بسم الله الرحمن الرحيم


الفصل الأول


السيرة الذاتية
ومعالم الشخصية


في هذا الجانب نحاول أن نرسم معالم الشخصية(1) من خلال السيرة الذاتية، حيث تمثل السيرة الذاتية والسلوك العالي الرفيع للإمام الحكيم (قدّس سرّه)، القاعدة والإطار لتبين معالم الشخصية، والنتائج، والآثار لها.


المنشأ والمولد

ولد الإمام الحكيم في أوساط عائلية علمية(2)، حيث كان والده آية الله السيد مهدي الحكيم (قدّس سرّه)، أحد الأعلام في الحوزة العلمية العربية في النجف الاشرف.

كما كان زوج أخته العلامة السيد أحمد الحكيم (قدّس سرّه) احد الأعلام العلمية في الأوساط الاجتماعية العراقية، خصوصاً في أوساط الشيعة المؤمنين في بغداد (الكرخ).

واشتراك أسرته - الحكيم - مع عدد الأسر العلمية المعروفة، بالآباء القريبين الذين لايتجاوزون عن الخمسة، كآل بحر العلوم، وآل الحجة، وآل البروجردي، وغيرهم.

وقد اهتمت وعرفت بعد عميدها وجدها الأول السيد أمير علي الطباطبائي الحكيم، بسدانة الروضة الحيدرية المطهرة، بخلاف الأُسر العلمية السابقة، التي اهتمت بالدراسات العلمية الدينية، ولعل بداية هذا الاهتمام العلمي الواضح في هذه الأسرة الشريفة، هو تصدي عميدها المجتهد الكبير المقدس العارف السيد مهدي الطباطبائي الحكيم والد سيدنا الإمام الحكيم (قدّس سرّه)، حيث يمكن أن يكون لأخواله الأفاضل من آل الأعسم، ومصاهرته للشيخ جعفر الكاظمي أثر مهم في هذا التوجه(3).

لقد ولد الإمام في شوال عام 1306 هـ، ولكنه بدأ حياته يتيماً، حيث فارقه والده وهو في السنتين الأوليتين من عمره، وتوفي عنه والده في بلاد الهجرة، بل في (جبل عامل) سنة 1312 هـ، وعمره ست سنوات، وتركه مع والدته وأخيه الأكبر آية الله السيد محمود الحكيم (قدّس سرّه) الذي كان يكبره بعشرة سنوات، لتتولى الأم والأخ الكبير تربيته ورعايته، في ظروف معاشية وعائلية صعبة؛ ولذا بدأ حياته إنسانا مجاهداً لنفسه، وفي مجتمعه، وكان عليه أن يختار نهجه، ويشق طريقه معتمداً على الله تعالى، وعلى النفس، والإرادة، وحسن الاختيار.

ويبدو أن الأجواء الروحية والمعنوية التي خلفها والده وراءه، وكذلك أصحابه، كان لهم دور في هذه الرؤية، والتصميم، والاختيار، إذا لاحظنا بدقة طبيعة المنهج العلمي والسلوك الأخلاقي والعلاقات الاجتماعية التي كانت تحيط الإمام الحكيم (قدّس سرّه) في بداية شبابه.

فوالده أول مبادر للتفرغ للعلم في العائلة بعد فترة من الزمن؛ ولذا أصبح أولاده الثلاثة الصغار الذين تركهم من أهل العلم، والتقوى، والصلاح، وكانوا في الوقت نفسه يتميزون بالسلوك الأخلاقي الرفيع، والدرجة العالية من الطهارة والنقاء والتقوى، وكذلك نلاحظ أن أصحاب أبيه - أمثال آية الله السيد محمد سعيد الحبوبي، والتقي الورع الفاضل الشيخ محمد باقر القاموسي (قدّس سرّه) - كان لهم دور مؤثر في شخصيته (في رعايته أو العلاقة معهم) خصوصاً في الجانب المتأثر بمدرسه الأخلاقي آية الله الشيخ ملا حسين علي قلي الهمداني (قدّس سرّه).

وسوف نلاحظ بوضوح - إنشاء الله - الأثر الأخلاقي والعرفاني لهذا المنهج على شخصية الإمام الحكيم (قدّس سرّه) ومجموعة من أسرته التي تطورت في عهده علمياً وأخلاقيا واجتماعياً بشكل واسع، وأصبحت تضم عدداً كبيراً نسبياً من المجتهدين والفضلاء والطلبة.

