![]() |
|
دور الأمـة
هذه المقاومة – التي تحدثنا عنها والتي لها هذا الجذر الإسلامي الأصيل من الصبر– تتمظهر في القلة والصفوة من الناس، حيث تقوم بدور الصمود، وانهاض وتقدم مسيرة الأمة في هذا الصمود وهذا الالتزام. هذه المقاومة-التي هي واجب شرعي وانساني وسياسي عام- لا يمكن ان تحقق أهدافها ما لم تصبح عملاً جماهيرياً واسعاً، بحيث تتحول الأمة بكل وجودها إلى أمة مقاومة تشارك وتساهم فيها، ولا يكون وجودها مختصاً بعدد محدود من الناس نسميهم بـ(الصفوة) بل ان هذا العمل – المقاومة –، وأدائه يرتقي بالانسان إلى درجة الصفوة المختارة. والسؤال المطروح هنا، ما دور الأمة في المقاومة لمواجهة الطاغوت؟ وما دورها في إسناد هذه المقاومة والمساهمة فيها؟. ان مساهمة الأمة وإسنادها ودعمها للمقاومة، له أثر كبير في تحقيق أهداف المقاومة في إقامة الحق، والعدل، والاستقلال، والعزة، والكرامة، والحرية، والوصول إلى النصر، وكذلك في الحفاظ على الهوية الأصيلة الإسلامية. ويتمثل دور الأمة في دعم المقاومة وإسنادها بعدة نقاط: النقطة الأولى(1): وعي الأمة للمضمون السياسي والشرعي لهذه المقاومة، وذلك بان تعيها في أهدافها وفي منهجها وأساليبها، وقبل ذلك في عقيدتها الشرعية التي ترتكز عليها.. وفي جذورها الأخلاقية، كالعزة والكرامة الإنسانية، والعدل والحق، والمثل التي تستند عليها المقاومة. فان الطغاة والمستبدين والمستكبرين يحاولون – في أكثر الأحيان – ان يشوهوا صورة المقاومة، ويعرِّفوها على انها: عمليات إرهابية، أو عمليات تخريب وفي حالة تخفيفهم لهذا التشويه يقولون عنها: انها عمل يعبّر عن حالة أخلاقية غير صحيحة في الحركة السياسية، وهي: التطرف، وبذلك تصبح المقاومة وكأنها خروج عن النظام والأمن والاستقرار، وكان الحركة السياسية السليمة هي الحركة المعتدلة التي تقبل بالأمر الواقع، وتستسلم له، وان كان واقعاً فاسداً، وعليها ان تنسجم معه في كل الأحوال وتحاول إصلاحه، وفي بعض الأحيان يتوغل هؤلاء الطغاة والمستبدون في الاتهام للمقاومة، فيتهمون المقاومة بالفوضى وأعمال الشغب، والسلب والنهب وغيرها من العناوين والأحكام التي يصدرها الأعداء. المقاومة ليست خروجاً عن الصواب، أو انحرافاً عن الصراط المستقيم، بل هي: عبارة عن عقيدة يلتزم بها الانسان المؤمن بالله تعالى، ويتعبّد بها لله تعالى من خلال تبنّيه لهذا النهج، حيث يرى الانسان المؤمن ان المولى والسيد الذي يتولاه، ويقدم له فروض الطاعة هو الله سبحانه، وليس المولى والسيد هو الطاغية والمستبد الذي يعيث في الأرض فساداً، ويسعى فيها؛ ليهلك الحرث والنسل. كما ان المقاومة في مضمونها الأخلاقي هي: الالتزام بالمثل والقيم الأخلاقية، والكرامة الإنسانية، والعزة الإيمانية، وإقامة الحق والعدل بين الناس، ورفض الظلم والفساد والمساواة بينهم، والالتزام بمنهج الإصلاح والمساواة بين الناس في الحقوق العامة وعلى تكافؤ الفرص؛ لان الله تعالى خلقهم متساوين في اصل الخلقة من (ذكر وانثى)، وجعلهم شعوباً وقبائل للتعارف، ولم يفضل أحداً أو جماعة على جماعة إلا بالتقوى.. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ انا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَانثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ان أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ان اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(2). المقاومة: هي الالتزام بالمساواة بين الناس، والأخوة بين المسلمين شيعة وسنّة، عرباً وأكرادا وتركماناً، وغيرهم من الطوائف والقوميات التي يحاول الطغاة التمييز والتفريق بينها، وتمزيق وحدتها، والعبث بوحدة الأمة ووحدة البلد ومصالحه العامة، وبكرامة الانسان وحقوقه وحريته، وبالأحكام الشرعية والعدالة الإلهية، فهي – مقاومة – تهدف إلى تغيير الواقع الفاسد، وإقامة حكومة العدل والحق مكانه. هذا المضمون العقائدي والأخلاقي والسياسي هو الذي انطلقت منه المقاومة في العراق في تأريخنا المعاصر، وكان رائدها علماء العراق الإعلام ومراجع الدين العظام كـ(الإمام الحكيم) (قدس سره) الذي بدأ مقاومته للحكم الجائر المستبد في العراق مستخدماً أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، وسالكاً مختلف وسائل الهداية، والإرشاد، والجهاد في سبيل الله؛ لأجل توضيح هذه الحقيقة في الأمة حتى وافاه الأجل وانتقل إلى رضوان الله تعالى مظلوماً مضطهداً صابراً في موتةٍ تشبه الشهادة في سبيل الله. فالمقاومة ليست هي القتال وحده، وانما اختارت المقاومة هذا الأسلوب الجهادي في تصعيد درجة المقاومة كأسلوب من أساليب الدفاع عن النفس بعد ان أتخذ النظام قراراً بالتصفية البدنية لكل دعاة الإسلام، واستخدم النظام في تنفيذ قراره أساليب القتل صبراً، والبطش الجماعي، والتشريد، و الإخراج من الديار، والدرجة العالية من التعذيب والهتك للحرمات، ولابد للإنسان المؤمن ان يدافع عن نفسه في مثل هذه الصورة، بالقتال عندما تتاح له الفرصة، ويعبر عن ذلك بـ(المقاومة) فقد قال تعالى (يُقَاتَلُونَ بِانهُمْ ظُلِمُوا وَان اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا ان يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)(3). ولاشك ان الصبر والاستقامة على هذا الدرب والطريق هو الذي يحقق النصر ويستنزل الإمداد الغيبي، وقد قال الله تعالى: (ان الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي انفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ)(4). (1) عند قرائتي لهذه الفقرة بكيت... لان ما يجري في العراق اليوم هو إرهاب يراد له ان- يُفرض - كمقاومة وطنية شريفة، رغم كونها - أي هذه المقاومة المزعومة - أصبحت واضحة في أهدافها كونها تخريباً طائفياً يقوم على (قناعة) تقول: (( إذا لم نحكم العراق فسنحرقه))، كما أشار أحد الزعماء السياسيين ان المقاومة الحقيقية في فكر شهيد المحراب هي الوصول إلى الله عبر رفض الظلم، وليست الظلم للوصول إلى حكم الطاغوت. النقطة الثانية: لابد للأمة ان تعرف ان للمقاومة أشكالاً ودرجات، وعليها ان تمارس وتساهم وترفد هذه الأشكال؛ لانها – أي الأمة – ربما لا تستطيع بكل أفرادها ممارسة الجهاد والقتال الذي تتوفر الفرصة فيه، أو القدرة عليه لعدد محدود من الناس، والسؤال المطروح هو: ما هذه الأشكال والدرجات؟ أولا: وهي أقل درجات المقاومة، فانه يجب على الانسان المؤمن ان يقوم بكل عمل يمكن ان يولِّد ضغطاً على النظام الجائر المستبد، و يضعف من قدرته، أو حركته في هذا البلد، أو ذاك، ولاسيما في العراق الجريح. فكل عمل يشكل ضغطاً على النظام، أو محاصرةً لأزلامه، ومؤسساته، ورموزه المجرمين، فهو من الأعمال الواجبة شرعاً، ويعبر عن لون وأسلوب من أساليب المقاومة. ويحرم على الانسان المؤمن ان يقوم بأي عمل يؤدي إلى معاونة الظالم، أو استمراره في ظلمه، وقهره للناس، ومصادرته لحقوقهم، ويجب – في هذا المجال – على المؤمن الامتناع عن الانخراط في الأجهزة التي يمارس النظام من خلالها ظلم الناس وقهرهم، كما يجب عليه ان يمتنع عن التأييد السياسي والمعنوي، و تقديم المساعدة حتى لو كانت على شكل ما يقوم به النظام – أحياناً– من السيطرة على سيارات الناس، وتسخيرها في الظلم والقمع والقتل كما يصنع النظام ذلك في العراق الجريح. وكذلك يحرم الانخراط في التشكيلات القمعية مثل: ما يسمى بـ(فدائيي صدام) أو (قوات الطوارئ) أو (الأشبال) فضلاً عن قوات التجسس والإرهاب المسماة بـ(رجال الأمن) أو غيرها من التنظيمات الحزبية التي تحولت الى أدوات قمع ومطاردة وإرهاب، وقد وردت الروايات العديدة عن أهل البيت (عليهم السلام) تستنكر بشدة التعاون مع الظالمين، وتيسير أمورهم بما يمكنهم من التسلط والهيمنة والظلم حتى لو كان ذلك بمقدار خياطة الثوب، أو إيجار الجمال للنقل، كما أفتى علماء الإسلام بحرمة هذا العمل واعتبروه من الكبائر والآثام. هذا النوع من المقاطعة هو من انواع المقاومة السلبية، وقد مارس أكثر أئمة أهل البيت (عليهم السلام)هذا النوع من المقاومة في زمانهم؛ لان ظروفهم والفرصة المتاحة لهم، و تزاحم المصالح الإسلامية لم تكن تسمح إلا بذلك. ولكن الإمام الحسين (عليه السلام) الذي واجه ظرفاً خاصاً كان الدين فيه مهدداً والظلم فيه غالباً استخدم (عليه السلام) أسلوب القتال في المقاومة. فعلى الأمة ان بذل ما بوسعها من جهد؛ لأجل مقاومة الأنظمة الجائرة المستبدة. ثانيا: كما ان للمقاومة – أيضاً – أبعادا أخرى ثقافية، وسياسية، واقتصادية، وغيرها لابد ان تمارسها الأمة ضد النظام الطاغي. فمثلاً نجد أمامنا شكلاً مهماً آخر من أشكال المقاومة تمارسه الشعوب في مختلف أدوارها، ومارسه المسلمون منذ الصدر الأول للإسلام وحتى يومنا هذا.. وهو ما يمكن ان نعبر عنه بـ(المقاومة السياسية)، التي هي واجب شرعي – أيضا– وعلى الجميع ممارسته ضد الأنظمة المستبدة كل بحسب إمكاناته وقدراته، وظروفه المحيطة به. ونشير هنا لبعض الأبعاد في هذه المقاومة السياسية: أولا: يجب على جميع أبناء الأمة ان يطالبوا بالحقوق العامة، و هي ما أقرها وثبتها الإسلام الحنيف.. وهو ما يعبر عنه بـ(الحقوق المدنية)، هذه المطالبة التي حث عليها الإسلام حين دعا إلى العدل والإصلاح بين الناس، والتزمتها وأقرتها حتى الحضارات المادية في العصور الأخيرة والأنظمة الوضعية، وأقرتها الدول والشعوب في المواثيق الدولية. فمثلاً حق الانسان في ان يختار الحاكم الذي يدير شؤونه ويرعى مصالحه من الحقوق العامة، وهكذا حق الحرية السياسية في التعبير عن رأيه وموقفه في الحياة العامة. وان يكون انتخاب الحاكم حراً، ومعبراً عن أرادة هذا الشعب لا بطريقة مضللة ومزورة، ومن خلال الإرهاب والقهر – كما نراه في الاستفتاء على رئاسة الجمهورية الذي جرى في العراق(1). ويجب أيضا ان تكون هناك حرية في الترشيح لكل من يجد في نفسه القابلية، والصلاحية لهذا الموقع الحساس في إدارة شؤون الأمة، أو غيره من المواقع، لا ان تنحصر مهمة الترشيح بشخص معين، أو جهة محددّة كما نراه في العراق محصوراً بما يسمى بـ(مجلس قيادة الثورة). النظام الموجود في العراق نظام مستبد، ومفروض بالحديد والنار على الشعب العراقي، ويفرض على الناس ترشيح شخص واحد وهو (صدام) ثم يفرض بالتهديد والإرهاب انتخابه، ولا يجوز لأي أحد ان يرشح نفسه؛ لان المرشح لابد ان يكون هو مجلس قيادة الثورة، ومجلس قيادة الثورة مفروض على الشعب بقوة الحديد والنار والقتل والقمع. وهكذا الحال بالنسبة لما يعبر عنه: بالبرلمان أو مجلس الشعب في العراق.. فلابد ان يكون مجلساً حقيقياً تختاره الأمة بكل حريتها، وان تكون لهذا المجلس صلاحيات واسعة في اختيار الإدارة، و في إتخاذ القرارات المصيرية، وفي القوانين التشريعية ذات العلاقة بحياة الأمة، وبشؤونها مع اننا لا نجد شيئاً من ذلك فيما يسمى بـ(المجلس الوطني) في العراق، وانما له دور شكلي من اجل التزوير والتضليل، وتبقى الصلاحيات الواسعة التشريعية والتنفيذية والقضائية بيد ما يسمى (بمجلس قيادة الثورة) الذي يقوده (صدام) وهو يقود البلاد إلى الفساد والهلاك والدمار(2). وهكذا الأمر بالنسبة للحريات السياسية الأخرى كحريات الصحافة وتشكيل الأحزاب والجمعيات والتعبير عن الرأي، والتي هي من حقوق الناس جميعاً.. فان المطالبة بهذه الحقوق والحريات بأي مستوى كان تصبح من أساليب