![]() |
|
مقاومتنا
شرعية الجهاد والمقاومة ضد نظام صدّام وبعد هذا الاستعراض للحكم الشرعي في موضوع الجهاد، ومبرراته، لابد لنا ان نحدد الموقف العملي من الأنظمة الطاغوتية التي تحكم بلاد المسلمين، والتي تستخدم القتل، والإرهاب؛ لفرض وجودها على الأمة المسلمة، ولا تنفع فيها النصيحة والإرشاد، ولا تسمح بممارسة العمل السياسي، وحرية الدعوة الى الله تعالى. ونأخذ لذلك نموذجاً ومثالاً واضحاً وهو:نظام صدام والعفالقة المجرمين الطغاة، ويكون تحديد الموقف العملي في ضوء الحكم الشرعي، ونضيف إلى ذلك أيضا: الموقف الإنساني، والموقف السياسي تجاه هذا النظام المجرم، وأمثاله من الأنظمة ان وجدت. 1. الموقف الشرعي تجاه نظام صدام أما الموقف الشرعي فيمكن ان نجد عدة أسباب ومبررات لوجوب الجهاد ضد هذا النظام وقتاله، بل يمكن القول: ان جميع المبررات والأسباب الشرعية لوجوب القتال والجهاد موجودة في هذا النظام. المبرر الأول: ان هذا النظام – بالإضافة إلى انه نظام كافر يقوم على أساس فكرة الاشتراكية، والمادية التاريخية – هو نظام اشتراكي مادي يتنكر للإسلام وأحكامه، ويقف سداً قوياً في وجه الرسالة والدعوة الإلهية؛ وبذلك يكون مصداقاً للصد عن سبيل الله والكفر به، وسخَّر كلَّ طاقاته وامكاناته، بل كل طاقات وامكانات العراق المالية، والدعائية، والعسكرية، والسياسية؛ لمحاربة الإسلام والدين، والعدوان على شعائره، وعلى الأماكن المقدَّسة فيه. كما حارب المؤسسات الإسلامية، والحوزات العلمية، والمساجد، والمعابد، والحسينيات، والمدارس الدينية، والعلماء، والمكتبات، ومنع الكتاب الإسلامي والديني، ثم لم يكتف بذلك حتى ارتكب أعظم جريمة في حق الإسلام، والشعوب الإسلامية، وهي: جريمة شنّ الحرب الظالمة العدوانية – بأمر من قوى الاستكبار العالمي – على الثورة الإسلامية والجمهورية الإسلامية في ايران، وأخذ هذا النظام المجرم يفتخر بانه وقف مدافعاً عن الحضارة الغربية والكفر العالمي ضد الإسلام، وقتل النظام بسبب ذلك مئات الألوف من الشعبين المسلمين. كما انه تجرأ على إصدار قانون – لم يعرف له تاريخ المسلمين مثيلاً – ولا تاريخ البشرية في العصر الحاضر نظيراً –، وهو قانون إعدام الدعاة إلى الله، وجعل له أثراً رجعياً، وقتل بموجب هذا القانون عشرات الآلاف من خيرة أبناء الشعب العراقي، ومنهم شهيد الإسلام العظيم آية الله العظمى الشهيد الصدر (قدس سره) وغيره من كبار العلماء، والمثقفين والرساليين، ولم يجرأ احد في طول التاريخ الإسلامي ان يجاهر بالعداء للإسلام، ويصدر قانوناً رسمياً لقتل دعاة الإسلام والمروجين له، كما صنع نظام صدام والعفالقة المجرمين. المبرر الثاني: ان نظام صدام والعفالقة أصبح خطرا عظيماً على بيضة الإسلام والدين؛ لانه عمل على مسخ هوية الشعب العراقي الإسلامية،وحاول ان يغير التاريخ الإسلامي،ويبعث أمجاد الوثنيين الجاهليين البابليين والآشوريين...، وأفسد البلاد والعباد، وثبّت نظام الكفر الذي سماه (بالاشتراكية) في مقابل نظام الإسلام، وغيرّ جميع ما تبقى من قوانين الإسلام في الأحوال الشخصية، وقوانين العقوبات، والقانون المدني،وغيرها من القوانين. كما حاول ان يغيرّ جميع العادات، والأخلاق التي بقيت في المجتمع من الثقافة الإسلامية، ويسوق البلاد إلى الحضارة الغربية الملحدة. ولما فشل في ذلك ووجد ان النهضة الإسلامية أصبحت أقوى منه، ومن غيره من الطغاة حاول ان يرفع بعض الشعارات الدينية يتحدث عن القران والإيمان، ولكن كما يفعل المنافقون الذين قال عنهم الله تعالى: (اِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ انكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ انكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ ان الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ انهُمْ سَاء مَا كَانوا يَعْمَلُونَ)(1). المبرر الثالث: ان نظام صدام والعفالقة المجرمين من أشد الانظمة خروجاً وبغياً على الإسلام والعدل،حيث أشاعوا الإرهاب، والخوف، والدمار في كل مكان في العراق، وحتى داخل بيوت الناس في المدن والقرى والأرياف، وفي السهول، والجبال، والوديان والأهوار، وشمل المسلمين والمسيحيين، وكان نصيب الشيعة، والأكراد، والتركمان الأوفى بذلك، إلا انه شمل أهل السنة – أيضا – وشمل كل الفئات والأصناف من العلماء، والمثقفين، والطلاب، والفلاحين، والعمال، والعسكريين الضباط والمراتب والجنود، وأبناء العشائر، والأطباء، والمهندسين، والمعلمين، والموظفين، والتجار، والكسبة، والنساء والأطفال، والشباب، والشيوخ بدون استثناء. ولم يكتف بذلك حتى شمل بقية الشعوب المجاورة في إيران، والكويت بالدرجة الأولى، وغيرهما كالشعب السوري واللبناني والفلسطيني والمصري بدرجات متفاوتة. المبرر الرابع: أن نظام صدام قد استضعف شعب العراق المسلم الأصيل، واستخدم جميع أساليب القهر، والعدوان والإذلال؛ من اجل أن يقتل إرادتهم، ويسلب منهم هويتهم، وشّرع القوانين والإرهاب، وأوجد مؤسسات القمع والمطاردة وحوّل الدولة والحزب، والمؤسسات العسكرية (الجيش والأمن والشرطة والمخابرات) إلى مؤسسات إرهابية وقمعية، وبنى السجون والمعتقلات الرهيبة واستخدم جميع وسائل التعذيب النفسي، والبدني، والقتل والإخفاء واتخذ مطاردة الأقرباء، والأصدقاء، والنساء، والأطفال كأسلوب للضغط على العاملين، والثائرين، والأحرار واخذ ينزل العقاب على الظنّة والتهمة،والميول والرغبات والعواطف، بدون إعطاء فرصة للدفاع عن النفس أمام المحاكم والقوانين، وحتى أصبح الانسان يقتل لكلمة واحدة يقولها. فلماذا لا يستخدم الانسان الجهاد والقتال، والرصاص بل الكلمة إذا كانت الكلمة تؤدي به إلى الموت ؟!!. ولم يكتف بكل ذلك حتى استخدم الأسلحة التدميرية، كالأسلحة الكيمياوية والسموم والصواريخ بعيدة المدى، والمدفعية الثقيلة، والدبابات والمدرعات، والقتل الجماعي للناس وتدمير القرى والمدن لتحقيق هذا الغرض. وكانت الجرائم التي ارتكبها في انتفاضة شعبان، حيث قتل نصف مليون إنسان(1)، وفي حلبجة حيث قتل خمسة آلاف شخص بضربة كيمياوية واحدة،وفي حرب الانفال الأولى(2) ضد الأكراد حيث قتل مائة ألف شخص، والثانية ضد الشيعة في الجنوب، وتغيير البيئة والقضاء على جميع معالم الحياة كما في تجفيف الاهوار، وهدم أكثر من عشرة الآف قرية من الشمال إلى الجنوب، وكذلك العدوان على المدن المقدسة. وما هذه إلا أمثلة ونماذج تكشف عن هذه الحقيقة المروعة. (1) انتفض الشعب العراقي في اغلب مدن العراق في 15 شعبان عام 1411هـ المصادف للشهر الثالث سنة 1991. (2) كانت بعد انتهاء الحرب العدوانية ضد الجمهورية الإسلامية وسمّاها النظام بالانفال الأولى. المبرر الخامس: فان النظام قتل النفس المحترمة بدون حق، ونهب الأموال، وصادر الممتلكات، وسلب المواطنة، وهجّر مئات الألوف عن ديارهم في الداخل والخارج، وأصبح المشردون الذين أخرجوا من ديارهم يعدون بالملايين، وهتك الأعراض، واعتدى على النساء في المعتقلات، وفي الشوارع وبأساليب الاغتصاب والخطف، ولم يترك حقاً من حقوق الناس إلا وقد اعتدى عليه هو وجلاوزته، بحيث لم تبق حرمة لأحد، واستباح المدن، وأحرق المزارع، ودمر القرى والبيوت المسكونة. ان هذه المبررات الشرعية للجهاد – التي ذكرناها – يعرفها جميع العراقيين، وأبناء الشعوب المجاورة للنظام التي احترقت بناره، وشاهدت الهجرات الجماعية، وتخريب المدن والقرى والأرياف، وإحراق آبار النفط، ونهب المتاجر والثروات الشخصية والعامة، والقتل وحرب الصواريخ والأسلحة الكيماوية، والتهديد بالأسلحة الجرثومية، وقتل الرهائن والأسرى، واحتجاز واختفاء المعتقلين. وقد نصّت التقارير والوثائق والمستندات التي تعد بعشرات الآلاف وتساوي بحجمها مئات الأطنان على هذه الحقائق والجرائم والأعمال، بحيث يكاد ان لا يصدق الانسان بها؛ لهولها ولا يعرف لها مثيلاً في العصر الحاضر. 