لقد كان لليتم، والفقر، والمعرفة الأخلاقية، أثرها العميق في شخصية الإمام الحكيم طيلة حياته، من التوكل على الله تعالى، والثقة بالنفس، والاعتماد عليها، والاستقلال في التفكير والتربية، وبناء الأجهزة والمؤسسات، والممارسة الشخصية للأعمال.

وكذلك في العيش البسيط المتواضع المهذب من التشريفات، والاقتصاد في الانفاق الشخصي والعام، والاهتمام بالفقراء والضعفاء في خططه وممارساته الشخصية، سواء في الاوساط العامة أم الاوساط العلمية، وكذلك في مجمل الحركة الاجتماعية، والثقافية.

و- أيضاً - في المنهج والسلوك الاخلاقي، الذي كان يلتزم في جميع أحواله، وأقواله، وافعاله، وتصرفاته، وآثاره.

لقد كان رضوان الله عليه أحد مصاديق سورة (الضحى) المباركة(4) التي تحدد المعالم الرئيسية لشخصية الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في منشئها، ومولدها، والنعم الالهية التي تفضل الله سبحانه وتعالى حينما تتحدث السورة {... أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى…}(5) إنها اليتم والمعرفة بالله تعالى، والفقر، يرسم بها القرآن الكريم معالم التحول في شخصية الإنسان الكامل.

ونجد معالم ذلك - أيضاً - وبشكل متناسب في شخصية هذا الفرد من الذرية الصالحة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي عالم عارف من علماء أهل بيت رسول الله (عليهم السلام) وأمة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله).


أثر اليتم في شخصية الإمام الحكيم

قد لايكون من الصدفة والاتفاق، ان الأنبياء من أولي العزم كانوا يتصفون باليتم، كما نلاحظ ذلك في إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد(6) (صلى الله عليهم أجمعين).

بل قد يكون اليتم سراً من الأسرار الإلهية، التي تمنح شخصية النبي عنصراً نفسياً تكاملياً، تجعله قادراً على الاعتماد على النفس، وتحمّل المسؤوليات الضخمة التي لابد له من القيام بها.

والإمام الحكيم يبدو أن اليتم كان له دور مهم في تكوين الجانب النفسي والذاتي في شخصيته، حيث فقد أباه واقعياً في أول عمره؛ بسبب هجرته البعيدة، ثم وفاته بعد ذلك وعمره ست سنوات، ولم يرَ أباه إلا في اشهر قليلة، كانت هي اشهر رجوعه إلى العراق أثناء هجرته.

ويمكن أن نلاحظ المعالم التالية في شخصية هذا اليتيم، وسلوكه والتي تعبر عن الاعتماد على النفس بعد الله تعالى:


الأول: الحرص على القيام بأعماله بنفسه

كان الإمام الحكيم يحرص على القيام بأعماله بنفسه إلى أقصى حد ممكن، وحتى في التفاصيل الصغيرة، حيث كان هذا الاتجاه الروحي ملازماً لشخصيته إلى آخر أيام حياته.

فقد كان يقوم بالبحث، والتدريس، والمراجعة، والكتابة، والتصحيح لكتاباته، دون أن يكلف أحداً من طلابه، أو ذويه حتى في أيام شيخوخته ومرجعيته.

وقد كتب كل هذه المؤلفات الكثيرة، دون أن يكلف أحداً باستنساخها أو بمساعدته.

وعندما اتسعت دائرة الأعمال؛ بسبب المرجعية، كان يقوم بعض مساعديه في إنجاز بعض الأعمال ذات العلاقة بمرجعيته، ولكن كان يقوم هو بنفسه - أيضاً - ببعضها، بالقدر الذي يتسع له وقته، وفي جميع هذه المجالات دون أن يتخلى عن بعضها.

كما كان - أيضا - يحاول أن يعتمد على نفسه في قضاء حاجاته الخاصة، ويتجنب إلى أقصى حد تكليف الآخرين، أو الطلب منهم في قضاء هذه الحاجات، وحتى في زمن الشيخوخة، لم يتخل عن هذا الاتجاه النفسي، حيث كنت ألاحظ - مثلاً - انه كان يعد بنفسه كأس الليمون الحامض، الذي وصفه الأطباء له، كشراب مفيد.