المقاومة(3). وقد حرم أبناء الشعب العراقي بالقهر والقوة من كل هذه الحريات، بل أصبح الانسان يطارد ويقتل من اجل كلمة واحدة يقولها في وجه الظالم؛ ليعبر بها عن رأيه. ولذا تصبح المطالبة بأي طريقة مناسبة بهذه الحريات، بالحديث، أو المنشور، أو الخطاب، أو الموقف، وحتى الهمس والإشارة بذلك، وتربية وتعليم جيلنا وشبابنا وأولادنا عليه من الواجبات الشرعية التي يجب ان يمارسها جميع أبناء الشعب العراقي ولتتكاتف الأيدي، وتصطف الصفوف؛ ليرتفع صوتهم عالياً بذلك. وهكذا الحال بالنسبة إلى الحقوق المدنية، مثل: حق الانسان في الدفاع عن نفسه عند صدور الاتهام ضده أمام محكمة قانونية عادلة بعيدة عن الضغوط والإرهاب والتزوير. كما لا يجوز التعذيب من اجل انتزاع الاعترافات الكاذبة بالقوة والقهر. كما لابد ان يضمن للإنسان حق الاعتقاد (بالله تعالى) وممارسة شعائره الدينية، ومعرفة الدين والأحكام، وحق التملك والبيع والشراء، واختيار العمل الذي يريده، وحق السفر والتنقل، وحق السكن في أي منطقة يشاء.. إلى غير ذلك من الحقوق التي نجد النظام قد انتهكها واستهتر بها. وكذلك حق الاستفادة من الثروات العامة، والتوزيع العادل على فئات الشعب ومناطق العراق لها، وحق تكافؤ الفرص في العمل والتعليم. ان المطالبة بهذه الحقوق والصبر على ذلك، والاستمرار فيه، وبكل الوسائل الميسورة من أهم أشكال المقاومة السياسية. (1) ماذا كنت ستقول سيدي لو انك رأيت ملايين العراقيين وهم يلبّون نداء المرجعية ويزحفون إلى صناديق الاقتراع ليختاروا من يمثلهم ويحكمهم، انه حدث شاركتً أنت في صنعه وأسست له حياً وميتاً. (2) نم يا سيدي قرير العين فقد تحقق ما كنت تسعى إليه. (3) يا ترى ماذا سيقول دعاة فصل الدين عن السياسة لو قرأوا هذه الفقرة بالذات ؟ وماذا سيقول - (المقاومون) - الذين وصل بهم الأمر إلى قتل حتى - الحلاقين - بل حتى الأطفال في منتزهات الأطفال، فماذا سيفعلون بالأحزاب والصحف ومؤسسات المجتمع المدني لو قُدِّرً لهم العودة إلى الحكم. ثانياً: يجب على أبناء الشعب العراقي – عامة – ان يعبروا عن رفضهم للنظام الطاغوتي المستبد في العراق، وعدم قبولهم بالظلم والاستبداد، والاستهتار بالحرمات والكرامات، والتعبير عن هذا الرفض يتحقق بالأساليب المختلفة الممكنة، ولو كان بالإشارة، أو لحن القول، فضلاً عن العمل والفعل والإرادة، وكل حسب إمكاناته ودوره وفرصته، والاستفادة في ذلك من المراسيم العامة، ومن صلاة الجماعة والجمعة، ولاسيما في الخطبة الثانية التي تتناول الشؤون العامة، وعدم الاكتفاء بمجرد الحديث عن القضايا الأخلاقية، أو فساد السلوك الفردي، فان أعظم الفساد هو حرمان الناس والأمة من حقوقها الاجتماعية العامة، والاستهانة بحرماتها وكراماتها والقتل والتشريد والمطاردة للصالحين. وهذا من الأمور التي أوضحها الفقهاء في موضوع (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فذكروا ان على الانسان المسلم ان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأي منكر أعظم من هذا المنكر في ان يأتي إنسان مستبد طاغية يحكم بخلاف شريعة الله تعالى، يحل حرام الله تعالى ويحرم حلاله، ويعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ويتخذهم عبيداً له، و يجعلهم شيعاً (ان فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ انهُ كَان مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ ان نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَان وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانوا يَحْذَرُونَ)(1) ؟ فمثلاً عندما يقوم النظام المجرم في العراق بالعدوان على منطقة ما من المناطق العشائرية، فانه يمهد لذلك بالاستيلاء على السيارات المدنية للناس بطريقة (السخرة)؛ ليعتدي على الأبرياء؛ ليقتلهم ويشردهم، ويعذبهم ويسلب أموالهم، وهنا يجب على مالكي هذه السيارات وسائقيها ان يعبروا عن رفضهم لهذه العملية القذرة، ويستنكروها بأي شكل من الأشكال بحيث لا يمكّنوا أزلام النظام من استخدامها، حتى ولو بإخفاءها عن الطرق ومحل تواجد زمرة الأوغاد. كما يجب على الناس، ولاسيما العلماء والخطباء ان يستنكروا عمليات تشريد الأبرياء، وهدم بيوتهم ونهب أموالهم ومصادرتها؛ فان كل ذلك من اشد ألوان المنكر وأعظم الآثام، وهو اشد إثماً من المنكرات الفردية التي يرتكبها الناس، مثل: شرب الخمر والسفور، أو الاستماع للأغاني، أو تعاطي الربا، فانها آثام كبيرة ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يختص بهذه الآثام الفردية فقط، بل ان الآثام الاجتماعية العامة هي أعظم جريرة، وأشد عقاباً عند الله تعالى كما انها هي السبب في الآثام الفردية. كما ان النظام يقوم أحياناً باستدعاء رؤساء العشائر العراقية، ويعرضهم للتهديد من اجل ان يخبروا عن المجاهدين وأبناء المقاومة الإسلامية.. فعلى هؤلاء الوجهاء و الرؤساء من عشائرنا البطلة ان يستخدموا كل الطرق والوسائل لرفض هذه الأعمال والأساليب الخبيثة، التي يسعى النظام من خلالها ان يحولهم إلى أدوات لتحقيق أغراضه الفاسدة،عليهم ان يعملوا بجد من أجل التخلص من معاونة الظالم التي هي من أشد الجنايات والذنوب، والآثام التي وعد الله سبحانه وتعالى مرتكبها بالخلود في النار. وليعرف أبناء الشعب العراقي ان كل من يتعاون مع نظام صدام المجرم، فسوف يحشر يوم القيامة مع صدام في الدرك الأسفل من النار.. ثالثاً: على الأمة فضح وكشف مخططات النظام اللئيم، ومؤامراته العدوانية التي ينسجها من اجل ان يبقى على كرسي الحكم، والاستبداد وليتسلط على رقاب أبناء الشعب العراقي، ويعرّض بذلك أبناء الشعب إلى الآلام والمحن والمعاناة. فكل