2. موقف علماء الإسلام من نظام صدام وانطلاقاً من الموقف الشرعي نجد علماء الإسلام – وخصوصاً المراجع العظام – يتخذون موقف المواجهة والجهاد والقتال ضد نظام صدام والعفالقة المجرمين، ويعرضون انفسهم إلى الأخطار إلى حد الشهادة والقتل (فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)(1). وكان في مقدمة هؤلاء العلماء: 1) المرجع الأعلى العام في عصره سماحة آية الله العظمى الإمام الحكيم (قدس سره)، حيث تصدى لهذه الحكومة المجرمة بنفسه، وخرج مجاهداً إلى بغداد، وطارده العفالقة المجرمون، وحاصروه، وحكموا على ولده العلامة الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم بالإعدام، واعتقلوا خاصة أصحابه، وقمعوا المظاهرات التي قامت بها الحوزة العلمية وطلابها في النجف الاشرف وفي المناطق الأخرى، وبقي على هذه المواجهة يستنهض الناس حتى مات في ظروف تشبه الشهادة من المحاصرة، والكمد، والمطاردة و... وقد عبّر (رضوان الله عليه) عن طبيعة هذه المواجهة عند سفره إلى بغداد سنة 1389 هـ 1969 م بان: (هذا السفر يشبه سفر الإمام الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء)، وأفتى بكفرهم وضلالهم وقال: (لو كنت أرى بان الناس يلبّون نداء الجهاد؛ لأفتيت بالقتال العام لهم). ولكنه (قدس سره) كان يرى الظروف في ذلك الوقت غير مهيأة لمثل هذا التحرك الجهادي العام، فاكتفى بان عرّض نفسه وأهل بيته وخاصته لذلك، وكان قد جرّب وأعلن عن هذه المواجهة، ودخل فيها وعرف الناس موقفه، كما عرف موقف الناس عن قرب. 2) المرجع آية الله العظمى الشهيد الصدر(قدس سره)، الذي دخل في المواجهة الجهادية بعد ان أصبحت الظروف مهيأة بانتصار الثورة الإسلامية في إيران، ووجود النهوض الإسلامي في المنطقة بشكل عام، فحاصره صدام وجلاوزته في بيته – كما صنعوا مع الإمام الحكيم –، ثم قبضوا عليه بعد المساومة، وقتلوه،واستشهد الشهيد الصدر، ونداءاته، وأعماله، وفتاواه تؤكد هذا الموقف الشرعي. 3) المرجع الكبير آية الله العظمى الإمام الخميني (قدس سره) قائد الثورة الإسلامية، الذي قاتل العفالقة المجرمين، وأفتى بكفرهم ووصفهم – في جرائمهم – بتلك الأوصاف الفريدة حيث قال عنهم:(انهم بيضوا وجوه المغول في أعمالهم الإجرامية)، ومات (قدس سره) كمداً؛ لانه أوقف القتال معهم مضطراً، ووصف ذلك:(بأنه تجرّع السم وشربه)؛ لان العالم الاستكباري كان قد تحالفا مع صدام على الجمهورية الإسلامية للقضاء عليها، وطالب الإمام الخميني (قدس سره) الشعب العراقي بتحمل المسؤولية الكاملة في مجاهدة العفالقة ومقاتلتهم. 4) المرجع الكبير آية الله العظمى الإمام الخوئي (قدس سره)، الذي قاتل صدام والعفالقة – شخصياً – في الانتفاضة، وأفتى بوجوب قتالهم دفاعاً عن بيضة الإسلام، وبقي على موقفه حتى مات في ظروف تشبه الشهادة،وكان معه في هذا الموقف علماء الحوزة العلمية ورجالها الذين اعتقلهم العفالقة بعد ذلك. 5) المرجع الكبير آية الله العظمى السيد عبد الأعلى السبزواري (قدس سره)، الذي كان له موقف القتال، والمواجهة مع صدام المجرم، وأصدر البيانات التي تؤكد هذا الموقف الشرعي. ومضافاً إلى ذلك العلماء الشهداء الأبرار الذين استشهدوا في العراق من خلال مواقفهم الصامدة، سواء من علماء النجف الاشرف والبلدان الأخرى من أتباع المذهب الجعفري، أم من علماء أهل السنة الذين قتلوا على يد هذا النظام الطاغوتي أمثال الشيخ عبد العزيز البدري، والشيخ ناظم العاصي. ونعني بالموقف الإنساني: الأخلاقي والحقوقي الذي تفرضه الفطرة الإنسانية، والكرامة التي ميّز الله تعالى بها الانسان على بقية المخلوقات (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(1). فقد خلق الله تعالى الانسان حرّاً(2) مريداً(3)، وجعله خليفة في الأرض(4) يتحمل مسؤولية الاستخلاف(5) ووضع في عنقه هذه الأمانة الكبيرة التي عجزت السماوات والأرض والجبال عن حملها(6) ووهب له الحياة(7) والعزة (8) والكرامة وفطره على الإيمان بالله والاعتقاد به(9)، ولم يأذن له ان يتنازل عن ذلك ولو كلّفه ماله وحياته. كما انه تعالى جعل دين الانسان مقدم على حياته وماله وحياته مقدمة على ماله(10). ان هذه الحقوق الإنسانية الفطرية تمثل الأساس للائحة حقوق الانسان التي أقرّتها جميع الأمم الإنسانية، وجاء بها الإسلام قبل أربعة عشر قرناً. وانطلاقاً من هذه الحقيقة الانسانية، والأخلاق الربانية نجد ان الموقف تجاه نظام صدام والعفالقة المجرمين، وأمثاله من الأنظمة، هو المقاومة والقتال؛ لان هذا النظام لم يكتف بكل هذه الجرائم الوحشية والظلم، والعدوان على الأموال والانفس والديار والعباد والبلاد، بل تجاوز كل ذلك حتى أخذ يرى لنفسه الحق بـ(استعباد الناس ) يتعامل معهم من موقع السيادة المطلقة، وكان الناس عبيد له، والبلاد ملك له، وإقطاعية يتصرف بها كيفما يشاء، وهذا هو قول الإمام الحسين(عليه السلام): ((اتخذوا مال الله دولاً، وجعلوا عباد الله خولاً))(11) أي: عبيد. وقد نصب صدام نفسه (إلهاً) يعبد من دون الله، فمثلاً لا يقتل الانسان في العراق إذا كفر بالله نعوذ بالله، أو سب وشتم الذات الإلهية المقدسة، أو جميع الأنبياء والمرسلين.. ولكنه يقتل بموجب القانون الذي أصدره صدام إذا شتم صداماً أو سبه. ولا يُقتل الانسان إذا عصى الله تعالى وخالف إرادته عز وجل بل يشجع ويكرم، ولكنه يقتل إذا خالف أوامر صدام بالخراب والفساد والدمار. والقانون والشريعة والنظام هي: إرادة صدام ورغباته، وميوله، وشهواته، وحماقاته؛ لانها بيد ما يسمى بـ(مجلس قيادة الثورة) وهو ألعوبة بيد صدام، وهكذا الحال في كل شيء. والناس لا إرادة لهم ولا حرية، وليس لهم حق الاختيار أو الانتخاب، أو إرادة شؤونهم فهم عبيد قاصرون يتصرف بهم صدام كيف يشاء يشن الحروب، أو يوقفها ويفرض عليهم القتل، والتشريد والسجن والعذاب، أو يمنحهم الحياة والمسكن والحرية والأكل والشرب. وقد تدخل النظام في كل تفاصيل حياة هؤلاء الناس، في عبادتهم وشعائرهم، وفي عاداتهم وتقاليدهم، وفي تاريخهم وتفكيرهم، وفي جامعاتهم، ومتاجرهم، ومزارعهم، ومساجدهم وأماكن عبادتهم. ان هذه الحقيقة تفرض من الناحية الانسانية، والأخلاقية، والفطرية ان يقاتل الانسان؛ من اجل الحرية والحياة والدين والعقيدة، بالإضافة إلى القتال الذي تحدثنا عنه في الموقف الشرعي من أجل العدل والمساواة والأمن والطمانينة والرفاه، وإقامة حكم الله في الأرض. والأمة الصالحة المتكاملة هي: الأمة التي تلتزم بهذه القيم والمثل والأخلاق الانسانية، وهي الأمة التي يمكن ان تحيا وتتطور، وتتكامل في مسيرتها،مضافاً إلى ذلك كلّه فان بقاء واستمرار هذا النظام وأمثاله يشكل خطراً عظيماً على الأمة الإسلامية كلها ومصالحها، والمنطقة ومقدراتها، حيث كان هذا النظام وراء هذا التمزق الذي تشهده الأمة الإسلامية، ووراء هذا الضعف والاستسلام لدولة الصهاينة، وهي تستثمره الان لمزيد من التسلط على المسلمين والضعف في صفوفهم. كما ان هذا النظام هو الذي هدر طاقات الأمة وثرواتها، واعتدى على الدولة الإسلامية والدول المجاورة، فهو يهدد الأمن والسلم في المنطقة. (2) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : ((لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً)) ميزان الحكمة: 1: 582، وعن الإمام الحسين (عليه السلام) : ((موت في عزٍ خيرٌ من حياة في ذل)) ميزان الحكمة: 2: 982 و((ما أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً)) بحار الأنوار: 44:192 (3) ( انا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)، الانسان: 3 (4) (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ اني جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ اني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) البقرة: 30 (5) (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ان رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَانهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) الأنعام: 165 (6) (انا عَرَضْنَا الْأَمَانةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ ان يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْانسَان انهُ كَان ظَلُوماً جَهُولاً) الأحزاب: 72 (7) (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)،البقرة:28. (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ انهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَانمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَانمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ ان كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) المائدة:32 (8) ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال: ((ان الله عز وجل فوض الى المؤمن امره كله ولم يفوض إليه ان يكون ذليلا)). (9) قال الله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، الروم: 30 (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى انفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ان تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ انا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) الأعراف:172. (10) وقد روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أهمية الدين ودرجته ((ان عرض لك بلاء فاجعل مالك دون دمك، فان تجاوزك البلاء، فاجعل مالك ودمك دون دينك، فان المسلوب من سُلب دينه، والمخروب من خرب دينه)). ميزان الحكمة: 2: 948 (11) الامالي للشيخ المفيد (ره): 280 ونعني بالموقف السياسي: الذي يستند إلى ملاحظة المصالح والمفاسد والمنافع والأضرار، وظروف الصراع، والقوة والضعف، والأوضاع السياسية، والاجتماعية العامة، وأساليب التغيير والمواجهة. وهذا الموقف يفرض الجهاد والقتال ضد نظام صدام – أيضا – وأمثاله من الانظمة؛ للحقائق التالية: أولا: ان نظام صدام لا يمكن التعايش معه، أو القبول به من قبل الشعب العراقي؛ لانه نظام الظلم والعدوان، والاستبداد والقهر والإذلال، والسيادة والعبودية والقتل والدمار والحروب و الاضطرابات، كما عرفنا ذلك في الشرح السابق،فوجود هذا النظام يعني وجود الاضطراب والقلق والصراع. ثانياً: ان النظام قد وضع أبناء الشعب العراقي بين خيارين لا ثالث لهما، أما خيار الاستسلام والخضوع المطلق، ومصادرة جميع الحقوق، وأما خيار القتل والتشريد والإخراج من الديار،فلا يسمح بالكلمة الحرة ولا النصيحة، ولا يسمح حتى بالحياد أو العزلة والحياة الكريمة بعيداً عن الصراع، وهذا ما دللت عليه الأحداث والطبيعة العدوانية السلطوية الاستبدادية له. وقد حاول البعض ان يبتعد عن الصراع بالعزلة والحياد، ولكن لم يمض وقت حتى لاحق النظام الجميع، فالجنود الهاربون يقتلون، والموظفون المستقلون يطاردون،والعلماء المعتزلون يخيرون بين تأييد النظام أو القتل، خصوصاً في الأزمات، وكلما اشتد ساعد النظام كلما اشتد في طغيانه،وكلما ضعف النظام مارس القمع بشكل أقسى؛ لحفظ وجوده. ثالثاً: جرت طيلة السنوات الماضية محاولات للحوار مع النظام من قبل المرجعية الدينية، ومن قبل بعض الأحزاب العلمانية، ومن قبل الأكراد، وحتى من قبل بعض الدول المجاورة، ولكنها فشلت جميعاً، حيث كان النظام ينقض العهود والوعود، ويمارس القتل والإرهاب والخطف والاغتيال، ومختلف أشكال القمع. رابعاً: ان هذا النظام لا يمكن تغييره بالطرق السلمية، بل لابد من استخدام العمل الجهادي لتغييره،وقد جرت محاولات عديدة لتغيير النظام، عن طريق الانقلاب العسكري – عدة مرات –، وعن طريق الحصار الاقتصادي والسياسي ولعدة سنوات، وحتى الانتفاضة المجيدة العظيمة التي عبرت عن الموقف الحقيقي للشعب العراقي المسلم الرافض للنظام،وكذلك عن طريق الحرب الواسعة المفتوحة من الخارج.. فان هذه المحاولات العديدة، وان كانت قد أضعفت النظام إلى حد كبير، واهتز بسببها، ولكنها لم تسقط النظام، فلابد للشعب العراقي ان يتحمل مسؤولية الجهاد والقتال من أجل التغيير. خامساً: انه لو نجحت الوسائل الأخرى – باستثناء الانتفاضة المجيدة – فأنها لا تحقق الأهداف بالتغيير الحقيقي الذي يجعل الشعب هو المسؤول عن إدارة الحكم، واختيار النظام ويحقق العدالة والمساواة والحرية والاستقلال(1)،بل سوف تعود الكرة مرة أخرى بعد فترة قصيرة من الهدنة والهدوء، أو بدونها كما وجدنا ذلك في التغييرات السابقة من خلال الانقلابات العسكرية منذ العهد الملكي وحتى الان. (1) نقصد بالتغيير الحقيقي للنظام أن يصبح النظام المستقبلي نظاماً برلمانياً يقوم على أساس مشاركة الأمة، وانتخابها للإدارة الحاكمة من خلال الانتخابات الحرة.ويكون الأساس أيضا في الحكم هو العدالة الاجتماعية والمساواة بين أبناء الأمة في الحقوق والواجبات دون تمييز لطائفة على أخرى أو بلد أو عشيرة على بلدان وعشائر أخرى، أو لقوم على أقوام أخرى، أو حزب على احزاب أخرى، فالعراق لجميع العراقيين ولابد من تكافؤ الفرص وما تتبعها من حقوقها السياسية أو الدينية أو المدنية أو المذهبية، فالشيعة والسنة فيه سواء، والعرب والأكراد والتركمان فيه سواء، والبصرة والنجف وبغداد وكركرك وتكريت والموصل والسليمانية وغيرها فيه سواء، ولا تمايز إلا بالكفاءة والتقوى والعمل الصالح والإخلاص. كما يقوم على أساس الحرية لأبناء الشعب العراقي، وإلغاء مؤسسات القمع والمطاردة والقتل، وتقوم القوات المسلحة من الجيش وقوى الأمن الداخلي بواجباتها في الدفاع عن الوطن والأمة ضد الأجانب وفي مقاومة المجرمين والمفسدين، وحفظ أمن المواطنين، ولا يكون دورها هو الدفاع عن الحاكم الظالم أو المتمسك بالسلطة والهيمنة على الناس ومقدرات البلاد. وكذلك لابد من الاستقلال في القرار السياسي والاقتصادي وفي مواجهة الهيمنة الأجنبية على البلاد. وبدون وجود تغيير حقيقي في الأوضاع السياسية فسوف يشهد العراق – من خلال الانقلابات العسكرية وصراع السلطة وتصفيته لهذا العنصر وذاك من اجل الوصول إلى الحكم – المزيد من التدهور كما رأينا ذلك في العهود السابقة؛ ولذا فالواجب على أبناء الشعب العراقي دائماً ان يجاهدوا من اجل تحقيق هذه الأهداف ويجعلوها الشعار الدائم لهم؛ ليتحقق الأمن والاستقرار والرفاه والعدل والتقوى والارتباط بالله تعالى..(المؤلف). مراحل مقاومة الشعب العراقي لنظام صدام ان حركة الرفض والمقاومة للاستبداد من الشعب العراقي المستضعف، هي حركة واسعة في أبعادها، عميقة الجذور في منطلقاتها، وعظيمة التضحيات والعطاء في نشاطاتها وفعالياتها، وقد بدأت في رفض ومواجهة النظام منذ بداية مجيئه في زمن مرجعية الإمام الأكبر السيد محسن الحكيم في سنة 1968 حيث شخّصت المرجعية منذ البداية طبيعة هذا النظام العدوانية والوحشية، وتنكره للقيم الإسلامية والعربية، ومعاداته لمصالح الأمة العربية والإسلامية وللشعب العراقي. وكانت (تجربة1963) لهذا النظام كافية في هذا التشخيص لحقيقته؛ وذلك من خلال مواقفه تجاه قضية فلسطين، والوحدة العربية، والشعائر الإسلامية عربياً وإسلامياً، ومواقفه السلبية تجاه القوى السياسية الإسلامية، والقومية، واليسارية، والكردية داخلياً وارتكابه للمجازر، وإشاعته للفوضى الاجتماعية والأمنية، كل ذلك كان كافياً لهذا التشخيص. ولكن النظام الذي جاء – هذه المرة – ليعترف بهذه الحقائق، ورفع شعار توظيف الطاقات لقضية فلسطين، وادعاء انتهاج سياسة جديدة تختلف عن سياسته السابقة، كل ذلك فتح الأبواب أمام إعطائه فرصة للتعبير عن هذه السياسات بصورة فعلية، وسرعان ما تنكر لكل ذلك. وكانت المرجعية الدينية هي المبادرة لإتخاذ الموقف، والتعبير عن رأي الشعب العراقي المغلوب على أمره، ومرت حركة الرفض هذه بمراحل ثلاث رئيسية: المرحلة الأولى: مرحلة الرفض السياسي من خلال المذكرات والتصريحات والنصائح، والاتصالات السياسية، والاجتماعات الجماهيرية وتعبئة الأمة في هذا المجال، وقد انتهت هذه المرحلة في أواخر السبعينات ومن خلالها إلتحقت القوى السياسية تدريجياً بحركة الشعب الرافض حتى أجمعت على هذا الرفض في نهاية المطاف. وقد امتازت هذه المرحلة، بان القوى السياسية تمسكت فيها بضبط النفس، وموقف الدفاع في مقابل العدوان الذي كان يشنه النظام عليها، وبسياسة التعبير عن المواقف المقرونة بالنصح والتوضيح، والالتزام بالمبادئ والأصول والشعائر. كما ان النظام إلتزم فيها بسياسة القبضة الحديدية للإستفراد بهذه القوى، والالتفاف عليها بتشكيل ما أسماه بـ(الجبهة القومية) وتقديم التنازلات للقوى الخارجية؛ من أجل محاصرة القوى الداخلية والقضاء على بؤر الثورة والنشاط، ومنها الثورة الكردية في شمال العراق. وتمكن النظام ان يحقق بعض النجاحات في ذلك، فصعّد من عدوانه وعنجهيته، وانتهى به الأمر إلى التصفيات الداخلية في حزب البعث نفسه؛ للقضاء على جميع معالم المعارضة والرفض. كما أصدر قوانين حكم الإعدام والقتل على كل نشاط سياسي في الداخل متهماً له بمعاداة الثورة والشعب، والعمل لحساب الأجنبـي، ومن ذلك قانون حكم الإعدام على كل داعية للإسلام وبأثر رجعي، وطبّقه بعد ذلك على أكثر من خمسين ألف