كما انه كان يبادر بنفسه لشرب الماء، ونحن جالسون حوله، دون أن يطلب منا تحضير الماء، وهو شيخ تجاوز السبعين.

وكان يعد بنفسه فراشه، وأدوات الكتابة، وأقلام القصب، أو ملء القلم بالحبر، او غير ذلك من الأمور البسيطة والدقيقة، دون أن يكلف أحدا بذلك، حتى خدمه، أو أولاده.

وفي هذا الاتجاه كنت ألاحظ حرصه - والى أواخر أيامه - على أن يباشر بنفسه دفع بعض مساعدات الفقراء والمحتاجين.

وكذلك المساعدات المنظمة التي كان يقدمها بنفسه للطلبة الضعفاء، وعلى شكل رواتب، أو في مقاطع زمنية، أو عن طريق مساعديه، وقد كان يقوم بهذه الأعمال بنفسه - أيضا - تجاه عامة الفقراء، حيث كان يحتفظ في جيوبه المتعددة بكمية من المال دائماً مقسمة عليها، ويقدم منها المساعدات.

كما كان - أيضا - يباشر بنفسه الاستفسار، والسؤال عن الشؤون الشخصية للأشخاص الذين يلتقون به، من طلاب العلوم الدينية، أو الشخصيات، أو الكسبة.

كما كان يعطي وقتاً مهماً للقاء، والاتصال بالناس بشكل مباشر، حيث كانت له أوقات ثلاثة تمتد لعدة ساعات في الصباح، والعصر، والليل، بالإضافة إلى التزامه بصلاة الجماعة، والحضور في المجالس العامة، كالمجالس الحسينية، ومجالس الفاتحة، وغيرها من المناسبات، ثم تقلص هذا الوقت مع كثرة الأعمال والمسؤوليات، وعندما تقدم به السن بقي ملتزماً بوقتين إلى أواخر أيام حياته، وحتى في فترة احتجابه في منزله بالكوفة(7).

كما كان يحرص على هذا الاتصال عن طريق الإجابة المباشرة على الرسائل الشخصية، أو رسائل التهنئة في الأعياد الإسلامية، أو إرسال المساعدات المباشرة للمرضى الراقدين لمدة طويلة في المستشفيات، أو السجناء.

بالإضافة إلى ذلك كله، كان يقوم بشكل مباشر بتصفية حسابات الذمم في الحقوق الشرعية، أو تصفية وصايا الأموات، والاستماع المطول لمشكلات الورثة والأحياء، ومحاولة معالجتها اجتماعياً وشرعياً، حيث استمر على هذه الطريقة إلى أواخر عمره وحياته، بالقدر الذي يستوعبه وقته الشريف، وكان يحيل ما تبقى منها على أولاده الصلبيين، أمثال آية الله السيد يوسف الحكيم (قدّس سرّه) وحجج الإسلام السيد محمد رضا، والسيد محمد مهدي، والسيد محمد كاظم الحكيم (رحمهم الله).، وكنت أباشر جانباً من ذلك، كل هذا كان تعبيراً عن اهتمامه الخاص بهذا الجانب من حياة الناس.

وهذا النوع من التعامل مع الناس، بالإضافة إلى ما يعبر عنه من اتجاه نفسي، يرتبط بقضية الاعتماد على النفس كان له - أيضاً - تأثير روحي ونفسي عميق في نفوس الأوساط التي كانت تتفاعل معه، أو الأشخاص الذين يرتبطون به، حيث يحسون بالارتباط المباشر، والعواطف الحارة اللطيفة التي كان يعبر عنها هذا السلوك، ويتحول في نفوسهم إلى حب عميق له، وتأثر، وتلقي تربوي ومعنوي.


الثاني: قوة الإرادة

لقد كان الإمام الحكيم يتصف بقوة الإرادة، والقدرة الفائقة في السيطرة على عواطفه، وأحاسيسه، وأعصابه، ما يجسد في جانب من هذه الصفة: الاعتماد على النفس، وفي جانب آخر: الدرجة العالية من جهد النفس، وعنصر التقوى.

