![]() |
|
الإرهــــاب من جملة المفردات التي عرفها المجتمع الإسلامي منذ بداية وجوده، وحتى يومنا الحاضر، وسوف تبقى من المفردات التي يتعرض لها في مجال المنكر، هي: مفردة البدعة، حيث ان المجتمع الإسلامي عندما يكون مجتمعا متديناً ملتزماً بالإسلام، تصبح قضية الادعاءات الدينية والنسبة إلى الدين قضية رائجة في المجتمع؛ لاهتمامه بالدين والتزامه به، ولذلك من يريد النفوذ في المجتمع من ناحية، أو تضليل المجتمع الإسلامي وخداعه من ناحية أخرى، يحاول ان يأتي تحت شعار الدين وباسم الدين، ويطرح القضايا الدينية وكأنها من صلب الإسلام ومن صلب الشريعة الإسلامية، هذه الظاهرة – كما قلت – كانت ولا زالت و سوف تبقى؛ لأنها من مفردات الامتحان الإلهي للمجتمع الإسلامي، و قدرته على مواجهة ظواهر الانحراف. أحاول في هذا الموضوع ان أشير إلى نقطتين بصورة مختصرة: النقطة الأولى: فيما يتعلق بتعريف البدعة، أو بصورة أدق بمصاديق البدعة. يبدو من الأحاديث الشريفة الموثقة ان للبدعة تعريفين، أو مصداقيين: المصداق الأول: ان يُدخلَ الانسان شيئاً من خارج الدين في الدين حتى لو كان ذلك الشيء أمراً جائزاً وحلالاًَ في نفسه، ولم يكن محظوراً أو محرماً، لكن إذا نسب هذا الشيء الجائز والحلال إلى الدين وافترضه جزءاً من الدين يكون بدعة، و((كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار))(1)، حتى لو كان شرب الماء الذي هو مباحاً، لو جاء الانسان و نسب هذا الشرب في وقت معيّن، أو في وضع معيّن إلى الدين وافترض ان هذا الشرب من الدين يكون ذلك بدعة، ويكون حراماً؛ لذلك لا يجوز ممارسة الأعمال المباحة – فضلاً عن الأعمال المحرّمة – أو المبغوضة لله سبحانه وتعالى بعنوان أنها جزء من الدين، وإنما تمارس كأمر أباحه الله تعالى كما أباح أموراً أخرى، فكل نسبة للدين وهي ليست من الدين يكون ذلك أمراً محرماً وبدعة، وحرمة هذا الأمر بحيث يكون على درجة عالية من الإثم، و يصبح ضلالة وكل ضلالة في النار لسببين: الأول: ان هذه النسبة تكون كذباً على الله سبحانه و تعالى، والكذب على الله أثم مضاعف؛ لأنه كذب على مقام الجلالة العظيم. الثاني: ان هذه البدعة سوف تشوّه صورة الدين، ويكون لها تأثيرات اجتماعية ونفسية وروحية على المجتمع الإسلامي بصورة عامة، وتكون أحد أسباب تمزّق المجتمع الإسلامي وتشتته، حيث يجعل الانسان من رأيه الخاص، ومن ذوقه الخاص، ومن طريقة تفكيره الخاصة صيغةً من صيغ الدين الذي جاء لعموم الناس، ولم يكن مختصاً بهذه الجماعة أو تلك الجماعة، فهو بالحقيقة يقيّد الدين ويؤطِّرُه ويضيِّقه في نطاقٍ محدود، الأمر الذي يمنع الناس من الهداية بهذا التأطر الخاص وبهذا التضييق الخاص، حيث ان الناس لا ينسجمون في ذوقهم مع ذوق هذا الانسان ومع رأيه و رؤيته، فهو يحدد الدين بهذه الرؤية الخاصة، ويجعلها جزءا من الدين، وحتى الاجتهاد الصحيح، وان كان أمرا مشروعاً وصحيحاً، ولكن لابد ان نفرّق في قضية الاجتهاد الصحيح بين الاستنباط لهذا العالم، وذاك العالم فيكون هذا الاستنباط مشروعاً ومنسوباً لهذا العالم، وليس جزءاً من الدين بحيث يكون مصير الدين مرهوناً بهذا الاستنباط، أو ذاك الاستنباط، فنسبة الشيء إلى الدين – وهو شيء شخصي – في الحقيقة يؤدي إلى تشويه صورة الدين وتضييقه، وتمزيق المجتمع المتدين الذي يلتزم بهذا الدين. المصداق الثاني: ان يفتعل إنسان رأياً وهذا الرأي يكون رأيه الخاص، ولا ينسبه إلى الدين، ولكن يحب ويبغض على أساس ذلك الرأي، أي: يجعل أساس الود والحب والعلاقة الاجتماعية قائماً على الارتباط بهذا الرأي، و عدم الارتباط به، كان يؤسس الانسان جمعية؛ً لخدمة الناس وهي جمعية خاصة به، ولكن يجعل حبه وبغضه مرتبطاً بهذه الجمعية فمن يكون على علاقة بهذه الجمعية فهو محبوب لهذا الانسان، ومن ليس له علاقة بها يكون مبغوضاً عنده، أو يؤسس حزباً أو مدرسة أو أي عمل آخر، بحيث يجعل الحب و البغض مرهوناً بهذا الرأي والالتزام به. هذا الموضوع على ما يبدو من النصوص الشريفة هو من البدَع، أي: ان يبتدع الانسان رأياً ثم يجعل الحب والبغض على أساس هذا الرأي؛ لان الحب والبغض لا يجوز إلاّ لله سبحانه و تعالى ولما يتفرع عن الله سبحانه وتعالى، الحب لله وفي الله والبغض لله وفي الله سبحانه و تعالى، فالحب لرسول الله هو حب لله سبحانه وتعالى، والحب لأهل البيت هو حب لرسول الله، والحب للعلماء و الصالحين والخيرين والمؤمنين حب لله و في الله، وحب الأب وألام والعشيرة أيضاً حب لله وفي الله، وعندما يتجاوز هذا الحب هذه الحدود المرتبطة بالله سبحانه وتعالى يكون بدعة، ويكون حراماً؛ لان الإمام الصادق (عليه السلام) يجيب السائل في حديث موثق يسأله ان الحب والبغض من الدين ؟ يجيبه الإمام الصادق (عليه السلام): ((وهل الدين إلا الحب))(2)!؟ هل هناك شيء يمكن ان نسميه ديناً غير الحب؟.. عندما يتدين الانسان لله سبحانه وتعالى يحب في الله، وعندما يلتزم بقرارات رسول الله والأئمة الأطهار، فالحب لرسول الله ولأهل البيت (عليهم السلام). (1) الكافي: ج1، باب البدع والرأي: ح8 (2) مستدرك الوسائل: 12: 219: ح6 النقطة الثانية: ما هو الموقف الشرعي تجاه البدعة؟ يبدو من الأحاديث الشريفة وجود أربعة مواقف أساسية لابد ان يتخذها الانسان تجاه البدعة: الموقف الأول: البراءة من البدعة والمبتدعين. الموقف الثاني: فضح البدعة و كشفها، وبيان بعدها عن الدين، وعدم الارتباط بها. الموقف الثالث: فضح المبتدع وكشفه، واتهامه بحيث يكون هذا الانسان معزولاً في المجتمع الإسلامي. الموقف الرابع: ان يظهر العالم علمه، و هذا موقف خاص بالعلماء، بأهل المعرفة، أهل الدين، هنا العالم يظهر علمه و يبين علمه من اجل فضح البدعة، وإنقاذ الناس من الضلالة، والوقوع في الشبهات والشكوك والابتعاد عن الدين، فالمجتمع الإسلامي إذا أراد النهي عن المنكر - فيما يتعلق بهذه المفردة من مفردات المنكر - عليه اتخاذ هذه المواقف الأربعة تجاه الظاهرة السلبية التي نسميها بـ(البدعة). وهناك أحاديث شريفة بهذا الصدد: منها: حديث موثق عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله))(1). انا بدأت بالعلماء؛ لأنهم نخبة الناس وصفوتهم، وعليهم تحمل مسؤولياتهم تجاه البدع الموجودة، أو التي ستوجد مستقبلاً. عن علي(عليه السلام): ((أن العالم الكاتم علمه يبعث انتن أهل القيامة ريحاً تلعنه كل دابة من دواب الأرض الصغار))(2). عن الإمام الباقر(عليه السلام) يقول: ((أدنى الشرك ان يبتدع الرجل رأياً فيحب عليه ويبغض))(3). وعن أبى حمزة الثمالي قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام) ((ما أدنى النصب؟ قال: ان يبتدع الرجل شيئاً فيحب عليه ويبغض عليه))(4) وفي حديث موثق عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهر البراءة منهم وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كي لا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات و يرفع لكم به الدرجات في الآخرة))(5). وفي حديث آخر موثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: ((من مشى إلى صاحب بدعة فوقره فقد مشى في هدم الإسلام))(6) لان البدع تمزق المجتمع وتفرّقه. (1) الكافي: 1: 54، باب البدع والرأي والمقائيس: ح2 (4) من لا يحضره الفقيه: 3: 572 (5) الكافي: 2: 375، باب مجالسة أهل المعاصي: 375: ح4 (6) من لا يحضره الفقيه: 3: 572 ظاهرة أخرى أشار إليها القران الكريم، وتحدث عنها النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) هي ظاهرة الفتوى بغير علم أو الحديث بغير علم، فهي من اخطر الظواهر التي تشهدها مجتمعاتنا الإسلامية، حيث يأتي إنسان لا يكون لديه علم بالشريعة الإسلامية، ولا بعقيدة الإسلام ومعارفها، ولا يعرف القران الكريم معرفة صحيحة، كما لا يوجد لديه إطِّلاع كامل على السنة الشريفة، فيأتي ويفتي بغير علم، يفتي برأيه وبذوقه وحسب ميوله الخاصة ويعلن الظنون والاستحسانات، ويكون لديه شيء من القدرة على الكلام أو يتناول بعض الأمور، ومن خلال ذلك يعطي الفتوى ويريد ان يوجه الناس بفتواه. هذه من الظواهر الاجتماعية التي تعيشها المجتمعات الدينية منذ بداية الرسالة الإسلامية وحتى يومنا هذا، فهي لم تختص بعصر أو زمان؛ ولذلك نحتاج دائماً إلى الانتباه إليها ومعالجتها. وهنا لا يسعني المجال لتناول هذا الموضوع بصورة واسعة والتفصيل في أبعاده، وسأكتفي بمجموعة من الروايات الشريفة التي تتحدث عن الإفتاء بغير علم. في حديث موثق عن الإمام الباقر(عليه السلام): ((من أفتى الناس بغير علم ولا هدىً من الله لعنته ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه))(1). وعن الإمام الصادق(عليه السلام): ((إياك وخصلتين ففيهما هلك من هلك: إياك ان تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم))(2). وعن رسول ا لله (صلى الله عليه وآله وسلم) – وهذا الحديث يشمل مساحة واسعة من الناس، لاسيما أولئك الذين يتحدثون على المنابر، أو من وراء المنصات، أو في صلاة الجمعة والجماعة، أو يفتون الناس – ((يعذب الله اللسان بعذاب لا يعذب به شيئا من الجوارح، فيقول: أي رب عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئا، فيقال له: خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الأرض ومغاربها، فسفك بها الدم الحرام وانتهبَ بها المال الحرام وانتهك بها الفرج الحرام، وعزتي وجلالي لأعذِّبنَّك بعذاب لا أعذب به شيئا من جوارحك))(3). هذا هو حال كلمة الضلال التي تصدر من الانسان، وأما إذا كانت الكلمة كلمة هداية فينطبق عليها قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ (عليه السلام): ((والله لئن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت))(4). وعن الصادق (عليه السلام): ((العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلاّ بعداً))(5). فالإنسان الذي ينحرف عن الطريق كلما يزداد سرعة كلما يبتعد أكثر. (1) الكافي: 1: 42، باب النهي عن القول بغير علم: ح3 (2) الكافي: 1: 42، باب النهي عن القول بغير علم:ح2 (3) الكافي: 2: 115، باب الصمت وحفظ اللسان: ح16 (4) مستدرك الوسائل: 11: 30، باب وجوب الدعاء إلى الإسلام قبل القتال: ج1 (5) الكافي: 1: 43، باب من عمل بغير علم: ح1 من أهم الموضوعات التي تعيشها ساحتنا العراقية – خصوصا – والساحة الإقليمية والدولية – عموما –، هو موضوع المقاومة المسلحة التي بدأت في العراق وأخذت منهجاً جديداً وشكلاً جديداً، حيث يكتسب هذا الموضوع أهمية واسعة وكبيرة يمكن ان نشاهدها من خلال وسائل الإعلام، وهناك ثلاثة أبعاد في البحث عن هذه العمليات العسكرية وبيان الموقف الشرعي منها: أولا: لابد ان نعرف هوية هذه المقاومة، وما هي خلفياتها وما هي أسبابها ؟ معرفة هذا الأمر من الأمور المهمة التي تدخل كعنصر أساسي في وعي الشعب العراقي وفهمه. ثانياً: لابد ان نعرف الموقف تجاه هذه العمليات سواء من الناحية الشرعية أم السياسية، يعني الموقف العملي المتحرك تجاهها، فلابد ان نعرف من الناحية الشرعية والإسلامية، والفكرية، والنظرية ما موقف الإسلام من هذه المقاومة ؟ هذان عنصران مهمان في المعادلة، وهما:تحليلنا السياسي لهذه المقاومة وخلفياتها من ناحية، ثم الرؤية الشرعية للمقاومة المسلحة من ناحية ثانية. ثالثاً: الموقف من المقاومة، فلابد ان أشير – ان شاء الله – إلى توضيح الموقف من هذه المقاومة، هل نشجع على هذه المقاومة؟ هل نهدئ هذه المقاومة؟ ما هو الموقف الصحيح تجاه هذه المقاومة ؟ هذه الأمور والعناصر الثلاثة لابدّ ان تعالج في موضوع المقاومة، لان هذه المقاومة مسلحة، المقاومة غير المسلحة ذكرنا موقفنا منها، وقلت: ان رأينا في المقاومة غير المسلحة هو رأي إيجابي، ولابد للشعب العراقي ان يقاوم بطريقة سياسية سلطات الاحتلال، ووجوده وانهاءه من اجل ان يحكم العراقيون أنفسهم، كما ينص على ذلك بصورة واضحة وبيّنة لا لبس فيها – قرار مجلس الأمن، والقانون الدولي الذي بيّن هذا القرار على أساسه، ونصّ عليه هذا القرار.
وعندما نتناول مثل هذه الموضوعات الحساسة ذات العلاقة بأمتنا في العراق وامتنا الإسلامية – بصورة عامة – لا نريد الاستغراق في القضية السياسية وحدها، بل نريد – دائما – معرفة الموقف الشرعي والإسلامي والعقائدي تجاه مثل هذه القضايا الرئيسية والأساسية؛ لان الإسلام دين الحياة، وله رؤية وموقف تجاه جميع الأحداث والقضايا التي تعيشها الساحات الإنسانية العراقية وغيرها. الإسلام شريعة إلهية تتناول جميع هذه القضايا؛ ولذلك نجد ان صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لمّا كان على أبواب الغيبة الكبرى لم يترك جماعة المؤمنين في حيرة من أمرهم تجاه الأحداث والقضايا التي يواجهها الانسان في حياته، وانما شخص المرجع في هذه القضايا؛ لكون الإسلام لديه موقف تجاه هذه القضايا، ولابد ان تشخص وتحدد هذه المواقف، فقد جاء الحديث الشريف في التوقيع المعروف وهو قوله (عليه السلام): ((وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله))(1)، إذن، هو حدد المرجع في تشخيص الموقف من الحوادث الواقعة والمتغيرة والتي يواجهها الانسان، ومن هنا تكون هذه القضية من القضايا التي لابد من الرجوع فيها. (1) كمال الدين وتمام النعمة: 484، باب التوقيعات هنا يمكن ان نشير إلى ان الموقف الشرعي، إذا أردنا ان ننظر إليه من خلال النظرية العامة للإسلام، فمن الواضح ان النظرية العامة للإسلام تبتني على خطين رئيسيين أساسيين: الخط الأول: الرفض للعدوان، الرفض للهيمنة الخارجية (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)(1) (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(2) هذا هو خط إسلامي واضح يشخصه القران الكريم. الخط الثاني: ولابد من النظر إليه بصورة دقيقة من الناحية الشرعية – مع قطع النظر عن الموقف السياسي – وهو قضية القدرة؛ لان الواجبات الشرعية