شخص ومنهم المرجع الشهيد المفكّر الإسلامي آية الله السيد محمد باقر الصدر(قدس سره). المرحلة الثانية: هي مرحلة المواجهة المسلّحة، والتعبئة العامة لها، حيث فرض النظام معركة حقيقية على الشعب لا مناص له فيها، فإما الاستسلام والعبودية، أو الدفاع والمقاومة. وكانت ظروف الثورة الإسلامية في إيران وتداعياتها في المنطقة، وفي العراق – بصورة خاصة– لوجود الحدود الواسعة المشتركة المكتضَّة بالسكان من الطرفين؛ ولوجود الاشتراك في التاريخ والثقافة، والعلاقات الاجتماعية والسياسية؛ وللتحالف الذي كان بين نظام صدام ونظام الشاه في السنوات الأخيرة لحكم الشاه؛ ولوجود بـؤر الثورة والرفض في كل من إيران والعراق، والتحالف الاستراتيجي بين البلدين، وغير ذلك من العوامل، التي كانت تثير مخاوف النظام من ان يكون مصيره مصير الشاه، الأمر الذي انتهى بالنظام إلى نقل المعركة من الداخل إلى معركة خارجية – كما هي عادته وسياسته الإستراتيجية –، احد الأسباب المهمة في شن الحرب على الجمهورية الإسلامية، لإشغال الشعب العراقي بها عن مهمته الأساسية، وهي الخلاص من النظام. ولكن الحرب وظروفها القاسية على الشعب العراقي، وما ألحقته من دمار وإفساد في الأرض في كلا البلدين، والتي يتحمل مسؤوليتها الكاملة نظام صدام، كانت فرصة – أيضاً– للتعبئة العامة لمواجهة النظام والدخول معه في صراع، وتشكيل المؤسسات السياسية، والعسكرية، والإعلامية، والتحرك على المجتمع الدولي؛ لتعرية النظام في الداخل والخارج. وبالرغم من اصطفاف قوى الاستكبار العالمي والهيمنة والتسلّط الدولية، والمحلية مع نظام صدام في هذه الحرب، وعمليات التضليل الواسعة التي شهدتها الشعوب العربية والإسلامية، إلاّ ان قوى الشعب الرافضة تمكنت ان تحقق نجاحات واسعة على مستويين: أ) التعبئة العامة للأمة في مواجهة النظام ورفضه، وكذلك الاستعداد لتحمل مسؤولية القتال، والمقاومة المسلّحة والاستمرار فيها. ب) تأسيس وإقامة البناء السياسي، والعسكري وإيجاد المؤسسات ذات العلاقة بذلك، فمثلاً القوى الإسلامية الشيعية التي لم تكن تملك نشرة محدودة، ولم تكن قد دخلت المواجهة السياسية، ولم تعرف العمل العسكري منذ الحرب العالمية الأولى وثورة العشرين، تمكنت من ان تبني المنظمات السياسية، ومنها: (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)، والمنظمات العسكرية، ومنها: قوات (بدر) التي تعتبر أعظم قوة عسكرية في أوساط المعارضة في العالم العربي والإسلامي، والمؤسسات الإعلامية من الصحف والإذاعات ومحطات التلفزة. وقد انتهت هذه المرحلة بانتفاضة الشعب العراقي في شعبان آذار (1991م) بعد توقيع النظام لإتفاقية (خيمة صفوان) التي تعتبر بداية لمرحلة استسلام النظام بصورة كاملة لقوى التحالف ومجلس الأمن. لقد كان غزو الكويت من قبل النظام أحد تداعيات الحرب مع إيران وملابساتها، وقد فسح ذلك المجال لوضوح الرؤية وفهم حقيقة النظام لدى الأوساط السياسية العربية والإسلامية، كما فتح الأبواب لفضح حقيقة النظام أمام الرأي العام العالمي والإقليمي. وكان الدمار الذي لحق بالعراق بسبب هذا الغزو وتداعياته، واستغلال قوى الاستكبار والهيمنة لهذه الفرصة، أو العمل على تهيئتها؛ من أجل ان يأخذوا من صدام كل ما أعطوه له في الحرب من إمكانات وأسلحة، ومعدات، وتجهيزات وفرص للنمو غير الطبيعي. وقد عبـر الشعب العراقي عن موقفه تجاه هذا النظام المتجبـر على الشعب، الذليل أمام الاستكبار وقوى الهيمنة بهذه الانتفاضة، ولكن النظام تعامل مع الشعب كما يقول الشاعر العربي: أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامة ... وطفاء تنفر من صفير الصافر
إلاّ ان قوى التحالف، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وجدت في الانتفاضة أيضاً خطراً كبيراً على مصالحها في العراق وفي المنطقة؛ وذلك عندما يتحقق تحالف حقيقي وعمق ستراتيجي بين سوريا والعراق وإيران، في وقت كانت قد أعدّت العدة لمؤتمر (مدريد) واتفاقيات (أوسلو) وغيرها من القضايا التي عرفناها بعد ذلك. ولذا نجد ان هذه القوى تغير موقفها إلى مدى (180) درجة، وتدير ظهرها إلى الشعب العراقي، فتقف إلى جانب النظام؛ لضرب الشعب وقتله وإبادته، بعد ان كانت تحرّض هذا الشعب قبل (48) ساعة على الثورة والتغيير. ولم يكن هذا التغيير بسبب الخوف من النفوذ الإيراني، أو الشعارات الإسلامية، أو غير ذلك من الادعاءات الكاذبة المضللة، بل كان السبب الحقيقي هو الخوف على المصالح المذكورة، وأقول ذلك، لوجود حقائق ومعلومات تفصيلية تؤكد ذلك، لا أجد فرصة للإطالة في شرحها. ومن هذه الحقائق: ان قائد الانتفاضة وراعيها في الجنوب هو الإمام الأكبر السيد الخوئي (قدس سره)، بينما تولى قيادتها في الشمال، القوى الكردية، وكلاهما لا يحسبان في موقفهما السياسي على الثورة الإسلامية في إيران، وان كانا يتخذان الموقف نفسه من قضية فلسطين وقضايا التحرر والحرية والتعددية. كما كانت لدى الإيرانيين فرصة كبيرة ومشهودة للتدخل الواسع، ولكن لم يتدخلوا؛ لانهم لا يرون التدخل أمراً معقولاً في الظروف السياسية، ولا مقبولاً من دول المنطقة. المرحلة الثالثة: وهي مرحلة دخول الشعب المواجهة بصورة كاملة – ومن ورائه القوى السياسية – والعمل على تنظيم حركة الشعب كلّه، وتوحيد كلمته في هذه المواجهة، وهذه المرحلة هي التي نعيشها في الوقت الحاضر ونتقدم فيها باستمرار، ولله الحمد ونرجو من الله تعالى تحقيق النصر لنا فيها على النظام، وتتحقق بذلك سنّة الله في عباده في قوله تعالى: (وَنُرِيدُ ان نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(1). ان الطريق الوحيد الذي أثبتت التجربة سلامته، وشرعيته، وفائدته في تحقيق الأهداف المقدسة في مثل هذه الحالات هو العمل الجهادي، ولابد من وجود مواصفات ومقومات في العمل الجهادي؛ ليكون قادراً على تحقيق الأهداف، وهذه المواصفات تتمثل بالنقاط المهمة التالية: الأولى: ان تتحمل الأمة والشعب المسلم في الداخل مسؤولياته تجاه عملية التغيير، ويكون هو المسؤول عنها، ويكون دور القيادة السياسية الشرعية، التخطيط والإسناد واتخاذ القرار في القضايا الرئيسية العامة، والإدارة العامة للعمل. الثانية: الاعتماد على الله تعالى، والذات وإمكانات الشعب الداخلية، وتعبئتها وتطويرها في طريق الجهاد، فان هذه الإمكانات مهما كانت محدودة فهي أكبر من الإمكانات الموجودة في الخارج،وعلى الإخوة في الخارج ان يكونوا الصوت الذي يوصل موقف، ونداء المجاهدين للرأي العام الدولي، وان يبقوا بدور الدعم والإسناد لهذه الإمكانات بما يتيسر لهم من قدرات، ولابد للمجاهدين ان يعملوا بكل طاقاتهم من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي والاعتماد على الله تعالى والنفس. الثالثة: تنظيم قدرات وطاقات هذا الشعب؛ ليخوض المعركة جهادياً من خلال المجموعات الجهادية السياسية، والإعلامية، والثقافية، والقتالية والمدربة والمضحية، وكذلك من خلال بناء الخلايا الصغيرة التي تعتمد على الله تعالى والذات، وامكاناتها المحلية في المدن والأرياف، وان يكون الأساس في تنظيم الطاقات البشرية هو الكيف والعلاقات الطبيعية(1)، والكتمان والسرية في العمل الخاص، والتوعية العامة للأمة، وتعبئتها حول الأهداف والشعارات والحقوق الرئيسية لها، والتزام منهج ( المركزية) في القيادة السياسية الدينية العامة، و(اللامركزية) في التنفيذ والابتكار والتشكيل. الرابعة: التعاون مع القوات المسلحة، مثل: أبناء الجيش العراقي المخلصين، وأفراد قوى الأمن الداخلي الواعين؛ للمشاركة في العمل الجهادي، والاستفادة من قوة الجيش وقدرته بحيث يتكامل عمل المجاهدين تدريجياً مع عمل المخلصين من أبناء الجيش العراقي والقوات المسلحة. الخامسة: التعاون مع أبناء العشائر التي تمثل طاقة قتالية وجهادية، وشعبية هامة،والاهتمام بها ورعايتها ثقافياً وسياسياً وجهادياً وتطوير العلاقة معها، وكذلك مع الأوساط الشعبية المؤثرة كالطلاب، والعمال، والفلاحين والمثقفين. السادسة: السعي لإيجاد وحدة موقف عام سياسي، وجهادي تجاه النظام لجميع فئات وطبقات الشعب العراقي بقومياته وجميع طوائفه واتجاهاته، وذلك من خلال طرح الشعارات العامة المشتركة، وتبني مصالح العراق وشعبه ومشاركة الجميع في ميادين العمل السياسي والاجتماعي. السابعة: القيام بعمل