وقوة الإرادة عندما تكون في السيطرة والضبط للنفس، واتجاهاتهم أمام ما هو محرم وممنوع شرعاً، تكاد أن تكون أمراً طبيعياً في الإنسان الصالح المتقي، فضلاً عن الصالحين من المستوى الخاص، كالإمام الحكيم (قدّس سرّه) ولكن عندما تكون قوة الإرادة في السيطرة على النفس في الأمور المباحة، من أجل الوصول إلى المستوى الأكمل في حركة النفس الإنسانية، وكتعبير عن المعاني، والمثل، والكمالات الإلهية، تصبح قوة الإرادة ذات مضمون آخر في شخصية الإنسان.

وبهذا الصدد أشير إلى بعض الأمثلة والنماذج ذات الأبعاد المختلفة، التي يمكن بمجموعها التعبير عن هذه الحقيقة والصفة في شخصيته(8).

1. كان الإمام الحكيم قد أبتلاه الله بمجموعة من الأمراض المزمنة كأمراض المعدة، والمجاري البولية، والقلب، وسرعة الإصابة بالزكام والبرد، والتعرق الشديد؛ لأدنى جهد بدني، وقد لازمه فترة طويلة من الزمن ومتفاوتة، الأمر الذي كان يفرض عليه الالتزام بتناول بعض الأدوية، والنظام الخاص في تناول الطعام والشراب أو الرياضة البدنية كالمشي.

وقد كان هذا الأمر ميداناً لامتحان إرادته، حيث كان يتناول - أحياناً - بعض الأدوية والطعام، لعدة سنوات بشكل منظم ودقيق من حيث الوقت والكم.

كما كان يلتزم تناول بعض الأطعمة بشكل خاص لعدة سنوات، وبشكل مكرر، وغير محبب لنفسه، حتى أنه في بعض الحالات النادرة له في الحديث عن هذا الأمر قال: انه يتناول الطعام دون أي رغبة فيه، كما يستعمل الدواء، كما كان يلتزم بالشيء في أوقات محددة، لمدة سنوات عديدة دون أن يتخلف عن ذلك إلا لأغراض مرضية قاهرة، وبشكل يثير الدهشة والغرابة، بالرغم من كثرة أشغاله البدنية والفكرية، وضعف مزاجه بسب المرض، وتقدم السن.

كل ذلك فضلاً عن التزامه الدائم منذ صغره ببعض المستحبات الشرعية، والتي لايكاد يتخلف عنها، كالتزامه بصلاة الليل، والتعقيب بعد الصلاة، والصلاة تحية للمساجد، كلما دخله للدرس أو للعبادة، واحترام المؤمنين، خصوصاً كبار السن، وأولاد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وطلبة العلوم الدينية، بالقيام لهم وتحيتهم.. الخ.

2. لقد كان الإمام الحكيم يشرب السكائر والشاي منذ بداية عمره، ثم ابتلي بنوبة قلبية - في سن السبعين - أثناء سفره إلى كربلاء لزيارة سيد الشهداء (عليه السلام)، وطلب منه الأطباء ترك شرب السكائر والشاي، فتركهما فوراً دون تردد أو تعليق، واستمر بذلك إلى نهاية عمره الشريف، حسب نصيحة الأطباء(9).

وكان يبدو هذا الأمر طبيعياً، حيث لم يكن يظهر من الإمام الحكيم (قدّس سرّه) اثر لهذا الترك على وضعه النفسي، او تعامله مع هذا الأمر، فلا يتحدث عنه، ولايمنع شرب السكائر إلى جانبه، أو يظهر شيئاً من عدم الارتياح، وكأن هذا الترك أمر عادي، مع أنه كان يشتهي ذلك كما تركه لأول مرة، كما حدث عن ذلك بنفسه(10).

وكان هذا الأمر مثيراً للدهشة حقاً، لم يكن يبدو عليه طلية هذه الفترة شيئاً من ذلك.