مرهونة بعاملين رئيسيين – وهذه اجعلوها في ثقافتكم الإسلامية: العامل الأول: القدرة، لا يوجد واجب شرعي مكلف به الانسان خارج قدرته؛ لان الله سبحانه وتعالى لا يكلف الناس أكثر مما يتحملون، أو يسعون في قدرتهم، بل أكثر من ذلك، ان الله سبحانه وتعالى ما جعل في الدين من حرج، فحتى حالة الحرج وضعها الله سبحانه وتعالى عن الانسان، فقضية القدرة من القضايا الأساسية. العامل الثاني: الذي يجب ان نفهمه هو قضية المصلحة، الحكم الشرعي في النظرية الإسلامية لأهل البيت (عليهم السلام) – وهذا فرق رئيسي، وأساسي في فهم أهل البيت (عليهم السلام) للإسلام، وفهم بعض المذاهب الأخرى للإسلام – هو ان الحكم الشرعي في الإسلام تابع للمصالح والمفاسد، الحكم الشرعي ليس حكما مجردا عن المصلحة والمفسدة، ومن ثم فلابد من النظر إلى المصلحة والمفسدة في الموقف الشرعي والحكم الشرعي. ومن هنا لابد من الحذر جدا في موقفنا الشرعي، وهذا الحذر يتسم بالرجوع إلى المجتهد العارف بالشرع، والعارف بالظروف والأحوال التي يعيشها المجتمع حتى يتمكن من الجمع بين النصوص الشرعية التي تتحدث عن الحكم الشرعي، وبين المصالح التي تكون وراء الحكم الشرعي، ومعرفته بقدرة المسلمين على ممارستهم لواجباتهم ومسؤولياتهم، هذه العملية هي التي تجعلنا نقول: انه في المواقف السياسية من الناحية العامة يجب الرجوع فيها الى المجتهد العادل الخبير في الأوضاع السياسية والاجتماعية هذا هو الموقف الشرعي العام. 2) تفسير وتحليل هذه العمليات العسكرية ما هي الأسباب التي تكمن وراء هذه العمليات؟ قوات الاحتلال والولايات المتحدة تفسر هذه العمليات العسكرية: بانها عمليات يقوم بها أزلام النظام السابق وبقاياه، ولكن هل ان الحقيقة القائمة على الأرض تعني هذا الأمر، بحيث ان كل من يقوم بعملية عسكرية يعني ارتباطه بالنظام السابق؟ أو ان هناك شيئا آخر موجود على الأرض؟ نحن حينما ننظر إلى هذه العمليات بصورة دقيقة، ونتأمل في خلفيتها وأسبابها، يمكن ان نجد عوامل أربعة أو خمسة ذات علاقة بهذه العمليات العسكرية وإذا أردنا ان نعالج هذه العمليات فلابد من معالجة هذه العوامل وفهمها بصورة دقيقة: العامل الأول: تزايد عدم الرضا والغضب في أوساط أبناء الشعب العراقي، حيث ان مشاعر الغضب بالتدريج بدأت تتزايد بين أوساط الشعب العراقي، ففي البداية كانت العمليات العسكرية لقوات التحالف من اجل إسقاط النظام البائد وتحرير الشعب العراقي من الظلم والطغيان، ثم بعد ذلك تحولت هذه العمليات إلى احتلال العراق، هنا بدأ أبناء الشعب العراقي يشعرون بالضيق، ثم تحول إلى عدم الرضا، ثم بدأ يتحول إلى الغضب، ومن ثم فالإنسان يشعر بالعزة الوطنية والإسلامية؛ لان الانسان عندما ينتمي إلى وطنه يريد ان يكون هذا الوطن حراً ومستقلا، وعندما ينتمي إلى عقيدته لا يريد هيمنة للأجانب عليها، أو على أوضاعه ومن الطبيعي ان تزداد مثل هذه المشاعر؛ لإحساسه بالهيمنة وعدم الحرية والاستقلال، هذا احد الأسباب الرئيسية التي لا يصح ان نغفل عنها في تفسيرنا لهذه الأوضاع. العامل الثاني: ردود الفعل العفوية، وأؤكد على كلمة العفوية غير المنظمة لدى أوساط شعبية تعرضت إلى أعمال عنف من قبل قوات التحالف، فعندما تتصرف قوات التحالف تصرفاً يتسم بالعنف، واللامبالاة بالتقاليد والآداب والسلوك الاجتماعي والطبيعي للمجتمع وللناس، بطبيعة الحال تكون هناك ردود فعل طبيعية لدى الناس وبصورة عفوية، وقد يتسم رد الفعل هذا بالعنف. بعض الناس يتمكن ان يسيطر على عواطفه ومشاعره عندما يصاب بالغضب، لكن البعض الآخر ليسوا كذلك لا يسيطر على عواطفه ومشاعره، فيتسم رد فعله بالعنف عندما يجد أمامه عنفاً دون ان يفكر بالعواقب، وما ينشأ من رد الفعل هذه حقيقة من الحقائق لابد ان ننتبه إليها ولا نغفل عنها في فهمنا لهذه الحالة. العامل الثالث: ان هناك نظريات سياسية ذات جذر فقهي، تؤمن بها بعض الأوساط الإسلامية، وهذه النظريات تتسم بالعنف، حيث انها تقوم على أساس ان الاحتلال لا علاج له إلا استخدام العنف، فالبلد متى ما تعرَّض للاحتلال والسيطرة الأجنبية، فعلاجه العنف؛ لأنهم يشككون في نوايا المحتلين ووعودهم وقراراتهم، ومن ثم يرون لا طريق إلا استخدام العنف، وهذه النظريات السياسية ليست خاصة بجماعة دون أخرى. بعض الغربيين يحاولون اتهام المسلمين جميعا بهذه النظرية، وانا أقول بصورة واضحة: ان المسلمين لا يؤمنون جميعا بهذه النظرية هناك من يقول منهم بهذه النظرية، ولكن أيضا هذه النظرية السياسية موجودة في كل العالم، في الغرب يوجد من يرى هذه الرؤية، وكذلك في المعسكر الشرقي (سابقا)، وفي التيار اليساري وحتى في التيار اليميني الغربي، ولذلك تشاهدون مثلا في أسبانيا التي يشكل وجودها الان جزء من قوة الاحتلال، ومع ذلك في الأسبان توجد مجموعات سياسية تستخدم العنف، وفي بريطانيا توجد مجموعات سياسية تؤمن بالعنف وتستخدمه، هؤلاء ليسوا من المسلمين ولا يرتبطون بالعالم الإسلامي وهكذا يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية مجموعات تلتزم هذا المنهج وفي أمريكا اللاتينية وغيرها اذن، فهذه النظرية السياسية نظرية موجودة في فهم العمل تجاه قضية الاحتلال والهيمنة الخارجية. يوجد بعض المسلمين – وهم قلة – يسمون: بأهل الظاهر في الفقه الإسلامي الذين يتمسكون بظواهر النصوص يأخذون بهذه النظرية ويعملون بها ويبشرون بها. إذن، هذا عامل آخر موجود في الساحة لا ينبغي ان نغفل عنه، ويجب ان نهتم في كيفية معالجتها. العامل الرابع: أزلام النظام المجموعات التي تمثل بقاياه فهم – أيضا – موجودون، وهؤلاء يستهدفون بصورة أساسية المؤسسات المدنية التي تربك الحياة العامة للناس، ويقومون بأعمال عنف من أجل ان يبقى الوضع في العراق غير آمن وغير مستقر، وهدفهم ذو بعدين: 1. ان يخرجوا من العراق والعراق خراب مطلق، كما رفع صدام هذا الشعار. 2. ان يقول الناس ان الأوضاع في عهد صدام كانت أفضل من هذه الأوضاع، فعندما ذهب صدام تعطلت الخدمات العامة، وكثرت البطالة، وتدهور الوضع العام، والى غير ذلك مما نشاهده الان، هؤلاء لديهم نفوذ أيضاً. الإعلام العربي إعلام طائفي بغيض العامل الخامس: وسائل الإعلام العربية، ويمكن ان نسميه بالعامل المساعد، فهم الان يمارسون دورا مهما جدا في سحب الشعب العراقي ودفعه بإتجاه قوات التحالف والاحتلال، هذه حقيقة واضحة بينة. ان هؤلاء يعملون ليلاً ونهاراً لسياسات لا مجال لذكرها لكن هناك هدفاً هو ان يكون قتال وصراع بين العراقيين، وبين التحالف، وهؤلاء يستخدمون الان جميع إمكاناتهم الإعلامية وأساليبهم وتجاربهم، والفن الإعلامي الذي يملكونه لممارسة حرب نفسية على العراقيين؛ من اجل ان يسحبوهم إلى الدخول في معارك ضارية لا أول لها ولا آخر مع قوات التحالف، هذا هو الواقع الذي نعيشه الان. وأما الموقف الشرعي العام إذا أردنا ان نطبقه على الحالة القائمة الموجودة، وننتبه إليها بصورة دقيقة لابد ان نعرف: ان الموقف الشرعي