورد المظالم وغيرها، كما نص على ذلك في رسالته العملية، يمكن أن يفهم أنه في مجمل حركته الخاصة لم يكن يكلف الميزانية العامة شيئاً يذكر؛ لأنه كان يقتصد ويدير أموره من خلال هذا الاقتصاد، وكان يغطي أولاده من الراتب ما يساوي مقدار ما يصل الى طلبة العلوم الدينية عادة من موارد في الحوزة.