سياسي واسع على المستوى الإقليمي، والدولي وهذا ما تتحمله القيادة السياسية الشرعية، ويساهم فيه جميع العراقيين، ولاسيما الإخوة العراقيين في الخارج. كل ذلك من اجل تحقيق الأهداف التالية من وراء هذا العمل السياسي: أ) إيصال صوت ونداء المجاهدين إلى الرأي العام العالمي. ب) إسناد ودعم حركة الشعب العراقي؛ من اجل إيجاد التغيير الحقيقي مادياً ومعنوياً. ج) توضيح الصورة والرؤية حول أهداف وحركة الشعب العراقي في التغيير ورفع الشبهات التي تثار حول هذه الحركة وتوضيح الحقائق، والعمل على تعبئة الأمة روحيا ومعنوياً، وبيان واجباتها في تحمل المسؤولية الشرعية والانسانية. د) كشف المخططات والنشاطات المشبوهة، أو المعادية لأهداف الشعب، والتي تحاول إبقاء النظام لمصالحها الخاصة، أو تعمل من أجل ايجاد تغييرات صورية وسطحية وهامشية في العراق. هـ) بيان حقيقة ان النظام لا زال يشكل تهديداً حقيقياً للأمن والسلام في المنطقة بالإضافة إلى تهديده للشعب العراقي، ومقوماته، والعراق ومقدراته. و) بيان حقيقة الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب العراقي؛ بسبب سياسات النظام الإجرامية والتعسفية. الثامنة: وضع خطة شاملة ومتكاملة للتغيير(2) تعتمد على فكرة التكامل في العمل بين الجهد القتالي، والجهد السياسي والثقافي والإعلامي،والعمل على توفير الظروف المناسبة لتنفيذها ومتابعتها اعتماداً على الله تعالى، وطاقات وامكانات الشعب العراقي، والقوى الخيرة المساعدة للشعب، ويجب ان تقوم القيادة السياسية الشرعية بوضع هذه الخطة، وتشخيص خطواتها العامة، وتدعو الأمة إلى تطبيقها والالتزام بها وتتابع تنفيذها. التاسعة: اتخاذ القرارات والمواقف الجهادية السياسية العامة المتجددة، ورسم الخطوات العامة للتحرك والعمل اليومي،وهذا من القيادة السياسية الشرعية أيضا. أما التفاصيل اليومية للعمل والتخطيط للتنفيذ فهي من مسؤوليات المجموعات والتشكيلات الجهادية القتالية والسياسية وقياداتها الميدانية في الداخل أو في الخارج. (1) العلاقات الطبيعية: مثل الأرحام، أو الزمالة الدراسية، أو الصداقات القديمة، وأمثال ذلك..(المؤلف). (2) في هذا الكتاب توجد بعض معالم هذه الخطة، كما توجد بعض معالمها الأخرى في إصدارات أخرى وتوجيهات خاصة..(المؤلف). السياسات العامة التي يجب الالتزام بها لتحقيق الأهداف ومن اجل أهدافنا المقدسة، وإيجاد مقومات العمل الجهادي، ونقل المواجهة والصراع مع النظام إلى عقر داره،لابد من الالتزام وتأكيد النقاط التالية: أولا: التمسك بالصبر والتحمل، والاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه عز وجل وتحمل المسؤولية،وعدم الاتكال على الآخرين فيها. ثانياً: الاعتماد والثقة بالنفس، وامكانات وطاقات الأمة في الداخل والخارج،وعدم الاتكال على فكرة التغيير الوارد من الخارج،وكونوا أيها المؤمنون على ثقة، ان الله معكم، وسوف ينصركم مهما بدت الفرص للمجاهدين محدودة وقليلة، فان الأمة والشعب أقوى من الطغاة مهما تجبروا،وعدم اليأس من روح الله تعالى، والتفاؤل والامل بالمستقبل. ثالثاً: البقاء في العراق مهما أمكن، وعدم نسيان الأهل والقضية من المهاجرين، والتمسك بالأرض والوطن والبلد وعدم الهجرة إلا في حالات الضرورة القصوى، فان المعركة في الداخل وليس في الخارج،والخروج الان بدون مبرر ضروري يشبه الفرار من الزحف،فما لم يتبين الانسان موقعه العملي في هذه الهجرة، وعمله الخاص في الغربة فان ذلك غير مشروع قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(1). فلابد ان يكون المهاجر متحرِّفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة مجاهدة في عمله وإلا فهو فرار يستحق العذاب والغضب الإلهي. رابعاً: التفتيش المستمر عن الوسائل، والأعمال الجهادية، والسياسية، مهما كانت بسيطة وصغيرة؛ لاستمرار النشاط الثقافي والسياسي والإعلامي والجهادي في الداخل، والتعبير عن الرفض لهذا النظام في كل هذه النشاطات حسب مداليلها الخاصة،وبذل كل الجهود الميسورة التي يملكها الانسان. خامساً: الاهتمام بموضوع المطالبة بالحرية، والحقوق المدنية والسياسية والثقافية والدينية للمواطنين وممارسها بالقدر الممكن والمطالبة بالمساواة بينهم، وخصوصاً للجماعات التي تعرضت إلى الظلم والتمييز، كالشيعة والأكراد والتركمان، وعدم السكوت عن ذلك، وإيجاد الوعي العام لهذه الحقوق. سادساً: التأكيد على ان النظام هو المسؤول الأول والأخير عن جميع الأوضاع المأساوية التي يعيشها العراق اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وامنياً وصحياً وأخلاقيا وتثقيفياً، وعدم إعطاء الفرصة للنظام بإلقاء اللوم على الآخرين، أو إبعاد الأنظار عن تحمله للمسؤولية؛ فان النظام هو الذي مكّن الأجانب من التدخل في العراق، وأعطاهم هذه الفرصة فاستغلوها، فهو مسؤول بشكل مباشر عن هذه الآلام والأوضاع. سابعاً: إبقاء الصلة القوية بالقيادة الدينية السياسية – والثقة بالله تعالى – وبإخلاصها، وصمودها وصبرها واستعدادها للاستمرار في المواجهة والقتال، ومن ثم قيامها بمسؤولياتها في الهجرة حتى يتحقق النصر الإلهي، والوفاء بالعهد والميثاق مع أرواح الشهداء وجميع المخلصين. ثامناً: الإخلاص في العمل لله تعالى، وتوفير نيّة القربة في كل الخطوات التي يقوم بها المجاهدون، والالتزام بالحدود الشرعية والأوامر الإلهية، والتورع عن المحرمات والشبهات، فان الأساس في كل عملنا هو هذا الإخلاص وهذه القربة وهدفنا هو رضا الله تعالى وثوابه وأجره. تاسعاً: إلتزام الأخلاقية الإسلامية في العلاقات الاجتماعية مع الناس بشكل عام وبين المؤمنين بشكل خاص، والموقف الحازم مع المنافقين والملحدين،والتي تقوم على أساس قاعدة (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين)(2) (أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ)(3) والتعاون بينهم على البر والتقوى، والوحدة بين المجاهدين أنفسهم؛ فان لهم قضية واحدة، كما ان عدوهم واحد مهما اختلفت الأسماء والعناوين، وهو صدام وأزلامه. ان قضية الولاء لله وللرسول والمؤمنين، والبراءة من أعداء الله من الكافرين والمنافقين من القضايا التي تسري مع الانسان في عقيدته، وسلوكه الجماعي والشخصي، ومواقفه السياسية والاجتماعية، فلابد ان يلتفت إليها المجاهد بشكل خاص. فالولاء بالأصل إلى الله تعالى والبراءة من الشيطان والطاغوت. وتفرع عن ذلك الولاء إلى المؤمنين: (الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)(4) وكذلك البراءة من أعداء الله والكافرين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ)(5). وقال الله تعالى: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(6). لذا لابد من المحافظة على الولاء للمؤمن وتقديمه على جميع الولاءات والعلاقات الأخرى، وتطوير العلاقة بين المجاهدين المؤمنين إلى حد تصبح الجماعة مصداقاً من مصاديق التعاون على البر والتقوى ورفض التعاون على الإثم والعدوان، وان يكون الحاكم بين المجاهدين الخُلق الإسلامي الرفيع من التناصر، والتراحم والآيثار والمحبة، والآداب الإسلامية العالية من التراحم المتبادل والمداراة وسعة الصدر والصدق في المعاملة والحرص على المصلحة الإسلامية. عاشراً: فتح باب التوبة الحقيقية للآخرين في وقتها المناسب (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً)(7) وفتح باب الهداية لهم؛ فان مهمتنا هي هداية الناس وإصلاحهم، وفي الوقت نفسه لا يصح التهاون مع الأعداء الحقيقيين للإسلام وللأمة، أو المجرمين الذين تلطخت أيديهم بدماء الناس والمؤمنين، إلا ان يتوبوا توبة نصوحاً. كما انه يجب الحذر الشديد من المندسين والمنافقين،وكتمان الأسرار عنهم، وعدم فسح المجال لهم في ان يمسكوا مفاتيح العمل ومفاصله، فان هذا الكتمان والحذر من الواجبات الشرعية، وهو من الدين والإيمان فان ((لا إيمان لمن لا تقية له))(8) وعن الامام الصادق(عليه السلام): ((التقية ديني ودين آبائي))(9). كما يجب كتمان أسرار العمل عن كل شخص، حتى لو كان صالحاً إذا لم يكن له دور في ذلك العمل. الحادية عشرة: الاهتمام بالمرأة، وإعطاها دورها في العمل الجهادي والسياسي، فان الواجبات الإسلامية العامة لا تختص بالرجال كما هو الحال في الصلاة والصوم والزكاة والحج، فالجهاد واجب على المرأة