يوم نجد النظام يبدأ في مخطط تآمري جديد، فمثلاً نلاحظ النظام – الان – يختلق باستمرار تنظيمات عسكرية جديدة من أجل تحقيق أهدافه الخبيثة، فقد كان النظام يعتمد على الجيش بصورة أساسية، ولكنه لما وجد الجيش أخذ يتردد أخيراً في مواقفه تجاه هذه الجرائم، أو لا يتعاون معه بصورة جدية على الإثم والعدوان، اختلق نظام (قوات الطوارئ) بعد الانتفاضة من أجل الإمساك بالأوضاع الشعبية الداخلية، وبعد ذلك اختلق (فدائيي صدام) و (أشبال صدام) و (مجاهدي صدام) وغيرها من التنظيمات العسكرية التي يجمع فيها الأوغاد، ومرضى القلوب والذين أغرتهم الدنيا بأموالها وشهواتها من اجل تحقيق أغراضه الفاسدة. وهكذا الأمر في موضوع الحزب والحزبية، وتزوير الانتخابات الحزبية، فقد حذف الحزبيين القدماء، واستبدلهم بآخرين جدد، وهكذا. ان فضح كل هذه المخططات ومتابعتها، وتوعية الناس على الحقيقة، وإرشاد الضالين وهداية جيل الشباب والأولاد إلى الحق من قبل أبناء الشعب العراقي، ولاسيما المثقفين والواعين منهم يعتبر من أهم الواجبات ومصاديق ومفردات المقاومة المطلوبة. لقد كان لهذا النوع من المقاومة السياسة، والتي ساندتها المقاومة القتالية الأثر الكبير في التنازلات التي قدمها النظام – حتى الان – في موضوع الشعائر الدينية وممارستها، والتي هي حق من الحقوق العامة كما أشرت إلى ذلك. ان هذا الانفراج النسبي الذي نلاحظه الان في العراق تجاه الشعائر الدينية، ومحاولات النظام للتظاهر بالدين – في بعض الأحيان –، أو التغاضي عن بعض الفعاليات الدينية، ولاسيما زيارة العتبات المقدسة، وصلاة الجماعة، والجمعة، أو بعض موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفردي، وانعكاس ذلك في صحافته، أو بعض الإجراءات الأخرى، ان هذا الانفراج انما هو ثمرة لتلك الجهود العظيمة التي بذلها الصابرون والمجاهدون، سواء في ساحات المقاومة السياسية الاجتماعية، أم في ساحة المقاومة القتالية التي كان لها دور خاص متميز في فرض هذا التنازل على النظام، كمحاولة منه لامتصاص الزخم والغضب الجماهيري العام، وسوف يتحول بإذن الله تعالى إلى عامل ضغط جديد على النظام والأوغاد من أزلامه. ولذا فان المطلب الأساس الذي يحل كل المشاكل ويضمن الحقوق هو العمل المستمر في مجال المقاومة؛ لإيجاد التغيير الحقيقي في الأوضاع السياسية، وفي النظام السياسي بما يؤمن هذه الحقوق بمختلف أبعادها، وأفضل عمل يمكن ان يقوم به الانسان في حياته ليقربه إلى الله تعالى هو ان يمارس دور المقاومة، كما يستفاد ذلك من النصوص الشرعية، ولاسيما نصوص القران الكريم، وما ورد في السنّة الشريفة، وما نعرفه في سيرة الانبياء والأئمة، فاننا نجد ان أفضل الناس الذين اصطفاهم الله تعالى من عباده، واختارهم للقيام بالمسؤوليات والمهمات الرئيسية في تأريخ البشرية هم الأنبياء(عليهم السلام)كان عملهم الأساس هو المقاومة السياسية، أو القتالية حسب ظروف هؤلاء الأنبياء (عليهم السلام) والأوضاع المحيطة بعملهم. النقطة الثالثة: وربما لا يتوفر للإنسان ان يكون في الصف الأول من العمل الجهادي، فيكون مقاوماً سياسياً أو قتالياً بنفسه، ولكن يمكن ان يكون له دور رئيس آخر في المقاومة: وهو الدعم والإسناد للمقاومة، فما هو هذا الدور الذي يمكن ان تقوم به الأمة بمجموعها في الدعم و الإسناد؟. ان هناك عدة أنواع من الدعم يمكن للأمة ان تقدمها للمقاومة، وهي: الأول: الدعم السياسي الثاني: الدعم الغيبي والمادي الثالث: إيجاد الأرضية الصالحة للحركة الأول: الدعم السياسي الذي يجب ان تقدمه الأمة للمقاومة يمكن ان نراه على مستوى الواقع العراقي حالياً من خلال المعالم الرئيسية الثلاثة التالية: المعلم الأول: وجوب توضيح حقيقة المقاومة، وأهدافها لأبناء الشعب العراقي؛ لان الأعداء الداخليين ومنهم النظام الصدّامي المجرم، و الخارجيين كأمريكا وفرنسا وروسيا وأمثالهم، ممن لا يريدون إقامة الحق والعدل بين الناس، بل يهدفون إلى السيطرة والهيمنة عليهم، هؤلاء الأعداء يحاولون ان يشوهوا صورة المقاومة ومضمونها.. وهنا يكون أفضل ألوان الدعم للمقاومة هو ان تعرَّف المقاومة للناس بمضمونها الإسلامي، وأهدافها المقدسة كما أشرنا إلى ذلك في المقاومة السياسية. كما يمكن ان نعرّفها بأشخاصها، بصمودهم وصبرهم، وتضحياتهم وإيمانهم بالله تعالى، وقيامهم بواجباتهم الشرعية، وان هؤلاء ينطلقون من هذه المنطلقات الإسلامية الأخلاقية والإنسانية، ولا ينطلقون من المصالح الخاصة، أو من اجل التسلط والوصول إلى المكاسب الدنيوية. كل هذه الأمور تمثل دعماً مهماً يمكن ان يقوم به أبناء الشعب العراقي تجاه المقاومة.. وهي أمور متيسرة لأبناء الأمة دائماً. المعلم الثاني: الدفاع عن المقاومة في الأوساط الخاصة المؤثرة في حركة الأمة.. فهناك أوساط بيدها إمكانات وقدرات، ولها تأثير في الأوضاع السياسية، والأمور العملية القائمة في هذا البلد أو ذاك البلد ومنها العراق، فعندما ندافع عن المقاومة في هذه الأوساط، فنحن نقوم في الحقيقة بدعم سياسي مهم للمقاومة. وعلى سبيل المثال، الأوساط العسكرية التي يحاول النظام ان يستخدمها لضرب المقاومة، أو لاضطهاد الناس وقهرهم وفرض سيطرته عليهم.. هذه الأوساط يريد النظام ان يكوّن منها وسطاً عدوانياً يعبِّر من خلاله عن وحشيته.. إذن، فعلينا توضيح الحقائق في هذه الأوساط؛ لنكسبها إلى جانب المقاومة وأهدافها للدفاع عن الشعب بدلاً من الدفاع عن النظام الفاسد، أو نجعلأ موقفها محايداً تجاه المقاومة على الأقل؛ فعندما يقف أبناء الجيش العراقي إلى جانب المقاومة أو – على الأقل – على الحياد، فهذا من الأمور الهامة جداً في دعم المقاومة. وكذلك الوسط