3. لقد اعتدى البعثيون المجرمون في العراق عندما جاءوا إلى السلطة، على الإمام الحكيم في عام (1389 هـ المصادف 1969م) أثناء زيارته لبغداد، حيث داهموا بيته بعد منتصف الليل بادعاء التفتيش، ومحاولة إلقاء القبض على ولده الحجة الشهيد محمد مهدي الحكيم (رحمه الله) وفتشوا البيت حتى غرفة الإمام الحكيم (قدّس سرّه)، ومنذ ذلك الحين لم يرَ ولده، ولم يسمع بخبره، ومضت عدة شهور على هذه الحالة والإمام الحكيم محتجب بداره في الكوفة، احتجاجاً على هذا العدوان، وغيره من الأعمال الإجرامية بحق الإسلام، والحوزة العلمية والمؤمنين بشكل عام.

والشيء المدهش والعجيب أن الإمام (قدّس سرّه) لم يسال عن ولده ومصيره، حتى من أولاده وزوجته.

وكنا نظن في البداية: أن الإمام الحكيم على علم بخبره، حيث كان قد حفظه الله، وأنجاه من أيديهم بأعجوبة، وعناية ربانية خاصة، حتى تهيأت للشهيد السيد محمد مهدي فرصة الخروج من العراق، فأخبر الإمام الحكيم بذلك، طلباً للدعاء له بالنجاة، وعندئذٍ تبين لنا أن الإمام الحكيم لم يكن يعلم شيئاً عن مصير ولده الحبيب، ومع ذلك كان قد احتسب الأمر عند الله تعالى، وسكت على البلاء احتساباً(11).

وقد اقترن هذا الحادث بأمر آخر يشبهه من حيث الدلالة على هذه الإرادة، وهو أني لازمت الإمام الحكيم (قدّس سرّه) في احتجابه أربعة أشهر تقريباً، دون أن أخرج من البيت؛ وذلك لأقوم بدور الرعاية له والتسلية، وإنجاز ما يمكنني إنجازه من عمل بالقرب منه، ثم بعد هذه المدة عرض لي عمل لي مهم في بغداد(12)، رأيت من الواجب السفر إليها لإنجازه فاستأذنته، فأذن لي بذلك.

ثم أخبرتني السيدة الوالدة رحمها الله تعالى، بما أثار إعجابي بإرادته وصبره، وهو أن الإمام الحكيم (قدّس سرّه) أظهر استغرابه من قضية السفر المفاجئ، حيث كان يظن ملازمتي له بسبب احترازي من التعرض للاعتقال، حيث كنت أشارك الشهيد السيد محمد مهدي، وجماعته من أصحاب الإمام الحكيم بالفعاليات السياسية المهمة ذات العلاقة بالمرجعية، ولكنه انكشف له من خلال سفري المفاجئ بأني لست خائفاً من هذا الأمر.

والعجيب في الأمر أن الإمام الحكيم لم يصدر منه طيلة الفترة السابقة، ولا بعدها، أي سؤال أو حديث عن الأخطار المحتملة، التي يمكن أن أتعرض إليها، مع أنها كانت تهمة إلى درجة كبيرة بشكل خاص.

ولعل هذا الضبط للمشاعر في هذا المورد وغيره من الموارد الكثيرة التي استمرت لمدة سنة؛ كان سبباً لإصابته بالداء الذي توفاه الله فيه، وهي حالة تشبه القتل والاستشهاد في سبيل الله.

4. لقد أبتلي الإمام الحكيم في آخر أيامه بمرض عجز الكلية عن أداء دورها في تصفية الدم، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسبة (اليوريا) في الدم بصورة حادة، وهو يؤدي عادة إلى فقدان المريض للتشخيص الدقيق - كما يذكر الأطباء - وقد حدثني الدكتور أحمد ثامر، الذي كان رئيس صحة محافظة كربلاء لفترة طويلة، وكان صديقاً للعائلة، ويتردد على الإمام الحكيم عند زيارته لكربلاء: أنه عندما سمع بمرض الإمام الحكيم لم يحس بضرورة زيارته؛ لأنه كان يعرف آثار المرض، وبالتالي فسوف لايتمكن الإمام الحكيم من تشخيصه عند زيارته، ولكنه عندما سمع بأن الإمام الحكيم سوف يسافر إلى لندن، وكان يظن بأن هذا السفر سوف يكون نهاية عمره الشريف، عزم على زيارته مودعاً له، يقول: وعندما دخلت عليه (قدّس سرّه) بادرني بالعتاب على عدم الزيارة إلى ذلك الوقت، واخذ يتحدث بكل وعي وإدراك، فأصبت بالدهشة من ذلك، وعرفت أن هناك سراً في شخصيته، يتجاوز فيه هذه الأعراض الطبيعية للمرض.