في الوقت الحاضر، الذي يمكن ان يشخص الموقف السياسي الذي يتسم بالشرعية يتمثل في عدة أمور: الأمر الأول: لابد ان تبذل كل الجهود المشروعة ذات الطابع السلمي لإنهاء الاحتلال؛ لان الشرع المقدس يقول: لا يعمد الانسان إلى استخدام العنف والسلاح والقوة إلا بعد ان تُبذَلَ الجهود في استخدام الدعوة إلى الله تعالى، والحكمة والموعظة الحسنة، والعمل السياسي حتى يصل إلى استخدام القوة. رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقى ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله تعالى، ولم يستخدم القوة ولا مرة واحدة حتى أقام الحجة الكاملة على الناس عندئذ عمد إلى استخدام القوة والسلاح والعنف. الإسلام يرى انه مادام باب الوسائل السلمية مفتوحاً فلابد ان تتبع حتى تقام الحجة بصورة كاملة، وبعدئذ يتحول الانسان إلى استخدام القوة والقدرة. ونحن نعتقد عدم استنفاذ جميع الوسائل السلمية، ولابد من استنفادها بصورة كاملة، وتبذل الجهود من اجل إنهاء الاحتلال، الجهود التي تتسم بالسلمية. الأمر الثاني: قضية ضبط النفس في هذه المرحلة؛ لان هناك محاولة لجر العراق إلى حرب ضروس، لا أول لها ولا آخر، وهذه المسألة لابد من الانتباه إليها في هذه المرحلة بالذات، فقضية ضبط النفس مهمة جدا في الحكم الشرعي. الأمر الثالث: ممارسة كل وسائل الاحتجاج، والتعبير عن استنكار التصرفات الخاطئة التي تتسم بالعنف واللامبالاة، واللامسؤولية التي ترتكبها قوات التحالف ضد الناس الأبرياء، مثل: السرقة ولدي وثائق تؤكد ذلك، أنهم يسرقون الناس، ويعتدون عليهم، ولا يهتمون بآدابهم وقيمهم ومثلهم، وهذه مسألة مهمة جداً لابد ان نحتج عليها، ونستنكرها، ونتحدث عنها؛ من اجل ان يكون هناك انضباط في التعامل مع الناس ومعالجة هذه الحالة. وكذلك الاستمرار في الحوار المنطقي الصحيح الذي يعبر عن موقف الشعب العراقي، وأنا أدعو العراقيين جميعا بقواهم السياسية، والشعبية، ومنظماتهم إلى الاتحاد في هذا الموضوع، ويقفون موقفا واحداً في التعبير عن ضرورة إنهاء الاحتلال بأسرع فرصة. نعتقد ان قرار مجلس الأمن (1483) الذي صدر بالإجماع، وقدمته الولايات المتحدة وبريطانيا إلى مجلس الأمن وأقر من قبله، قرار يصلح ان يكون أساسا لهذا الحوار، وهو يؤكد على عدة مبادئ أوضحها للشعب العراقي ليعرفوا الحقيقة: المبدأ الأول: يؤكد على السيادة العراقية. إذن، لابد من وجود عمل جاد ليكون العراق حرا مستقلا. المبدأ الثاني: السرعة في إنهاء الاحتلال. المبدأ الثالث: مساعدة العراقيين على تشكيل الإدارة العراقية، العراقيون هم الذين يشكلون الإدارة العراقية المؤقتة وعلى قوات التحالف ان تساعدهم على ذلك، وهذا ما ينص عليه قرار مجلس الأمن. المبدأ الرابع: اتخاذ الإجراءات العملية السريعة لأجراء انتخابات عامة، ينتخب فيها مجلس دستوري يدون الدستور، ثم بعد ذلك تجري انتخابات عامة، لتصبح لدينا حكومة عراقية ذات سيادة كاملة، وبهذا يمكن ان ننهي الاحتلال. هذه المبادئ الأربعة الأساسية يمكن ان تكون أساسا للحوار الذي ندعو إليه، لذلك نعتقد ان الطريق الصحيح لمواجهة العنف ليس التعتيم على الحقائق، بل في بيان هذه الحقائق وأسباب العنف، ونذهب إلى معالجة هذه الأسباب، ونعتقد ان الطريق الصحيح للمعالجة هو ان نبذل جهودنا جميعا من اجل هذه الأمور التي ذكرتها. الإرهاب البعثي يحاول اغتيال الوحدة لابد ان نعرف – أيضا – ان هذه الوحدة مستهدفة استهدافاً واسعاً وكبيراً من قبل أعدائنا الذين يحاولون ضعضعتها، سواء وحدة الشعب العراقي، فيطرحون الصراع بين السنة والشيعة، وكانهم ليسوا أخوة في الإسلام وفي العراق والهموم والقضايا المشتركة، أم وحدة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) فيحاولون إيجاد الصراع بينهم؛ لانهم وجدوا فيهم الصبر والصمود والاستقامة، والاستعداد للتضحية والفداء، والالتزام بالقيم والمبادئ، فلا يخضعون لأجنبي، ولا يقبلون بطغيان واستبداد، وقدموا ملايين الشهداء على امتداد القرون الطويلة؛ من اجل مواجهة الصعوبات وعبور مشكلات التاريخ حتى نمت وكبرت وصمدت وتكاملت وتطورت، وجدوا في هذه الجماعة هذه القوة فيريدون ان يفتتوها ويضعفونا، لاسيما بعد ان برزت بعد طول الآلام والمحن في صف واحد متماسك في مسيرة كربلاء هذا العام، وهم يهتفون هتافاً واحداً للحسين (عليه السلام) وللإصلاح والنهي عن المنكر، ومقاومة الذل والاستبداد مما جعل الأعداء ينصبون العداء أكثر فأكثر لهؤلاء. وهنا اذكر بعض عناوين الأعداء وانتم أيها الإخوة عندكم بصيرة – والحمد لله – وتعرفون بقية العناوين الأخرى: صدّام وأزلامه وجلاوزته، وهم يحاولون الاندساس في صفوف أتباع أهل البيت(عليهم السلام)؛ لإيجاد الاختلافات والنزاعات والصراعات، فشق الصف الواحد من أهداف العفالقة المجرمين المستبدين الطغاة الذين تلطخت أياديهم بالدماء الزكية لأبناء شعبنا العراقي، هؤلاء لا يزالون يستهدفون وحدة جماعة أهل البيت (عليهم السلام) ويكيدون لها كيداً. هناك عمل سياسي واسع في الداخل من قبل بعض النواصب – الذين ينصبون العداء لأهل البيت وشيعتهم –، ومن بعض السياسات الموجودة في المنطقة، وهناك عمل دائب من اجل زرع الخلاف والنزاع والصدام بين الشيعة والسنة بحيث تتحول المعركة إلى معركة أخرى، ولا أقصد من النواصب السنّة الذين يحبون أهل البيت (عليهم السلام)، فأهل السنة إخواننا في هذا البلد ولابد لنا ان نتعاون معهم لندافع عن حقوقنا، ولكن النواصب الذين ينصبون العداء للمسلمين جميعاً، وأتباع أهل البيت (عليهم السلام) ويكفرّون المسلمين، ويدعون إلى الفرقة ويعملون على تمزيق الصف الإسلامي في كل مكان، وليس في العراق فقط، فمنهجهم وطريقتهم تمزيق الأمة. لابد ان ننتبه لهؤلاء النواصب، وماذا يصنعون داخل بلدنا من خلق صراعات ونزاعات ومعارك بدون الرجوع إلى الشرع، أو العقل، أو الحكمة، أو السياسة، فلابد لنا ان ننتبه لذلك في عملنا، ونمنعهم من الاندساس في صفوفنا، والوقوع تحت أضاليل الدعايات. 3) المحتلون الذين يحاولون إضعافن نراهم يقومون كل يوم بعدوان على جماعة أهل البيت (عليهم السلام) بأساليب مختلفة، كالعدوان المقرون بالسرقة، والاستهانة بالحرمات والأعراض على مقرات المجلس الأعلى(1)، وعلى مقرات الأحزاب الإسلامية العراقية، وليس هناك أي تبرير لهذا العدوان، ويحاولون الحديث عن انها غفلة وأخطاء ولكنهم يكررونها. هذا العدوان على المؤمنين يراد به إضعاف وتفتيت هذه الجماعة، وإيجاد الخلافات والصراعات فيما بينها بوسائل مختلفة، وقوات التحالف ليست هي القوات العسكرية فقط، بل هناك الأجهزة السرية التي تعمل باستمرار على إضعاف وتفتيت قدرة الشعب العراقي؛ لإيجاد مبرر من اجل بقائهم في العراق. يقولون: العراقيون مختلفون ومتنازعون، فإذا انسحبنا من العراق سوف تحدث حرب أهلية، وحتى إذا خرجوا يريدون إبقاء هيمنتهم السياسية والاقتصادية داخل العراق، إذا كان الشعب العراقي ضعيفاً ومفككاً. نحن مع هذه القضايا نتعامل بدقة، وبحكمة، ودراية، ولا نرى الان من المصلحة ان نكون في مواجهات عسكرية، ولكن لدينا لسان ومنطق، وإرادة، وصبر هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فان الشعب العراقي يجب ان يعبِّر عن رأيه من اجل ان يظهر هذا الشعب بمظهر الوحدة والقوة في مواجهة هذه الأساليب. (1) أعلن مسؤول عسكري أميركي: ان القوات الأميركية تراقب عن كثب فيلق بدر الذراع العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. صحيفة البيان الإماراتية: تاريخ: الجمعة 1 ربيع الأول 1424 هـ الموافق 2 مايو 2003. 