المتمثل بالأجهزة الحكومية التي تساهم بشكل وآخر في ديمومة وبقاء النظام.. هؤلاء ليسوا جميعاً من أنصار النظام، أو ممن يعادي الإسلام أو ينصب العداء للشعب ومصالحه، بل هناك مجموعة محدودة من الأوغاد ممن طبع الله على قلوبهم يوالون رأس النظام ويحقدون على الإسلام والشعب، أما بقية هؤلاء المشاركين في هذه الأجهزة فهم ليسوا من هذا النوع المعادي الحاقد. إذن، فحديثنا عن المقاومة ومضمونها الإسلامي، ودفاعنا عنها في مثل هذه الأوساط – ممن بيدها إدارة الأمور – يشكل دعماً حقيقياً للمقاومة. وهكذا في بقية الأوساط المماثلة، كوسط أبناء العشائر العراقية ورؤساء العشائر الذين لهم دور مهم في العراق؛ باعتبار طبيعة تركيبة الشعب العراقي وتأريخه، أو في وسط الأخوة أهل السنّة العرب من أبناء الشعب العراقي، الذي يمثل وسطاً مهماً – أيضا– في العراق. فالأعداء يحاولون ان يشوهوا صورة المقاومة الحقيقية في ذهنية أبناء هذا الوسط من أهل السنة، وكان المقاومة تريد ان تحاربهم وتعاديهم وتطاردهم وتحرمهم من المواقع السياسية، والمصالح العامة، مما يؤدي إلى ظهور جبهة صراع بين المقاومة وأبناء هذا الوسط، وتوضيح الحقيقة لهم يمثل عملاً وحدوياً يحفظ وحدة الأمة في العراق، ويحقق المشاركة للجميع في عملية التغيير والإصلاح. المعلم الثالث: فضح مخططات النظام الجهنمية تجاه المقاومة؛ باعتبارها تمثل الخطر الأكبر على وجوده الذي فرضه بالقوة والقهر على الأبرياء والضعفاء من أبناء الشعب العراقي. وبذلك تمثل المقاومة الموقف الصحيح في مواجهة القوة والقهر والاستبداد، فالنظام العراقي لو كان يستمد ديمومته واستمرار وجوده من خلال العمل السياسي العام، لكان من الطبيعي مواجهته عند ذلك من خلال العمل السياسي أيضاً، ولكن وجوده السلطوي القهري القمعي مفروض بالقوة والإرهاب، ولا يمكن مواجهته إلا بالقوة التي تمثل المقاومة القتالية أوضح صورها، كما انها في الوقت نفسه مصدر الإشعاع الروحي والمعنوي للأشكال الأخرى للمقاومة؛ ولذلك نجد النظام الصدّامي يضع مخططاته بصورة أساسية لضرب واستهداف هذه المقاومة، ومن هنا فان أهم أبعاد الدعم السياسي للمقاومة يكمن في كشف هذه المخططات الجهنمية التي اعتمدها النظام، وأهدافه منها، وهي فرض السيطرة والإذلال على الشعب العراقي بعد تصفيتها لا سمح الله تعالى. ومن هذه المخططات الجهنمية: إلقاء الفتنة، وإضرام نار الصراع بين العشائر العراقية نفسها، من اجل إضعاف هذا الوسط المقاوم للنظام والرافض لوجوده. وعلى أبناء الشعب العراقي تشخيص مخططات النظام، وفضح أهدافه الخبيثة من خلال تأكيد النقاط التالية في هويته وطبيعته: 1. النظام الصدّامي نظام مستبد جائر، ولابد من التحرك لشرح أبعاد هذا الاستبداد والظلم في هذا النظام. 2. ان النظام الصدّامي نظام جهنمي يتمثل فيه الخبث، والمكر، والحقد، و عدم الوفاء بالعهود والمواثيق، و يستخدم مختلف الأساليب لغرض التسلط واستعباد الناس. كما يحاول – أيضاً – زرع الفتنة بين السنّة والشيعة، فيأتي ببعض أزلامه مثلاً ليبنوا مسجداً في منطقة يسكنها الشيعة، ولا يوجد فيها أحد من أبناء السنّة، ثم يتحامل أزلامه في هذا المسجد على الشيعة بأنواع السباب أو التشكيك في عقائدهم؛ ليؤججوا نار الفتنة بين المسلمين الشيعة والسنّة، وهكذا هو حال النظام في جميع أساليبه الخبيثة. 3. النظام الصدّامي نظام وحشي دموي مستهتر بالكرامات والحرمات، ولا يمكن التعامل معه إلا من خلال استخدام القوة والمعاملة بالمثل، وهو نظام ينتظر الفرصة للانقضاض على أبناء الشعب، وإذا كان يظهر المرونة أحيانا فبسبب ضعفه. الثاني: لابد ان ننتبه إلى حقيقة كونية، هي: ان النصر انما يتحقق من الله تعالى، وان الإرادة الإلهية هي فوق كل الإرادات، وان الجانب الغيبي في عموم حركة الانسان، وحركة هذا الكون هو العنصر الأول والأساس. وربما يغفل الانسان – باعتباره يتحرك ضمن العالم المادي، كما ان الانسان يمثل في جانب من حياته هذا الجانب المادي – عن حالة الغيب فيتحرك في ساحة الشهود المادية؛ ولذلك نجد القران الكريم يؤكد ان من صفات الانسان المؤمن الأيمان بالغيب، فهي قضية أساسية، وصفة من صفات الانسان المؤمن: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا انزِلَ إِلَيْكَ وَمَا انزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1). ولابد ان ننتبه كذلك إلى قضية الاعتماد والتوكل على الله تعالى في موضوع المواجهة مع الطغاة والمستكبرين، وان القدرة الإلهية هي القدرة الحقيقية التي تنزل الهزيمة بهؤلاء الطغاة. وعندما يتحدث القران الكريم عن النصر والغلبة يشير إلى هذا الجانب كما في قوله تعالى: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ ان اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَانهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ انهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)(2). فهو يشير إلى هذا الجانب ويؤكده بقوله تعالى (بِإِذْنِ اللّهِ)، فهذا الأذن الإلهي، وهذه الإرادة الإلهية هي التي تحقق هذا النصر لهذه الفئة القليلة. فكل عمل مادي نريد القيام به، لابد ان نتوجه به إلى هذه الحقيقة الكونية حقيقة ان الغيب هو الذي يحسم الموقف لجانب الحق وصالح العدل. غاية الأمر، ان الله سبحانه وتعالى بحكمته في تنظيم هذا الكون وترتيب شؤونه، جعل ارتباطاً بين ما يبذله الانسان المؤمن وبين تلك الإرادة الإلهية الغيبية الحاسمة في موضوع النصر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ان تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)(3). إذن، فهناك شرط في تحقيق النصر الإلهي لهذا الانسان، و هو ان يبذل كل جهده لله تعالى و من اجله، وعندئذ سوف ينزل النصر الإلهي من عند الله تعالى. هذا الدعم والبذل المادي هو الذي يحقق الشرط للنصر الإلهي، ونزول الرحمة الإلهية، وربما يكون هذا الدعم أمراً بسيطاً لا أهمية له في مجمل أحداث وفصول المعركة التي يخوضها الانسان المؤمن ضد الطغاة...