كما هو واجب على الرجل، إلا في حالات خاصة من القتال يذكرها الفقهاء. والالتزام بالأحكام الشرعية وقيامها بواجباتها سواء الشرعية أم تجاه بيتها والأسرة والأطفال، ودعمها للعمل الجهادي والمحافظة على الخلق الإسلامي في العفاف والحجاب والتقوى. الثانية عشرة: الاهتمام بالشباب ورعايته، وخصوصاً الطلبة، والعمال، والفلاحين، والكسبة، والجنود منهم؛ ليقوموا بواجبهم الشرعي والانساني تجاه عملية التغيير في العراق والانقاذ من هذه المأساة الكبيرة، فان الطاقات الشابة هي أمل المستقبل كما انها تمثل القوة الفاعلة في ساحات العمل والجهاد. الثالثة عشرة: الاهتمام بالثقافة الإسلامية، وتعلُّم الأحكام الشرعية، وتداول المعارف الإلهية، وتصعيد الروح المعنوية بالعبادات والدعاء والتزام مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي يبدأ به الانسان بالاقربين فانهم أولى بالمعروف، كما يلتزم بالتدرج بمنهج الحكمة والموعظة الحسنة، واستخدام كل الوسائل المشروعة والممكنة؛ فان هذا المبدأ هو الحافظ للشريعة، كما ان الالتزام به يكون سبباً لنزول الرحمة الإلهية والعناية الربانية والنصر المؤزر. الرابعة عشرة: الانتباه إلى ضرورة ان يكون الشيعي التابع لأهل البيت (عليهم السلام) القدوة الحسنة للآخرين من أبناء المذاهب، أو الطوائف والأديان في الاحتفاظ بالعلاقات الحسنة والمداراة والتعاون والخلق الحسن، والدفاع عن الحق، وتوضيح الحقائق وتحمل المسؤولية والصدق والإخلاص، وأداء الأمانة والوفاء بالعهود والمواثيق. الخامسة عشرة: النصر ومستلزماته وهناك حقيقة لا يصح ان تغيب عن أذهان المجاهدين مطلقاً، وهي ان النصر بيد الله ومن عند الله تعالى (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)(10) لان القدرة المطلقة هي لله. وان الله تعالى خبير بصير عليم بعباده. كما ان الله تعالى حكيم يرى المصالح القريبة والبعيدة ويرى لعباده الصالحين خيراً ((ولعل الذي أبطأ عني هو خيرٌ لي لعلمك بعاقبة الأمور))(11) وقال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى ان تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى ان تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَانتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(12). كما ان الله تعالى رؤوف رحيم يحب الصابرين والتوابين والمتطهرين. فالأمر كله بيد الله وقد أحاط علمه بكل الأشياء، وإذا تأخر النصر فهناك مصالح خفية قد لا ندركها، ولابد لنا من اداء وظيفتنا وواجباتنا والباقي على الله تعالى. وهذا النصر مشروط بما نبذله من جهد وعناء، وما نبديه من صبر وتحمل، واستقامة وصمود. قال تعالى: (ان الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي انفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ)(13). وهذا النصر مشروط بجهودنا وجهادنا وعملنا الدائم المستمر، والصبر و التحمل. قال تعالى:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَان اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)(14). كما ان هذا النصر لا يتحقق إلا بعد الآلام والمعاناة والبأساء والضراء، والزلزال والتمحيص، والتمييز والتضحية والشهادة. قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ ان تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا ان نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)(15). وقال تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَانتُمُ الأَعْلَوْنَ ان كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * ان يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ ان تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)(16). ولذا فالإنسان المجاهد، وكل أبناء الشعب والأمة عليهم ان يبذلوا جهودهم وما في وسعهم لأداء تكليفهم وواجبهم الشرعي في الجهاد، ووظيفتهم الشرعية في القتال، وبذل الجهد والعمل المتواصل، والباقي على الله تعالى، وهو القوي العزيز الخبير البصير الرحيم، وهو نعم المولى ونعم النصير، فانه قد وعدنا النصر أن عاجلاً أم آجلاً. ? (ان تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)(17)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(18). السادس عشرة: معنى النصر، ولابد لنا معرفة ان معنى النصر والغلبة والفتح لا ينحصر بالوصول إلى الحكم والسلطة،وانما للنصر مراتب ودرجات وأشكال متعددة؛ ولذلك نجد الإمام الحسين (عليه السلام) قد انتصر على (يزيد) بالرغم من ان الإمام الحسين (عليه السلام) لم يصل إلى السلطة، وقُتل أهل بيته وأصحابه في كربلاء، وهكذا الكثير من الأنبياء والمرسلين، والأئمة والصالحين مع ان الله تعالى قال: (انا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)(19). ان هذا النصر قد يكون الغلبة وسقوط الطاغية بالفعل والوصول إلى الحكم والسلطة للمؤمنين والصالحين، كما حصل ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في نهاية المطاف والمعركة. وكما حصل للإمام الخميني (قدس سره) في هذا العصر. وقد يكون هذا النصر بهزيمة الضلال وانتصار الهدى، وبقاء الخط الأصيل في المعركة، واستمراره، وانتشاره، وزهوق الباطل وخذلانه (قُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ان الْبَاطِلَ كَان زَهُوقاً)(20). وهذا النوع من النص هو النصر الحقيقي؛ فان الحكم ليس هدفاً للإنسان المؤمن، وإنما هو وسيلة لتحكيم الحق وإجراء العدل، والإصلاح والصلاح بين الناس، وإنما نسعى إليه لهذه الغاية النبيلة. ولا شك ان هذه التضحيات الغالية في العراق، وفي كل الأرض الإسلامية، وشهادة العلماء والمجاهدين والصالحين، وفي مقدمتهم الشهيد الصدر والعلماء من آل المرجع الكبير (الإمام الحكيم) والعلماء الأعلام أمثال السيد(قاسم المبرقع) والشيخ (مهدي السماوي) والشيخ (عارف البصري) والسيد (عماد الدين الطباطبائي) وغيرهم من خيرة أبناء الشعب العراقي، لاشك ان لهذه الشهادات أثرها الكبير في المسيرة، حيث كانت سبباً في هداية الناس، وتوعيتهم على الحقيقة،وفي عزل الطاغية وإضعافه أمام الأمة، وإفشال مخططاته الجهنمية في الإفساد والضلال والكفر، والانحراف إلى غير ذلك من النتائج والآثار المشهودة والملموسة التي يشاهدها الانسان في كل مكان من العراق والبلاد الإسلامية. ومن أهم هذه الآثار هو وجود روح الجهاد وبقاء المقاومة، والعزة، والكرامة، والمطالبة بالحرية والاستقلال وبالحقوق السياسية والمدنية – خصوصاً للأغلبية المظلومة والمحرومة، وهم أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في العراق – وكذلك بوعي الأمة، ان الأمن والاستقرار والرفاه لا يتحقق بالفساد، وكثرة الأموال والضلال، وإنما يتحقق بالعدل والإنصاف والمساواة والإصلاح. كما ان من الآثار الواضحة لهذه التضحيات، ما نراه من هذا الإقبال الواسع للناس، وخصوصاً الشباب من الفتيان والفتيات إلى الله تعالى، وإقامة الشعائر الإسلامية، والتلهف على المعرفة الدينية، وحضور مراسم الزيارة ومراسم العبادة، والاستعداد للتضحية والفداء من أجل الإسلام. كل ذلك بعد ان حاول النظام بشتى الوسائل مسخ هوية الشعب العراقي، وإبعاده عن الإسلام، وشعائره، وثقافته، وأخلاقه فكانت الهزيمة للطغاة والنصر للإسلام. (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ان الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * ان فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(21). (8) الكافي: 2: 218، باب التقية: ح5 (9) بحار الأنوار: 72: 411: ح61 (11) مفاتيح الجنان: دعاء الافتتاح حدود المنهج الذي نتبناه في العراق ماذا نتبنى في ساحتنا العراقية؟. أولا: لابد ان نعرف انا ننطلق من مبادئ وقواعد في عملنا، تمثل المنهج الذي نسير عليه، وهذه المبادئ هي: أ) الموقف الشرعي في أداء التكليف الإلهي في مقاومة الطغيان والاستبداد، والذي نستلهمه من موقف سيدنا ومولانا الإمام الحسين(عليه السلام)، ومن مواقف علمائنا ومراجعنا العظام، وفي عصرنا الحاضر من مواقف الإمام الخميني (قدس سره)، وكذلك من مواقف الإمام الخوئي (قدس سره) في انتفاضة الخامس عشر من شعبان، ومن موقف الإمام الشهيد محمد باقر الصدر، الذي فجر الثورة الإسلامية في العراق، وكل ذلك؛ لاننا مسلمون