4) سياسات بعض دول الخليج، فبعضهم استقبلوا عائلة صدام وأزلامه بالأحضان(1). الشعب العراقي كان يذبح ويقتل بالآلاف والملايين، ولم يتكلم واحد منهم بكلمة، وألان أزلام صدام المجرمون الحاقدون الذين عاثوا في الأرض فسادا وصنعوا هذه المقابر الجماعية يستقبلونهم وكانهم أبطال، انهم يكيدون لشعب العراق ويريدون العراق مجرد ثروة نفطية يستثمرونها بعمليات التهريب، والتجارة وغير ذلك، فلابد للانسان ان ينتبه لذلك، ويكون على إدراكٍ لتلك الحقائق. نحن لا توجد لدينا عداوة مع أحد، لا مع دولة ولا مع أمة ولا مع شعب، وانما نحرص على مصالح شعبنا، من يكون معنا في هذا الحرص، ويبادلنا الاحترام والمصالح والمنافع، فأهلاً وسهلاً به، وأمّا من يعادي شعبنا فالله سبحانه وتعالى أولاً يكون له بالمرصاد (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(2) وثانياً سوف يكون شعبنا العراقي له بالمرصاد أيضاً. نحن نريد علاقات حميمة مع جيراننا، علاقات مع شعوبهم ودولهم؛ لأننا نعتقد ان المنطقة يجب ان تعيش من خلال التعاون، وعلاقات الود، والعلاقات السياسية المحكمة مقابل التحديات العالمية، أما ان يكون هَمّ الآخرين الكيد بشعبنا وامتنا فهذا لا نرضاه ولا يرضاه شعبنا وامتنا. نحن نحتاج إلى وحدة الكلمة، وكل يعرف موقعه وحقوقه وحدوده، ويحترم بعضنا الآخر، الوحدة بالاحترام المتبادل، وتكافؤ الفرص وقيام الدولة والمجتمع على أساس المواطنة والكفاءة والمشتركات، ومنها الإسلام، كل هذه الأمور تشكل هذه الوحدة ونتعاون جميعاً من اجل الوصول إلى الهدف الكبير، وهو ان يكون عراقنا حراً مستقلاً لا هيمنة للأجانب وللآخرين عليه، وعراق تسوده العدالة والاحترام والمحبة والألفة والمودة؛ لنتمكن ان نخرج بالعراق من هذا المأزق وهذه المشكلات المعقدة إلى عراق آمن مستقر مزدهر. (1) كدولة الإمارات العربية التي استقبلت المجرم محمد سعيد الصحاف. التحالف البعثي الوهابي يستهدف الجميع عملية التفجير التي وقعت لمقر الأمم المتحدة(1) هي القضية الأولى، والتي تحتاج إلى وقفة عندها؛ لأهميتها الخاصة، الذين أصيبوا بهذه العملية كانوا جميعاً من الأبرياء حتى أولئك الذين يمثلون الأمم المتحدة، حيث الشخص الممثل للأمين العام للأمم المتحدة – بحسب ما نعرف عنه من خلال سلوكه، والأعمال التي قام بها في هذه الفترة المحدودة التي تولى فيها مهامه – كان يمكن اعتباره من أفضل أصدقاء الشعب العراقي، فقد سعى بكل جهوده وتمكن من دفع الأمور باتجاه إنهاء الاحتلال، كما سعى – بكل جهده – من أجل ان تأخذ الأمم المتحدة دوراً رئيسياً في الأوضاع العامة في العراق، وكان له جهد واسع في متابعة قضايا العراقيين على صعيد الأمم المتحدة، وعلى مستوى قضايا اللاجئين، وكان له دور كبير في تسهيل عودتهم إلى العراق، ومنهم لاجئو رفحاء. هذا الانسان يعتبر فقيداً على المستوى العالمي، وعلى مستوى الأمم المتحدة، وعلى مستوى الشعب العراقي، ونحن نقدم التعازي للأمين العام للأمم المتحدة ولمؤسسة الأمم المتحدة بمقتل الممثل للامين العام ورفاقه الذين قتلوا معه، ونحمّل الأمم المتحدة المسؤولية، ولاسيما الأمين العام للأمم المتحدة؛ إذ كان عليهم بذل كل الجهود من أجل تغيير السياسة العامة المتبعة فيما يتعلق بقضية الأمن بالعراق وقضية الانسان في العراق. هناك سياسة – كما سأشير لها – تتبعها قوى التحالف يمكن وصفها بالسياسة الفاشلة، وسياسة لا يمكن ان تحقق الأمن لا للعراق ولا لغير العراقيين ولا حتى لقوى التحالف نفسها، هذه السياسات الفاشلة تحتاج إلى ممارسة ضغط دولي تتبناه الأمم المتحدة، وتقوده من أجل إيجاد تغيير أساسي ورئيسي في سياسة الأمن العام المتبعة في العراق وسوف أشير إلى هذا التغيير. (1) الأمم المتحدة -رويترز - قال سالم لون المتحدث باسم الأمم المتحدة في بغداد للعالم بعد دقائق من تفجير مجمع الأمم المتحدة في (19) أغسطس (أحسن مجموعة ماتت) وعاد لون إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم الاثنين بعد نجاته من الكارثة والتقى مع الصحفيين وقد تلطخ قميصه وسرواله بالدم وقتل (23) شخصا على الأقل في الهجوم من بينهم البرازيلي سيرجيو فييرا دي ميلو رئيس بعثة الأمم المتحدة وأصيب أكثر من (160) آخرين. ان هذا التفجير لابد ان نقف عنده في عدة نقاط: النقطة الأولى: ما هي مداليل هذا التفجير من الناحية السياسية والأمنية؟ المدلول السياسي: هو ان وراء هذا التفجير قوة بلغت القنوط واليأس من تحقيق أهدافها؛ لذلك قامت بهذه الأمور الجنونية التي لا يمكن ان يكون لها أي فائدة إلا التخريب والإضرار العام. نحن نلاحظ ان هذه السياسة اتبعت في ضرب البنية التحتية، كضرب وتفجير أنابيب النفط، ومؤسسات الكهرباء، ومؤسسات المياه والخدمات العامة، ومؤسسات الدولة بصورة عامة، هذه سياسة التخريب والفوضى العامة التي وراءها خط سياسي يمكن وصفه بخط الإرهاب والتطرف في العمل السياسي. وأما مدلولها الأمني فهو: ان قوات التحالف غير قادرة على تحقيق الأمن العام للمجتمع وللعراق بصورة عامة حيث ان هذا الهدف يعتبر هدفاً واضحاً بيّناً أمام جميع الانظار، فكيف تخلت قوات التحالف عن حمايته، وعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمثل هذه الحماية ؟! نحن نشاهد هذا الأمر مع الأسف الشديد، بل مع الإدانة لقوات التحالف؛ لأنها تخلت عن حماية الأهداف الإستراتيجية للشعب العراقي وتكتفي بحماية نفسها والاهتمام بقواتها دون ان تعير أهمية للشعب العراقي في هذا المجال. النقطة الثانية: من وراء هذا العمل؟ نحن من خلال متابعتنا وتحليلنا للأوضاع السياسية في العراق نعتقد بصورة جازمة لا شك فيها: ان وراء هذا العمل هو النظام البائد وأزلامه وقواه، فالذهاب في التفسير بعيداً عن هذه الحقيقة في الواقع يجعلنا نتيه في معالجة هذا الموضوع معالجة صحيحة. النظام البائد منذ اليوم الأول قلنا: ان بقاياه لازالت موجودة في العراق، وتمثل مشكلة حقيقية بالنسبة للعراق وشعبه، ولابد من اتخاذ كل الإجراءات الحازمة لمتابعة بقايا النظام وعدم التساهل معها، نحن نميّز – وقلنا بصورة واضحة – بين العناصر المجرمة التي كانت مع هذا النظام، وبين أولئك العناصر الذين مشوا مع النظام؛ بسبب الضغوط والشهوات والظروف السياسية، هذا النوع الثاني يمكن ان نفتح له صفحة جديدة، ونتعامل معه بطريقة الهداية والاستيعاب، ولكن بصورة حذرة ودقيقة. أما القسم الأول الذي تمرسوا في الجريمة، وأوغلوا بها فلا يمكن التهاون معهم، بل لابد من التعامل معهم بحزم، مع أننا نرى ان الكثير من العناصر لا زالت موجودة في مواقع حساسة من الدولة ومن إدارة الأمور، فلابد ان يتم التعامل بحزم مع هذه العناصر؛ لان هذا هو في الحقيقة يمثل الجهة التي تقف وراء هذه التفجيرات ووراء كل العمليات التخريبية التي شهدها العراق. التحالف البعثي الوهابي يهاجم المرجعية العدوان الذي تعرضت له المرجعية الدينية في النجف الأشرف(1)، له مؤشرات رئيسية سأذكرها من أجل اتضاح صورة الموقف تجاه هذا العدوان: أولاً: ان هذا العدوان يمثل ظاهرة خطيرة من أخطر الظواهر التي نواجهها في هذه المرحلة من الناحية السياسية والاجتماعية، وهذه الظاهرة الخطيرة تعبر عن ان هذا العدوان يستهدف أهم مركز مقدس في مجتمعنا العراقي، فالمرجعية الدينية ليست قضية شانها شان القوى السياسية والأحزاب، مهما كان احترامنا لهذه القوى السياسية والأحزاب. المرجعية الدينية تاريخها عريق في العراق يمتد إلى أكثر من أثني عشر قرن من الزمن، وعلى مرور هذه القرون كان لها دور في إدارة مختلف الأوضاع الاجتماعية، والعقائدية، والثقافية، والروحية، والدينية، والسياسية، فعندما تتعرض إلى العدوان مع قطع النظر عن الأسماء – فكل مراجعنا العظام نحترمهم ونقدسهم، وكما قلت في بداية ورودي العراق: نقبل أياديهم، هذه الحقيقة نقولها لكي لا نتحدث عن الأسماء والانتماءات انما نتحدث عن هذا المقام الرفيع الذي يمثل من الناحية العقائدية امتداداً لمقام الإمامة – يعني: ان هذا الاعتداء يشكل أمراً خطيراً ضمن حياتنا الاجتماعية والسياسية. ثانياً: ان السياسات السابقة التي اتبعها النظام البائد – نظام العفالقة المجرمين – اعتمدت وارتكزت بصورة رئيسية على استهداف المرجعية الدينية والحوزات العلمية، فأول عمل قام به المجرمون العفالقة البعثيون حينما سيطروا على العراق، هو الاعتداء على مرجعية الإمام الحكيم (2)، ثم تطور الأمر حتى انتهى إلى قتل المراجع واحداً بعد الآخر، كما حدث بالنسبة إلى المراجع آية الله الشيخ البروجردي(3) وآية الله الشيخ الغروي(4) آية الله السيد محمد الصدر(5) واستهداف مراجع آخرين كآية الله العظمى السيد السيستاني(6) وآية الله الشيخ بشير النجفي(7). وهذا الاستهداف للحوزة العلمية، والمرجعية الدينية ليس جديداً بل منذ تشكيل ما يسمى بـ(الحكم الوطني) في زمن الانتداب الانكليزي، نجد ان العمل الأول الذي قام به هذا الحكم – الذي كان أبعد ما يكون عن الوطنية وكان عميلاً للانكليز – هو نفي العلماء، وإخراج المراجع من النجف كما حصل بالنسبة إلى آية الله العظمى المرجع الكبير الشيخ النائيني(8)، وآية الله العظمى المرجع الأكبر والأعلى السيد أبو الحسن الأصفهاني(9) وغيرهم من المراجع، وأتبع عبد السلام عارف نفس السياسة ضد النجف الأشرف وضد المرجعية الدينية. إذن، هذه السياسة من سياسات الأعداء، ولكن العفالقة بلغوا القمة في انتهاجها وهم وراء هذا العدوان الذي مارسوه ضد المرجعية الدينية. ثالثاً: مسؤولية قوات الاحتلال عن هذه الاعتداءات، حيث انها لم تقم بواجباتها القانونية والواقعية تجاه حماية المرجعية والأماكن المقدسة وهذا أمر مدان بالنسبة لها. نحن ندين هذا الموقف من قوات الاحتلال، كما ان قوات الاحتلال لم تقم بواجباتها تجاه حماية المؤسسات الدولية، كمقر الأمم المتحدة في بغداد، فكذلك تعرض إلى هذا النوع من العدوان، أو المؤسسات الدبلوماسية، كالسفارات الأجنبية في بغداد. مثل هذا العمل في الواقع يحمل قوات الاحتلال مسؤوليات كبيرة، ولابد من متابعة هذه المسؤوليات، والاهم من ذلك اننا طرحنا منذ اليوم الأول للاحتلال، وقبل وصولنا العراق، وأول ما جئنا إلى العراق طرحنا على المستوى العالمي العام في الخطابات والصحافة وعلى مستوى الحوار – أيضاً – من خلال الإخوة الذين يتحاورون مع قوات الاحتلال قلنا لهم: يجب على قوات الاحتلال ترك فرصة للعراقيين في تشكيل قوة لحماية الأماكن المقدسة، والمرجعية الدينية، نحن لسنا بحاجة لكم ولا لقواتكم، العراقيون قادرون على حماية انفسهم ومرجعيتهم وأماكنهم المقدسة، ولكن قوات الاحتلال كانت تمارس الضغط والعدوان ونزع الأسلحة لهذه القوات التي أعدت لحماية المرجعية، ولحماية الأماكن المقدسة. نحن ندعو إلى ضرورة تشكيل قوة عراقية متدينة مؤمنة ملتزمة تقوم بحماية المراجع، والأماكن المقدسة الموجودة في العراق؛ لان الأمريكان والبريطانيين والأجانب لا يمكنهم ان يقتربوا من هذه الأماكن المقدسة، ولا يسمح لهم الشعب بذلك. إذن، لابد من قيام القوة العراقية بذلك، ونحن نعتقد بان هذه المسألة هي مهمة وضرورية. الان بدأت بعض الخطوات بهذا الاتجاه في النجف الأشرف، ونشجع هذه الخطوات وندعو ان تكون شاملة لبقية المراكز والمواقع الدينية الموجودة في العراق. رابعاً: قضية الأمن في العراق، نحن نلاحظ انعدام الأمن في هذا البلد، وقد جربت قوات الاحتلال ان تحقق هذا الأمن لكنها فشلت في ذلك، وسوف تبقى فاشلة كما قلنا منذ البداية ولا يوجد طريق لمعالجة هذا الموضوع إلا من خلال الأمور التالية: أولا: إعطاء السيادة الكاملة للعراقيين في تشكيل حكومة عراقية ذات سيادة كاملة. ثانيا: ان تحول القضية الأمنية إلى العراقيين انفسهم؛ لانهم أعرف بما يجري في بلدهم، كما ان الشعب العراقي الذي لابد له من التعاون مع الأجهزة الأمنية لا يتعاون إلا مع الأجهزة الأمنية العراقية، اما إذا كانت الأجهزة الأمنية أجنبية فلا يتعاون الشعب العراقي معها، وأوجه هذا الكلام إلى قوات الاحتلال، وإلى مجلس الحكم، وكل القوى السياسية الموجودة في العراق، وإلى المجتمع الدولي، والدول الإسلامية والعربية المهتمة بالشأن العراقي، لتتضافر كل الجهود من أجل تحويل السيادة الكاملة إلى العراقيين في حكومة عراقية، وتكون القضية الأمنية قضية يتحملها العراقيون بأنفسهم، هذا هو طريق الحل الوحيد لمعالجة الوضع الأمني في العراق. (1) قال المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق: ان انفجارا وقع في مدينة النجف يوم الأحد، استهدف آية الله محمد سعيد الحكيم (67 عاما). وأسفر الانفجار عن قتل حارسين وسائق آية الله سعيد الحكيم. ومن جانبها أكدت مصادر عسكرية أمريكية الهجوم وقالت انه وقع إلى الجنوب من مسجد الإمام علي في النجف الساعة 310. بالتوقيت المحلي (1110 بتوقيت جرينيتش). وتردد ان الحكيم أصيب بجروح في رقبته. وقال المسؤول الشيعي محسن الحكيم ان "المتهمين الرئيسيين (في محاولة الاغتيال) هم الأعضاء السابقون في نظام البعث ومؤيدو صدام حسين الذين يريدون إشعال حرب بين الشيعة والسنة". وقد تزامن الانفجار مع عودة آية الله الحكيم من الصلاة. وقال المجلس الأعلى للثورة الإسلامية: ان الحادث نجم عن تفجير اسطوانة غاز ربطت بسلك وزرعت خارج بيت الزعيم الشيعي. وقال محسن الحكيم انه "بموجب القوانين