، ولكنه باعتباره يحقق هذا الشرط بنزول النصر والتأييد الإلهي تصبح له أهمية خاصة رغم انه دعم محدود. هذا الأمر هو شبيه بموضوع الصاعق الذي يفجر القنبلة، والتي يكون لها أثر تدميري كبير.. فهذا الصاعق الذي يقوم بتفجير القنبلة، هو من الناحية المادية قدرته التفجيرية محدودة جداً، إلا انه شرط ضروري لتفجير القنبلة الكبيرة المدمرة. وكذلك موضوع النصر فان جهد الانسان المادي من عمل، ومال قد لا يكون له تأثير مهم في نفسه، ولكنه من حيث تحقيق. الشرط في نزول النصر الإلهي يكون له التأثير البالغ. للدعم المادي للمقاومة عدة أبعاد وصور أهمها: 1. القتال يمكن ان يكون الدعم المادي من خلال المساهمة بالقتال إلى جانب المقاومة. فالمقاومة قد تقوم بتنفيذ عملية قتالية في مواجهة المجرمين الأوغاد الذين لا همّ لهم إلا إيذاء الناس والإفساد في الأرض، وقد تحتاج في عمليتها هذه إلى دعم وإسناد مادي، كما وجدنا ذلك عند عشائرنا الغيورة في العراق التي كان لها دور مهم في دعم المقاومة مادياً، فانزل (الله تعالى) نصره على هؤلاء الناس المقاومين. 2. التعاون قد لا يتمكن هذا الانسان الرسالي؛ لظرف معين ولسبب ما ان يساهم فعلياً بالمقاومة، وإسنادها عملياً، لكنه يستطيع ان يعينها بتسهيل مهامها، سواء في حركتها، أم في طريقها، أم مناورتها، أو التستر على حركتها، أم المعلومات عن تحرك العدو والتي يمكن ان يقدِّمها للمقاومة.. فان كل ذلك يدخل في إطار دعم المقاومة مادياً وتسهيل أمورها وهو من باب الجهاد بالنفس كما تشير الآية الكريمة (وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَانفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ان كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)(1). 3. الدعم المالي ان الدعم المالي مهما كان صغيراً فهو يعد مشاركة حقيقية في عمل المقاومة، ويصبح الانسان الذي يقدم ماله لدعمها جزءاً من هذه المقاومة، وقد أكد القران الكريم كما ذكرنا في الآية السابقة هذا الأمر بقوله تعالى: (وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَانفُسِكُمْ). ونلاحظ ان القرآن الكريم يقدم أحياناً كلمة الجهاد بالمال على كلمة الجهاد بالنفس؛ للإشارة إلى أهمية هذا النوع، و هذا الأثر الكبير في دعم المقاومة. 4. تقديم الملج في كثير من الأحيان تحتاج المقاومة أو أفرادها إلى الملجأ، والملاذ الآمن يلجأون إليه أثناء مطاردة النظام المجرم ووحشيته، و هذا الملجأ يمثل قضية في غاية الأهمية، وهو واجب من الواجبات التي تتحمل الأمة والمجتمع مسؤوليته تجاه المقاومة ليس في العراق فحسب، بل وفي جميع البلدان الإسلامية. ففي جنوب لبنان مثلاً، عندما تقوم المقاومة الإسلامية بمواجهة الصهيونية العالمية، ومواجهة إسرائيل، تحول الجنوب اللبناني إلى ملجأ وملاذ للمقاومة الإسلامية، ولولا هذا الملجأ وهذا الملاذ لما تمكنت المقاومة ان تحقق هذا المستوى من الأداء وهذا الانتصار العظيم ضد إسرائيل...، و هو ما لم تتمكن ان تحققه دول بإمكاناتها وقدراتها المختلفة الكبيرة. وفي تحليلنا لهذه الظاهرة الكبيرة، نجد الدور الكبير الذي قدمه الملاذ الآمن من الجنوب اللبناني وهو صاحب الدور الرئيس في تحقيق التحول وهذا الانتصار. 5. كتمان الأسرار ومن أساليب حماية المقاومة، ودعمها هو التكتم على حركتها أمام العدو المستبد الوحشي، وإحدى الوسائل المهمة في إدامة مواجهة هذا العدو هو التكتم على حركة المقاومة وأساليب ذهابها وإيابها، وهو من الواجبات الشرعية المهمة التي نتحملها وتتحملها معنا الأمة أيضا، فهناك روايات كثيرة جداً وردت عن أهل البيت (عليه السلام) تتحدث عن موضوع الكتمان، و الإذاعة أي: إذاعة الأسرار وحرمة كشفها وإذاعتها، وتؤكد هذه الروايات أيضا على شدة عقاب المذيعين لهذه الأسرار يوم القيامة. فبعض هذه الروايات تؤكد على ان أمثال هؤلاء الناس المذيعين للأسرار يؤتون يوم القيامة بمحجمة دم ويقال لهذا الانسان: ان هذا هو نصيبك من دم فلان... ويذكر له أحد المؤمنين المستشهدين، فيقول الانسان: يا رب أني لم أشارك في قتل أحد من الناس، ولم أجر دماً، فكيف كان هذا نصيبي من دم فلان المؤمن؟! فيقال له: صحيح، انك لم تقتل ولم تشترك في قتل هذا الانسان المظلوم بآلة، ولكنك تحدثت بحديث عنه نقله شخص آخر عنك، ثم نقله ثالث عنه، وربما رابع و هكذا حتى وصل إلى السلطة الباغية الجائرة، فقتلت ذلك الانسان المظلوم، فكان نصيبك من دمه هذا القدر من الدم. روى الكليني عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: ((يحشر العبد يوم القيامة وما ندى دماً فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك فيقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: ياربِّ انك لتعلم انك قبضتني وما سفكت دماً فيقول: بلى سمعت من فلان رواية كذا وكذا، فرويتها عليه فنقلت حتى صارت إلى فلان الجبار فقتله عليها، وهذا سهمك من دمه))(1). وفي رواية أخرى عن اسحق بن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) وتلا هذه الآية: (...