ملتزمون بالإسلام وبمبادئه، ولابد ان يكون لدينا تكليف شرعي نسير عليه. ب) التمسك بالإسلام وأصوله العامة؛ لان الشعب العراقي – بصورة عامة – شعب مسلم، بعربه وكرده وتركمانه، وسنته وشيعته، وحتى الأقليات الدينية الموجودة في العراق هي أقليات عاشت في ظل الإسلام، وفي المجتمع الإسلامي، ولابد لها ان تسير في هذا الإطار الإسلامي. ج) الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) فان الولاء لهم، وللعلماء والمراجع والحوزة العلمية، وهو مبدأ الإسلام الذي يعتقد به جميع المسلمين، وكان ملازماً لتاريخ العراق منذ الصدر الأول للإسلام، حيث كان العراقيون يوالون أهل البيت (عليهم السلام)، ويحبونهم ويقيمون شعائرهم، وهذه الحقيقة لا يمكن التنازل عنها. د) المطالبة بالحقوق الإنسانية المشروعة لجميع أبناء الشعب العراقي، لاسيما المظلومين منهم، والدفاع عن هذه الحقوق المدنية، والثقافية، والسياسية التي صادرها النظام، وانتهك الحرمات دون تمييز بين سنة وشيعة، وبين عرب وكرد وتركمان، فالنظام انتهك جميع حقوق أبناء الشعب العراقي. ثانياً: أننا نلتزم بالخطوط التالية في مسيرتنا وعملنا، وهذا هو مشروعنا الإسلامي في مقابل المشاريع الغربية، وفي مقابل المشاريع الانحرافية والتضليلية، ونحن لدينا مشروع إسلامي هذه خطوطه: الأول: الإيمان بالغيب والقدرة الإلهية العظمى، التي لا تشبهها قدرة، وبها يتحقق النصر والغلبة بإذن الله تعالى. الثاني: الإرادة الإنسانية القوية الصابرة الثابتة المؤمنة المعتمدة على النفس، وعلى الثقة بالله تعالى، فان التغيير لا يتحقق إلا من داخل النفس، ومن داخل هذه الجماعة (ان اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِانفُسِهِمْ)(1). الثالث: تعبئة الأمة – بكل قطاعاتها – ووحدة كلمتها ووحدة الصف في هذه الأمة، ووحدتها في أهدافها العامة وفي همومها، وتنظيمها، وتوعيتها سياسياً، وثقافياً، فالأمة هي أداة التغيير، وهي الهدف من التغيير والإصلاح. الرابع: الالتزام بالمقاومة بكل أشكالها المسلحة، والمدنية، والسياسية، والثقافية، وإسنادها بالعمل السياسي والإعلامي، بما يتناسب مع ظروف العراق. الخامس: ان هدفنا من التغيير ليس السلطة والحكم، وانما هدفنا الإصلاح في اُمة رسول الله، وإصلاح الشعب العراقي. هذا هو هدفنا، وهو الإصلاح الحقيقي لا الشكلي والصوري الذي تسعى له القوى الأجنبية، أو الذي تسعى له الأطروحات التضليلية والانحرافية، فهدفنا ان يكون هناك تغيير حقيقي في العراق، والرجوع إلى الأمة في الحكم والإرادة في إطار الإسلام والمبادئ الإنسانية العامة، والالتزامات الدولية والحقوق المتبادلة في عالمنا اليوم. (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ)(2). توضيح معالم مشروع المعارضة العراقية في المرحلة الحاضرة لقد كانت ظاهرة المعارضة – التي تدعو إلى إسقاط النظام في العراق – عميقة الجذور في الحركة السياسية للشعب العراقي؛ وذلك بسبب وجود ظاهرة الحكومات المستبدة، والأنظمة الجائرة التي حكمت التاريخ السياسي في العراق في ما بعد الحرب العالمية الأولى. ولهذا السبب شهد العراق في تاريخه الحديث التحولات الكبيرة والواسعة، والانتفاضات العسكرية، أو الجماهيرية مما أدى إلى سقوط الحكم الملكي والقاسمي والعارفي، وشهد الحكم العفلقي في العقود الثلاثة الأخيرة محاولات عديدة للإطاحة به، كما توسعت دائرة المعارضة، وتطورت إلى ان تحولت إلى مقاومة شعبية مسلّحة في الشمال (كردستان) والجنوب، فشملت مختلف الطبقات والقوميات والقوى السياسية في العراق. وكانت انتفاضة شعبان 1411هـ – آذار 1991 تعبيراً واضحا عن هذه الحقيقة التي اشترك فيها العرب، والكرد، والترك، والجيش، والشعب، وأبناء العشائر والمدن وجميع القوى السياسية، ولاسيما القوى الإسلامية والكردية بصورة واضحة. لقد كان للقوى السياسية الإسلامية، والقوى الكردية دور متميز في مجال الكفاح المسلّح، وتنظيم القوى الشعبية، وشاركتها في ذلك القوى القومية، وبقية القوى الديمقراطية مساندة وداعمة، وعبـرت عن موقفها الثابت الموحد، وإصرارها على تغيير الأوضاع السياسية في العراق بصورة أساسية في مناسبات عديدة، منها: مؤتمر نصرة الشعب العراقي المنعقد في طهران سنة 1985، ومذكرة لجنة العمل المشترك في دمشق نهاية سنة 1990، ومؤتمر بيروت سنة 1991، ومؤتمر صلاح الدين 1992، واللقاء التداولي في دمشق سنة 1996 وغيرها من المناسبات. وبذلك يصبح من الواضح ان المعارضة العراقية حقيقة متجذرة، وقوية، وموحدة وظاهرة ثابتة في الساحة السياسية العراقية، وليست قضية طارئة تنفعل بهذا الحدث، أو ذاك، أو تستجيب لهذا النداء، أو تتأثر بهذا القرار. والساحة السياسية العراقية وان أفرزت بسبب تطور الظروف والأحداث المزيد من القوى المعارضة التي اتخذت أسماء ومسميات متعددة، ولاسيما بعد حرب الخليج الثانية، وهو شيء طبيعي في الحركة السياسية المتنامية الواسعة من ناحية، ووضوح استبداد النظام واستهتاره بكل القيم والموازين من ناحية أخرى، وضعفه وتفككه من ناحية ثالثة. إلاّ ان ذلك لا يعني ان المعارضة الحقيقية للنظام، التي قدمت الآلاف من التضحيات، وسجلت المئات من المواقف المشرفة، وضمَّختها بالدماء والآلام هي وليدة مثل هذه الأحداث. وقد كان للمعارضة – في كل هذه الأحوال – مشروعها الخاص الأصيل الثابت في خطوطه العامة، والمتحرك في أساليبه وفي معالجته للتطورات، وقد كانت ولازالت تواصل عملها في تنفيذ هذا المشروع، وتتقدم به خطوة أو خطوات يوماً بعد آخر؛ لإنقاذ العراق وشعبه من آلام الاستبداد والتسلط، ولتحقيق مصالح الشعب العراقي في الحرية، والاستقلال، والعزّة، والكرامة، والأمن، والاستقرار والرفاه، ولإيجاد الأمن والاستقرار لكل شعوب المنطقة، وإخراج العراق من عزلته. ان محاولة اتهام المعارضة بالتبعية لهذه الدولة الإقليمية أو تلك، أو لهذا القرار الدولي أو القوة الدولية أو تلك، أو محاولة اتهامها بالتفرق والتمزق، أو محاولة اتهامها بالغربة والانعزال عن الشعب العراقي، أو محاولة اتهامها بالنوايا السيئة على حساب مصلحة العراق والمنطقة، ان هذه الاتهامات جميعها، إما أنها مغرضة تنطلق من النظام وأجهزته وعملائه، أو القوى السياسية الإقليمية، أو الدولية التي تقف بالضد من هدف التغيير في العراق، أو تنطلق من الأوساط التي تتسم بالجهل وعدم الإطلاع على الواقع السياسي والشعبي للأمة في العراق، وبالمواقف التي تلتزم بها القوى الحقيقية للمعارضة العراقية، وتتجاوب مع هذه الاتهامات أوساط عامة منفعلة بالتضليل. ان عمليات تضليل واسعة غير شريفة تقوم بها أجهزة تضليل ساهمت فيها قوى دولية وإقليمية وداخلية – وكان للنظام دور أساسي فيها – هدفها تشويه حقيقة الجهاد السياسي والإنساني والشرعي الذي يخوضه شعبنا من أجل الخلاص والحرية والأمن والاستقرار. وكانت آخر هذه المحاولات محاولة ربط مشروع المعارضة الأصيل في تغيير الأوضاع السياسية في العراق بصورة أساسية، ببعض القرارات، أو المواقف والمشاريع التي اتخذتها بعض القوى الدولية كـ(الولايات المتحدة الأمريكية) و(بريطانيا)، أو (المجتمع الدولي) تجاه النظام العراقي، الذي يوجد إجماع قاطع دولي، وإقليمي على انه نظام مستبد، ومتمرّد على القرارات الدولية، ومستهتر بالقوانين والمواثيق والمعاهدات. أو محاولة التعتيم على المشكلة الأساسية في العراق، وهي وجود نظام مستبد لا يمثل الشعب العراقي بطرح مشاكل النظام مع الأمم المتحدة، أو القوى الخارجية بشان أسلحة الدمار الشامل، وتهديده لبعض دول الجوار. وقد قلنا منذ البداية: ان معركة الشعب العراقي مع النظام من أجل الخلاص هي معركة شريفة؛ لأنها معركة من أجل الحرية، والعدالة، والاستقلال، والأمن، والاستقرار، وهي من أجل العراق وشعبه، ومن أجل بلدان المنطقة وشعوبها. وهذه المعركة لها أهدافها ووسائلها، وضوابطها، ومقوماتها، وقواها الأصيلة التي تعتمد بالدرجة الأولى على (الله تعالى) وطاقات الشعب العراقي وإمكاناته وتضحياته، ولابد ان يتحمل مسؤوليتها الشعب العراقي نفسه، ويسانده فيها كل المخلصين من أبناء الشعوب العربية والإسلامية، وذوي الضمائر الحية في الرأي العام العالمي. كما يتحمل المجتمع الدولي والأمة الإسلامية والعربية، ولاسيما دول الجوار، المسؤولية الكاملة تجاه هذه المعركة كل حسب موقعه ومسؤولياته، فالشعب