وكان هذا الأمر - أيضاً - يثير دهشة الأطباء الحاذقين، أمثال الدكتور الأخصائي محمود ثامر(13) والدكتور الجراح كاظم شبر، وغيرهما ممن كان يتردد على الإمام الحكيم، حيث كانوا يندهشون من قوة الإرادة، والسيطرة على المشاعر، والعواطف، حتى أن كاظم شبر، ومحمود ثامر، ذكرا بأنهما لم يريا الإمام الحكيم يفقد شيئاً من إرادته، حتى على مستوى الآداب العامة، والمجاملة الراقية، مع أن محمود ثامر كان يقول: إن نسبتنا إليه نسبة أولاده، ونحن نشاهد من بعض المرضى الذين يصابون بمثل أعراضه التي تسبب آلاماً هائلة(14)، مختلف الانفعالات، والكلام القاسي أحياناً، مع أن الإمام الحكيم يعاملنا بأدب رفيع، وقد أندهش الدكتور شبر في الثواني الأخيرة من حياة الإمام الحكيم، عندما دخل عليه يحتضر، فواجهه الإمام الحكيم بالشكر، وقال له: «زاحمناك يا دكتور»(15).

لقد كنا نلاحظ هذا الصبر والإرادة القوية بوضوح، ولكن لم نكن ندرك عمقه مثل الأطباء الذين كانوا يعرفون طبيعة المرض، وآثاره، وآلامه، كما صرحوا بذلك.

وبهذا الصدد اذكر بعض الحوادث التي لها مدلولها الروحي والأخلاقي:

الأولى: إن بعض العلماء الموجهين من مدينة أصفهان، كان يسكن النجف، وكان قد سمع الآثار الطبيعية لمرض الإمام الحكيم، فزاره الوجيه التقي المعروف: الحاج ميرزا كلاه دوزان، وكان من كبار تجار أصفهان، ومن مقلدي الإمام الحكيم، ومن الأصدقاء المقربين، فحدثه عن هذه الأعراض، بطريقة دخل فيها الشك والريب في نفس الشخص المذكور حول الاستمرار في التقليد للإمام الحكيم (قدّس سرّه).

فطلب الوجيه المذكور - بما له من صلة ودالة ومودة - عيادة الإمام الحكيم، ولم يكن يسمح بعيادته إلا للخاصة، وعدد محدود؛ لشدة مرضه، فأذن له، وعندئذٍ اخذ الحاج المذكور يسأل الإمام الحكيم عن مسائل فقهية، الأمر الذي أثار استغراب المرافقين، فأجابه الإمام الحكيم عن أسئلته، ولم يكتف بذلك حتى ذكر له أنه قد استفسر عن بعضها قبل سنتين في زيارته السابقة في منزله الكوفة، الأمر الذي جعل الحاج المذكور يتحامل بشدة على ذلك الشخص الذي حدثه بذلك الحديث، وأثار عنده الشكوك.

الثانية: ان مجموعة من التجار الأفريقيين من الخوجة الاثني عشرية، طلبوا الدخول على الإمام قبل وفاته بأقل من ساعة، وقد كان وضعه الصحي قد تدهور في ذلك اليوم، بحيث تم إبلاغي بالأمر - وكنت في النجف - فبادرت للذهاب إلى بغداد، وعند دخولهم عليه، تذكرهم الإمام الحكيم، وعرفهم بخصوصياتهم، الأمر الذي أثار دهشتهم، ودهشة الحاضرين.

الثالثة: إن الإمام الحكيم أجريت له عملية جراحية في لندن، استخدم فيها مادة (البنج) المخدر - بطبيعة الحال - وكان يحتاط من الناحية الفقهية في استمرار نفوذ الوكالات التي كان قد أعطاها لوكلائه الشرعيين، وغيرهم، عند غياب الوعي لدى الإنسان بالإغماء أو المخدر.

فكان من الإمام الحكيم (قدّس سرّه) عند أول إستيقاضه من تأثير المخدر، أن أعلن عن توكيله مرة أخرى لكل وكلائه المنصوبين من قبله، مع شدة الحال التي كان عليها.