ذَلِكَ بِانهُمْ كَانواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانواْ يَعْتَدُونَ ) قال: ((والله ما قتلوهم بأيديهم ولا ضربوهم بأسيافهم ولكنهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأخذوا عليها فقتلوا فصار قتلاً واعتداءاً ومعصيةً))(2). وإنما كانت حصته هذا القدر من العقاب؛ لأنه أذاع السرّ وكشفه، وربما كانت إذاعة السر لا عن قصد، و انما عن تساهل وعدم اهتمام بالمحافظة على الأسرار، فعلى جميع أبناء الشعب ان يحافظوا على أسرار حركة المقاومة، بل علينا جميعاً ان نشكّل غطاءً وحماية لها في مسيرتها؛ لأجل تحقيق الأهداف الصالحة التي تسعى إليها المقاومة. إيجاد وتهيئة الأرضية الصالحة للحركة الثالث: ولعل من أهم أنواع الدعم للمقاومة الإسلامية هو إيجاد الأرضية الصالحة للحركة في أوساط الأمة، سواء على مستوى التنظيم والعلاقات، أم على مستوى ممارسة الشعائر والنشاطات الإسلامية، كصلاة الجمعة والجماعة، والزيارة التي تقف في وجه مخططات النظام في مسخ هوية sأاالشعب العراقي، وإشاعة الفساد والانحلال الاجتماعي، أم على مستوى الجانب الروحي والمعنوي الذي يمد الأمة بروح الأمل، وإرادة الصبر والصمود، أم على مستوى جانب الخدمة العامة؛ للتخفيف من آلام ومعاناة أبناء الشعب العراقي، ولاسيما الأوساط المجاهدة والمضحية والمتضررة مادياً بسبب المقاومة ونشاطها، كما سيتضح ذلك في النقاط التالية: 1. التنظيم والعلاقات فعلى مستوى التنظيم والعلاقات لابد لأبناء الشعب العراقي ان يوثقوا العلاقات بينهم أفرادا وجماعات وعشائر وأصنافا، ويوحدوا صفوفهم وكلمتهم بحيث لا يسمحوا للنظام وأزلامه من النفوذ إلى صفوفهم، أو القيام بمحاصرتهم معنويا ومادياً واجتماعياً، فان ذلك يمثل نوعاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أفضل أساليب المقاومة المؤثرة تهيئة الأرضية الصالحة لحركتها. وهذا ما يصنعه الكثير من الشعوب المقاومة، كما في الثورة الإسلامية في إيران، والثورة الفلسطينية، وكما صنعه المسلمون في الصدر الأول الإسلامي. كما ان عليهم ان يقيموا علاقات الثقة والمودة والمحبة بينهم؛ لان النظام يحاول زرع الشك والخوف بين أبناء الجماعة الواحدة، وبناء سدود وحواجز بين الناس؛ لمنعهم من التعاون ووحدة الصف في مواجهته، وليصبحوا جماعات متفرقة وممزقة. وعليهم أيضا ان يكوّنوا المجموعات الصغيرة العاملة المستقلة، للقيام بمختلف النشاطات الدينية والإعلامية والثقافية والخدمات العامة، ويعتمدوا في بنائها – في الظروف الحاضرة الصعبة – على العلاقات الرحمية، أو الزمالات، أو الصداقات القديمة، والمعرفة الشخصية، ويستعينوا على أمورهم بالكتمان والتوكل على الله تعالى، والمزيد من المعرفة والمعلومات الشرعية. فان هذا النوع من التنظيم العام يهيئ الأرضية القوية والمناسبة لحركة المقاومة، وقدرتها على التوسع والانتشار بصورة طبيعية، بل يصبح هذا التنظيم النابع من أوساط الشعب قوة مقاومة حقيقية في وجه مخططات النظام في التسلط والهيمنة. ويكون الارتباط بين هذه المجموعات بالمبادئ والأهداف، والقيادة السياسية الدينية المتصدية للعمل السياسي العام والمواقف السياسية الموحدة. 2. الشعائر الإسلامية وعلى مستوى الشعائر الإسلامية لابدَّ لأبناء الشعب العراقي من المحافظة إلى أقصى الحدود على إقامة الشعائر الدينية الإسلامية العامة منها والخاصة. فالشعائر الدينية الإسلامية العامة، مثل: صلاة الجماعة والجمعة – بقطع النظر عن الأشخاص الذين يقيموها مع الاهتمام في التعرف على الصالحين منهم؛ للتفاعل معهم وغير الصالحين؛ للحذر منهم – وكذلك صوم شهر رمضان، وحضور مجالس الوعظ والإرشاد العامة، وتعلّم القران الكريم ومجالس الدعاء. فان هذه الشعائر هي من أهم معالم الإسلام، وقد حاول النظام القضاء عليها، وإضعافها ومطاردة القائمين بها، والتنكر لها حتى وصلت به الوقاحة و الجرأة ان يحرّم الأذان في الإذاعة والتلفزيون، ولكن مقاومة الشعب العراقي وصموده، وتضحيات علمائه الصابرين من المجاهدين من جهة، وتحوّلات النهضة الإسلامية العالمية، ولاسيما في المنطقة من جهة أخرى، أجبرت النظام على التراجع والتظاهر بهذه الشعائر، وطرح ما يسميه (بالحملة الإيمانية) ومحاولة احتوائها والسيطرة عليها. ولذا فلابد ان ندرك ان هذه الشعائر تمثل التراث الإسلامي الأصيل، مضافاً إلى ان جانبها الشرعي ووجوبها الإلهي وبقاؤها وانتشارها هو من ثمار جهود الشهداء والمجاهدين والمضحين. فالاحتفاظ بها وإقامتها والمشاركة فيها، والعمل على إفشال مخطط النظام في السيطرة عليها، أو استغلالها في مصالحه الخاصة من أهم أشكال المقاومة. والشعائر الدينية المذهبية الخاصة، كإقامة مجالس التعزية الخاصة بأوسع الحدود الممكنة حتى لو كانت بين المرء وبين أهل بيته، أو زيارة العتبات المقدسة في الأيام المخصوصة أو ليالي الجمعة، أو المناسبات الدينية والوطنية، وكذلك تعطيل الأسواق أو المحلات في وفيات الأئمة ومواليدهم، أو إظهار الحزن، أو الزينة والفرح والسرور فيها، وغير ذلك من الأساليب من بذل الطعام، أو سقي الماء في ذكريات وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) من أهل بيته أو ولاداتهم (صلوات الله عليهم). ان إحياء هذه المناسبات يعتبر من أهم أشكال المقاومة التي أبداها أبناء الشعب العراقي في الماضي، و تمكنوا من خلالها ان يحافظوا على هويتهم الإسلامية، وانتمائهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام). ولابد للشعب العراقي ان يستفيد من هذه المناسبات والشعائر الدينية العامة والخاصة في تحقيق الأهداف الصالحة من العلاقات الإيمانية، والهموم المشتركة، ونقل المعلومات، وتبادل المعرفة الثقافية، والتعاون على البر والتقوى، والبناء الروحي والمعنوي من خلال تجديد العهد، والبيعة للإسلام والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الكرام وغير ذلك من الأمور. فمثلاً صلاة الجماعة والجمعة، وكذلك الزيارات هي أفضل فرصة لنشر أخبار المجاهدين وعملياتهم التي يعتم عليها النظام ليخفيها، وهي أفضل فرصة لنقل الكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، والمعلومات الصحيحة، وفضح مخططات النظام وأساليبه الخبيثة. ولابد من الحذر التام من المندسين والمتسللين، ولكن لا يصح ان يتحول هذا الحذر إلى خوف وجبن وتعطيل للعمل، فالحذر والكتمان والاحتياط من الواجبات الأكيدة، ولكن الحذر في العمل والكتمان لأسرار العمل والاحتياط في النشاطات، لا يعني تجميد العمل وتعطيله وإلغائه، والتقية المطلوبة شرعاً انما هي في الحركة والاستمرار بها؛ للمحافظة عليها، وعلى الجماعة الصالحة لا في إلغائها حيث لا يبقى لها موضوع. 