العراقي تعرض إلى الدمار والمحن والآلام على يد النظام وحماقاته، الذي كان قد حصل على دعم واسع من بعض القوى الدولية والإقليمية في الماضي القريب؛ لأغراض سياسية سيئة، وأصبح بسبب ذلك محكوماً بقرارات الأمم المتحدة. كما أن الشعب العراقي شعب عربي مسلم – بصورة عامة – وهو جزء من الأمة الإسلامية، وهو عضو في الجامعة العربية، وفي منظمة المؤتمر الإسلامي، وشعب مجاور للشعوب العربية والإسلامية، وفي منطقة جغرافية مهمة وحساسة جداً، وعليها ان تتحمل مسؤوليتها في مساعدته على الخلاص من محنته من هذا النظام الوحشي المدمّر. وهناك معركة أخرى يخوضها المجتمع الدولي والدول الإقليمية، ولاسيما المجاورة للعراق، للضغط أو التخلص من هذا النظام؛ لانه نظام متمرد على المجتمع الدولي، ومستهتر بالقوانين، وارتكب المحرمات الدولية، وانتهك المواثيق والعهود الدولية بصورة لم يسبق لها نظير، ولا يمكن ان تقاس بأي حالة أخرى من حالات الخرق للقوانين والعهود في العصر الحاضر، وشن الحروب على جيرانه، واحتل الأراضي وهدد الشعوب، واستخدم الأسلحة التدميرية بصورة واسعة فضلاً عن امتلاكها، واستخدم الإرهاب الدولي، والإبادة الجماعية، وتدمير البيئة، والدروع البشرية، كوسائل أساسية في سياساته. ولهذه المعركة أيضاً مقوماتها ووسائلها وأهدافها وقوانينها وضوابطها. والمعركتان وان كانتا تلتقيان – أحياناً – في هدف واحد، وهو التخلص من هذا النظام السياسي الوحشي والمدمر، كما قد تلتقيان في هذا الموقف، أو ذاك، أو هذا الأسلوب أو ذاك، إلا ان إحداهما غير الأخرى، ولا يصح بأي حال ان تصبح المعركة الأولى الشريفة الأصيلة النظيفة بكل وسائلها والمقدسة في أهدافها تابعة للمعركة الثانية التي اختلطت فيها الصور والأهداف والوسائل. أننا ومن أجل توضيح المعالم الحقيقية لمشروع التغيير في العراق الذي تتبناه المعارضة الحقيقية، وهو مشروع الشعب العراقي بقواه الأصيلة المجاهدة والمضحية، نشير إلى مجموعة من الأسس والسياسات والمناهج التي يتقوّم بها هذا المشروع: 1. النظام العراقي هو المسؤول الأول عن جميع الأوضاع المأساوية الداخلية السيئة التي يعيشها الشعب العراقي، وكان له دور أساس في الأوضاع المأساوية التي تعيشها شعوب المنطقة – أيضاً – في الوهن والفرقة والضعف، كما أوجد الفرص والذرائع في حضور، وتدخل قوى التسلّط والهيمنة والاحتلال في المنطقة. 2. ان تغيير النظام السياسي في العراق هو العلاج الوحيد والأساسي لكل هذه المآسي والآلام في داخل العراق والمنطقة، وبدون ذلك سوف يواجه الشعب العراقي والمنطقة استمرار الآلام والمحن والاضطراب، والفرقة وتهديد الأمن والسلام؛ لان طبيعة النظام وشخصية رأس النظام الذي يمسك بكل مقدرات النظام تفرض هذه النتائج والآثار، كما دلّت على ذلك التجارب العديدة السابقة. 3. الشعب العراقي هو المسؤول الأول عن القيام بعملية التغيير في العراق، انطلاقاً من أهدافه في الحرية، والاستقلال، والعدالة، والأمن، والاستقرار، ولابد ان تصب كل الجهود الخيرة في إسناد ودعم حركة الشعب العراقي، وحمايته من أجل الخلاص. 4. ان الخطاب السياسي، الذي نرى اعتماده في هذه المرحلة، والتأكيد عليه ويعبر عن المبادئ الثابتة التي نؤمن بها، ويحاول النظام والأعداء التشويش عليها هو ضمن الخطوط التالية: أ) وحدة الشعب العراقي شيعة، وسنة، وعرباً، وكرداً، وتركماناً، والجيش والمقاومة وبقية أبناء الشعب، وهذا هو التعبير الصحيح عن وحدة القوى السياسية الحقيقية في داخل العراق وخارجه، بعد ان أصبح الشعب العراقي بكل فئاته وطبقاته معارضاً للنظام. ب) وحدة العراق حكومة، وأرضاً بصورة لا تقبل الجدل، وضرورة العمل الجاد على الوصول إلى صيغة لإدارة البلاد تكفل الحقوق المشروعة السياسية والثقافية والمرئية لجميع القوميات، والمذاهب والأقليات ولاسيما للأخوة الكرد والشيعة، كما أكدتها البيانات والعهود التي وقعتها قوى المعارضة العراقية في مؤتمراتها العامة، هذه الحقوق التي استباحها النظام المركزي الشمولي المتسلّط على العراق. ج) التعددية السياسية، والقومية، والمذهبية ضمن الوحدة الوطنية، والأخوة الإسلامية، وتكافؤ الفرص، وتبادل الإدارة المنتخبة عن طريق الاقتراع بالآراء. د) إسقاط النظام ضرورة؛ لتحقيق الحرية، والاستقلال، والعدالة، والاستقرار، والأمن، ولمصلحة الشعب العراقي بالدرجة الأولى، ولشعوب المنطقة كلها. هـ) بناء علاقات حسن الجوار، والثقة مع الدول المجاورة على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بالمواثيق والعهود، وقرارات الأمم المتحدة، والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل. و) المطالبة دولياً تجاه القرارات الدولية بتقليص سيادة النظام، ووضع الرقابة الدولية عليه، والعمل على المحافظة على سيادة العراق والشعب والأمة؛ وذلك بفرض المزيد من الحصار على النظام، ومنح المزيد من الحرية، والسيادة للشعب، والمطالبة بحقوقه الأساسية، ومنها الأمن الغذائي، والسياسي، والاجتماعي. ي) تشخيص المطلوب من الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي، والدول الغربية، والدول الإقليمية ضمن قرارات الأمم المتحدة وتوصيات مؤسساتها الخاصة، ولاسيما ذات العلاقة بالبعد الإنساني، وهو– إجمالا– حماية الشعب العراقي من عمليات القمع التي يمارسها النظام ضده؛ لفرض وجوده السياسي بالقوة، وضمان الأمن السياسي، والحياتي للشعب العراقي. ويمكن وضع برنامج لهذا المطلوب يمنع الهيمنة الأجنبية، ويحمّل هذه الجهات مسؤولياتها السياسية والإنسانية والقانونية تجاه الشعب العراقي؛ وذلك بتوجيه الضغط السياسي، والإعلامي، والاقتصادي، وحتى العسكري على النظام، للكف عن استعمال الأسلحة الثقيلة في قمع الشعب، وتجويعه، واستعباده، ونهب أمواله، وتدمير البنى التحتية بهدف البقاء في الحكم. 5. وجود غطاء سياسي لحركة الشعب للخلاص، تتمثل في وحدة المعارضة العراقية التي تقوم على أساس المبادئ التالية: أ) ان الشعب العراقي في الداخل هو المعارضة الحقيقية الفاعلة، والقادرة على إيجاد التغيير في العراق. ب) اعتماد الخطاب السياسي الموحد للشعب وقواه السياسية والاجتماعية، والرؤية المستقبلية الموحدة للعراق بموجب النقاط السابقة. ج ) اعتماد منهج التغيير على أساس العمل الميداني في الداخل المدعوم سياسياً وإعلاميا ولوجستياً من القوى المعارضة الموجودة في الخارج. د) العمل على تشكيل نواة صلبة من المعارضة العراقية الحقيقية لها تأثير في داخل العراق، ولها علاقات ثقة متبادلة مع مختلف قوى المعارضة في الخارج، تتصف هذه النواة بالتعددية القومية والمذهبية والسياسية بصورة إجمالية، وتكون مسؤولةً بالدرجة الأولى عن العمل على توحيد موقف المعارضة بصورة إجمالية وعامة، والتنسيق لإدارة العمل الميداني، والسياسي والإعلامي، والمحافظة على وحدة الشعب العراقي، وأمنه في المستقبل. هـ) العمل على تشكيل تجمع سياسي واسع للقوى السياسية، يتفق على الأصول العامة للخطاب السياسي ورؤية المستقبل ومنهج العمل، وينسق مواقفه وأعماله في مواجهة النظام، من خلال اللقاءات والندوات، والحوار، والوسائل الأخرى الممكنة. 6. ضرورة الاستفادة من جميع قوى وطاقات الشعب العراقي الموجودة في الداخل، وتوحيد جهودها؛ لمواجهة النظام من أجل إيجاد التغيير في العراق، وهي طاقات قادرة على تحقيق هذا الهدف بإذن الله تعالى، إذا توفرت الظروف السياسية المناسبة، والإرادة القوية، والصبر والاستقامة، والاستعداد للتضحية والبذل والعطاء، والإسناد السياسي والإعلامي والعسكري المطلوب، بحيث تتولد (حركة شعبية منظمة تتعاون مع العناصر المخلصة في الجيش العراقي – وهي كثيرة – مدعومة سياسياً، ودبلوماسياً، ومعنوياً، وحتى عسكرياً عند الحاجة من المجتمع الدولي، وبغطاء قرارات الأمم المتحدة وتوصياتها، إذا تجاوز النظام هذه القرارات والتوصيات، مع دعم انساني من الدول المجاورة والمنظمات الدولية الانسانية). ان هذه المفردات الأساسية تشكل معالم المشروع الحقيقي، والأصيل للمعارضة المخلصة، وللحركة السياسية من أجل التغيير الصالح في العراق، وهي مفردات لها مصداقية على أرض الواقع، ولها تاريخها وثباتها وإرادتها، وتمثل معركة شريفة، ونظيفة في أهدافها ومنهجها ووسائلها، بعيداً عن التدخل الخارجي، أو التبعية للمشاريع الأخرى. |
|
|
|||