لقد كان من العنايات الإلهية القدسية الخاصة بالإمام الحكيم، أن بقي مالكاً لوعيه وإدراكه ومشاعره، حتى اللحظات الأخيرة من حياته، وهذا شيء نادر في الأشخاص الذين يتعرضون إلى مرض طويل، له هذه المضاعفات الجسيمة.


الثالث: تربية الأولاد والأبناء

لقد أنعم الله تعالى على الإمام الحكيم، فرزقه عشرة أولاد ذكور، وأربع إناث من زوجتيه، حيث ولدت زوجته الأولى التي كانت من أرحامه، ولدين ذكرين، هما آية الله السيد يوسف الحكيم (قدّس سرّه)، وحجة الإسلام السيد محمد رضا الحكيم، وثلاث إناث من العلويات الفاضلات: فاطمة، وزهراء، وبتول، وولدت له زوجته الثانية بنت التقي الزكي الحاج حسن بزي ثمانية أولاد ذكور، هم حجج الإسلام السيد محمد مهدي، والسيد محمد كاظم، و (كاتب المقال) محمد باقر، والسيد عبد الهادي، والسيد عبد الصاحب، والسيد علاء الدين، والسيد محمد حسين، والسيد عبد العزيز، وبنت واحدة: هي العلوية شريفة.

وقد أعطى الإمام الحكيم الكثير من وقته واهتمامه؛ لتربية ذريته وأهل بيته، في محاولة لتجسيد المسؤولية تجاه الأهل والأولاد في هذا العمل، بالرغم من أن ابتلاءه بتربية أكثر ذرته كان بعدما أشرف (قدّس سرّه) على سن الشيخوخة، وأصبح من مراجع الإسلام، الأمر الذي يجعله تحت ضغط الاهتمامات بالقضايا العامة.

وكان هذا الموضوع من القضايا ذات الأهمية الخاصة في السيرة الذاتية للإمام الحكيم من ناحية، وفي عمله المرجعي العام من ناحية أخرى.

ولكن سوف نتناول هذا الموضوع من البعد الأول، حيث كان من الأبعاد الملفتة للنظر في الحوزة العلمية، ومما يغبط عليه الإمام الحكيم.

وبطبيعة الحال لا نريد - هنا - الترجمة أو الحديث عن شخصية هذه الذرية، فأن الحديث عنها مستقل، خصوصاً بعد الأحداث التي اقترنت باستشهاد أكثرهم، والمقامات العالية الروحية والاجتماعية، التي وصل إليها جلهم، أو بعضهم على الأقل.

وإنما نحاول الحديث عن القدر المرتبط بموضوع النفس وأثره في تربيته للذرية والأولاد، وفي الوقت نفسه يمكن أن نفهم نظرية التربية بشكل عام، ومنهجها عند الإمام الحكيم (قدّس سرّه).


معالم التربية عند الإمام الحكيم

لقد كان (قدّس سرّه) في موضوع التربية يستهدف بشكل عام وإجمالي بناء الشخصية الإسلامية بأبعادها المختلفة، بحيث يكون نتاج هذه التربية ومحصلتها الإنسان الصالح، الذي يسير في طريق الكمالات الإلهية ذاتياً، ويتحمل مسؤولياته تجاه المجتمع الإنساني، ويكون قادراً عل الانسجام والحركة والتأثير، ضمن هذه الجماعة، سواء في دائرة الأسرة أم دائرة المجتمع الكبير.

ومع قطع النظر عن مدى استقبال موضوع التربية (الإنسان)، لهذه الأهداف فان مسؤولية المربي أن يهتم بهذه الأبعاد في هذا الموضوع، ويبذل جهده من خلال المنهج الصحيح لتحقيقها.

وفي هذا المجال نلاحظ الأبعاد التالية، التي كانت تمثل رؤية الإمام الحكيم (قدّس سرّه) في تربة أولاده.


أولاً:

الاهتمام بشكل خاص بتربية أولاده على روح التقوى الحقيقية، من خلال التأكيد على عناصر (الصدق) و (الأمانة) و (الورع) عن محارم الله، والالتزام بالوظيفة الشرعية والحكم الإلهي، و (تحمل المسؤولية) تجاه الأمة، وقضاياها المصيرية، وتجاه الحوزة العلمية والطلبة، وقضايا الناس وحاجاتهم الحياتية.