3. الجانب الروحي والمعنوي وعلى مستوى الجانب الروحي والمعنوي لابد لأبناء الشعب العراقي الأعزاء ان يبنوا في نفوسهم الثقة بالله تعالى في النصر، ويفتحوا في قلوبهم أبواب الأمل بتحقق الفرج مهما طال ليل الانتظار (فَان مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * ان مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)(1)؛ ليعلموا ان السنّة الإلهية في حركة المجتمع هي: ان الأمور كلما ضاقت اقتربت لحظة الانفراج (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ انهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)(2). (أَمْ حَسِبْتُمْ ان تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا ان نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)(3). ولذا فان من أهم أشكال المقاومة، هو المحافظة على الأمل والروح المعنوية التي يحاول النظام ان يزرع بدلها اليأس، والقنوط في نفوس الناس من خلال الإرهاب، والقمع، والتشريد، وإشاعة الفساد، وعمليات التجويع والترويع. (ان الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(4). وان تبادل أخبار الماضين، ولاسيما الأنبياء (عليهم السلام)، والأئمة (عليهم السلام) والاعتبار بها، وقراءة القران والتدبر فيه، ونشر أخبار المجاهدين والصامدين، والاستفادة من تجارب الشعوب، و التأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) وبالصابرين من السائرين على دربهم، الذين يعملون دون كلل أو ملل، والذين لم يتمكن النظام من ان يلحق أي خلل في إرادتهم، وعزمهم، واستمرارهم، بالرغم مما لحق بهم من أذى وضرر، ان ذلك كله ينفع في رفع الروح المعنوية لدى الانسان. وكذلك الاستلهام من دروس ثورة الأمام الحسين (عليه السلام) وتضحيته العظيمة، والثقافة والقيم السياسية والمعنوية لها ومحن الأمام علي (عليه السلام) وصبره وسائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام)وصبر خاتم الوصيين الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وطول انتظاره للفرج والإذن من الله تعالى كل ذلك ينفعنا في هذا الصبر والمقاومة، وتهيئة الأرضية لها (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَانهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ)(5) ان المقاومة في هذا الجانب الروحي والثقافي من أهم أشكال المقاومة.
4. الخدمات العامة وعلى مستوى الخدمات العامة لابد لأبناء الشعب العراقي من المشاركة في إغاثة الفقراء، ولاسيما العوائل المحرومة، كعوائل الشهداء، والمجاهدين، والمعذبين في السجون، أو المشردين في بلاد الله العريضة، أو مداواة المرضى، أو توفير الخدمات العامة للمصلين والصائمين والزائرين، أو غير ذلك من الأعمال التي تخفف من آلام الناس ومحنتهم، وتشد بعضهم إلى جانب بعض، وتساعدهم على الصبر والصمود وتوثق صلتهم بالله تعالى. ويمكن لمختلف أبناء الشعب – بقدر ما يتيسر لهم من إمكانات حتى لو كانت محدودة – ان يساهموا بصورة فعالة في هذا الجانب من المقاومة. ان المقاومة بهذه الصورة التي شرحناها يمكن ان تتحول إلى عمل يمارسه جميع أبناء الشعب العراقي، كل حسب إمكاناته وطاقاته. ولا يمكن ان يكون احد هذه الأعمال بديلاً عن الآخر، بل تتكامل المقاومة القتالية بالدعم والإسناد السياسي، والمادي بأشكالها المختلفة التي ذكرناها. ويمكن ان تنجح المقاومة القتالية والسياسية والثقافية إذا تهيأت لها الأرضية المناسبة التي تتحرك عليها. 5. وحدة الكلمة والنظام مهما كان قوياً – وهو الان في اشد حالات ضعفه – فهو اضعف من الأمة والشعب عندما تتوحد كلمتهم، وتتعاطف مشاعرهم، وتشترك همومهم، وقد قال الشهيد الصدر (رضوان الله تعالى عليه) كلمته المعروفة: (ان الشعوب أقوى من الطغاة مهما تجبروا). ان وحدة الكلمة لأبناء الشعب هي سر قوته الحقيقية؛ ولذلك يجب ان نؤكد ان من أهم صور المقاومة وأشكالها هو المحافظة على وحدة الكلمة، والوقوف في وجه كل من يثير الخلافات بين صفوف أبناء الشعب العراقي، ويختلق معارك جانبية تخدم النظام، سواء في الحوزة العلمية، أم بين المجاهدين، أم بين العشائر العراقية، أم بين السنة والشيعة والجيش والمقاومة، أم غيرها، كل ذلك معارك لا أساس لها من الواقع أو انما يختلقها النظام أو ضعاف النفوس؛ لخدمة أغراض خاصة. ولابد ان نعرف بان المعركة الحقيقة للشعب العراقي هي مع نظام صدام الذي هو السبب في كل هذه المشاكل والآلام، ومهما اختلفنا مع الآخرين في الرأي أو الموقف، فلا يصح ان يتحول هذا الاختلاف إلى صراع؛ لان الصراع هو مع النظام وأسياده، ولا نختلف ونتصارع مع احد من الناس في هذه المرحلة إلاّ بمقدار ما يرتبط بالصراع مع النظام نفسه، أو يرتبط بالدفاع عن النفس. وبهذا الشرح البسيط أمكن ان نعرف كيف يمكن للأمة ان يكون لها دور في المقاومة، وكيف يمكن لجميع أبناء الشعب ان يساهموا في هذه المقاومة. |
|
|
|||