الدولية نحن نحمل القوات الأمريكية مسؤولية الحفاظ على الأمن باعتبارها قوة الاحتلال". وقال متحدث بلسان المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، لبي بي سي ان السلطات العسكرية الأمريكية كانت قد رفضت أكثر من طلب لتوفير الأمن لشخصيات دينية شيعية بارزة. يشار إلى ان محمد سعيد الحكيم يعتبر واحدا من أكبر أربعة مراجع شيعية في العالم، وهو يعيش منذ سنوات عدة في مدينة النجف التي تبعد نحو 180 كيلومترا إلى الجنوب من بغداد. الخبر مقتبس من الموقع الإخباري للبي بي سي بتاريخ 24/ 08/ 2003. (2) منها: اعتقال حجة الإسلام والمسلمين السيد عبد العزيز الحكيم عام 1969. ومنها اتهام الشهيد العلامة السيد مهدي الحكيم بالجاسوسية في 7/6/1969، وهي تهمة ظالمة باطلة. قام البعثيون بهذين العملين من جملة أعمال كثيرة ضد مرجعية الإمام الحكيم وذلك استفزازاً لها. (3) تم اغتياله في 22 نيسان 1998 (4) تم اغتياله في 19 حزيران 1998 (5) تم اغتياله في 19/شباط /1999 مع ولديه (السيد مصطفى) و(السيد مؤمل). (6) فشلت محاولة الاغتيال التي نتج عنها قتل اثنين من العاملين في مكتبه في أوائل العام 1999. (7) كانت المحاولة الفاشلة في أوائل العام 1999 (8) ولد الشيخ محمد حسين النائيني عام 1277 هـ، ودرس مقدمات العلوم الدينية في أصفهان ثم انتقل إلى سامراء حيث تتلمذ على يد السيد محمد حسن الشيرازي والسيد إسماعيل الصدر، ثم تحول إلى النجف الأشرف حيث درس على يد الآخوند الخراساني، ثم صار واحداً من أبرز علمائها ومراجعها وتتلمذ على يديه عدد جم من العلماء والمحققين من بينهم، السيد أبو القاسم الخوئي والسيد عبد الأعلى السبزواري. له مؤلفات عديدة منها: تنبيه الأمة وتنزيه الملة. ونفته الحكومة العراقية بأمر من المستشار البريطاني في بغداد إلى إيران سنة 1341 هجري مع مجموعة من علماء العراق، وتوفي عام 1355 هـ. (9) السيد أبو الحسن الأصفهاني من مواليد أصفهان انتقل منها إلى النجف الأشرف ليصبح أحد أشهر فقهاءها، تقلد المرجعية العامة بعد وفاة آية الله العظمى السيد محمد كاظم اليزدي. وقد كان من جملة المنفيين إلى إيران بأمر من المستشار البريطاني في بغداد وبتنفيذ الحكومة العراقية، وفي التاسع من ذي الحجة عام 1365 هجري توفي بالنجف الأشرف. اننا كلما شاهدنا – طيلة العقود السابقة – نهضة إسلامية وتحولا باتجاه الإسلام والمعرفة الإسلامية، نلاحظ في مقابل ذلك شدة الهجوم للأعداء على المسلمين وعلى القوى الإسلامية، في تأريخنا المعاصر عندما تطورت نهضة المسلمين في العراق في زمن الإمام الحكيم (قدس سره) شاهدنا ان قوى الاستكبار العالمي جاءت بحزب البعث العفلقي المجرم من أجل القضاء على الحوزات العلمية، وكان أول عمل قام به هذا الحزب اللعين – الذي حكم البلاد أكثر من ثلاثة عقود من الزمن – هو مهاجمة الحوزة العلمية، وكان الهجوم على الإمام الحكيم (قدس سره) وعلى أولاده وعلى العلماء من أجل اعتقالهم، وتشريدهم، وغير ذلك مما قاموا به من أعمال شنيعة ووحشية طيلة التاريخ السابق. وأيضاً شاهدنا مثل هذا الأمر عندما قامت الثورة الإسلامية المجيدة في إيران، التي قادها عالم رباني هو الإمام الخميني (قدس سره) وكان لهذه الثورة أصداء واسعة وكبيرة في عالمنا الإسلامي، بحيث أصبح العالم الإسلامي كُلّهُ في حالة النهوض والتحرك من أجل الإسلام، وشاهدنا أيضاً الهجوم الشرس الذي قامَ به الأعداء على هذه الثورة الإسلامية، وكان الهجوم الأول على العلماء، فكان القتل الواسع للعلماء بعد انتصار الثورة الإسلامية أكثر بكثير من القتل الذي كان قبل انتصار هذه الثورة، أمثال شهداء المحراب – خيرة علماء المسلمين في إيران – وهم كبار السن أصلاً، كانوا يقتلون، وأين يقتلون؟ في المحراب أثناء الصلاة، أو التوجه إلى الصلاة… في طريقهم إلى الصلاة... من قبيل آية الله... السيد محمد علي القاضي، أو آية الله الشيخ الصدّوقي، أو آية الله أشرفي أصفهاني، أو السيد عبد الحسين دستغيب... هؤلاء كلهم كانوا من كبار العلماء وقُتلوا وهم في طريق الصلاة، أو مِنْ قبيل الانفجار الواسع الذي حصل في مقر الحزب الجمهوري، والذي كان فيه كبار العلماء، أمثال آية الله السيد بهشتي (قدس سره) واستمرت هذه العملية، ووصلت الوقاحة والصلافة والعدوان بهؤلاء إلى ان يعتدوا على مرقد الإمام الرض (عليه السلام) حيث فجروا مرقد ثامن الأئمة (عليهم السلام)، فكان التفجير الكبير في داخل المرقد الشريف، والذي حصل يوم عاشوراء، وأيضاً وصلت بهم الصلافة والوقاحة إلى ان يقوموا بالتفجيرات في صلاة الجمعة بطهران حينما جاءوا ببساط من الـ(t.n.t) تي ان تي، وفرشوه وكأنه بساط عادي للمصلين، وأثناء الصلاة انفجر هذا البساط، وانا كنت حاضراً أصلاً في تلك الحادثة، حيث كنت موجوداً في الصلاة نفسها وكان بيني وبين البساط عدة أمتار. هكذا كان وضع هؤلاء في هجومهم، اعني: قوى الاستكبار العالمي، قوى الضلال قوى النفاق، هؤلاء يكون هجومهم بهذا الشكل. الان أيضاً عندما وُجد هذا التحول الكبير في العراق باتجاه الإسلام وأصبح أبناء الشعب العراقي جميعاً يهتفون بإسم الإسلام، ولاسيما ما شاهدناه في يوم أربعين الإمام الحسين (عليه السلام) عام (2003) من مواقف الملايين من أبناء الشعب العراقي، وما شاهدناه في وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في النجف الأشرف، وفي المناسبات الأخرى التي جرت في الاستقبالات(1) وفي الحضور الواسع في صلوات الجمعة، كل هذا يجعل الأعداء يشتدون حقداً وشراسةً، ويحاولون ان يوجهوا هذه الضربات، وهذه المحاولات(2)– في الواقع – تصب في ذلك التراث الإجرامي. إذن، فنحن يجب ان نفهم بأنه كلما تطور عملنا وتقدّم – بإذن الله تعالى – خطواتٍ كلما كان الأعداء أكثر شراسةً. هذا تأريخنا المعاصر، والتأريخ القديم أيضاً كذلك... النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما تقدمت رسالته وأخذت تنتشر حاول المشركون ان يقتلوه (صلى الله عليه وآله وسلم) في المؤامرة التي قاموا بها، والتي أدّت إلى هجرته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد ذلك أيضاً وفي عدة مرات تعرّض الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى محاولات الاغتيال، واخزها محاولة قتله بعد رجوعه من غزوة تبوك في قضية العقبة المعروفة في تأريخ الإسلام. إذن، فهذه القضايا يجب ان نفهم انها قضايا تعبر عن يأس الأعداء، وان التحرك الديني الإسلامي الرسالي بدأ يتقدم ويتطور، وهؤلاء بسبب يأسهم يحاولون ان يعمدوا إلى هذا الطريق. وهكذا ما شاهدناه في قتل الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام). فانه عندما تمكن ان يتغلب على المشكلات الرئيسية في حرب الجمل وفي حرب صفّين، وحاول ان يحقق النجاح في حرب النهروان، أيضاً حاول هؤلاء ان يعمدوا إلى أساليب الاغتيال والقتل وغير ذلك من الأساليب. هذا تأريخنا القديم، وتأريخنا المعاصر، كلاهما يعبر عن هذه