وكان الإمام الحكيم يؤكد بشكل أساسي على ثلاث نقاط رئيسية في هذا المجال:

1. الإخلاص لله تعالى في العمل، وتوخي رضاه.

2. المصلحة الإسلامية، وما يهدي إليه العقل والحكمة، وكان يقول بهذا الصدد: إذا عرضت عليك قضية، ورأى عقلك فيها المصلحة والفائدة، فاعرضها على دينك فإذا رضي بها فافعلها وإلا فاتركها. فهو يرى: أن أساس حركة سلوك الإنسان هو العقل والمصلحة. ولكن في أطار الشرع، والحدود الإلهية.

3. رضا الناس وموقفهم من العمل ومراعاة مشاعرهم وعواطفهم، فالمباح قد يتحول الى محظور ومحرم عندما يكون في نظر الناس مرفوضاً أو منكراً.

4. وقد كان لهذا الاهتمام الخاص بهذا البعد، أثره البالغ في الأوضاع الروحية، والاجتماعية، والممارسات العامة، والخاصة لأولاده، حيث كان هذا البعد معروفاً بشكل عام في الأوساط الدينية، العامة، والخاصة، التي كانت ترتبط بمرجعية الإمام الحكيم، وحركته السياسية والاجتماعية، وتشهد به عامة هذه الأوساط، ويذكر كأحد الامتيازات، التي تفضل بها الله تعالى على هذا المرجع الكبير.

كما أن أكثر أولاد الإمام الحكيم، كانوا يتولون مختلف المسؤوليات العلمية، والدينية، والاجتماعية في مرجعيته، ويتصدون لأعمالها، وتحملوا الكثير من الآلام والمحن من أجل ذلك، وكانوا جميعاً في معرض الأخطار والآلام، بل تعرض أكثرهم للسجن والاعتقال والتعذيب والشهادة في سبيل الله تعالى.

وفي مجال التقوى والورع، أشير إلى بعض الأمثلة الجزئية في تربية الإمام الحكيم، ولكن لها دلالتها الكبيرة من خلال ملاحظتي الاجتماعية العامة:

1. كان (قدّس سرّه) يحتفظ بالنقود، والأموال الجزئية، التي نحصل عليها في الأعياد والمناسبات، وهي وأن كانت جزئية ومحدودة جداً، ولكنه كان ملتزماً عندما تمضي عليها سنة، كان يخرج خمسها، وأحيانا يعوض هذا الخمس بعد إخراجه، احتياطاً للأطفال، ولتربيتهم على هذا الواجب الإسلامي المهم، وهو الخمس، وزرع وازع التقوى في هذا المجال في نفوسهم.

2. عندما يبلغ أحدنا سن التكليف، كان يأمره بالتوبة، وإخراج رد المظالم عن الأموال التي كان قد أتلفها في صغره، أو تجاوز عليها.

3. الأمر بالالتزام بالحجاب التام، والدقيق في المنزل بين نساء الأسرة، كزوجات الإخوة، وبنات الأعمام، والأخوال، والأقارب، الذين يسكنون في دار واحد، أو يترددون عليها، بصورة كانت تتميز به هذه العائلة من بين العوائل المتدينة، فضلاً عن غيرها.

4. كان يحتاط في مزاحمة الزوار في العتبات المقدسة أو كفهم عن طريقه؛ لأنه كان يتورع عن إيذائهم شرعاً، ومن ناحية معنوية.

5. كان يحذر من إحداث أي ضوضاء أو صوت عند القيام لصلاة الليل؛ لأنه كان يتورع عن إيقاظ النائمين، وهم أهله وأولاده.

6. عندما تأتيه الأموال كان يضع كل نوع في ظرف خاص به؛ لئلا يختلط المال مع غيره، ويصنفها، حذراً من الاشتباه والالتباس، وهنا أنا لا اتكلم عن مسألة العبادات، وصلاة الليل، والدعاء؛ لأن هذه المسائل معروفة ومن شأن علمائنا العظام، لكنه كان على درجة عالية جداً من الاحتياط(16) في كل المسائل، حتى في القضايا المرتبطة في البيت.