الحقائق، وهذا الأمر يجب ان نعيه ولا تأخذنا حالة من الضعف والوهن، وبالرغم من حرصنا الكبير جداً على علمائنا ومراجعنا وعتباتنا. وان أزلام النظام سابقاً كانوا يعتدون بصورة واضحة على المرجعية، ثم بعد ذلك بدلوا سياستهم بسياسة الاندساس والتزوير والخداع والتضليل، ولا زالت هذه السياسة متبعة، يندسون في هذه الجماعة أو تلك، تحت هذا العنوان أو ذاك من أجل القيام بهذه الاعتداءات. إذن، يجب ان نعرف ان وراء هذا العمل هم أزلام النظام البائد، وان امتنا تحتاج إلى ان تكون واعيةً، وان تكون حذرةً، وان تمُيّز بين الأصدقاء والأعداء – وكما يقولون – بين الانسان المؤمن الحقيقي والمنافق الذي يتستر بإسم الإسلام، ويحاول ان يندسَ في صفوف المسلمين فيقوم بهذه الأعمال. الأعداء سابقاً كانوا يواجهوننا وجهاً لوجه، صدام اللعين وحزبه وجماعته عندما كانوا في الحكم كانوا يواجهوننا وجهاً لوجه، وانتم تعرفون ماذا صنعوا بالعلم والعلماء و الحوزات والمجاهدين والمؤمنين والصالحين، ثم بأبناء الشعب العراقي – خصوصاً بعد انتفاضة الخامس عشر من شعبان – وما جرى في هذه الانتفاضة من عمليات الإبادة الجماعية والقتل العام للمؤمنين... الان أذن الله سبحانه وتعالى ان يسقط صدام ونظامه، ويصبحوا كالجرذان الذين يلوذون بالجحور(3)، أي: يهربون كما تهرب الجرذان وتدخل الجحور، ويحاولون ان يتستروا بأساليب مختلفة... طبعاً بعض ضعاف النفوس، بعض أولئك الذين لا أخلاق لهم، ولا دين لهم يحاولون – أيضاً – ان يتستروا على هذه الأعمال؛ باعتبار أنهم ينتفعون من هذه الأعمال. نحن نحتاج إلى حذر وإلى وعي وإلى فهم ومعرفة ان هؤلاء – كما قُلْت – لا يواجهوننا وجها ً لوجه بعد ان رأوا صمودنا واستعدادنا للمواجهة وللتضحية وللدفاع عن النفس والدفاع عن الإسلام والعقيدة. الان بدأوا يعملون من تحت الستار بطريقة المنافقين، بطريقة المتسترين بالعناوين. (1) في إشارة منه (إلى استقباله من قبل جماهير العراق. (2) المحاضرة كانت بعد محاولة اغتيال المرجع الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله). (3) قال ( هذا الكلام قبل إلقاء القبض على صدام في جحره المشهور وكان كالجرذ فعلاً. شعبنا يحتاج إلى ان يكون على درجة عالية من الحذر, وهذه الدرجة العالية من الحذر تحتاج: أولاً: إلى فهم وتشخيص للقضايا. وثانياً: تحتاج إلى مواقف – وهي مسائل، مهمٌ جداً ان ننتبه إليها – ان الانسان المؤمن يجب يكون له حضور في الساحة، ويجب ان يعبر عن موقفه، ولا يكتفي بمجرد المودة والمحبّة، والإحساسات والعواطف والمشاعر، وإنما لابد ان يعبر عن موقفه… اننا نحتاج إلى موقف، وأبناء شعبنا يحتاجون ان يأخذوا موقفاً. ثالثاً: ويحتاجون – أيضاً – إلى استخدام العقل، والحكمة في العمل، وهذه مسألة مهمة جداً، والأعداء يحاولون ان يجرونا إلى معارك جانبية، ويصرفونا عن معركتنا الأساسية, ونحن نحتاج إلى ان نستخدم حكمتنا وعقلنا في مواجهة هذه القضايا. نحتاج إلى موقفٍ صامدٍ، ندخل الساحة ونقف أمام هؤلاء، ولا نعطيهم هذه الفرصة والمجال ليعيثوا في الأرض فساداً، ولكن مثل هذه المواقف يجب ان يتبناها العلماء والوجهاء والصالحون من شبابنا، ويستخدموا فيها الحكمة حتى يمنعوا هؤلاء من القيام بتنفيذ مخططهم الخبيث من إيجاد الاختلافات، ومن إيجاد حالة عدم الأمن والاستقرار بين الناس،… إلى غير ذلك من الأهداف التي يسعون إليها. في هذه المرحلة يُطرَحُ سؤال وهو: انه كيف يمكن ان نبني أوضاعنا، مع قلة الإمكانات الموجودة لدينا؟ نحن الان في الواقع نواجه عملية واسعة من التخريب قام بها النظام في عراقنا الجريح، ونواجه حالةً واسعة جداً من الاستضعاف في أوساط كبيرة وواسعة، ويوجد لدينا الكثير من عوائل الشهداء، عوائل المفقودين، عوائل الذين فقدوا مُعيلهُمْ، وهذه ظاهرة واسعة جدا موجودة في عراقنا الجريح، وهكذا جانب التخريب الاجتماعي والمعنوي الذي قام به النظام في أوساط العراقيين، وكان احد الأهداف الرئيسية له في عملية التخريب هو انلأن يستهدف الانسان في إنسانيته، في فكره، في عقله، في ثقافته، في سلوكه، في أخلاقه... كان النظام يحاوِل ان يُحَطِم الانسان في هذه الجوانب كما حَطَّمَهُ في الجوانب الأخرى... وكان صدام يقول: (لن نخرج من العراق إلاّ بعد ان يكون العراق أرضاً بلا حياة)، يعني تدميراً واسعاً. الان كما تلاحظون العمليات التي يقوم بها أزلامُه يُستَهْدَف بها البنيةُ التحتية، يأتون فيضربون الكهرباء، يضربون الماء والمؤسسات، من أجل ان يُخَرَّب العراق. وأيضاً مضافا إلى هذا التخريب كان هناك تخريب على المستوى المعنوي، والروحي، والاجتماعي بالنسبة إلى أوساطنا - كما أسلفنا -، ومع هذا الوضع نحن كيف يمكن ان نبني حياتنا؟ هذه مسألة مهمة جداً، والشعب العراقي شعب لَهُ تأريخ طويل وعميق الجذور في المقاومة في الجهاد وفي التضحية. هذا شعب الرسالات، شعب الحضارات و الرسالات الإلهية – وليس فقط الحضارات الوثنية –، فنوح(عليه السلام)وآدم(عليه السلام)من قبله، وإبراهيم(عليه السلام)من بعده وأئمة أهل البيت(عليهم السلام) كانوا في العراق. فالعراق له دور عظيم جداً، وشعبه شعب مقاوم وكبير. أيها الأعزاء جميعاً – نسائنا ورجالنا(1)–: نحن نحتاج إلى معرفة هذه الحقيقة، يعني يجب ان نخرج من هذه الحالة بسرعة، وان شاء الله، نحن نكون كما ذكر الله تعالى في الآية الكريمة: (وَنُرِيدُ ان نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(2)، ان شاء الله نكون من هؤلاء، طبعاً هؤلاء المستضعفين الذين يمن عليهم (الله سبحانه وتعالى) هم أولئك المستضعفون الذين عندهم عزم، عندهم إرادة، عندهم إيمان بالله سبحانه وتعالى، عندهم رفض للطغيان والاستبداد، لا المستضعفين المستسلمين الذين يستسلمون للواقع الفاسد ويكونون جزءا منه، فهؤلاء يعبّر القران الكريم عنهم أيضاً بالمستضعفين فيقول: (الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي انفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ)(3) هنا يقول فيمَ كُنْتُمْ؟ لماذا ظلمتم أنفسكم؟ (قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ)(4) هؤلاء أيضاً كانوا مستضعفين، لكنه من نوع آخر من الاستضعاف، أولئك الذين يستسلمون للأمر الواقع وللأمر الفاسد هم نوع آخر. أما المستضعفون الذين نتحدث عنهم الأُباة الأعزاء الذين يهتفون (هيهات منا الذلة) فهم الذين يمن الله عليهم وينصرهم. اسأل الله سبحانه وتعالى ان يوفق الجميع لذلك، وان يجعلنا عند مسؤولياتنا، وان يجعلنا قادرين على الصبر والصمود والاستمرار في طريق هذه المقاومة، حتى نحقق الحرية الكاملة والاستقلال الكامل لشعبنا، ونأخذ الطريق إلى تحقيق العدالة لأبناء شعبنا. هذا الأمر يحتاج إلى درجة عالية من الإيمان والتوكل على الله سبحانه وتعالى، والى درجة عالية من التعاون على البر والتقوى. (1) وأخاطب النساء باعتبار إنهن يمثلن حالةً مستضعفة أكثر من الرجال..(المؤلف). |
|
|
|||